23 كانون ثاني, 2008
شتاء الحنين
محمود الريماوي*
كانت الشتاءات في ما مضى من بضعة عقود أشد برودة، ونهاراتها أشد إعتاماً. فلا شمس تبزغ في النهار إلا ما ندر. يهطل المطر مدراراً لأسبوع كامل بغير توقف، والعواصف تهب مزمجرة تأخذ في طريقها كل ما هو قابل للزحزحة والطيران من موضع إلى آخر، والرعد يأتي مثل القصف يزلزل ما هو ساكن ويستمر لساعات، وعلى من يصغي لهذه الأصوات من الأطفال أن يألفها و يهنأ بها، وإلا فلسوف يستشعر الغربة في بيت العائلة ومع الجيران الأقربين. يعتصم الناس شتاء في بيوتهم ويهجرون مضطرين أعمالهم. ولم يكن الناس رغم ذلك يموتون جوعاً، فهم يعتمدون على جني أيديهم من محصول يجري تخزينه بتدبير من أم البنين وزلمة البيت، ومن أدركته الحاجة هب جيرانه لمد يد العون له، فهم على علم مسبق بما يحوزه الجار وما يعوزه، فلم تكن "البيوت أسرار" كما هي الآن .ومع ذلك كانت تلك الشتاءات ، أكثر ابتعاثاً للدفء النفسي في أوصال وحنايا الكبار والصغار.ذلك ما يستذكره كبار السن أمثال كاتب هذه الكلمات.وسائل التدفئة بدائية ( لم نكن نعرف في حينها أنها بدائية ..) فمن لديه حطب أكثر ومن كان موقده (كانونه ) أكبر أو يتوفر على اثنين منه، ولديه ما تيسر من بيض وحبات بطاطا وبلوط وبصل، فهو في رغد من العيش حتى لو كان الدخان المنبعث من الحطب ومن سجائر الهيشي يملأ فضاء البيت، ولعل هذا الدخان الذي يتشارك الجميع في استنشاقه هو أحد عوامل الدفء! .
يستذكر كثيرون منا تلك الأيام، بحنين جارف يرتج معه القلب. ومع ذلك فثمة مفارقة ما : لا أحد يريد العودة إلى تلك الأيام والظروف، حتى لو كان قد فارقها منذ سنوات قليلة فقط .
مغزى ذلك أن الشقاء وقلة الحيلة وضيق ذات اليد، ليست هي أبدا معقد الحنين ولو كابر البعض منا وادعى بمثل بذلك. فليس من الفطنة حقاًُ استعادة ظروف العوز والشقاء، وتصويرها على أنها لا أبدع منها، وأنها أجمل أيام العمر،وبدلالة أن أحداً لا يمكنه ولا يرغب بالعيش وفق ذلك النمط القديم .
الراجح أن الحنين يتجه إلى ما نفتقده حالياً من البساطة حيث كان يسود التواصل العائلي، رغم مركزية وأحياناً قسوة الأب.وحيث الرضى والقناعة هما بمنزلة قيمة مستقرة في الضمائر والنفوس .ولئن كان يؤخذ على تلك القيمة اقترانها بالدعة وانطفاء الطموح والعزلة عن المدينة، فإن أيامنا هذه التي يتم فيها التكالب من الجميع تقريباً على عبادة المال، ليست بأفضل حالاً بل أسوأ بما لا يقاس.
يود المرء الإشارة إلى سبب آخر يبعث الحنين لتلك الأيام، هو: الاتصال بالطبيعة الذي نفتقده في زماننا.كان الناس من قبل يشهدون شروق الشمس وغروبها.ويمضون سحابة نهاراتهم في الحقول والخلاء .والطفل يتلمس التراب والطين وحتى الشوك بيديه الغضتين، لا كأطفال اليوم المعقمين الذي يكبرون أمام التلفزيون .الانفصال عن الطبيعة والإقامة داخل الجدران، يورثان الخلل وافتقاد التوازن ومعهما الملالة وانطفاء الروح .وهو ما يلمسه المرء ما أن يخرج من العاصمة عمان، إذ تنشرح أساريره على التو لمدى الرؤية الفسيح، ولتجليات الطبيعة حتى لو كانت فقيرة .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
19 كانون ثاني, 2008
تقدم حثيث في الاتجاه الخاطىء !
محمود الريماوي*
بينما عبر رئيس وزراء الاحتلال إيهود اولمرت عن تقديره لما عبر عنه الرئيس بوش من "فهم أساسي لمتطلبات السلام " فإن الأطراف العربية التي استقبلت الزائر الأميركي الكبير اطلقت إشادات دبلوماسية بهذ التحرك ،فيما تراجعت السلطة الفلسطينية في وسائل إعلامها عن وصف الزيارة بالتاريخية، مما ينبىء أن الجولة لم تحقق اختراقا في المهة الرئيسة المتعلقة بسير العملية التفاوضية الفلسطينية الإسرائيلية .
