25 شباط, 2008
| خطـأ طبي محمود الريماوي* |
| في ضحي يوم صيفي من شهر تموز ولم تكن الحرارة قد التهبت بعد، قصد الشاعر بصحبة ابنه الطالب الجامعي عيادة أمراض القلب القريبة من بيته. مشي وهو المشاء المحترف نحو خمسمائة متر، بنشاط طبيعي وحيوية معتادة، وبثرثرة متقطعة مع الابن الذي كان ساهماً طيلة المسافة مفكراً بصمت في شؤون تخصه، وقد قصد الشاعر العيادة لإرضاء عائلته وتهدئتها، ولمجاملة طبيبه ومسايرته في مواعيده وطقوسه، ولتزجية وقت فراغ في قلب منطقة الشميساني، التي يروقه التجوال في شوارعها الداخلية وفي صمت ظلال بناياتها وأشجارها. وقد تسني له إنجاز هذا الواجب، بما في ذلك انتظار دوره لنحو ثلث ساعة، وكما يجب أن تنجز المواعيد الثقيلة بغير تأخير مقيت، وقد خرج من هناك وكما توقع بنتائج غير سيئة. قلما عقد الشاعر موعداً مع مرض او استشفاء في حياته. لم يقتطع وقتاً لهذا الغرض ولم يعره أدنى اهتمام، مع أن الوقت كان كله علي الدوام له. بدا له ذلك لو فعله مملاً وغير لائق، ولن ينجو من لعنة ربات الشعر) وسواهن) لو وهنت نفسه وانشغل بمرضٍ ما ومتعلقاته. المرض ببساطة لا يلائمه لا يناسبه، ولا يجد وقتاً يخصصه له، كما لا تناسب البعض مزاولة السباحة أو تدخين الأرجيلة أو تناول البيض المسلوق أو الاستيقاظ في وقت متأخر. مزاجه وهواجسه في مكان آخر. حتي أن أخبار الأصدقاء المرضي تزعجه وتضجره، إذ لا يليق بهم أن ينتكسوا بتلك السهولة، أن يسمحوا للمرض بمداهمتهم ومشاغلتهم .. ينبغي لهم أن يصدوه ويزجروه، ويطردوه شر طردة ما أن يلوح لهم، إذا كانوا معنيين بملاقاة الحياة والامتلاء بها . بل إن احترامه لأصدقائه هؤلاء كان يهتز، ما أن يبلغه وقوع أحدهم طريح الفراش، أو انزواؤه في مستشفي، فيخشي أن تنتقل أن تتسلل إليه .. بسببهم، بسبب تبادلية الصداقة عدوى الاستكانة. أما الموتي (من غير الضحايا والشهداء) فيثيرون غضبه وحيرته وكذلك شعوره بالحرج، ويتثاقل عن أداء واجب العزاء، كي لا يألف الانكسار أمام هذا العدو، فيؤدي الواجب إذا أداه بتعجل وضيق. لقد كان منهمكاً بكليته في ترقيص الأحياء والأشباح، بموسيقي كلمات تختلط بأنفاسه ووجيب قلبه ووقع أقدامه .لم يكن على ذلك في شرخ الشباب فقط، بل في ما بعده.بعدما تخطي الخمسين بخمس سنين، حتي جدد عزيمته شحنها بطاقة جديدة وبطريقة تخصه، وبدا أشد فتوة ونضارة، غير عابيء بعلامات الزمن علي وجهه الذي غزته تجاعيد أولى، وعلى شعر رأسه .. الشعر المرسل الطويل المتشح بشيب غامر، والأصح ببقية من لون بني داكن، وقد رأي بتحايل خاص في هذه العلامات مسحة جمالية افتقدها من قبل. أما انعتاقه الدائم من الوظيفة دون أن يبدو معوزاً، فأسبغ عليه رخاء نفسياً، حسده عليه عارفوه بمن فيهم المتقاعدون. لقد ذهب بقميص زاهٍ وهفهاف بنصف كم يصل إلي الكوع، وبجيب كبيرة تضم قلماً بحبر سائل أسود، وبضع أوراق بيضاء متوسطة الحجم ومطوية، لزوم اقتناص مطالع قصائد وبعلبة سجائر، وبهاتف خلوي تدرب أخيراً وبعد تردد علي استخدامه. لم تكن النتائج الطبية سيئة. ابنه غيم الذي صاحبه هو من أنبأه بذلك. لم يستغرب الشاعر النتيجة سوى أقل استغراب، فقد كان يجب أن تكون أفضل مما خرجت به، ولن يتورط في مناقشة الطبيب. لكنه لم يتكدر، ولم يتزعزع عزمه على العودة إلي البيت، لاحتساء القهوة والموسيقي ببطء، مع المرور السريع علي صحف اليوم في الانترنت، وهو واجب لم يفلح في الإفلات منه، وللتفكير قليلاً في مشاوير اليوم التي يسرح بها، والتي يأخذه قلبه إليها. وما أن