مدونة محمود الريماوي

ليس بالقمم وحدها..

يس بالقمم وحدها..محمود الريماوي *أول قمة يستذكرها كاتب هذه السطور هي القمة الرسمية الاولى  التي شهدتها القاهرة في العام 1964 .لقد جرى الاحتفال في مدرستنا الثانوية في أريحا بهذه المناسبة  بإلقاء كلمات صباحية  وبتليل واستبشار المعلمين والطلبة..بين الصحف تميزت " الجهاد" المقدسية  بتغطيتها الخبر فنشرت  على صدر صفحتها الاولى صورتين كبيرتين للراحل" الحسين وأخيه الرئيس جمال عبدالناصر" . نفذت أعداد "الجهاد" في ذلك اليوم . وكثيرون احتفظوا بصور الصفحة الأولى   وبعضهم "بروزها ". لم تكن هناك محطات تلفزيون تشبع الحاجة البصرية لرؤية الزعماء. بذلك تم رفع الحظر رسمياً  ولأول مرة عن التنويه الإيجابي بعبدالناصر ،بينما كان يتم التنصت من قبل عمن يستمع الى إذاعة "صوت العرب" .سميت تلك القمة ب"قمة التقارب العربي". منذ ذلك اليوم شاع التعبير في الأدبيات الإعلامية  العربية ،وبات يستخدم في عمان والقاهرة والرياض ودمشق والجزائر على السواء، قبل أن تحل محله تعابير أخرى مثل " الجهد العربي العام والعمل العربي المشترك ".غير أن وقتاً طويلا لم يمض حتى حل العام 1967 بهزيمته القاسية .لم يفلح علي علي رياض موفد عبدالناصر العسكري في تقوية جبهة الضفة الغربية .وصل متأخرا . وتبين أنه كان هناك تقارب عربي في عدم الاستعداد للحرب ، وتباين في القرار السياسي بشأن خوض الحرب ام لا .تبين بعدئذ أن المسألة كانت تتعلق بمدى الاستعداد لمواجهة الحرب، وليس المبادأة بخوضها حيث كان الطرف الآخر الاسرائيلي هو من بادر.انعقاد قمة ال64 لم يكن  بالطبع هو السبب في ما آلت اليه الأمور  .ذلك أن القمم تعكس في النهاية الإرادة السياسية للدول الأعضاء منفردة ومجتمعة . المشكلة ليست في القمم كإطار أو صيغة ، ولا هي في الجامعة العربية ، بل في مكونات هاتين الصيغتين .بصورة عاطفية نميل اليها نحن العرب ، فإننا نستبشر بلم الشمل والصف ويبهجنا رؤية الزعماء وقد التام عقدهم  ونراهن ضمنيا على التواصل الشخصي ما بينهم .وإذا كانت الأحوال سيئة رغم تلاقي القادة ، فكيف حين يديرون ظهورهم لبعضهم بعضاً ؟ ..سيكون الحال أسوأ  علماً أن عدم التلاقي  يعكس وضعاً رديئا  قائماً.من المنطقي الآن  في ضوء الدروس المستفادة وغير المستفادة  ،عدم الاكتفاء بالمراهنة على القمم العربية .الرهان يتعين أن يتجه لإصلاح الأنظمة: تحديثها ودمقرطتها كي تواجه التحديات الخارجية بنجاعة ، وكي يتم ارساء علاقات ثقة وتعاون مثمر بين دول عصرية،.عندها فإن القمم  حين تعكس واقعاً حياً ومتقدماً وعلاقات بناءة بين الدول فإنها تصبح منتجة ، وليس مجرد مناسبة احتفالية ومنبر للخطابة والاستعراض.*رئيس تحرير صحيفة "السجل

