30 نيسان, 2008
مناورة تستحق خوضها
مناورة تستحق خوضهامحمود الريماوي*ليست جديدة الدعوات لاستئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية ولا حتى الاستعداد لإعادة هضبة الجولان. غير أن المثير في الأمر أن حكومة اليمين الجديد في تل أبيب (حكومة كاديما) ليست من الحكومات التي تؤمن بخيار السلام ومستلزماته. تشهد على ذلك الحرب التي شنت على لبنان صيف العام 2006 . ورفض تبادل الأسرى مع حزب الله . ورفض تبادل أسرى مع خاطفي الجندي جلعاد شاليت في غزة . والحرب الدائمة على قطاع غزة والضفة الغربية . وتحول المفاوضات مع الجانب الفلسطيني إلى مجرد مباحثات ، ونقاش شبه أكاديمي حول المفاهيم وهو ما حمل الرئيس بوش بعد استقباله للرئيس عباس قبل أيام في البيت الأبيض على القول بأنه أي بوش متفائل، بأنه سيتم التوصل الى تعريف للدولة الفلسطينية مع نهاية ولايته واختتام العام الجاري !. الراجح أن وراء هذه الدعوات مناورة كبرى وهو مما يبرع فيه السيد اولمرت ، الذي يستطيع وصف أعمال إبادة بأنها "جهود تبذلها حكومته لدعم المسيرة السلمية" . فهو يملك مخاطبة الآخرين بما يستهويهم كيما ينتزع ويمرر ما يريده .يعرف أن العالم أجمع لا السوريون فقط لا يرون سلاماً بغير عودة الجولان .فيسارع لطرح هذه الفكرة بما تثيره من مفاجأة كبيرة وإيجابية ، ويعمل على التو بعد أن تقابل خطوته بالارتياح لطرح مطالب خاصة به ، فإذا ما جرى رفضها يسعه القول إن السوريين لا يريدون السلام ولا حتى استعادة الجولان! . فيتحول الضغط (السياسي والمعنوي) حينئذ على الجانب السوري غير المتجاوب ، والذي لا يريد أن يؤدي ما عليه من استحقاقات.الوساطة التركية القديمة تبحث عن اختراق على جبهة المفاوضات المعطلة بين دمشق وتل أبيب .الأتراك يسعون للعب دور إقليمي، يقوم على تعزيز فرص الاستقرار وبث رسالة مفادها، أنه إذا كانت طهران تعين دمشق على التحضر للحرب أو رد عدوان اسرائيلي عليها، فإن أنقرة بوسعها شق الطريق نحو السلام وتجنيب المنطقة مخاطر المواجهات .تل أبيب تسعى من خلال ذلك لاستعادة زخم تعاونها العسكري والأمني الذي انخفضت وتيرته أو أنه أصبح بغير غطاء سياسي، في عهد حزب العدالة والتنمية بعدما تثبت تل أابيب أنها متجاوبة مع الجهود التركية . أما دمشق فتسعى خلال ذلك للاستفادة من هذه المعادلات لاستعادة أراضيها. وهو سعي مشروع بل مطلوب . المنتظر تبعاً لذلك أن يكون العنوان هو التخلي عن الجولا ن ، أما المضمون فهو وضع جملة من الاشتراطات التي يكون من شان تنفيذها استثمار حالة الاحتلال يإدامة النفوذ والمزايا في الهضبة وما حولها .وقد تسربت أنباء عن الوسطاء الأتراك تفيد بان تل ابيب ترغب ابتداء الخفاظ على مشروعات اقتصادية وسياحية أقامتها خلال العقود الأربعة الماضية ، وتمكن "الاسرائيليين " من الاستفادة منها ساعة يشاؤون وعبورها دون تأشيرة! .يراد هنا تكرار سابقة وادي عربة في الاتفاقية الاردنية الاسرائيلية التي تم بموجبها استئجار أراض ل25 ستة وتتجدد اتفاقية الاستئجار او لا تتجدد برضى الطرفين ينتهي مفعولها في العام 2020 ) . غير أن الأردن اضطر للموافقة على مضض على الاتفاقية لإنقاذ أراض في غرب البلاد كانت الوكالة اليهودية قد اشترتها من افراد منذ مطالع القرن الماضي . وقد تخلى الاسرائيليون عن تلك الأراضي ، مقابل استئجارهم لأراض في وادي عربة يرتفع عليها العلم الأردني.يراد تكرار شيء من ذلك على الجبهة السورية ،علاوة على اتفاقيات عسكرية وأمنية تفصيلية تحد وتبطل أية مواجهة في المستقبل وتحرم الطرف السوري من زمام المبادرة . علاوة على المطالب الكلاسيكية المتعلقة بعلاقة دمشق مع طهران وحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي.اللافت في الأمر أن ما يتم عرضه هو أشبه بصفقة ، وليس الاستعداد لاستئناف التفاوض وفق مرجعية محددة وجدول زمني متفق عليه . ذلك ما يتفق مع ما ذهبنا اليه في مستهل هذه المقالة ،بأن حكومة أولمرت لا تؤمن بأسلوب التفاوض الذي ينبىء بالندية والذي يضع السلوك "الاسرائيلي" تحت المراقبة .الأفضل هو التلويح بصفقة والضغط عن بُعد على الطرف الآخر ، فإما أن يقبل ويستجيب للضغوط وتتحقق الأهداف "الإسرائيلية" ، أو يرفض ويتحمل تبعة "تعنته" وتزداد الضغوط عليه .لدى دمشق خبرات متراكمة وقدرة متنامية على المناورة ، وهو ما يفسر التعاطي المبدئي "الايجابي" مع العرض الذي تقدم به وسطاء أتراك ،كما تنبىء تصريحات مسؤولين سوريين في الأيام الأخيرة . من شأن التقدم إلى الأمام في التباحث حول هذا العرض إشاعة مناخ سياسي جديد في المنطقة، يرفع الضغوط عن دمشق ، ويمنح أولوية لإنجاز حلقة جديدة وجدية من حلقات التسوية . قد يتم بذلك تبريد الملف اللبناني وإنجاز حل مجزوء وانتقالي يجنب البلاد شرور المزيد من التنازع.التباحث حول إعادة الجولان مفيد للغاية رغم محاذيره العملية، إذ يكرس محورية عودة الهضبة الى أصحابها كقاعدة لكل حل .ويؤسس لمفاوضات لاحقة على هذا الأساس، ويبث رسالة للمجتمع "الاسرائيلي" فحواها أن لا سلام مع دوام الاستيلاء على المرتفعات السورية .وحتى تاريخه فالأمر يدخل في باب المناورات , فتل أبيب ترغب أن ينتهي العام الجاري وقد أعطت انطباعاً قوياً بأنها سائرة على طريق التسوية، حتى مع التغول الاستيطاني في الضفة الغربية .في هذه الأثناء فإن مراقبة السلوك الأميركي أمر على جانب من الأهمية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
26 نيسان, 2008
الفنون بوصفها خطراً !
الفنون بوصفها خطراً !محمود الريماوي* في الأراضي المحتلة تخوض حركة حماس معركة ضد الفنون .في رأي الحركة أن حرمان الجمهور من الفنون يشحنه ويرفع روحه المعنوية في مواجهة الاحتلال. في غزة حيث أقامت الحركة دولتها يحظر إقامة نشاطات فنية في المدارس، كالتي عرفتها هذه المرافق التعليمية طوال تاريخها .ناهيك عن المنع في المرافق الأخرى .في العدد الأخير من "السجل" تقرير مقتضب عن حملة شنها شيوخ من الحركة ضد إقامة مهرجان للرقص المعاصر في رام الله . الحركة غير معنية بوجود تعددية ثقافية في المجتمع وبحق هذا التنوع في التعبير عن وجوده .تؤمن الحركة بان كل صواب هو في صفها ، فتعمل تبعاً لذلك على "إعادة تربية" الشعب الرازح تحت الاحتلال .هذا هو سلوك الأنظمة الشمولية، مع فارق أن الانظمة الاشتراكية كانت على صلة بالعالم وفنونه، بخلاف حماس التي ترى أن الفن هو لزوم ما لا يلزم . وحتى في الجمهورية الايرانية الاسلامية فهناك هامش متاح للفنانين ومنهم بالذات السينمائيون ، كي يقدموا معالجاتهم الجمالية الخاصة بهم للحياة الإيرانية .حماس تستلهم نمطاً أقرب الى طالبان .تلوين الحياة مذموم بصفة عامة .إقصاء النساء عن الفضاء العام هو أعز أماني وفي مقدم برنامج الحركة للنهوض. تماما كما عند طالبان. الوتيرة ما زالت أقل عما كانت عليه عند الحركة الأفغانية، لكن على المرء "ان يتفاءل ببلوغ الأهداف واحداً تلو الآخر" .بدأت الحركة بإعلان تسامحها مع غير المسلمين في غزة ولم يلبث الأمر ان تطور الى توفير بيئة لطرد هؤلاء من وطنهم، وهو ما عجز عنه الاحتلال .كل تعددية بما فيها الدينية غير مقبولة .