لقد عبر الجانب الفلسطيني على لسان رئيس لجنة المفاوضات عن رضاه لتفعيل لجنة ثلاثية تشارك فيها الولايات المتحدة الى جانب الاسرائيليين والفلسطينيين، غير أن هذه اللجنة وهي ليست جديدة لا تتمتع بتفويض سياسي، وهو ما ينسجم مع الطرح الأميركي المستند الى مقولة عدم التدخل في مجرى التفاوض. فاللجان المشتركة عنيت بالموضوع الأمني، وحتى هذا الموضوع فقد تم تكييفه وتأويله الى مراقبة النشاطات الفلسطينية حصراً دون الاسرائيلية ، وباعتبار اسرائيل تقوم" بواجبها في مكافحة الإرهاب" وليست قائمة بالاحتلال وتمارس أنشطة ذات صلة بإرهاب دولة محتلة .
الجانب الفلسطيني يرغب في توسيع عمل اللجنة ب"مراقبة" سير التفاوض، وهو أمر متعذر بعدما كرس الرئيس بوش في جولته مفهومه لعدم التدخل، وهو مفهوم كان يمكن القبول به لو أن الطرف الأميركي دعا الطرفين للالتزام بالمرجعية الدولية، والاتفاقيات السابقة المبرمة .غير أنه اخذ بالرأي الاسرائيلي القائم على أن ما يتوصل اليه الفريقان هو ما يلزمهما وليس أي شيء آخر .
على أن بوش تقدم بعدئذ خطوات حثيثة في الاتجاه الخاطىء. فقد تبرع في أثناء زيارته لتل ابيب باستباق نتائج التفاوض، فقام عملياً بالتدخل حين دعا الى دعم دولي لتعويض اللاجئين الفلسطينيين .بذلك أقفل باب التفاوض مسبقا حول إعادة اللاجئين الى ديارهم، وحصر النتيجة بمنح تعويضات تتولى أمرها هيئة دولية. بهذا تم من طرف الرئيس بوش إعفاء الدولة العبرية من مسؤوليتها تجاه عدم تنفيذ القرارات الخاصة باللاجئين، وإحالة المسؤولية الى""المجتمع الدولي " لأداء التعويض ، وبصرف النظر عما إذا كان أصحاب الشأن من اللاجئين وممثليهم يرتضون بهذا الحل أم لا، ثم تحميل المجموعة العربية وزر عدم التقدم على الطريق السلمي، مع إعفاء تل ابيب من واجبها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في العام 1967 وإزالة الاستيطان الذي يمثل الوجه البشري ـ المدني للاحتلال .
ثم اشترط الزائر استعادة السلطة السيطرة على قطاع غزة" ليصبح أي اتفاق سلام قابلا للتطبيق" .ومعلوم أن حركة حماس قد نشطت و"ازدهرت" مع تجويف وتآكل المشروع السلمي، وقيام شارون واولمرت بتجريد حرب يومية ضد السلطة والمجتمع الفلسطيني وسط صمت أميركي "يرتقي" الى مستوى التواطؤ، وصولاً الى فوز الحركة في تلك الظروف بالانتخابات .تتجاهل واشنطن هذه الوقائع، وتغفل عن أن التقدم الفعلي على طريق التسوية هو ما يسحب الأرض من تحت أقدام حماس في الضفة والقطاع.علاوة على ما تنطوي عليه الدعوة لاستعادة غزة وبالعنف كما هو مفهوم ، من دفع نحو احتراب فلسطيني داخلي. وحتى مع القناعة بأن حماس هي من بادرت أولاً الى الاحتراب، غير أن تصويب الخطأ لا يتم بالاندفاع لارتكاب خطأ آخر .
ولم يكتف الزائر الأميركي بهذا فقد طالب العرب خصوصا دول الخليج ، ب"مد الأيدي الى اسرائيل"، ومؤدى ذلك تقديم مكافأة الى المحتلين نتيجة تشبثهم بالأراضي المحتلة طيلة أربعين عاماً، ورفض الانسحاب منها .والأسوأ منه صرف النظرعن مبادرة السلام العربية التي تقدمت بها في الاساس المملكة العربية السعودية. لكن على العرب بالمناسبة أن يلوموا أنفسهم،لعدم تثبيتهم للمبادرة على جدول الأعمال الإقليمية والدولية ، فقد سبق على سبيل المثال أن عقد وزراء خارجية مصر والأردن واسرائيل اجتماعين بشان المبادرة في القاهرة وتل ابيب،لحمل هذه الأخيرة على قبولها ،غير أن الأمر توقف بعدئذ ربما الى حين استجابة تل ابيب لنداءات الضمير والتقدم من تلقائها للموافقة على المبادرة والعمل بمقتضاها ..