تجربة أمام منعطف

تجربة أمام منعطفمحمود الريماوي*                            الصراع لن يتوقف بين العلمانيين المتشددين في تركيا، وبين حزب العدالة والتنمية الذي يتمتع بالأغلبية في البرلمان ، ويحتل موقع رئاسة الجمهورية والحكومة . رفع دعوى قضائية من المدعي تطالب بحظر الحزب ومنع أعضائه من ممارسة النشاط السياسي ، تعني الدعوة لتنحية رجب طيب أردوغان عن رئاسة الحكومة وعبدالله غل عن رئاسة الجهورية . لقد سبق للسلطات حل  كل من حزب الرفاه وحزب الفضيلة كل منهما ذو جذور إسلامية ، لكن الحزبين لم يتمتعا بما يتمتع به حزب العدالة من نفوذ شعبي وتزكية لا سابق لها تبدت في الانتخابات المبكرة التي جرت في الثاني والعشرين من تموز الماضي وكرست هذا  الحزب باعتباره يحتل المركز الأول بغير منافس. جرت الانتخابات بهدف تقليص فرصة صعود ممثل للحزب إلى رئاسة الجمهورية بالانتخاب عبر البرلمان. الذي حدث أن حزب العدالة حاز من المقاعد ضعف عدد مقاعد حزبي المعارضة :حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري( 243 مقعداً للعدالة مقابل 125 للحزبين ).بل إن عبداله غل فاز في انتخابات الرئاسة دون منافس له.حزب يحظى بمثل هذا النفوذ بين الجمهور وتتم الدعوة إلى حله ..فذلك ما لا يمكن تفسيره سوى بانكشاف نزعة انقلابية.عمد رموز الحزب ومنهم أردوغان لتعبئة الجمهور ضد هذه الخطوة. وقد تكون التعبئة غير مفيدة في هذا الظرف. فالتزكية الشعبية قائمة عبر صناديق الاقتراع أي بالطرق الدستورية وليس هناك من حاجة للجوء المباشر إلى الشارع . وهو ما استشعره قادة الحزب الذين توجهوا نحو القنوات البرلمانية لمحاولة وضع قانون يحظر حل أحزاب سياسية مرخصة، وخاضت الانتخابات، حتى لو بدا حزب العدالة بذلك في موقف دفاعي.فالدفاع بالوسائل الدستورية أفضل من هجوم ينطلق من الشارع. يذكر هنا أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية حق النظر في القوانين وتعديلها وفق آلية دستورية محددة .السلطة القضائية في تركيا تتمتع بوزن كبير، والقضاء مستقل.. نسبياً . ذلك أنه ينظر إلى المحكمة الدستورية على أنها من معاقل العلمانية ولو اقتصر الأمر على ذلك لكان مفهوما باعتبار أن النظام علماني. غير أن الأمر يتعدى ذلك الى النفوذ الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية في تسمية أعضاء هذه المحكمة .ونفوذ الجيش يمتد لامتلاك مؤسسات تجارية وصناعية وحتى مؤسسات إعلامية .في عهد الرئيس السابق نجدت سيزار كان هناك تناغم كبير بين رئاسة الجمهورية ومجلس الأمن القومي الذي يشكل ممثلو الجيش أغلبيته.وكان يتم تسمية أعضاء الحكمة الدستورية وكذلك رؤساء الجامعات وإداراتها وهيئاتها التدريسية ، بالتوافق بين الرئيس وقيادات الجيش.بموجب الدعوى القضائية لا يراد فقط سلب صلاحيات أساسية للرئيس ، بل سلبه منصبه أي تنحيته وليس أقل من ذلك. ثم الانطلاق لحرمان أعضاء الحزب ومنهم رئيس الحكومة أيضا من ممارسة النشاط السياسي لخمس سنوات ، فتتم انتخابات جديدة وفق هذا السيناريو بعد أربع سنوات دون مشاركة حزب العدالة .الحيثيات التي تستند اليها دعوى المدعي العام أن الحزب يسعى لتغيير النظام العلماني وإقامة دولة إسلامية في بلاد الأناضول .وهو اتهام قد يصلح عنوانا لملتقي بحثي، لا موضوعا لتوجيه دعوى قضائية .فقد سبق لغل أن أعلن فور توليه منصبه تمسكه بالنظام العلماني في بلاده وهو ما لا تقول به ولم تقل به من قبل أية مجموعة إسلامية في ديار الأرض . وحتى لا يظل هذا التعهد لفظيا أوضح غل أنه ينحاز للعلمانية "على الطريقة البريطانية لا بالأسلوب الفرنسي" .التحدي الحقيقي الذي يقف أمام أذرع المؤسسة العلمانية المتشددة ، أن المجتمع بدأ يزاول نمط حياة أقرب الى قناعاته . وهو بالمناسبة نمط متنوع لا أحادي ويعكس التعددية الثقافية الفعلية،وليس على غرار غالبية المجتمعات الإسلامية. ما تخشاه المؤسسة العلمانية المتزمتة "على الطريقة الفرنسية " أن يستمر انتشار هذا التوجه،فيمتلك الناس حريتهم في اختيار أزيائهم وطرق عيشهم ويصبحون أكثر تجانساً مع ذواتهم.الدعوى القضائية تبرهن أن الصراع ما زال مستمراً .فلم يتم التسليم بنتائج الانتخابات من طرف القوى المتنفذة ،وبمفاعيل تلك النتائج على مستوى تراتب السلطات وصلاحياتها .من الطبيعي في مجتمع يتمتع بنظام ديمقراطي، أن تنشأ منازعات  تعكس حراك الحياة السياسية، غير أن الأمر في الحالة التركية يتعدى التنافس الحزبي مثلا، أو صراع نقابات مع حكومة، إلى تدخل مؤسسة غير مدنية في الحياة السياسية والدستورية وعلى نحو انقلابي مبطن، ينذر بانفلات الوضع بحيث يتم النكوص عن العملية الديمقراطية الى محاولة فرض أمر واقع.نعلم جميعا أن سعي أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تجعلها ملزمة بتكريس النهج الديمقراطي، وطي صفحة الانقلابات العسكرية، ولكن ماذا عن تأثير أل "إسلام فوبيا" المتفشية في الغرب منذ الحادي عشر من أيلول وصعود أجنحة اليمين . ألا يخشى أن يستثمر العسكر الأتراك هذه الموجة المتصاعدة ، للتخويف من نزعات أصولية مزعومة لدى حزب العدالة ؟ هذا التساؤل يستحق التوقف عنده ، دون إغفال الأثر الذي تتركه رسائل بن لادن، وبالذات أثر رسالته الأخيرة في إثارة المزيد من التوجسات إزاء "الخطر الإسلامي"  . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"      

بيوت لنرحل عنها ..!