ما نشأت عليه المدن الفلسطينية من تنوع اجتماعي وثقافي منذ قرنين على الأقل من الزمن ومن تواصل مع العالم الخارجي، تتم محاصرته والسعي للحد منه بحيث تتم إعادة هندسة المجتمع على صورة الحركة ومثالها . الدولة الصهيونية أدركت مبكرا أهمية الفنون والآداب .والنفوذ الصهيوني القائم في المحافل الثقافية والفنية في العالم هو حديث على كل لسان . إنهم يحرصون مثلا على تسويق نتاج ادباء معارضين للدولة الاسرائيلية مثل يهوشواع وسامي ميخائيل .وفي وقت يتضامن مع القضية الفلسطينية بعض حملة نوبل مثل البرتغالي ساراموغا، فإن حركة حماس تضيق ذرعاً بثمرات الفنون والآداب ، وتعتبر تنمية التذوق الجمالي خطراً وتتطير من فنانين اجانب متضامنين .وصف البعض حماس بأنها ليست أصولية .من الواضح أن الحركة في سلوكها وخطابها تنفي هذا الإنكار وتمضي على طرق إفقار المجتمع من كل تعددية وعزله عن العالم ، وهذه طريقتها لمعاونة الرازحين تحت الاحتلال على الصمود .فليس لهم ان ينعموا بأبسط المسرات التي توفرها الفنون ، أو أن يتواصلوا مع الطبيعة والطفولة وقيم المحبة وإطلاق الخيال عبر الفنون والآداب. لقد سبق لهم أن حاولوا منع تدريس تراث شعبهم في المدارس.على أهل القياس ان يقيسوا على ذلك ..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
22 نيسان, 2008
من أجل إنقاذ التفاوض
من أجل إنقاذ التفاوض محمود الريماوي* بخلاف مفاوضات واشنطن ومدريد وطابا، فإن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الدائرة منذ انفضاض محفل أنابوليس تفتقد للشروط والبيئة السياسية التي تمنح التفاوض الجدية المطلوبة، ناهيك عن أن تكون اشتباكاً سياسياً أو سلاحاً من أسلحة الصراع المفتوح. قبل الشروع في هذه المفاوضات، كانت الإستراتيجية المتبعة لدى شارون ثم لخليفته أولمرت تقوم على استبدال التفاوض بإجراء اتصالات لا غير، فإذا تمت هذه الاتصالات، ونستذكر أنها كانت قليلة المرات منذ العام 2001 وطيلة ست سنوات، فإنها تتحول إلى محض مباحثات أمنية ترمي إلى ضمان أمن طرف واحد هو الاحتلال بجنوده وشرطته ومستوطنيه. أمام الضغط الدولي واستنفاد الإدارة الأميركية لكل ذرائع تهميش القضية الفلسطينية وفي ظل المأزق الأميركي في العراق، ونتيجة جهود ودعوات عربية متلاحقة لتحريك المسار الفلسطيني، فقد وافقت حكومة اليمين الجديد في تل أبيب على بدء التفاوض وليس على استئنافه بطبيعة الحال من حيث توقف عام ألفين في طابا. وقد حرصت حكومة أولمرت في الأثناء وفي مقاربتها لملف التفاوض على التذكير والتشديد على مطامعها التوسعية في القدس والحدود، وعلى رفض مبدأ عودة اللاجئين أو التفاوض بشأنه. وسبق لأولمرت ووزيرته ليفني، أن كررا عبر وسائل الإعلام مطالبتهما للجانب الفلسطيني بـ"التحلي بالواقعية "أي القبول بالأمر الواقع. كما تمت المحافظة على وتيرة الاستيطان وخاصة في القدس الكبرى ومحيطها، وتواصلت عمليات التضييق والتنكيل باعتبارها "حقا مكتسباً" للاحتلال. وكانت الرسالة وما زالت أن للطرف الإسرائيلي أن يفعل على الدوام ما يشاء لإطباق سطوته بصرف النظر عن أية ظروف سياسية تتعلق بمفاوضات أو اتصالات أو زيارة مبعوثين دوليين أو سوى ذلك من تطورات. وهي الإستراتيجية التي وضعها شارون ويتقيد بها تلميذه النجيب أولمرت الذي يمتاز عن أستاذه "بابتسامة" عريضة وبلفتات "صداقة حميمة" من جانبه مع المسئولين العرب والفلسطينيين، لا يملك هؤلاء سوى التفاجؤ بها والحرج منها أمام الكاميرات. الأمر الثالث الذي لا يقل أهمية عما سبقه، هو أن خطة أولمرت تقوم على تحويل ما يفترض أنه مفاوضات إلى مجرد اتصالات، بحيث تتم العودة إلى المربع الأول والسياسة القديمة ولكن تحت يافطة استئناف التفاوض في أجواء متكتمة