خطا خطوتين واثقتين في الهواء الطلق خارج العيادة، مصحوباً بابنه الشاب المتثاقل عن أداء مهمة الاصطحاب، وقد ازدادت نفسه نفس الشاعر اخضراراً، مع تذوقه لخضرة أشجار يانعة أمام ناظريه، ومع مرور حسناء مروراً غير متعجل في سيارتها من أمامه، حتى وضع يده فجأة علي الجيب في الجهة اليسرى من القميص، وصدرت عنه : هه. شهقة مسموعة بـ هاء متكررة. بتساؤل مُر وتوجس شديد، كمن يتذكر شيئا فائق الأهمية، أو يطلق تحذيراً من طارىء محتمل، ولم يفلح وقد سقط أرضاً بقامته الطويلة وبنطلونه حسن الكي في نطق كلمة أخر . الابن خرج من شروده الطويل، وصرخ بالعاملين في العيادة أن يسارعوا لنقل أبيه إلي الداخل. وقد لبي عدد منهم النداء القوي مستغربين، ومتذمرين من عودة مريضهم الذي فارقهم قبل لحظات. الطبيب الأربعيني الشاب والمتبرم من كثرة عدد المرضي في العيادة الحكومية، الطبيب نفسه فحصه بجدية ولهفة، موضحاً أن النتيجة هذه المرة سيئة جداً وكان يمكن لعابر سبيل لا شأن له بالطب، كالحسناء التي مرت قبل قليل، أن يخلص إلى هذه النتيجة بمجرد المعاينة الظاهرية بالعين المجردة. المرة السابقة التي أومأ إليها الطبيب، هي التي جري فيها تشخيص حالة الشاعر، قبل عشر دقائق فقط وتطمينه علي وضعه مع تزويده بجملة نصائح ذهبية، عن تجنب التوتر والسهر والتوقف عن التدخين. وهو ما يسع الحسناء نفسها، أو شقيقها المتبطل النصح به. الابن ارتبك واضطرب أكثر مما حزن. شعر بصورة ما بذنب ثقيل ومسؤولية جسيمة، وبدا مستعداً للدفاع عن نفسه أمام أي اتهام ، وعلي الأغلب وكما اعتقد بسبب سرحانه، الذي لم ينقطع طيلة اصطحابه لأبيه. ولم يدرك أن السرحان موروث عن الأب المتأمل، والذي لم يتسن له أن يستيقظ بعدئذ، فقد فعل ما بدا أنه خطأ طبي ما فعل. لمثل هذه الأخطاء لم يثق الشاعر لا بالأمراض ولا الأطباء. فقد أمضي حياته في قطيعة مع ذلك العالم. وقع الخطأ لأول وآخر مرة مع الشاعر، والذي لم يدر بعدئذ ما الذي حدث رغم أنه مات حياً، فالشهقة التي صدرت عنه لم تنبىء عن فزع وذعر، ولم تزد في حدتها عن تلك التي تصدر عن شخص، انسكبت رشقة ماء علي أذنه، أو أصابه حجر طائش قذف به طفل على كتفه. وقد انبري كثيرون إلي رثائه ما أن تناهي اليهم النبأ، وبعد أن أهال حفارو قبره أكوام التراب المغبر ودون رحمة علي جسده الممشوق المسجي، ذات ظهيرة حارقة في مقبرة الرصيفة البائسة. ولحسن الحظ حظه وكذلك حظ النادبين أن المراثي لم تبلغ مسامع الشاعر، ولن تقع عليها عيناه الصقريتان، فقد كف عن الاستيقاظ وعن قراءة الصحف، فأسوأ ما يمكن وقوعه بالنسبة له، أن يجنح أحدهم إلي دعابة ثقيلة أو إلي اللؤم المفرط ويبلغه بموته مثلاً. سوف يورثه ذلك، يورث الشاعر، مشاعر التطير والنقمة الشديدة، وهو ما لا يطيقه وما لن يصدقه حتى وهو في ترابه، وما لن يغفر لأحد مثل هذه الفعلة بحقه. *رئيس تحرير صحيفة "السجل" |
20 شباط, 2008
إقامة في الطبيعة واتحاد بها
محمود الريماوي*
هذا الشتاء لم يكن بجماله المعهود. من المؤسف أن تبدو عطايا الطبيعة وقد فقدت فتنتها .لقد حل جفاف في بدايات الفصل، جفاف مصحوب بشمس قوية،أعقبته ثلجة ثقيلة العيار. لم يتمكن أحد من التكيف مع انحباس المطر،ولا مع الثلجة الكبيرة التي سبقتها واحدة عابرة كأنما جاءت ك"بروفة" للثانية. ما يبدو من تغير في مواقيت الفصول وانسيابيتها، يفاقم حالة الاغتراب النفسي والوجداني الذي بات يعانيه كثرة من الناس .ولكأن الطبيعة باتت تشبهنا، في جفاف أرواحنا وتقلب أمزجتنا وانطفاء أحلامنا .