    بيوت لنرحل عنها..!                      محمود الريماوي*                 ماذا ينتظر شاغل البيت الجديد؟.يتطلع أن يصبح البيت أليفاً .أن تنشأ ذكريات له ولأفراد العائلة فيه .أن ينبض المطبخ مثلاً بعبق خصوصي، لا برائحة السيراميك والبلاستيك والخشب.خلافا لأية سلعة أخرى، يتطلع شاغل البيت الجديد لأن يتقادم البيت ،لأن يمتلىء بالحياة ويغدو سكناً للنفس والبدن، لا مجرد أسقف وأبواب جدران.أحد مصادر السعادة أو الصفاء النفسي، أن يمضي المرء حياته في بيت واحد .بيت يدل على صاحبه وعلى العائلة. يحمل قسمات من شخصية صاحبه: من ذوقه وخياراته، يشع بذكريات  يتدفأ بها صاحبها في مساء العمرأو خريفه. على أن ذلك يبدو مجرد ترف وتهويمات هذه الأيام، وأحياناً لا ضرورة لازمة له !. إنها ضريبة الحياة الجديدة.يبدأ الساكن الجديد كل مرة من الصفر في تنظيم علاقته بالمحيط: بالبيئة والجيران والمشهد العمراني .ويشقى عارفوه في السؤال: أين حط أخيراً .يبدو هؤلاء في المسكن الجديد مجرد زوار وفضوليين ، لا أصدقاء قدامى بعدما تغير المشهد الذي يألفونه، وبات صاحبهم غريبا و"مختلفاً" وسط المشهد الجديد، حتى لو بدا سعيداً بعدما "توفق في هذا المسكن" ..أجيال جديدة تنكر ذلك وتستخف به .من حق الناس السعي لتحسين أحوالها والعثور على مسكن أفضل .لكن الجيل المكتهل يكتم مكابداته من وطأة  التغيير المستمر.كأن يتم استقبال مولود كل مرة في بيت آخر . كأن يفقد الابن او الابنة صداقات الجيرة التي نشأت في البيت السابق ، او خسارة مشاهد مألوفة هناك: شجرة تجيب بصمت على التحيات المكتومة لأهل الحي ، بائع اعتاد عبور الحي ..،سيارة غريبة المظهر تجثم في الشارع القريب ،وتضفي عليه طابعاً خاصاً. أجيال صاعدة تنكر ذلك ،وترى في التجديد قيمة بحد ذاتها .أزمة السكن عندنا في وجه من وجوهها، ناجمة عن صعوبات اقتصادية ، وفي وجه آخر هي نتيجة حتمية لمرحلة انتقال وزحف نحو المدن، علاوة على بناء الأبناء حياة مستقلة لهم، وفي وجه ثالث تقترن بحمى الاستهلاك والتباهي الاجتماعي.الحصيلة أن مفردات ومكونات الألفة المعهودة تتبدد وتحل محلها مقومات أخرى. في الحياة الحديثة يصنع المرء بنفسه ،بخياراته الحرة مصادره الخاصة للألفة، لتزجية أوقات الفراغ ، للتفتح الذهني والعاطفي، خارج البيت او داخله لا فرق،وبأقل قدر من عون الجماعة له. إنها ضريبة لا مفر من التعامل معها .مضى الزمن القديم .تغيرت الحاجة الى البيت لدى غالبية جيل اليوم، فالحاجة تتجه الى مسكن  كريم  ومعقول،لا أكثر أو أقل. لم يعد البيت موطن ذكريات وتأثيث نفسي. بات مجرد ملاذ  ونقطة انطلاق ،وعنوان غالباً ما يكون مؤقتاً وقابلاً للتغيير. * رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

بدلاً من وجع الرأس !