قد تكون جدية، ويجري إنعاش التفاوض وتجديد الآمال حوله، بعقد لقاءات قمة ثنائية مع الرئيس عباس لدفع القاطرة المتوقفة. تحدث مفاوضون منهم أحمد قريع وصائب عريقات عن مناقشات تجري حول المفاهيم.. حول مفهوم الدولة الفلسطينية ومفهوم السلام، وحول مقاربة "خريطة الطريق" وسبل تنفيذها، لكن المباحثات تتم بغير تدوين محاضر موقعة من الجانبين، كما تحدث عباس في القاهرة بعد انفضاض قمة دمشق. الجمهور لا يعرف متى تعقد جلسات التفاوض. التكتم قد يعني نظرياً الجدية، لكنه قد يرمي أيضاً لصرف النظر عما يجري خلف الأبواب المغلقة وإطفاء الاهتمام به، فإذا توقف التفاوض أو فشلت جولاته فشلاً ذريعاً، فإن ذلك لن يثير ضجة تذكر، ما دام قد تم تعويد العالم على عدم الاهتمام بما يجري. هذا مغزى ضرب ستار من الكتمان الشديد من الجانب الإسرائيلي على ما يدور.. فيما الإجراءات التوسعية والتنكيلية بما فيها القتل بدم بارد تتم بدأب وانتظام وفي وضح النهار. أخفق الجانب الفلسطيني في تأمين رعاية طرف ثالث للمفاوضات حتى لو كان الطرف الأميركي. وتنصل الإسرائيليون من أي جدول زمني يحدد موعد انتهاء المفاوضات. ولم يتم استثمار التعهدات اللفظية الأميركية، بالتوصل إلى اتفاق في غضون العام الجاري. حتى هذا الأمر ترك.. للتفاوض حوله!. مع تأكيدات إسرائيلية معلنة بأنه لا ضمانة لاختتام التفاوض في بحر هذا العام. تقوم القيادة الفلسطينية بإبلاغ أطراف إقليمية ودولية بما يجري وأيضا بطريقة متكتمة حتى لا يتسرب شيء من الأسرار لجهات غير مسئولة (يُخشى أن يكون الرأي العام من بينها!) بذلك نجحت السلطة في التقيد بمواضعات دبلوماسية تقليدية ولكن في ظروف غير تقليدية، كعدم قيام دولة بعد كي تتقيد بما تتقيد به الدول القائمة والمستقلة. يحرم الجانب الفلسطيني نفسه من استدراج وسائل ضغط تعينه على مواجهة التغّول الإسرائيلي. يتم تحييد الرأي العام العربي والإسلامي والدولي عما يجري وتتم المراهنة فقط على وعود الدول الشقيقة والصديقة و"التزاماتها". حتى البرلمانات لا تتم مخاطبتها. والشعب نفسه باذل التضحيات وجمل المحامل لا يقف على شيء مما يجري، بعدما تم إبلاغه أن الجهاد المدني وكل تحرك شعبي وكل تواصل بين القيادة والناس، لا ضرورة له باعتباره لا يقدم ولا يؤخر شيئاً مقارنة بإجراء المزيد من الاتصالات مع مسئولي الدول الشقيقة واستقبال موفدي الدول الصديقة. عزلة التفاوض عن بيئة سياسية داخلية متجاوبة وضاغطة على الطرف الآخر وعزلة الطاقم التفاوضي عن بقية القوى السياسية والاجتماعية والفصل بين التفاوض وبين خطة سياسية متفق عليها يكون التفاوض جزءا منها يجعل هذه العملية بمثابة تمرينات على الحوار والاتصال وتبادل وجهات النظر، وينزع عنها كل قيمة سياسية في ظل النهج الجذري الذي يتبعه الاحتلال في إضعاف مناعة وتماسك الطرف الآخر وسد أبواب الأمل أمامه والتخيير بين احتلال شديد القسوة وآخر أقل قسوة تتخلله لفتات تمنح الناس أحياناً الحق في حياة عضوية كما هو الحال مع سكان قدماء في أميركا واستراليا وكندا. ليس مطلوباً الانتحار ولا الانزلاق في ردود فعل يائسة وعصبية. فالأمر أبسط من ذلك إذ يقتضي خوض كفاح أو بذل جهد سياسي ومدني ومعنوي وأخلاقي متعدد الحلقات بالوسائل المتاحة والطاقات الممكنة يكون التفاوض أو وقف التفاوض جزءا منه، لا أن يتم اختزال تعقيدات العملية السياسية والكفاحية كلها، بالتفاوض حتى مع اليقين بعبثيته في محطة من محطاته، وفي ظرف ما من ظروف الصيرورة الوطنية كما الحال حالياً. إطلاق التصريحات المتفائلة والمنشرحة والعزوف عن تقديم مطالبات محددة وآنية من العالم