لا، لم يكن هذا الشتاء بجماله المألوف.الخشية أن يكون فقد سحره ،ولن يسترده في زماننا . فمع انقطاع أبناء المدن عن الهواء الطلق والفضاءات والتهيؤ الغريزي لاستقبال الفصول، ها هي الطبيعة تبدو وقد "نسيت" عاداتها وباتت تتلعثم وتتعثر .
لم يكن تدفق المطر ولا شيوع البرد في زمان مضى، يسبب الأرق أو يمثل مشكلة مستعصية . كان الصغار والكبار يطربهم انتظام الفصول، بما في ذلك حلول الشتاء في موعده حاملا عطاياه وطقوسه. أبناء الجيل المكتهل يستذكرون بحنين جارف أصوات الرعد وعصف الريح، نشيج الأشجار وهطل المطر العنيف في الليل الطويل ، وذلك الاتصال الفاتن الذي يقيمه الضباب بين الأرض والسماء. وتنبض في الذاكرة صور شهب البرق وأقواس قزح والإشراقة العذبة للشمس ولو لهنيهات.ويحار المرء كيف سيكون حاله، لو كان محروماً من هذه الذكريات .
الإقامة في الطبيعة والاتحاد بها، يمنح الكائن ذلك التوازن السحري الذي بات مفتقداً. لم يكن التماس الدفء في تلك الأيام، يسبب أرقاُ لأحد بما في ذلك الفقراء.الطبيعة والخبرة البشرية كانت توفر موارد للدفء لا تقتصر على الحطب والأردية، بل تشمل الطعام والشراب الذي يبعث الحرارة في أوصال الجسم. خبرة أبناء اليوم تجعلهم لا يدركون ، أن فرك راحة الكفين يبعث الدفء ويثير في النفس مسرة ولو صغيرة!.
الآن ينظر إلى البرد كنذير خطر فحسب، وليس كعرض عادي ملازم للفصل. بل يتم النظر الى الشتاء برمته على أنه فصل الأمراض، ويتمنى البعض في سريرته لو لم يأت .وفي بال اليافعين من أبناء زماننا، أن الماء سلعة يمكن شراؤها على مدار العام من البقالات والمولات ،فلا حاجة لفصل شتاء طويل .أما الكبار فترهقهم ميزانية المحروقات ،ويبدون على ضيق وحرج شديدين من استقبال الضيف الثقيل، الذي لم تعد تربطهم به رابطة أو وشيجة.
في بلاد أخرى يشكون من نقص عدد فصول السنة بسبب الطبيعة المناخية .فيكون لديهم شتاء طويل يستغرق أكثر من نصف شهور السنة، أو تمتد أشهر الصيف لتأخذ الربيع والخريف في طريقها. ما زلنا نتمتع بالفصول الأربعة وإن طرأ قليل من التداخل بينها .الأوروبيون يحسدوننا على دفء الشمس، والخليجيون يغبطوننا على نعمة الشتاء .ونحن نريد للطقس عندنا أن يثبت على درجة عشرين مئوية على مدار السنة ،فلا نستشعر سخونة ولا برودة.علماً أن وسائل التعذيب الحديثة، تشمل تثبيت درجة حرارة وإضاءة واحدة على السجين لفترات طويلة .
عقاباً على هذا "الطمع " مع أسباب أخرى تتعلق بانتهاك التوازن البيئي، فإن الطبيعة تعاكس توقعاتنا.فبدأنا نشهد ذلك الاضطراب، الذي يجعل يوم الاحتفال برأس السنة وافر الشمس. أو تداهمنا الأمطار بغتة ونحن في ملابس الصيف في أيار.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
14 شباط, 2008
القاهرة ليلاً ونهارا ً
محمود الريماوي*
هناك رأيان سائدان في أوساط مثقفين مصرين كثر ، حول مستقبل بلدهم. رأي مفاده أن مصر تحقق نموا اقتصاديا متزايدا نحو 5 بالمئة سنويا، وتتمتع باستقرار في احتياطها من العملات الأجنبية( ثلاثون مليار دولار وبما يضاهي الديون المترتبة عليها)ويدخل مئات الآلاف سوق العمل سنوياً. ورأي آخر يفيد أن الاحتقان الاجتماعي في تزايد مستمر، وأن طرق الإصلاح السياسي شبه مسدودة، وأن النمو هو نمو للفقر مع الارتفاع المتواتر في أكلاف المعيشة .