بدلاً من وجع الرأس !محمود الريماوي* ذات مرة تحدث أحدهم في سهرة سياسية والمجالس بالأمانات قائلاً : إن القبيلة مؤسسة سياسية  تلعب دوراً يفوق في أهميته دور مؤسسات حكومية وحزبية. فما كان من ساهر ثان  لا تفوته شاردة أو واردة ،إلا أن أنكر هذا التعريف "مصححاً" أن القبيلة هي من تشكيلات المجتمع المدني ..فيما أردف ثالث: إنها تجمع بين هذا وذاك..هذه الآراء الملقاة على عواهنها، تكشف أن السعي  لتوطين المفاهيم الحديثة بطريقة تلفيقية، لا يلبث أن يؤدي الى إفراغها من مضمونها،باسم ربطها بالخصوصيات المحلية. فالقبيلة سابقة على بناء المدن وتشكيل المجتمعات المختلطة ، فيما الأحزاب والمجتمع المدني هما من ثمرات هذه التطورات.  بهذا يجري توظيف الخصوصيات المحلية كحاجز أمام أي نهوض اجتماعي وثقافي، ووقف كل اتصال بالعصر وتفاعل معه والاستزادة من منجزااته.  وبهذا أيضاً يحتدم "كفاح" لإبقاء كل قديم على قدمه وطرد الجديد ، وكفى الله المؤمنين شر التغيير.القبيلة ليست تشكيلا طارئا ولا هي اكتشاف وقع حديثاً . كل ما في الامر أن وظيفتها تغيرت  وتبدلت بالتالي محمولاتها، فأصبح الانتماء اليها هو نسب الدم والسلالة والوشائج العائلية، لا الانتساب الى مؤسسة قائمة بذاتها بمعزل عن الدولة وقوانينها وأنظمتها ، وبمنأى عن المجتمع المختلط  وما تسوده من علاقات وأنماط معيشة، كالجيرة والزمالة والصداقة والتشارك في المهن والنشاطات الاقتصادية والهوايات والأذواق .المجتمع المدني يتشكل في المدن ويضم أبناءها ،وشطر كبيرمنهم ذوو أصول ريفية وقبلية. تنهض المدن بهؤلاء وسواهم وتتقدم الدول والمجتمعات باكتساب جمهورها صفات مدنية ، كالمساواة و المواطنة والتعليم واختيار مهنة والاعتماد على الذات ، والاحترام المتبادل بصرف النظر عن الجنس والعمر. ويشارك في أنشطة هذا المجتمع المدني أفراد بصفتهم هذه : الفردية ، بالاختيار الطوعي والقناعات الذاتية والتطلعات الشخصية، كما هو الحال في الانتساب للأحزاب والنوادي.لا تعارض بين الانتماء لمجتمع ودولة والروابط الاجتماعية السابقة عليها، ما دام الجميع ينضوون في أطر وطنية عامة تشاركية ، عابرة للبنى التقليدية ولكل ما يكبح التفتح الفردي والاجتماعي.للنشطاء والمثقفين والمنتجين قسط كبير في توطيد هذه المفاهيم التي كنا ننعم  في مجتمعنا بمثلها قبل نصف قرن، وقبل أن تهل علينا مفاهيم المجتمع المدني التي كانت تنتظم حياتنا ،بينما بتنا في الألفية الثالثة نرطن بها ونزاوج بينها وبين نقائضها.  ومن ذلك تفسير مصطلح "المثقف العضوي" ، بجعله ذلك الكائن  الذي يحتكم لتقاليد اجتماعية سابقة على نشوء الدول وبناء المدن، وبدعوى التحامه الواجب بالجماهير وإصغائه لنبضهم.لو صح هذا المنطق لكان واجباً السير وراء زعامات تقليدية اختارتها الجماهير بصورة ما، ولكان يتعين عدم التسبب بوجع الرأس وخوض معركة التقدم والتمدين.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"   