والتكتم على ما يجري من ألاعيب الطرف الآخر.. والتكرار النمطي بأن لا خيار إلا خيار التفاوض، هذه وصفة نموذجية لـ"تمويت" القضية وإطفاء ما بقي من اهتمام إزاءها. علماً بأن أي تفاوض يقتضي أحياناً وقفه والمجاهرة بالأسباب لخدمة التفاوض "نفسه" كي يكتسب جدية ما زالت مفقودة وكيما يعرف العالم حقيقة ما يجري ويدفع لاستئناف التفاوض في ظروف أفضل. من المذهل حقا أن تتواصل العملية وكأنها قدر واضطرار نهائي، مع ما يعنيه ذلك من تسليم بافتقاد كل ورقة أو أداة أخرى ولو لمرحلة منظورة قصيرة. بذلك يجلب المفاوض الفلسطيني الضغط "على حاله" ويمنح الطرف الآخر سبباً جديداً للاستقواء والتعنت. يتحدث مسئولون بينهم أحمد قريع بأن الاستنكاف عن التفاوض "يؤدي لتحويل الضغط باتجاهنا بدل أن يكون باتجاه الإسرائيليين". وهذه قراءة غريبة، فالضغط قائم على الفلسطينيين قبل وخلال المفاوضات عبر سلبية الرباعية الدولية وليست هناك من ضغوط تستحق هذه التسمية على الإطلاق باتجاه الجانب الإسرائيلي ولو كانت قائمة لأثمرت ولو بالنزر اليسير في مجرى التفاوض أو في السلوك على الأرض وحيال الشعب المحاصر. خلافاً لذلك، فإن الوقف المؤقت والمعلل للتفاوض، من شأنه إحداث صدمة سياسية وفتح أعين العالم على ما يجري، واستدراج ضغط جدي للتحرك إلى الأمام. كان وما زال يفترض أن تعين الخبرات التفاوضية والسياسية أصحابها بحملهم على اشتقاق خطوات وتدابير لإنقاذ التفاوض من عبثيته بتوفير بيئة سياسية مواتية لتحقيق الأهداف. أما العزل الإمبيريقي (المختبري) للتفاوض عن كل ظروف سياسية مرافقة، فلا يؤدي، وقد أدى، إلى مزيد من استقواء القوي واستهتاره المتمادي بالطرف الآخر، ورفض التوقف عن سلب أرض الدولة العتيدة وعن التنكيل الوحشي بشعبها وتحويل التفاوض إلى ثرثرة يدعي أصحابها الإسرائيليون الرصانة، وهو ما اعتاد العالم على متابعة وقائعه المتكررة دون تدخل، وباعتبار أن حل كل المشكلات منوط بالتفاوض الثنائي الجاري بين الجانبين والذي تصدر عنه تصريحات لا ينقطع التفاؤل عن فحواها ونبرتها وممن؟ من الجانب الفلسطيني. كفى هزلاً، فالوقت من دم والمزيد من الأرض يسلب كل يوم من تحت أقدام الرازحين تحت الاحتلال بمن فيهم المفاوضون الفلسطينيون. وبعضهم قد أدمن التفاوض كما يبدو لدرجة أنسته ما يدور حوله وتحت أقدامه. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
|
|
|
17 نيسان, 2008
المدنية لا الديمقراطية فقطالمدنية لا الديمقراطية فقط
المدنية لا الديمقراطية فقطمحمود الريماوي* لماذ تبدو الديمقراطيات الناشئة في العديد من دول العالم الثالث أقل جاذبية واحيانا أقل إقناعاً من الديمقراطيات العريقة في الدول المتقدمة ؟ .هناك أكثر من سبب ، أولها حداثة التجربة في هذه الدول والمجتمعات ، والرواسب الباقية لعهود سابقة تميزت بالوت الواحد وسطوة السلطة ، وهناك التركيب الاجتماعي التقليدي الذي يطمس كينونة الفرد الحر ، لصالح تشكيلات وتراتبيات متوارثة لا محل فيها لرأي آخر ولاستقلالية فردية .الى ما تقدم فخبرة التحولات الديمقراطية النسبية في العقدين الماضيين وفي غير دولة من دول العالم ، تفيد ان هذه التجربة تكاد تختزل في إجراء الانتخابات النيابية . يتم ذلك دون ايلاء التغيير الثقافي والاجتماعي أية اهمية .ولذلك فإن نمط الحياة السياسي الجديد نسبيا لا يمس البنى الاجتماعية والثقافية . تبعا لذلك لا يطرا تحول يذكر على نوعية الحياة، وما يسودها من مفاهيم ومواضعات وحراك. من أمثلة ذلك : النظرة الى الآخر. الى المختلف في الدين والطائفة والعرق والجنس والسن وإلى الغريب والأجنبي. هذه النظرة هي ما ما يميز الديمقراطيات المستقرة وما يسم التمدن . حيث تتجلى الفروق بين الناس في خصائصهم الشخصية، وليس في انتسابهم لطائفة ودين وعائلة وعرق وجنس .