يعكس الرأيان منظورين سياسيين متناقضين قبل أي اعتبار آخر.والمفارقة أن كلا الرأيين على ما بينهما من تعارض شديد يعكس قدرا من الحقيقة، دون أن تكون الخلاصات صائبة أو دقيقة بالضرورة. ولا يرمي هذا المقال لمحاولة الإجابة حول مسار هذا البلد ومآلاته ، بل عرض بعض انطباعات لعلها دالة. فهناك مظاهر لا تحصى للفقر تراه العين المجردة ولا حاجة للبحث عنه، وهناك الغلاء الذي يجعل القوة الشرائية للجنيه في تناقص مطرد، فلم يعد الجنيه جنيهاً كما يتندر مصريون ،فهو بالكاد يكفي ثمناً لكوب شاي ( كوشري ) في مقهى شعبي، غير أن هذه المظاهر ومثلها العشرات من مظاهر مشابهة، لا تحجب الحيوية المستمرة للشارع المصري التي يلحظها زائر القاهرة . فالسائقون ما زالوا يقودون سيارة التاكسي "نصر" بكفاءة وهمة عاليتين هي أضعاف كفاءة السيارة نفسها (بعض السيارات تعبأ بالغاز لا بالبنزين وهي ظاهرة نادرة في العالم العربي) .والجسور العلوية للمركبات يشوه بعضها منظر المدينة لكنها حلت جزء من مشكلة النقل ، بينما يوفر استخدام المترو تحت الأرض وعبر مياه النيل حل جزء آخر من المشكلة.وانتشار الهاتف المحمول وضع حدا للمعضلة التاريخية للاتصالات الهاتفية، وكبار السن والأشد فقراً هم وحدهم من لا يستخدمونه.وإذا اضطرهؤلاء لاستخدامه فهناك ما لا يحصى من محلات وأكشاك، توفر هذه الخدمة للعابرين بثلاثة ارباع الجنيه .
وبينما تنشر أحياء سكنية جديدة هي بمثابة مدن صغيرة ، مثل مدينة الشيخ زايد والمدينة المقامة على جبل المقطم ، فإن هذه المظاهر يقابلها انتشار السكن في أحزمة المقابر، وهي ظاهرة لا مثيل لها واستمرارها دون حل يلقي بظلاله على نجاعة أية عملية تنموية .وكذلك النجاح المحدود في حل مشكلة النظافة رغم أن شركة فرنسية عهد إليها مواجهة هذا المهمة الاستثمارية، وليس معلوماً لماذا لا تنهض بهذه المهمة مؤسسة محلية، ومن المفارقات أن يلحظ الزائر وجود عامل نظافة في مناطق رئيسية يستخدم المقشة التقليدية ،بينما وجود الحاويات شبه مفقود.
والمقصود بما تقدم أن القاهرة مدينة لا تزخر فقط بالتناقضات المتجاورة حيث تتجاور سيارة المانية حديثة ،مع سيدة تفترش الرصيف والى جانبها قفص حمام تعرض محتوياته للبيع ، بل تتسم باختلاط أنماط ومستويات المعيشة .الفقراء يزحفون على أحياء ومظاهر الثراء ويختلطون طيلة ساعات اليوم جنباً إلى جنب ووجها لوجه ،مع الشرائح الوسطى ومع الأغنياء أيضا .يسعى الفقراء بكفاح ودأب وعناد بطولي لاستلال قوت يومهم من بيئات الآخرين.ومن المظاهر التي ربما كانت مستجدة انتشار ظاهرة بيع الخبز على بسطات في الشوارع بصورة ملحوظة، بعد أن ارتفعت أسعاره وبات سلعة مميزة تستحق عرضها، وعناء الاتجار بها ومن طرف نساء بالذات، وفي أحياء ليست فقيرة مثل حي الدقي القريب من وسط العاصمة .وفي معظم الأحوال فمظاهر الأزمة المعيشية تبدو واضحة على قسمات النساء البائعات أو المتسوقات وجموع العاملات، ومع ذلك فإن هناك كثرة من محجبات يمخرن الشوارع بصحبة الزوج أو الخطيب،وتفيض ملامحهن بالسعادة فالتدين لا يغير عادات المصريين في الإقبال على الحياة والاحتفاء بها ،مهما تضاءلت الإمكانيات فالمشي مجرد المشي ..حلو . أما الرجال فيعرف غالبيهم كيف ينعشون مزاجهم ويبددون ولو مؤقتا آثار التعب اليومي، إما باللجوء إلى دور العبادة أو التردد على المقاهي المكتظة، أو السهر بما يتيسر من إمكانيات ومن أدوات، ومن المظاهر الجميلة استمرارعادة قراءة الصحف في المقاهي، حيث يأتي زبائن خاصة المكتهلين منهم على جريدة بكاملها، في جلسة ليست بالقصيرة ..دون تذمر يذكر من النادلين.