فشل انتاج زعامات جديدة

            فشل إنتاج زعامات عراقية جديدة        محمود الريماوي*                                                   بين أخبار العراق المثيرة أن السيد مقتدى الصدر قد وجه رسالة أفاد فيها أنه قد اعتزل الناس وأنه في سبيله للاستزادة من العلم في قم بعدما فشل في إنهاء الاحتلال وخروج بعض قادة تنظيمه على طاعته وانصياعهم لأهواء دينوية.الخبر مثير ، فقد ظل اسم الصدر يتردد في الأعوام الأربعة الأخيرة باعتباره من القيادات الشابة الجديدة ، وباحتسابه من الزعامات الطائفية التي تتميز عما عداها بالتشديد على إنهاء الاحتلال ، والسعي للحفاظ على عروبة العراق والنقطة الأخيرة لم يرد ذكرها في رسالته التي نشرتها مواقع الكترونية قبل أيام .والحال أن السيد مقتدي تقدم إلى الساحة السياسية بغير مقدمات تذكر من سابق خبرة أو حضور سياسي واجتماعي. وكان يمكن غض النظر عن ذلك لو أنه اثبت قدرته على التعاطي مع التحديات التي تواجه المجتمع العراقي .وواقع الأمر انه لم يتمكن ابتداء من طرح تياره كتيار وطني جامع وعابر للطوائف.خلافا لذلك فقد بدا مجرد تنويع على مجموعات وحتى ميليشيات طائفية أخرى.وهو ما يفسر الحملة عليه من الأوساط الحاكمة .حيث بدا ينازع هذه الأوساط على النفوذ بالأرضية ذاتها وهي التحشيد الطائفي. وفد نسب إلى بعض القيادات في تنظيمه الإقرار بمشاركة التنظيم في أعمال العنف الطائفي التي تستهدف في العادة مدنيين أبرياء. وهذا هو ديدن بقية المجموعات الطائفية ابتداء من القاعدة مروراً بجيش المهدي وانتهاء بميليشيات قريبة من وزارة الداخلية .لقد ظلت علاقته مع حكومة المالكي خاضعة للمد والجزر..للاقتراب والابتعاد ،بما يعكس التكوين الأيديولوجي لتياره الذي لا يحسم في أي اتجاه.فقد أراد الجمع بين توجهات وطنية جامعة ظلت في واقع الحال لفظية ، وما المواجهات مع الجيش الأميركي سوى جزء من سعي الأطراف الحكومية النافذة إلى الحد من الميليشيات الفرعية ، لتمكين ميليشيات الأمر الواقع من الانفراد والسيطرة .ضبابية الرؤية والخطاب السياسي ثم النهج التجريبي الذي اتبعه جعلت تنظيم السيد مقتدى الصدر يعوم على بحر من التناقضات ، فيما نشأت علاقات ملتبسة بينه وبين سائر القوى السياسية الأخرى سواء في الحكم أو في المعارضة، وهو ما أسهم في انشقاقات عن قيادته وإذا صحت الأنباء عن اعتزاله وانصرافه للعلم وإقامته خارج العراق، فالاستخلاص الذي تنطوي عليه هذه الواقعة هي أن العهد الجديد لم ينجح بفرز قيادات  سياسية إلا على نطاق ضيق .والسيد مقتدى الذي حملته التطورات ،لأن يكون أحد الرموز شرع من جانبه في نعي تجربته . وقد أسهمت عوامل عدة في إفقار "الساحة " السياحية ووضعت سدودا وحواجز أمام إنتاج قيادات جديدة . وفي مقدم هذه العوامل ،تأجج العنف الأهلي واختلاط المقاومة بالعنف الطائفي ، وقطع الطريق على العمل السياسي المدني بتهديد رموزه فضلا عن محاصرة أنشطته وحتى وجوده ، إضافة لتهديد فاعلين اجتماعيين آخرين كالأكاديميين والإعلاميين والفنانين. من المفارقات أن تنظيم وجيش السيد متقي الصدر، قد أسهم وبصرف النظر عن النوايا في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه.وفي النتيجة فقد وقع  الصدر "ضحية" هذا الواقع المشوه. فآثر الانسحاب. وبدلاً من القيام بنقد ذاتي إضافة إلى نقد تجارب وممارسات الآخرين ، لم يجد السيد الصدر ما يعلل به به فشل تجربته القيادية سوى عدم طاعة وامتثال البعض به، وليس فشل هذه التجربة في معالجة المشكلات ، ولكأن العراقيين يمكن أن ينشغلوا بمآلات هذه التجربة تحديداً ،بدلاً من القلق على مصير البلاد والعباد.ومع ذلك مع الملاحظات التي تقدم ذكرها، فلسوف يحسب للسيد متقي أنه  قد انضم إلى قافلة المنسحبين من العمل السياسي الميداني  ومعظمهم اختار اللجوء إلى خارج الوطن وكما كان عليه الحال قبل سقوط النظام السابق، حين كانت قوى المعارضة والتيارات المستقلة تجد ملاذا لها هنا وهناك. وفي حالته هو فقد آثر الانسحاب ولم يندفع لحرب تصفية حسابات داخلية مثلاً، أو التشبث بموقعه وامتيازاته المعنوية أيا كان الثمن المترتب على ذلك.وهو ما دأبت عليه قيادات وزعامات من قوى الأمر الواقع، على امتداد السنوات الأربع الماضية.وفي النتيجة فقد هيمنت على الساحة ومقادير الناس والوطن ،وبالطريقة التي يخبرها العراقيون،وحالت دون التفتح السياسي والثقافي، ولم توفر الكرامة والأمن والخبز، ولا منحت الناس أملا برؤية نهاية للاحتلال وقوى المرتزقة الأجانب على اختلاف صنوفهم ومسمياتهم .وفد ضاقت القوى المتنفذة حتى بمقتدى الصدر ،رغم أنه شريك أيديولوجي لها ومن المنبت الفكري نفسه.كما ضاق هو من جانبه بالمخالفين وبالمكونات الاجتماعية والسياسية الأخرى ، وشن تنظيمه عليها بمعرفته أو دونها حرباً ضروساً، فلم يتبق في الحصيلة ما يمكن له أن يفعله سوى الاعتزال.والفشل هنا هو فشل في الخطاب الفئوي وافتقاد الرؤية الوطنية الجامعة ،والتقاعس عن حماية العراقيين من الاقتتال والاستقطاب الطائفيين ، والاندفاع لتشكيل ميليشيا بدلا من بناء تنظيم سياسي مدني، وهي مآخذ تلحق العديد من القوى والتيارات "الفاعلة" أيا كان منبتها الطائفي مع مسؤولية أكبر تقع على الأطراف الحاكمة والمتسيدة ،التي أشاعت مناخ الاحتراب والفرز والتهجير، بدلاً من الانصراف للوفاء بالمهمات الوطنية الكبرى .*رئيس تحرير صحيفة "السجل" 