تتنافى الديمقراطية في جوهرها مع هذه التصنيفات الاولية السابقة على نشوء وازدهار المدن ، والعائدة الى نمط حياة ريفي أو قبلي. فاستقلالية الفرد الحر الذي يقترع بصورة سرية وبملء ارادته في الانتخابات ، هذه الاستقلالية هي إحدى أفضل ثمار الديمقراطية التي ينعم بها الفرد والجماعات على السواء ن وهي الأقرب الى فطرة الكائن البشري ، الذي يتآخى مع سواه بصرف النظر عن الفروق المسبقة والخصائص الاولية .وإلى مبادىء الشرائع والإرث الإنساني الذي يزكي المساواة بين البشر.كي تزدهر الديمقراطية في بلادنا وفي سائر الديار العربية ، فإنه لا بد من الاحتكام لذخيرة فكرية ترسي قيم الاعتراف بالآخر فيعترف الرجل بالمرأة والكبير بالصغير وأتباع طوائف وأديان بغيرهم . وهو ما لمسه وتشرب به من اقاموا ردحا من الزمن في الغرب ( كاتب هذه السطور ليس منهم ) والذين أذهلهم أن البشر يختلطون ويعترفون بأهلية بعضهم بعضاً دون التفات لفروق أولية بينهم .وأن الاعتراف بالآخر والاحتكام الى قانون واحد ،هو أول الديمقراطية وجوهر التمدن وشرط الرقي الإنساني.في القناعة أن الإعلاء من شان الفروق في مرحلة التحول الديمقراطي ، هو من قبيل الثأر من الديمقراطية ومحاولة تجويفها وإفراغها من كل معنى وقيمة ، بل استخدامها اداة لتعظيم العصبيات وتعزيز نمط الحياة التقليدي، ورد المجتمع الى الوراءالى ما قبل بناء المدن والإقامة فيها. فيمتد الثأر من الديمقراطية الى الثار من المدن والقيم المدنية ، ولكن دون التنازل عن التنعم بمزايا الحياة في المدن.نحتاج الى ديمقراطيين متنورين مفعمين بقيم مدنية تنتصر للغنسان وتنشر في المجتمع ثقافة العدل والمساواة والاعتراف بالآخر كي ترفل مجتمعاتنا بالتنوع والتعدد الذي كان يسم حياتنا قبل عقود طويلة وقبل الرطانة بالديمقراطية . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
14 نيسان, 2008
عبادة المال
عبادة المال محمود الريماوي* يتمنى المرء لو تقوم جهة بحثية بدراسة ظاهرة التعلق المتزايد بالمال في مجتمعنا. الظاهرة تتخطى حدودنا ولعلها عالمية ، لكن بما أنه لا يمكننا تفحصها في كل مكان من العالم وبما أن حقل اهتمام الدارسين ينبغي ان يتركز على محيطهم وببيئتهم أولاً ، فمن المفيد تقصي جوانب الظاهرة عندنا .يزعم كاتب هذا المقال ان الظاهرة تجمع غالية الناس في المدن أساسا، وتوحد بينهم وتخترق كل الفوارق بينهم .وهي لدى الرجال أكثر منها لدى النساء، فنسبة كبيرة منهن لا مصادر دخل لهن كي يعملن على الاستزادة منها وتنميتها.لم يعد الأمر يقتصر على طلب الرزق او حتى الرفاه ، بل بات المال غاية بحد ذاته . في ما مضى كانت هناك حدود واقعية او نسبية للطموح .لم يعد هناك الآن من حدود لطموح كسب المال.في أزمان غابرة كانت تلصق صفات الشره والجشع بالساعين الى المزيد من الأموال، حتى لو ضاقت أعمارهم وأعمار بنيهم عن إنفاقها .في زماننا فإن الجدارة والذكاء والألمعية هي الصفات التي تمنح لجامع الأموال الطائلة ..حتى لو كان من يطلق هذه الصفات يجهل كل شيء عن الممدوح. أما "المستور" فيتم تفادي الاختلاط به والتشكك في جدارته والتطير منه .الرغبة بالإقامة في أكثر من مكان ،والسفر الدائم والتمتع بخدمات فندقية وسياحية تغذي هذا الطموح . حمى الاستهلاك والاقتناء، لإطفاء القلق سبب آخر .غير أن البعض يسعى سعياً محموماً لكنز ما لا يحصى من أموال، حتى لو بقي لابثاً في مكانه لا يبرحه .