في الأسبوع الأخير من يناير الماضي بدا كثيرون متضايقين من موجة برد بأكثر من ضيقهم بصعوبات الحياة اليومية .فالبرودة غير المعهودة تمس بمألوف حياتهم ونمط حياتهم خاصة في ساعات الليل .وبينما ينقسم الشارع بين وطنيين( نسبة للحزب الوطني الحاكم ) وناصريين وساداتيين وإسلاميين ومعارضين، فقد وحدتهم في الأسبوعين الماضيين انتصارات فريقهم في بطولة الأمم الإفريقية .كرة القدم تستهوي مختلف الفئات بصرف النظر عن الأعمار علاوة على أنها "صناعة وطنية" .الحاجة للبحث عن نجاح أو انتصار قومي تستحث الملايين ابتداء من الأطفال على المتابعة( القومي رديف الوطني في الدول العربية الأخرى، وأحيانا يستخدم تعبير قومي للدلالة على ما هو حكومي أو رسمي كالصحف الرئيسية الثلاث القومية المملوكة لمجلس الشورى) كما عقب أكثر من معلق في الصحف.وفي نهاية الأمر فإن من أفضل ما يستوقف الزائر هو توطد الرابطة الوطنية والحس الجماعي لدى المصريين تجاه بلدهم وأحواله.حقا يجد كل واحد منهم ما يشكو منه مر الشكوى وبما يلزم من سخرية ومبالغات، ومن منظوره وحسب أولوياته ، لكن أحداً منهم لا يتحدث عن مشكلته الفردية ( رغم أنها في الغالب ليست فردية محضة )، بل عن مصر وليس أقل من ذلك .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
09 شباط, 2008
ظاهرة ثقافية أم مولد؟
محمود الريماوي*
وصف مثقف مصري معرض القاهرة السنوي للكتاب بأنه "مُولِد للكتب". وتشهد احتفالات الموالد التي تقام لاستذكار "الأولياء الصالحين" إقبالا جماهيريا يضم مئات من مختلف الأعمار مصحوباً بالضوضاء مع عروض تجارية، لاجتذاب الزائرين ونشاطات ترفيهية أخرى مصاحبة كحفلات الغناء والموسيقى الشعبية وبعضها على مستوى رفيع. الوصف السابق وإن بدا قاسياً وعلى شيء من المبالغة المتعمدة، إلا أن واقع الدورة الأربعين للمعرض التي اختتمت الاثنين الماضي، الرابع من فبراير الجاري لا يبتعد كثيراً عن فحوى هذا الوصف.
لقد نشأت فكرة المعرض في العالم العربي وبريادة مصرية لتيسير الإقبال العام على القراءة وحيازة الكتب.غير أن الأمر لم يلبث أن تحول الى محض مناسبة استثمارية للناشرين ، وذلك مع التخلي عن تحديد الأسعار وتثبيتها على الغلاف الأخير للكتاب . مع هذا التعويم باتت الحسومات على الكتب مجرد دعابة إن لم تكن فرية .بل إن رئيس الهيئة العامة للكتاب ناصر الأنصاري، رأى أن الهيئة وهي الجهة الرسمية المنظمة للمعرض لا تملك حق التدخل في اسعار الكتب المعروضة . أدى ذلك لارتفاع الأسعار باستثناء تلك التي تصدرها وزارات وهيئات الثقافة العربية وأفضلها تلك التي تصدر في مصر وسوريا .
وفي أجواء السوق والازدحام يكاد يتعذر الحصول على دليل في أي جناح من الاجنحة عن الكتب المعروضة وعدد عناوينها حسب التقديرات الرسمية بلغ ستة ملايين بعضها لدور نشر أجنبية ،وذلك مع مشاركة 12 دولة بثلاثة وأربعين جناحاً من خارج العالم العربي.مقابل 178 جناحاً عربياً و552 جناحاً مصرياً .