هجرة جماعية عن الأحزاب

هجرة جماعية عن الأحزاب     محمود الريماوي*  توافق الأحزاب ضمنياً على أنها باستثناء جبهة العمل الإسلامي ،بلا جذور اجتماعية وتفتقر لحضور سياسي وإشعاع فكري ، وأن معظمها يكاد يكون بلا مستقبل، إذا بقيت أحوالها والأحوال العامة على ما هي عليه .يعزو قائمون على تنظيمات غير مرئية ،ما هم فيه الى تضييقات وتقييدات حكومية فحسب وإلى إحباط "الجماهير" من الوضع العام، والزمن العربي "الرديء".ويبدو بعض هؤلاء كمن ينتظر  فَرَجاً  .. يترقب طفرة وانبلاجاً ما أو حتى مُخلُصاً، لتصويب المعوج وإيقاظ الشارع السادر في غفلته و"إعادة المياه الى مجاريها" ،كما كانت عليه في زمن غابر سعيد قبل نصف قرن ، حين كان الانضواء في الأحزاب عنوان الوطنية المشبوبة ونموذج المواطنة الصالحة وآية الصواب السياسي .يشعر قائمون على تلك المؤسسات الحزبية المتواضعة ذات الوجود الرمزي، أن الوضع العام  السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا يوفر مناخاً لنمو وازدهار الأحزاب بل يمثل بيئة طاردة .لا يتطلعون لتغيير شامل بل تدرييجي . يتخلون حتى عن هذا ،ويتطلعون للتصحيح وسد الثغرات وتدارك أوجه النقص. إنهم يزدادون واقعية، لكن الواقع ببشره يمضي في النأي عنهم ..أبناؤهم لا يلتحقون بأحزاب ،وهم من جهتهم أي الآباء الخزبيون لا يشجعونهم ولا يمنعونهم عن ذلك .هناك القليل القليل مما يمكن قوله وعمله في المجتمع الصغير في النواة الصغيرة بين جدران البيت العائلي، وحول ذلك البيت من بيئة أليفة : جيران وأقارب وأصدقاء وزملاء عمل ومعارف، لاجتذاب أعضاء ومناصرين أو مهتمين بالحزب و"أدبياته وطروحاته" واسمه .. لم يهجر الناس السياسة بدليل شغفهم بمتابعة أخبار الفضائيات وقراءة الصحف والمطالعة على الانترنت .مع ذلك لا حماسة تذكر لديهم للاهتمام بعمل ونشاط سياسي عموماً وحزبي خصوصاً.الناس محبطون ، بيد أنهم يندفعون نحو الاستهلاك بشغف ما تيسر لهم ذلك.،ويقبلون على أمور جدية كالتعليم والعبادات وتطوير المهارات الفردية وعلى معارض الكتب وحضور ندوات وملتقيات، ما خلا "الانخراط" في نشاط سياسي.هذا ما لا يستهوي أحداً إلا من رحم ربي .. بعضهم من القائمين على أجسام حزبية يتندرون بحسرة ،ومنهم من لم يبلغ الخمسين بعد بأن هذا الزمن ليس زمنهم : الموازين انقلبت، الحياة تبدلت والناس تغيرت. وخلف نبرة الكلام إحساس بأن قدراً غشوماً يحيق بمشاريعهم وتطلعاتهم "من أجل غد أفضل" .مع هذا الإحساس بالفاجعة هناك ما يشبه التسليم بمفاعيل هذا القدر، ويسميه بعضهم تسمية "علمية" : ظروف المرحلة ..وبالكاد يتفقون على متى بدأت هذه المرحلة، لكن أحداً لا يملك التكهن بموعد انقضائها.وإلى أن تنقضي يتم اللجوء مع بقية الخلق لأخبار "الجزيرة " وفضائيات أخرى والتراسل الصامت والناطق أحيانا مع الشاشة ..*رئيس تحرير صحيفة "السجل" .  

هيا نحسد الفقراء ..!