وفي الاتجاه الخاطىء والملتوي نفسه، تطوع الرئيس بوش ودعا للاتفاق على "هوية الدولتين "
وهو مطلب غريب لا محل له في القرارات الدولية ولا في تجارب الاعتراف بين الدول .والمقصود بتحديد الهوية هنا هو حمل الطرف الفلسطيي على الموافقة على يهودية الدولة الإسرائيلية .وهو ما يمس حقوق المواطنة لنحو مليون وربع مليون فلسطيني (عرب 1948 )،وهؤلاء مسلمون ومسيحيون وليسوا بالطبع يهوداً .غير أنهم ابناء الأرض ولم يفوا اليها من وراء البحار كما هو حال المواطنين اليهود .
يراد بهذه الدعوة فتح الباب أمام إعادة" هندسة ديمغرافية " تتيح تهجير هؤلاء عن وطنهم ، في عملية تبادل مع بعض مستوطني الضفة الغربية بعدما صمدوا فيه صموداً باسلاً ، وواجهوا بشجاعة عسف وعنصرية الدولة القائمة وخاصة خلال العقدين الذين تليا قيام الدولة الاسرائيلية .وسبق لتل ابيب ان تقدمت بهذا الطرح وقوبل برفض من شديد من قبل المكونات السياسية على اختلافها داخل "الخط الاخضر " كما من طرف السلطة في رام الله .
تطول القائمة في ما اتى به الرئيس من ..كشوفات ، لا تعدو ان تكون صياغة اميركية لرؤى أقصى اليمين الإسرائيلي.ومنها دعوته ل"إنهاء الاحتلال مع الأخذ في الاعتبار الوقائع الجديدة" ويقصد بها المدن الاستيطانية التي تضم اكثر من 400 الف مستوطن ، مقابل حملته على المستوطنات العشوائية التي تضم أقل من ثلاثة آلاف مستوطن . وفي ذلك درجة فصوى من التدخل في مجرى التفاوض وتثبيت نتائج مسبقة له، بما يجعل التفاوض قائما بين واشنطن وتل ابيب لا بين هذه الأخيرة والجانب الفلسطيني ! .
يبقى أن هذا الاستخفاف ليس جديداً ولن يكون الأخيرما دامت الاطراف الفلسطينية والعربية تسنكف عن اسلوب المواجهة السياسية ، أو على الأقل المصارحة الحازمة مع واشنطن وتستبدلها بأسلوب المناشدات دون سواه .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
16 كانون ثاني, 2008
التعريب هو الحل محمود الريماوي*
تشكل المبادرة العربية من أجل لبنان ، أول وأوضح جهد "تدخلي "جماعي باتجاه هذا البلد المؤسس في الجامعة العربية .وهو ما يجعل المقارنة بينه وبين اتفاق الطائف في محلها .فقد أنهى ذلك الاتفاق الذي وقع في العم 1989 نحو خمسة عشر عاماً،من حرب مريرة أهلية وإقليمية عصفت بذلك البلد واستنزفت موارده البشرية والطبيعية. رعت آنذاك المملكة العربية السعودية هذا الاتفاق بالتعاون مع دول أخرى أبرزها مصر وسوريا وبدعم دولي . تم الاتفاق في حينه بمشاركة الفرقاء المعنيين من "أمراء الحرب " وهو ما لم يتيسر في صبغة الحل التي اجترحتها الجامعة العربية مؤخراً، ذلك لأن الحوار والتلاقي بين الزعامات اللبنانية بات متعذراً ،وصيغة الحل تلحظ ضمنياً هذا الاستعصاء ضمن معضلات أخرى .
دعت لاجتماع وزراء الخارجية كل من السعودية ومصر، فكان أن نجحت الدولتان في اجتذاب تأييد جماعي للخطة يشمل سوريا.وهي الخطة التي يمكن تلخيصها بانتخاب رئيس توافقي لا ينتسب لأحد الفريقين الرئيسين، ثم تشكيل حكومة جديدة لا يكون لأي فريق فيها قوة التعطيل، والتهيئة لوضع قانون انتخاب جديد يؤذن بإجراء انتخابات نيابية مبكرة. وذلك بما يجمع مطالب فريقي 8و14 آذار في سلة واحدة .وأكثر من ذلك فإن هذه الصيغة التوفيقية ، تقطع الطريق وتنزع الذرائع التي تنطوي عليها اتهامات متبادلة بين الطرفين، بالاستقواء بأطراف خارجية دولية وإقليمية. ف"المتدخل" هذه المرة هو المجموعة العربية،ونحو بلد جرى التسليم بهويته العربية من طرف مكوناته المتصارعة، وبما ينزع عن هذا "التدخل" صفة طرف خارجي.