هناك قيمة متعاظمة للمال في عيون الناس بصرف النظر عن حاجاتهم الفعلية راهناً ومستقبلاً. وبصرف النظر عما ينفقونه ، كثيرا ما يتناقص الإنفاق كلما اتسع رزقه.ينطوي الناس في سريرة كل منهم على تطلعات مالية بغير حدود.ويبدون تكتماً شديداُ يجعلهم يعزفون عن الخوض في هذه المسألة ..وبما يفوق تحفظهم على بقية الخصوصيات الشخصية والعائلية .الخلافات بين الناس وداخل الكثير من البيوت والعائلات تتم لأسباب مالية في الغالب ..وكانت من قبل تنشب لأسباب أخرى. الصداقات ولنقل العلاقات تنشأ وفق مصالح مالية سواء كانت حقيقية أو مأمولة .يبدأ المرء بالسعي لسد حاجياته ثم يأخذه التيار فإذا بحاجاته بلا نهاية .ليست مسألة رغبة بالمال، بل عبادة له تجعل العيون زائغة والسيقان ترتجف والقلوب تضطرب وقرون الاستشعار تنتصب. وقد وجد الناس فيها ما يجمعهم ويوحدهم ،رغم الفروق الظاهرة والكامنة بينهم. وهم يبتعدون عن بعضهم بعضاً في أيامنا ، لسبب قد يبدو غريباً وكاريكاتيرياً .. لكنه حقيقي ،إذ يسود اعتقاد باطني مكين بأن الانشغال بالآخرين :أصدقاء وزملاء وجيران وأقارب ومعارف، يعيق السعي ويشتت الذهن عن جني أموال طائلة بطريقة ما ..بتدبير ما .لا يتم تناول هذه الظاهرة حتى في الآداب والفنون. يتم الصمت عنها ، ربما كي لا يكشف البعض عن دواخله .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
06 نيسان, 2008
واحة الغروب
واحة الغروب
*محمود الريماوي يحسد المرء المصريين على مدى تعلقهم بتاريخهم وعلى مبلغ تجذرهم في المكان، وقناعتهم التامة بمدى اتساع أرضهم وتنوعها . لربع قرن خلا كان السفر بالنسبة لغالبية المصريين يعني الانتقال داخل الوطن.من تيسرت أحواله يتجه للتصييف في الاسكندرية او مرسي مطروح . ومن يلتمس الدفء يتجه للأقصر وأسوان.أما الوصول الى القاهرة ومسماها المتداول" مصر" فيعني الانتقال الى مركز العالم " أم الدنيا" .
03 نيسان, 2008
انشطار العالم العربي الى معسكرين
انشطار العالم العربي إلى معسكرين محمود الريماوي* علاوة على التحديات الخارجية المتفاقمة ، فإن الوضع العربي ( العلاقات البينية) مرشح لمزيد من التأزم في أعقاب القمة العربية الأخيرة. الأجواء التي اكتنفت التحضيرات، والتي واكبت توافد الوافدين وغياب الغائبين، تدلل على أن "النظام العربي " يشهد أزمة لا سبيل للتغطية عليها أو إنكارها. ليست هذه الأزمة بجديدة فقد لاحت نذرها قبل سنوات قليلة خلت، وتتعلقبرؤى استراتيجية حول العلاقات مع إيران والولايات المتحدة ، وحول مفاهيم النفوذ والمصالح لهذه الدولة أو تلك، لدى دول وأطراف عربية أخرى .أوجه الخلاف هذه لا علاقة مباشرة لها بقمة دمشق الأخيرة ولا بالقمة السابقة في الرياض ،ولا بقرارات القمم الأخرى. كل ما في الأمر أن اللقاء الأخير أظهر ما هو قائم بالفعل ولم ينتجه. الخشية أن تتفاقم الخلافات كما كان عليه الأمر، في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بين "معسكرين عربيين "وبتغطية دولية آنذاك في فترة الحرب الباردة.هناك بؤر ساخنة "تصلح" لاستقبال تداعيات الخلاف الناشىء في قلب النظام العربي بما يزيدها سخونة ، وهذه البؤر كما هو معلوم هي العراق ولبنان وفلسطين. والمفارقة أن بلدا مثل العراق يتعرض لاحتلال أميركي ولتدخلات إيرانية ويتعرض لبنان لتهديدات واختراقات "إسرائيلية" ( لأجوائه) كما تخضع الأراضي الفلسطينية لاحتلال أو حصار "إسرائيلي". مؤدى ذلك أنه بدلاً من مواجهة التحديات الخارجية بنجاعة في هذه البلدان، بدعم من سائر مكونات النظام العربي وبما يصون الوحدة الوطنية في البلدان الثلاث، ويعزز طموح شعوبها للاستقلال والاستقرار، فإن انعكاسات الانشقاق في المنظومة العربية سوف تكون سلبية على هذه الدول وشعوبها .