                    هيا نحسد الفقراء..!                              محمود الريماوي*يستذكر أثرياء سنوات فقر وعوز عاشوها في غابر الأيام .الواحد من هؤلاء وهو يستعيد ذكرياته، يكاد يتغزل بتلك الأيام التي تقترن ب"البساطة الشديدة ،فلا انشغال بطعام او شراب أو ملبس أو أثاث وكل مستلزمات الحياة الجديدة .والتي لم يكن أحد فيها ـ تلك الأيام ـ يعرف أمراض العصر مثل ارتفاع الضغط والسكري والنوبات القلبية والسرطان" .ويكاد  السامع يتخيل أن المتحدث، يرغب في سره لو تنقلب الموازين ويعود فقيراً "لا يملك شروى نقير "، وأن نحساً قد حل به وجعله في عداد الاغنياء ،بعدما كان من قبل هانئاً راضيا رخي البال. أو أن مؤامرة شيطانية أخرجته من حياة الفطرة والبراءة، وأقحمته على غير رغبة مه في زمن الصنعة والمسرات المجلوبة .في هذه المزاعم من النفاق بقدر ما فيها من خلط  للأمور. النفاق للفقراء بتزيين شقائهم على أنها الأجمل والأدعى للإعجاب ،فلا حاجة بهم لأن يغادروا مألوف حياتهم.والخلط بتصوير حياة هؤلاء على أنها أشبه بنعيم. ففيما الناس كانوا من قبل تصرعهم أمراض لا يدرون ما كنهها.وهو ما يفسر انخفاض متوسط العمر آنذاك في المناطق الريفية إلا ..من رحم ربي. وحيث كان يحتسب من شارف على الخمسين عجوزاً ، وذلك لانعدام الرعاية الصحية وللحجم الهائل من الأعباءالتي تلقى على كاهل المرء في صراعه من أجل البقاء ،حتى قبل أن يبلغ سن الحلم .الميسور الذي ينكر تعلقه بحياته الجديدة ، إنما يعاني من ضعف قدرته وعدم استعداده  للتواؤم مع الحياة المدينية ،والاعتراف بما تنطوي عليه من تعددية اجتماعية وثقافية ، ولما يعانيه من خواء روحي فليس هناك اي التفات  نحو حاجاته الروحية الأصيلة، كمتابعة الفنون والتواصل مع الطبيعة وكسر الروتين اليومي،وبعبارات أبسط لعجزه عن تزجية أوقات الفراغ وجهله المتعمد لوسائل التسلية والتسرية عن النفس، غير التوسع في الإقبال على الاطعمة..ولا يتعلق الأمر بانحيازمزعوم للفقراء ،أو تحبيذ نمط حياتهم بما يشتمل عليه من ألوان العسر والمشقة والمكابدة .وقد يأخذ توجيه الحسد للفقراء طابعاً دينياً مزعوماً ،بترديد عبارات مثل "العبد الفقير " و"كلنا فقراء"ليه" و"الفقير إليه تعالى " بحيث يجري تحوير المعنى الديني وحرفه بتصوير أن الغني هو فقير لا يختلف بشيء يذكر في حياته ،عن بقية الفقراء رغم "المظاهر الخداعة " ..ثم يتم التوسع في التصنيف كأن يقال إن الفقير هو فقير النفس لا فقير المال. بذلك يتم توبيخ الفقراء لادعائهم الفقر لمجرد أنهم لا يجدون قوت يومهم ، فيما الفقر "الحقيقي" يا صاح هو فقر النفس..فلا يكفي الفقراء ما هم فيه من بلوى ، بل يتم توجيه سهام الحسد إليهم ، ولومهم على ما يرفلون به من غنى النفس أو حياة البساطة. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"    