ولم تغب الاعتبارات السياسية والأمنية عن المعرض سواء بما لا يحصى من كتب معروضة تتناول هذين الشأنين ، أو بالافتتاح الرسمي من طرف الرئيس حسني مبارك كما هو دأبه كل عام الذي زار أجنحة وزارتي الدفاع والداخلية وأجنحة الصحف القومية : الأهرام والأخبار والجمهورية وجناحي الهيئة العامة ومكتبة الأسرة ( تشرف السيدة سوزان مبارك فخرياً على السلسلة الأخيرة التي توفر منشورات جيدة بأسعار زهيدة). أو بالتفتيش الدقيق للسيارات الداخلة مع الاستعانة بكلب بوليسي ، او باستغلال جماعة الإخوان المسلمين لتنظيم حشود استعراضية ومسيرات في أرض المعارض( وهي في واقع الحال أرض معارض مقامة في مدينة نصر) .على أن الندوات السياسية أخذت تغيب شيئاً فشيئاً ، وكان من رموزها في الأعوام السابقة الكاتب محمد حسنين هيكل الذي ينشر أسبوعياً في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة رسائل ـ مقالات موجهة للرئاسة ،فيما ذكر الرئيس في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة "الأسبوع" مصطفى بكري :"إننا لسنا بحاجة لأصوات من الماضي كي تدلنا على طريق المستقبل "
من العلامات الفارقة لهذا المعرض اتخاذه من الراحلة سهير القلماوي شخصية معرض هذا العام . وهي مع الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق ، صاحبة فكرة معرض القاهرة الدولي. وقد ترأست دورته الأولى في العام 1967 بوصفه أفضل الردود الثقافية على الهزيمة المدوية في ذلك العام .والقلماوي أول طالبة جامعية مصرية في العام 1929 وأول أستاذة جامعية وأول رئيسة للهيئة العامة للكتاب .وهي ناقدة ومترجمة . واختيارها جاء يحمل بين عناوين أخرى تكريماً للمرأة، دون أن يحول ذلك بين ظهور منقبات بملابس كاملة السواد ترددن بصحبة ذويهن من رجال على معرض هذا العام، الذي لم يخل جناح من أجنحة الدول العربية، بما فيها مصر الدولة المضيفة والمنظمة، من عشرات الأجنحة لدور نشر إسلامية وسلفية . وفي الندوة التكريمية الأولى عنها قال الناقد جابر عصفور: "مع عبد المحسن بدر وعبدالمنعم تليمة، كنت من تلامذتها الأقرب إليها .وكنت المدلل بينهم. والتدليل عندها يعني الصرامة والشدة" .وكشف عصفور عن أنها، حين تلقت أطروحة تليمة، خاطبت زميله عبد المحسن بدر بالقول: "أنت علمته الماركسية، فالرسالة اصطبغت باللون الأحمر، ولكن لا بأس، فالعلم اختلاف". ولدى مناقشة الرسالة دافعت القلماوي بشدة عنه، وهو ما جعلني ـ قال عصفورـ أتعلم درسا أساسياً وهو أن لا قيمة للعلم والفكر إلا بالاختلاف .
من العلامات الأخرى اختيار دولة الإمارات كأول ضيف شرف عربي في المعرض. وقد أقيمت نشاطات ثقافية وفنية للدولة الضيف داخل المعرض وخارجه برعاية رسمية وبحضور وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي محمد الشعالي، في دار الأوبرا وقصر المانسترلي ومجمع الفنون ومتحف محمود مختار. وكرمت الدولة الضيف 11 مصرياً ساهموا في العمل الثقافي في الإمارات .
ومن العلامات أيضا تيسير الفرص أمام المجموعات الفنية وادباء الأقاليم والجماعات المسرحية والأصوات الجديدة في ملتقيات وأنشطة على مدار أيام المعرض (23 ينايرإلى 4 فبراير). وكانت أصوات الفنانين والمنتدين تصدح دون توقف تقريباً إلى جوار المقهى التقافي الذي يجتذب الضيوف العرب والأدباء المصريين المكتهلين والإعلاميين وأعداد أقل من عامة الجمهور. ولم تُثَر إلا بصورة محدودة مسألة مصادرة كتب، ربما بسبب فيضان الكتب المعروضة، ولأن هناك مؤلفات معروضة لمؤلفين تردد أن كتبهم صودرت، فيما أكد مثقفون آخرون أن كميات إضافية لبعض الكتب هي التي صودرت بالفعل لعلوية صبح والياس خوري وميلان كونديرا وآخرين، لكن كتب هؤلاء تباع في الوقت نفسه خارج المعرض في مكتبات القاهرة.