لقد عجز طرفا الأكثرية والمعارضة عن انتاج تسوية داخلية للأزمة العاصفة المفتوحة، والتي تدخل في شباط فبراير المقبل عامها الثالث. فقد تم استخدام حنكة هائلة وما لا يحصى من مناورات سياسية لإدامة الأزمة، ولم يتم بذل النزر اليسير من تلك القدرات لتمكين هذا البلد من استعادة عافيته وتماسكه وضمان التعددية فيه ومرتكزات "العيش المشترك"، في ظل نظام ديمقراطي دستوري ومرن، يقوم بين ما يقوم عليه..على التوازن الطائفي.
في ضوء ذلك فإن عدم الانفتاح الجدي على الخطة وعدم التعاطي الإيجابي معها، سوف يدفع الى شحن الفراغ بعناصر توتر مقلقة .وللمرء أن يلاحظ أن شغور موقع رئاسة الدولة، يترافق مع الطعن بدستورية الحكومة القائمة، ومع تعطل عمل البرلمان، فإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فسوف يؤدي ذلك الى المزيد من تجويف المؤسسات الدستورية : الرئاسية والتنفيذية والتشريعية، وإلى حرمان اللبنانيين من ركائز دولة يستظلون بها تضم شتاتهم وتنظم اجتماعهم. ولا شك أن "معجزة" ما هي التي تجعل الحياة تمضي على طبيعتها هناك، مع شلل المؤسسات .
غير أن التحدي يكمن في ابتعاث هذه المؤسسات لا تغييبها. وأصحاب الحنكة أيا كانت مواقعهم والذين أوصلوا بلدهم إلى هذا المآل،عليهم البرهنة أن "قلوبهم" على بلدهم وشعبهم، لا أن تنحصر انشغالاتهم وأهدافهم في مغالبة الفريق الآخر والانتصار عليه،ولو تم ذلك على حساب كل شيء .
لقد كان لافتاً حجم التأييد الذي لقيته المبادرة وبالذات من أطراف تقف خارج الثنائية السياسية القائمة كما هو حال "منبر الوحدة الوطنية ـ القوة الثالثة" الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق الدكتور سليم الحص، حيث اعتبر المنبر في بيان أصدره الثلاثاء الماضي الثامن من الجاري "أن المبادرة عادلة وتؤمن حلاً لمرحلة انتقالية، وعلى الأطراف كافة للتجاوب معها دون التسبب بمشكلات في التطبيق. أننا لا نشاطر رأي الأكثرية التي يصر بعضها على الاستئثار بثلثي مقاعد مجلس الوزراء، ولا نشاطر رأي المعارضة التي يطالب بعضها بالثلث الضامن أو المعطل، فصيغة التسوية المقترحة تؤمن مخرجاً فورياً من أزمة الحكم التي نعانيها ".
في نهاية الأمر على عاتق اللبنانيين تقع مسؤولية التوصل إلى حل توافقي ووفاقي.غير أن التواضع يملي على أصحابه الاعتراف بالعجز حتى الآن،عن اجتراح هذا الاستحقاق الوطني وتحقيق هذه المهمة الإنقاذية. بما يملي تعريب الحل والأخذ بمشورة الأشقاء والاحتكام اليهم ، وهو ما تجسده المبادرة الجماعية التي لا تعالج حقاً تباينات جوهرية بين الفرقاء، لكنها تضع الأزمة على طريق الحل الناجز وتؤمن متطلبات مرحلة انتقالية،وذلك بإحياء المؤسسات الدستورية ومرجعية الدولة، وصد مخاطر النزاع الأهلي وتطويق الدعوات التقسيمية ما ظهر منها وما بطن.وخلاف ذلك ستكون الحصيلة هي سد كل الطرق أمام أية مبادرة سواء كانت داخلية أم عربية، وتعظيم الفراغ وتسليم البلد وأهله للمجهول، وذلك في ظرف حساس وشديد التعقيد ،من مظاهره التنازع المكشوف بين قوى خارجية عديدة، لبسط النفوذ على لبنان واستلاب إرادة شعبه.
في أوقات سابقة صدرت دعوات ومناشدات من أطراف لبنانية شتى، لتأمين مظلة عربية و"احتضان" عربي للبنان برعاية الحلول فيه وعدم التضحية بهذا البلد،وإنقاذه من التدخلات وصيانة عروبته وانتمائه القومي.. يُفترض الآن من أجل تحقيق بعض هذه الغايات، التجاوب مع مبادرة جماعية عربية لا سابق ولا بديل لها، لا أن تنغلق الأزمة الداخلية وتتصلب، فتتبدى ويا للمفارقة كأنما هي صراع بين ممثلي دول وكيانات متجاورة ،لا بين شركاء في وطن واحد.