حظوظ القمة ومصائر الأمة

                حظوظ القمة ومصائر الأمة                      محمود الريماوي*قبل أربعة أسابيع على موعد القمة الدورية المقررة في دمشق ، تثور تكهنات واسعة حول حجم ومدى المشاركة في هذه القمة ،وهي التي تعقد للمرة الأولى في عاصمة الأمويين. والتحركات العربية باتجاه دمشق تنبىء بجهود لضمان عقد اللقاء في أجواء مريحة ، على أن هذه الجهود ما زالت تصطدم بتباين واسع حول قضايا سياسية حساسة ، وهو ما عبر عنه ناطق سوري الخميس الماضي بأن القمة في دمشق سوف تعقد "بمن حضر " .من المفهوم أن القمم تعقد لغايات منها تدارس المشكلات ،والسعي لمعالجتها على مستوى القادة ، وأن وجود هذه المشكلات لا يسوغ عدم عقدها او التغيب عنها .هذا رأي وجيه وصائب مبدئياً، غير أنه من الصحيح أيضا أن التحضيرات لكل قمة تقود إلى حصر المشكلات ووضع حلول لها .أي أن التوصل إلى حلول يسبق القمة ولا يتم في أثنائها .ويعلم القاصي والداني أن التحضيرات المسبقة ،تشمل كل شيء تقريباً بما في ذلك التوصيات والبيان الختامي، بحيث تقتصر كل قمة عملياً على إلقاء الكلمات وعقد لقاءات ثنائية بين القادة، إلا إذا وقعت مفاجآت خارج السياق . وبما أن المشكلات لم تلق طريقها إلى الحل بعد ، فلسوف تلقي بظلالها على حظوظ القمة في الانعقاد وعلى مستوى المشاركة فيها كما ألمح وصرح غير مرة الرئيس المصري حسني مبارك وأمين عام الجامعة العربية الذي يقود مهمة شاقة للتقريب بين الفرقاء اللبنانيين على قاعدة اجتذابهم للقبول بالمبادرة العربية بشأن أزمة بلدهم التي طال العهد عليها .من الملاحظ أن الخلافات تدور هذه المرة حول شؤون عربية وعلاقات بينية وليس حول تحديات خارجية .ليست هناك خلافات قوية حول القضية الفلسطينية مثلاً، وكانت سورية الدولة المضيفة قد شاركت على سبيل المثال في محفل أنابولس خريف العام الماضي .وبالنسبة لإيران وملفها النووي فهناك اتصالات عربية وبالذات خليجية مع طهران ،حول هذا الملف وسواه. وليس هناك أيضا من خلافات عربية حول العلاقات مع تركيا أو بشأن ملف دارفور أو الصحراء الغربية  مثلاً .الخلافات تدور أساساً حول الوضع في لبنان الدولة المؤسسة في الجامعة العربية. وهذا البلد يعيش أزمة غير مسبوقة فهو بل رئيس منذ ثلاثة أشهر، ومجلسه النيابي معطل.ولا يكتم العديد من السياسيين اللبنانيين مخاوفهم من الأسوأ بتجدد النزاع الأهلي الذي طويت آخر صفحاته في اتفاق الطائف قبل تسعة عشرعاماً . هناك انطباع قوي لدى العديد من أعضاء المجموعة العربية وبالذات في مصر والسعودية، بأن النفوذ السوري لدى قوى المعارضة اللبنانية هو ما يجعل الأزمة معلقة دون حل .علاوة على سابقة إفشال مبادرة عربية جماعية ،كانت سوريا طرفاً في التوصل إليها والموافقة عليها بشان خطوات الحل في لبنان.دمشق تنفي قيامها بضغوط على حلفائها ،وترفض ممارسة هذه الضغوط كما تبدى في غير تصريح رسمي،على أن تصريحات رسمية أخرى ذهبت إلى أن دمشق لن تقايض  ضمان عقد القمة على أراضيها،مقابل التخلي عن "مصالحها الحيوية " .والمفهوم تبعاً لذلك أن هذه المصالح تتمثل في نفوذها الباقي بصور مختلفة، في البلد الجار والصغير لبنان. إضافة لعلاقتها الوثيقة بحركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة منذ حزيران يونيو الماضي وتنازع السلطة الفلسطينية على الشرعية ،كما يتبدى في الخلاف حول الإشراف من الجانب الفلسطيني على معبر رفح الحدودي مع مصر.لم تنجح جهود مختلفة بذلها عدد من القادة العرب وغير العرب في حل هذه الأزمة.أما الفرقاء اللبنانيون فيتصرفون ما بينهم، ولكأن كلاً منهم يمثل دولة قائمة مستقلة بذاتها ،وليست هناك حاجة ضاغطة لمعالجة الخلافات مع دول الفرقاء الآخرين!.وكان الانطباع خلال الأشهر القليلة الماضية، أن مصادفة انعقاد القمة في دمشق خلال العام الجاري، سوف يسهم في ترطيب الأجواء وتبريد الأزمة،وذلك لحاجة الدولة المضيفة لعقد قمة ناجحة على أراضيها، وبحضور أكبر عدد من القادة العرب.المأمول أن تسفر جهود الأسابيع القليلة المتبقية عن حل لا ينقذ القمة فحسب، بل ينقذ قبل ذلك اللبنانيين من تفاقم أزمتهم السياسية،التي يهدد استمرارها بأوخم العواقب.ولا شك أنه تطور مؤسف وبالغ السلبية، أن يعجز العرب هذه المرة عن حل مشكلات بينية،علماً أنهم لم يصيبوا نجاحا لافتاً من قبل في مجابهة تحديات خارجية. وبذلك فإن دورة الإخفاق تهدد بالاكتمال والإطباق على ما تبقى من آمال وتطلعات، لتوطيد مكانة وترجيح وزن الكتلة العربية على المسرحين الإقليمي والدولي. فإذا سارت الأزمة على هذا المنوال، وسواء عقدت قمة " بمن حضر " أم لم تعقد ،فإن ذلك ينبىء بمسار جديد للنظام العربي، قد يعيدنا إلى حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي حين كانت تنشب حروب باردة، وتقوم الأطراف الإقليمية والدولية النافذة باستقطاب هذا الفريق أو ذاك مع ما يلزم من تأليب متبادل ومن صراعات مستترة ومكشوفة ، يدفع الجميع أثمانها والفرق أن هناك دفع عاجل وآخر آجل . *رئيس تحرير صحيفة "السجل"
 
A service provided by Al Bawaba