وذلك نتيجة النزوع نحو استقطاب أطراف داخلية فيها نحو هذا المحور العربي أو ذاك. وهو ما بدأ من قبل وسوف يتواصل للأسف، في أجواء الإنقسام التي ازدادت انكشافاً حتى لو لم ترافقها حملات إعلامية ظاهرة ، كما كان يحدث قبل نحو نصف قرن بين معسكرين عربيين . من الواجب الجهر بذلك والتحذير منه، فالانقسام الأفقي داخل المنظومة العربية حتى لو لم يكن بين كتلتين تامتين ، يتعلق في جانب كبير منه بالأزمات والتحديات الجسيمة، التي تشهدها بلدان المشرق الثلاث وسبل معالجتها والتأثير فيها. هذا الوضع المقلق هو ما يسمح مثلاً للطرف الإسرائيلي المحتل ، تصوير ما يجري في الأراضي المحتلة على أنه صراع بين معسكر معتدلين يضم الاحتلال نفسه ! وبين متطرفين تمثلهم حماس.وهو ما كان يصعب تسويقه من قبل ،حين كانت هناك حكومة وحدة وطنية قائمة تضم حماس وفتح معاً ،قبل أن تجري أحداث حزيران الماضي ،وما واكبها وتلاها من استقطابات عربية ،مع هذا الطرف أو ذاك.هذا مثال لانعكاس الانشقاق العربي على الوضع الفلسطيني وحده. أما الأزمة اللبنانية المديدة، فقد باتت حكايتها معلومة بجوانبها المتعددة وبالتدخلات المتشعبة فيها وتعقيداتها، حتى أصبحت التهديدات الاسرائيلية ضد هذا البلد تبدو بكل أسف كمجرد تفصيل ، وذلك في ظل طغيان الأزمة السياسية والدستورية، والمخاوف المشروعة من توترات أمنية وتنازع أهلي.فيما المبادرة العربية التي سبق لوزراء الخارجية العرب أن أقروها بالإجماع ووافق عليها الفرقاء المحليون ، فتبدو أشبه بطيف يمكن ملاحظته ورؤيته، لكن لا يمكن القبض عليه والإمساك به ..ذلك أن الانقسام العربي الذي يجد ترجمة محلية له في مواقف الفرقاء ، قد فعل فعله وعلى النحو الذي يراه الجميع .في العراق يبدو الوضع أكثر تشويشاً وذلك بسبب الفوضى الأمنية والسيولة السياسية، واختلاط هويات الفرقاء والفاعلين ،وكذلك وللأسف أيضاً لاختلاط صور المقاومة ببعض مظاهر استهداف المدنيين والاحتراب الطائفي.وإذا كان هناك من تدخل خارجي ظاهر علاوة بالطبع على الاحتلال الأميركي ، فيتمثل بالنفوذ الإيراني وثمة انقسام عربي لا تخطئه العين، حول امتدادات الجمهورية الإسلامية واستهدافاتها في منطقتنا .في ضوء ما تقدم يتبين أن الانشقاق في المنظومة العربية ،سوف تكون له مفاعيله السلبية في مواطن الأزمات والتحديات الكبيرة. فضلا عن آثاره السلبية المباشرة على العلاقات العربية البينية، وعلى آلية العمل داخل جامعة الدول العربية ،ناهيك عن وزن الكتلة العربية على المسرح الإقليمي والدولي. لقد سعت دولة مثل روسيا لحل خلافات عربية عربية خلال عام مضى، سواء بما تعلق بالأزمة اللبنانية أو الوضع الفلسطيني. فهل نتوقع في مستقبل الأيام مزيداً من الجهود والوساطات الخارجية ، للتجسير بين دول وأطراف عربية من طرف تركيا مثلاً أو سواها من الدول والهيئات ؟! .لن يكون ذلك مستبعداً إذا ما استمر الحال على ما هو عليه. وقد يستدعي بعضنا مثل هذه الوساطات أو يتمناه، كي لا تتفاقم الأمور وخشية من الأسوأ، وبعدما تعطلت لغة الحوار بين الأشقاء وشركاء الأمس القريب ، وبعد العودة ولكن بمسميات جديدة إلى منطق دول كبيرة وأخرى "صغيرة " فيحق للفئة الأولى ما لا يحق للثانية ، وهو ما دفع الجميع ثمنه في أوقات سابقة ويفترض أننا تجاوزناه ، ولنا في الاتحاد الأوروبي عبرة حيث تشاطر دولة مثل لكسمبورغ عضوية الاتحاد القاري وامتيازاته وحقوقه ، مع دولة أخرى مثل ألمانيا أو فرنسا.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"