وقد نفى الأنصاري رئيس هيئة الكتاب بشدة أن تكون هناك عمليات مصادرة، واعتبر أن نشر هذه الأخبار يرمي للترويج لتلك الكتب، فيما قال في حديث صحفي آخر أن هناك تنظيماً لدخول الكتب حسب اللوائح والقوانين في الموانىء والمطارات، كما هو معمول به في بقية دول العالم حسب قوله.
ورغم بروز ظواهر مقلقة في تدخل بعض الأطراف مثل الأزهر في شؤون نشر الكتب التي تتناول مسائل دينية، إلا أن حرية التعبير في مصر تظل هي الأعلى إلى جانب لبنان والمغرب بين بقية الدول العربية ،كما أن المجتمع المصري ما زال أكثر تقبلا لحرية التعبير من سواه، وذلك بعدما تحولت مجتمعاتنا إلى رقيب، وغدت مصدراً لسلطة الرقابة على حرية التفكير والتعبير.
يرى مثقفون مصريون منهم القاص سعيد الكفراوي أن معرض الكتاب بات مجرد تكرار لمعارض سابقة، ومع ذلك تظل الحاجة اليه قائمة على الرغم من أية ملاحظات لما يوفره من فرصة لإثارة فضول الجمهور نحو الكتاب .
وواقع الأمر أن معرض هذا العام ووجه بمنافسة قوية من بطولة الأمم الإفريقية في غانا التي أبلى الفريق المصري فيها بلاء حسناً، علاوة على موجة البرد الشديد التي قيل إن القاهرة لم تشهد مثيلا لها منذ عقود. ويبقى أن المعرض يشبه إلى حد بعيد القاهرة في ازدحامها واختلاطها و في إبداعها وضوضائها، وفي التنازع بين الفوضى الضاربة والمحاولات المستميتة لتنظيم شؤون حياتها، وفي الطموح إلى اكتساب صفة العالمية.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
05 شباط, 2008
الفرجة على الانتخابات الأميركية!
محمود الريماوي*
تمثل الحملات الدعائية بما تشتمل عليه من مواقف ورؤى،جزء كبيراً من انتخابات الرئاسة الأميركية. وهو ما قد يشد اهتمام المراقب في الخارج أو يحد من هذا الاهتمام.السياسة الخارجية لم تحتل بعد حيزاً ملحوظاً من هذه الحملة، لكن وقتاً طويلا ًلن يمر قبل أن يثار موضوع العراق مثلاً في الحملة لما له من بُعد داخلي .وبدرجة أقل الملف النووي الإيراني. أما ما تم التواضع على تسميته منذ أمد بعيد بملف الشرق الأوسط، فالواضح أن الاهتمام به سوف يتراجع من جهة، وسوف يزداد التصاق النخب الحاكمة والمرشحة للانتخابات بمواقف ومصالح المحتلين "الإسرائيليين" من جهة ثانية. ليس ذلك بالطبع أمراً جديداً، غير أن دوام هذا الأمر يستحق أن يثير المزيد من القلق لا الألفة معه !.
ما سبق يدل على ما يشبه انعدام التأثير العربي وعلى مدى عقود ،على الحياة الداخلية المفتوحة في الولايات المتحدة .سواء تعلق الأمر بتأثير الدول والحكومات أم الجامعة العربية أم مئات المؤسسات والهيئات الأهلية. وبدرجة أقل تأثير منظمات الأميركيين من أصل عربي وهذه تستحق تناولاً منفردا لها من الأكثر خبرة بشؤونها .
التأثير غير المرئي والغائب ، لا يعود فقط الى الفشل المزمن ، بمخاطبة الرأي العام الأميركي في بلاده ، ولكنه يتصل أيضا بالرسائل الباهتة التي تصدر عن العالم العربي، نحو العالم عموماً والأميركيين خصوصاً . ففي وقت يتحدث فيه مرشحون أميركيون مثل هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي، حول إرث تحرري يستلهمه بعض المرشحين مثل إرث التحرر والعدالة والمساواة الذي يمثله مارتن لوثر كنج ، فالخطاب الرسمي العربي وأحياناً الأهلي قلما يؤكد على هذه القيم في معرض الحديث عن الحقوق العربية : قيم الحرية ومناهضة العنصرية التي تمثلها الدولة الصهيونية. فخطاب السلام العربي ،مفعم بروح المناشدات وحتى الاستعطاف، وكان مسؤول عربي تحدث مرة عن الاستجداء كخيار لا مناص منه ولا بديل عنه !. وبدلاً من الحديث عن حقوق غير قابلة للانتقاص أو التنازع حولها مع المعتدين ، فإنه يجري الحديث باستمرار وبطريقة نمطية وآلية عن الرغبة بالتفاوض والاستعداد التام له .وبذلك يطغى الحديث عن الوسائل والأجراءات ، التي لا تجتذب السامع إليها ، مقارنة بالحديث عن الحقوق والأهداف المشروعة .