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
13 كانون ثاني, 2008
بهجة الصفحات الأخيرة
محمود الريماوي *
لا بد ان قراء كثيرين مثل كاتب هذه الكلمات تستهويهم قراءة الأخبار الخفيفة على الصفحات الأخيرة من الصحف. بل يؤثرون قراءتها على الأخبار "الجادة" في الصفحات الرئيسية. لا يتعلق الأمر بالهرب من رتابة الأخبار السياسية فقط ، بل يتصل بالرغبة في متابعة أخبار وأحداث يصنعها أناس عاديون ومجهولون في اربع أنحاء المعمورة ،وتكشف عن الوجه الانساني للبشر حيث يتجاور النبل مع الوحشية والطرافة مع البلادة والغرابة مع ما هو مألوف. القارىء بذلك يبحث عن أخبار أناس يشبهونه، فتساوره الثقة بأن السياسيين ونجوم المال والفن والرياضة ليسوا هم وجدهم من يصنعون الأخبار. بل إن من هم أمثاله شركاء في صناعة الأحداث .
الى سنوات خلت قلما كان القارىء يقع على خبر طريف مصدره بلد عربي و"أبطاله" عرب، باستثناء الاخبار الواردة من مصر.وما زال هذا البلد يشكل مصدرا ثريا لمثل هذه الأخبار التي لا تنقطع. ومن دواعي الأسف أن غالبية هذه الأخبار باتت في السنوات الاخيرة تتعلق بجرائم تفوق الوصف، وتقع غالباً في المحروسة لأسباب تافهة مثل شجار على الوقوف في طابور، او خناقة على عدم تحضير المطلوب على العشاء أو رغبة حدث بالحصول على مال من أمه او جدته. وتنتهي هذه المشكلات بجرائم تقشعر لها الأبدان .
من يتابع قراءة أخبار الصفحات الاخيرة بدأب مثل ككاتب هذه السطور، يلاحظ أن الجرائم عموما وفي عموم البلدان باتت تحتل حيزاً واسعاً من أخبار هذه الصفحات، ما ينغص على القارىء رغبته في الوقوع على أخبار خفيفة ومبهجة. لقد أصبح العنف صناعة وتقليداً ومزاجاًً لأفراد وجماعات كما للدول .وليس المجال هنا لتقصي أساب الجنوح المتزايد للجريمة في الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، مع أن هناك خشية بأن وكالات انباء تركز او على الأقل تبالغ في متابعة جرائم اجتماعية دون سواها، بما يجعلها ذات مسؤولية في جعل المتلقين على ألفة مع هذه الأجواء والتطبيع مع العنف .
يلاحظ كذلك أن النجوم في عالم الفن والرياضة والمال أخذت أخبارهم تزاحم أخبار الناس العاديين في الصفحات الأخيرة . فكم من خبر نشر مثلا خلال العام الماضي عن المغنية بريتيني سيبرز ونجمة المجتمع باريس هيلتون على تفاهة كل منهما ؟ .أخبار بلا حصر ولا عدد ، تجعل القراء العاديين يشعرون أن هذا العالم ليس لهم. لقد تم الاستيلاء على الحيز الضيق لأخبار الناس العاديين من طرف المحظوظين، فبات الهامش يضيق أمام نشر أخبار الناس الذين يقبعون في الظل ، فيجد القراء أنفسهم امام أخبار الناس السوبر، بعدما هربوا من أخبار الزعماء السياسيين على الصفحات الأولى، أو إزاء أخبار أناس عاديين لكنهم ويا للأسف جنحوا للجريمة ل"حل "مشكلات بسيطة في حياتهم .
وهكذا مع أن مجرى الحياة العريض ، يشقه ويملأه الناس العاديون المجهولون ممن لا يعرف أحد اسماءهم ، إلا أن الفرز والانتقاء يفعلان فعلهما، فيتم تناقل وتقديم أخبار عن النخب والنجوم، فلهؤلاء سطوة ونفوذ على وسائل ومصادر الأخبار .ولهذا فإن التحول طال حتى الأخبار الخفيفة، فلم تعد مصدر متعة أومجالا لسياحة الذهن في شؤون الناس البسطاء .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
10 كانون ثاني, 2008
باهتة ولا تعد بجديد..
محمود الريماوي*
ابتداء من الاربعاء التاسع من يناير الجاري بدأ رئيس الدولة العظمى زيارة دول في منطقتنا العربية. ومن المثير حقاً أن هذه الجولة التي تستغرق نحو أسبوع كما هو معلن عنه، تخلو حقاً من الإثارة رغم أنها تشمل منطقة ملتهبة، ورغم أن الزائر يمثل ويقود الدولة الأكبر في عالمنا.
ليست الزيارة بالطبع بغير وظيفة وهدف بالنسبة لصاحبها، ولبقية أركان إدارته ومراكز النفوذ قي بلده.لكنها بالنسبة للدول المضيفة باستثناء الدولة العبرية، لا تثير حماسة تذكر وإن كانت تتطلب جهوداً أمنية استثنائية لمواكبة الزائر.
تأتي الزيارة كما هو معلوم بعد تطورين . الأول انعقاد اجتماع انابولس الذي ضم أربعين دولة وعدداً من الهيئات الدولية .وبعد التقرير الذي نشرته وكالة الاستخبارات المركزية عن عدم وجود برنامج عسكري ـ نووي حاليا لدى إيران .الحدثان أظهرا عجز الإدارة وغياب إرادة جدية لديها لإحلال تسوية ذات معنى في منطقتنا . لقد تم الدفع نحو استئناف التفاوض على المسار الفلسطيني "الاسرائيلي " ولكن بعد التمويه على المرجعيات الدولية للتفاوض أو تحديد جدول زمني ملزم وآلية للمتابعة والتنفيذ .خلافاً لما كان عليه الحال عقب مؤتمر مدريد مثلاً .مع ايران هناك موجة من التحذيرات والتهديدات لا تتوقف، غير أن أحداً في العالم باستثناء الشركاء في تل أبيب وقلة من الحلفاء الأوروبيين، لا يحبذ التصعيد والتلويح بمواجهة. لا تسعى واشنطن للبحث عن حل سياسي ودبلوماسي مخافة أن تحقق طهران مكاسب معنوية، علماً بأن التهديد بالحرب وربما خوضها يمنح طهران مكاسب أكبر من هذا النوع ،حتى لو لحقت بها خسائر مادية مؤكدة.
وليس سراً أن هذا الملف يطغى على غيره في جعبة الزائر. وكأن دول المنطقة وبالذات الخليجية، لا تدرك مخاطر التسابق على إنتاج وامتلاك أسلحة الدمار الشامل. غير أن المشكلة تكمن في البيئة التي أنتجت هذا التسابق، ثم المعالجات غير الناجعة لهذا التطور الخطير. ففي دولة آسيوية قريبة من دول الخليج هي باكستان،فإن هناك مخاطر متزايدة في ظل الفوضى الأمنية والسياسية السائدة في ذلك البلد من أن تؤول منشآت وأسرار نووية لإحدى الجماعات المتناحرة.يبرز هذا المحذور بعدما سمحت الولايات المتحدة ومراكز دولية أخرى، للهند وجارتها وغريمتها باكستان بالتسابق النووي منذ عقود .
وقبل ذلك والأهم منه أن واشنطن وبتواطؤ أوروبي وبصمت صيني روسي، سمحت لتل أبيب بالانضمام خلسة للنادي النووي الدولي الذي يضم في الأساس الخمسة الكبار. ليس مطلوباً
حل كل المشكلات دفعة واحدة ولا السماح بنشوء تحديات جديدة، ولكن أن تكون هناك مقاربات متماثلة ومعايير متجانسة للتعامل مع المشكلات. هذا ما تتعفف عنه إدارة الجمهوريين في واشنطن، وهو ما يجعل منطقتنا حبلى بالمخاطر.ولن تؤدي زيارة بوش كما هو بادٍ وهي الأخيرة على الأغلب في ولايته، إلى الحد من هذه المخاطر. بل هناك خشية أن يستغل زيارته لإطلاق رسائل تهديد. وهو ما يتعاكس مع جهود خليجية تم بذلها على مدار الأشهر الأخيرة، لإشاعة أجواء من الحوار والثقة مع القيادة الإيرانية، وإن كانت هذه الأجواء لم تثمر الكثير بعد !.
على أن مناخ التحدي الذي ترعاه واشنطن، لم يؤد بدوره سوى إلى تغذية روح التحدي القائمة أصلاً لدى طهران .وهكذا تجد دول الخليج أنها تقف بين جار لا تثير سياسته الاطمئنان ، وبين حليف دولي يرعى تأجيج الأزمات بدل إطفائها. علاوة على جار آخر هو العراق الذي ما زال ينوء بانقساماته وانتهاك سيادته والتدخلات في شؤونه .
وقد لا يكون في جعبة الزائر وفي أفضل الأحوال سوى مقاربات جديدة لإدارة الأزمات، ومنها أزمة الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية . ولا يجد ما يقوله عن الاستيطان مثلا عشية البدء بزيارته سوى الإعراب عن القلق مما يسميه الاستيطان "غير القانوني" . وهو مصطلح يستخدمه الاحتلال نفسه، لإسباغ صفة قانونية مزعومة على التجمعات الاستيطانية الكبرى . وحتى في هذا الجانب وبالقياس إلى هذا المنطق الملتوي فإن الاقتصار على التحفظات اللفظية كما دأبت عليها الإدارة ، يمثل بدوره إلى جانب الاستيطان نفسه، عقبة كأداء أمام أية تسوية جدية . وخاصة بعد أن جهدت الإدارة من نزع أي طابع ملزم لتعهداتها السابقة بأن يكون العام الجاري 2008 هو عام التوصل إلى التسوية العتيدة. فقد انتقل الحديث إلى مجرد الإعراب عن الأمل ..وذلك بعد أن رفضت حكومة الاحتلال التقيد بأي جدول زمني .