أما الاختلاف مع السياسة الخارجية الأميركية في منطقتنا ، فيم باستمرار التمويه عليه والقفز عنه، وهو ما دأبت عليه القمم العربية على سبيل المثال . فكيف والحالة هذه يمكن مخاطبة الشارع الأميركي بلغة واضحة يفهمها ويتبين منها أخطاء وانحياز وإدارته، وأخذ حديث أصحابها بالجدية المتوخاة ؟.
الراهن أن المسؤولين العرب سوف يتفادون أي "تدخل" في مجرى الانتخابات الأميركية . وذلك وفق مقولة تفيد أن إبداء أي مرشح، ولو نزراً يسيراً من التفهم والإنصاف لحقوق العرب سوف يعيق فرص تقدمه، ويضعف حظوظه في الفوز.ومؤدى ذلك أنه من الأفضل أن يزايد على غيره من المرشحين في الانحياز لتل أبيب، كيما يشق طريقه نحو البيت الأبيض ، أما بعد وصوله فيمكن التداول معه بشأن اتخاذ الإدارة لمواقف نزيهة !.وهو تكتيك أثبث عقمه على مدى عقود. مقابل نجاح الطرف الآخر الصهيوني، في مراقبة سكنات وحركات المرشحين، والوقوف بالمرصاد ضد خروج أي مرشح عن "النص". ناهيك عن استثمار وسائل الإعلام المملوكة لصهاينة وتوظيف تمويل الحملات الانتخابية لغايات سياسية مكشوفة. وهي وسائل ما لم يفكر العرب بعد باستخدامها،عبر منظمات ومؤسسات الأميركيين من أصل عربي.
في هذا السياق قد يصدم العرب قريباً بمواقف يعبر عنها باراك أوباما ،الأميركي من أصل كيني والذي ينافس هيلاري على ترشيح الحزب الديمقراطي له لسباق الرئاسة،ذلك بإثبات ولائه للدولة العبرية وتبخيسه للحقوق العربية والفلسطينية .والصدمة المنتظرة تعود الى العزوف عن مخاطبته والركون إلى أن ميله التحرري الداخلي سوف يترجم تلقائيا لنصرة حقوق المستضعفين في كل مكان .غير أنه وفق النظرة السائدة في المجتمع الأميركي فإن الدولة العبرية هي المستضعفة ،حتى أن صحفياً عربياً مقيماً في الولايات المتحدة وصف ارتباط الأميركيين بالدولة الصهيونية ،بأنه أشبه بارتباط العرب بالقضية الفلسطينية .مما يبين مدى الغياب العربي عن الساحة الأميركية ،ووسائل التأثير فيها والتي تتعدى المستوى السياسي للإدارة والكونغرس .
في المحصلة فإن الحملات الانتخابية ناهيك عن الخيارات السياسية للمرشحين توفر فرصة عظيمة للصهاينة لتعبئة الأميركيين خلف الاحتلال، وإظهار أن مصلحة كل أميركي إنما تكمن في التماهي مع مصالح الاحتلال وتأييدها بصورة مسبقة ومطلقة ، وهو يؤدي لمزيد من التطابق بين واشنطن وتل أبيب ،بما يغذي النزعة العدوانية والتوسعية لهذه الأخيرة .فلا يحصد العرب تبعاً لذلك إلا المزيد من الخيبة والإحباط وانخفاض سقف مطالبهم .وما تقدم هو ثمرة لسياسة تفتقد الى الدينامية والمبادأة ،وتقوم على وهم أنه يكفي الإعراب عن نوايا ومقاصد سلمية ومسالمة، كي يندفع العالم كله لتأييدنا والوقوف إلى جانبنا ونصرة حقوقنا .
وفي النهاية: أليس مثيراً للعجب أن يتدخل الآخرون كما هو مرتقب من مرشحي الانتخابات الأميركية في قضايانا المصيرية ، فيما نعتصم بموقف الصمت واللامبالاة والمراقبة الساكنة عن بُعد ؟ .
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
01 شباط, 2008