لقد كان لافتاً أن يتحدث ناطقون باسم الإدارة عشية القيام بالزيارة ، بأن بوش لن يجمع أولمرت وعباس في لقاء ثلاثي . فحتى ذلك وعلى شكليته الشديدة ،فإنه غير متوقع وغير منتظر، أي أن هذا الإنجاز البائس ليس في متناول اليد ، بما يدلل مسبقاً على السقف المنخفض لتوقعات الزيارة البوشية ، التي سوف تقتصر على "تشجيع" الاستمرار في التفاوض، وتقديم معونات مالية للسلطة وعملياً كبديل عن الحلول السياسية الغائبة ،وإلى أن ينقضي العام ويقول الرئيس إنه بذل جهده ولكن الصعوبات كانت اكبر منه .ولا شك أنه ما زال يبذل جهده في هذه الأوقات لإرضاء حلفائه المحتلين، وترك الخيار لهم إذا كانوا يرغبون في إعادة جزء من الأراضي المحتلة لأصحابها أم لا !.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
07 كانون ثاني, 2008
غياب عن الأردن وحضور في العالم
محمود الريماوي *
يرتبط اسم مروان المعشر بمفاصل هامة من تاريخ الأردن .فهو أول سفير أردني لدى الدولة العبرية بعد توقيع المعاهدة الارنية الإسرائيلية .ويعود له كما لآخرين فضل الإعداد لاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في أثناء عمله سفيرا لدى واشنطن، وهي الاتفاقية الأولى التي تعقدها واشنطن مع دولة عربية. والمعشر الى ذلك ترأس اللجنة العليا للأجندة الوطنية ، وهي أول وثيقة ذات صفة رسمية من نوعها في تاريخ البلاد ، وتشكل عنواناً ومرجعية للرؤى الإصلاحية .
هذه مفاصل هامة رغم حداثتها في تاريخ الاردن، ومع ذلك فبعضها أدى لحرمان مروان المعشر (52عاماً ) من الشعبية لبعض الوقت مثل السفارة في تل أبيب. غير أن كثيرين قد لا يعلمون أنه نسج خلال فترة عمله القصيرة (نحو 16 شهراً )علاقات وثيقة مع القوى السياسية العربية داخل الخط الأخضر، ومع قوى السلام الاسرائيلية إبان فترة رابين وازدهار آمال السلام آنذاك مع توقيع اتفاقية اوسلو. وهو ما جعل المعشر في النتيجة مع تمسكه بالمعاهدة، من أشد المناوئين للتوسعية الاسرائيلية. وهو ما حدا به بعد ذلك بسنوات في أثناء تقلده لحقيبة الخارجية ، للوقوف بقوة مع مرافعة الأردن ضد جدار شارون أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، مما أثار حنق اليمين الاسرائيلي عليه وعلى الأردن .
في اتفاقية التجارة الحرة سعى المعشر الى تقنين العلاقة مع الولايات المتحدة بحيث تحقق مكاسب اقتصادية دائمة للأردن تتجاوز البعد السياسي في العلاقات الثنائية.وهو ما سعت دول عربية أخرى للنسج على منواله وأحيانا دون نجاح .وهناك اتفاقيات تجارة حرة تجمع الاردن مع مصر والمغرب وتونس والكويت .
أما الأجندة الوطنية وأيا كان مدى التزام الحكومات بها، فهي تسد ثغرات في القوانين وتؤشر على ما يستحق التطوير أو التعديل منها، وتمثل مرشداً للإصلاحيين حتى اولئك الذين تتباعد بينهم الرؤى فهي ملك لهم وللأردنيين جميعا كما للدولة الأردنية ،ولكل من شارك في إعدادها وصياغتها.ومع الوقت ها هي تمتلك قوة معنوية كإحدى الأدبيات الراسخة للدولة، والتي يصعب معها على أي مناد بالإصلاح التنكر لها أو تجاوزها .
خلال العامين الماضيين قام المعشر الذي ابتدأ حياته المهنية صحفياً مطلع الثمانينات في "جوردن تايمز"، بتأليف كتاب بالانجليزية عن قضايا الإصلاح في الأردن والعالم العربي يعرض فيه اجتهاداته حول الإصلاح الشامل باعتباره خياراً وطنياً وحاجة ذاتية صميمة ،على أن تتم ترجمته الى العربية في بيروت. وحتى تاريخه لم يصدر الكتاب باللغتين .
مما يستوقف المرء أن المعشر تبوأ مواقع رفيعة : وزير إعلام، وزير خارجية، وزير بلاط ، نائب لرئيس الوزراء ،متحدث رسمي باسم الوفد الاردني لمفاوضات السلام في مدريد (1991) ، عين ، سفير، وهي أعلى مناصب يصلها أردني مسيحي حسب العرف الجاري، وهو من درس علوم الكمبيوتر لا علوم السياسة أوالإدارة. وقد أهلته خبراته ومواهبه الشخصية هذه لاحتلال موقعه الرفيع الحالي بتمثيل الأردن حالياً كنائب لرئيس البنك الدولي للشؤون الخارجية والاتصال والعلاقة بالأمم المتحدة وذلك في منافسة دولية مفتوحة.وكان من سوء المصادفات أنه تبوأ موقعه الأخير والحالي في عهد بول وولفوفيتز رئيس البنك آنذاك.غير أن وقتاً طويلاً لم يمض حتى كان ذلك الرجل الشديد المحافظة وصاحب السجل السيء، يترك موقعه نتيجة عملية محاباة من طرفه لإحدى موظفات البنك، واحتفظ المعشر بموقعه دون ارتباط بين اسمه والرئيس السابق، بل إن اسمه تردد بعد استقالة وولفوفيتز لرئاسة البنك التي ذهبت الى الأميركي روبرت زوليك.على أنها المرة الأولى التي تحتل فيها شخصية عربية موقع المسؤول الثاني في هذه المؤسسة الدولية.
يضم البنك الدولي في عضويته 184 دولة بما يناهز عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة . والبنك في ذلك ليس أميركياً حسب بعض الانطباعات ، إلا إذا احتسبت الأمم المتحدة مثلا منظمة أميركية لا دولية، .وقد تأسس البنك واسمه الكامل "البنك الدولي للإنشاء والتعمير" في العام 1944،وقبل أن تحظى واشنطن بنفوذها الطاغي على المسرح العالمي.ومع ذلك فلا شك أن هذه الهيئة الدولية تستحق النقد أو قابلة لنقد بعض جوانب أدائها شأنها شان أية هيئة أخرى ،وهو ما على المعشر بحكم موقعه الحساس كمسؤول عن الاتصال أن يجيب عنه .
ويستحق الانتباه بعدئذ أن المعشرانتقل الى هذا المنصب الدولي في 15 آذار مارس الماضي ، بعدما وجد نفسه كما يبدو في حالة تقاعد مبكر وغير اختياري مع تسميته عيناً.وعضوية مجلس الأعيان مع ما يحف بها من تقدير ثمين وتكريم عالي الشأن لصاحبها، إلا أنها تعني في الوقت نفسه اختتام الحياة المهنية، وحيث يتمتع بهذه العضوية عادة أصحاب مراكز عليا سابقون ممن بات "مستقبلهم" وراؤهم لا أمامهم !.
ولهذا فإن كثيرين يفتقدون هذه الأيام مروان المعشر، الشاب المخضرم وأحد رجالات الدولة البارزين الذين يمتلكون رؤى إصلاحية متماسكة (تمسكه بإلغاء وزارة الإعلام مثلاً أياً كانت تسميتها )،وممن يتمتعون بانسجام تام مع النفس بغير ازدواجية في الخطاب والأداء، مع ما لديه من حضورشخصي أليف، وهيئة أستاذ مثابر منصرف لمحاضراته وأبحاثه، دونما انشغال بسفاسف الأمور كالقيل والقال وشخصنة قضاياعامة.
افتقاده ملحوظ هذه الأيام وخاصة مع صعود مجموعة إصلاحيين جدد إن صحت التسمية ، فلو كان المعشر مثلاً بينهم ومعهم وفي الموقع ذي التأثير الذي يستحقه ، لبدا صعود هذه الموجة أكثر إقناعاً ومثاراً للطمأنينة .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
04 كانون ثاني, 2008
ضحية العسكر والأصوليين
محمود الريماوي*
حين يصبح القتل وسيلة السجال السياسي والأداة المختارة لإفحام الخصوم والمنافسين، فذلك يعني إفناء الحياة السياسية ، وحرمان المجتمعات من أن تنعم بحياة طبيعية سوية ،تقوم على التنافس السلمي ومظلة القوانين العمومية .
هذا أحد ابرز الدروس المستخلصة من الاغتيال المعلن لبنظير بوتو.فقد تعرضت لسلسلة تهديدات كما تعرضت لتفجر انتحاري في موكبها يوم عودتها للمرة الأولى إلى موطنها في التاسع عشر من أكتوبر الماضي ،وقد واجهت ذلك كله ببسالة، رغم ما توصف به النساء بأنهن مهما بلغن من الشجاعة فلا يدانين جنس الرجال فيها. واجهت الخطر وهي في حالة شبه انكشاف أمني، فأمكن لقاتل وصف بأنه رامٍ ماهر أن ينال منها ببضعة رصاصات سددها إليها، مساء الخميس الماضي قبل أن تعتلي منصة خطابة في روالباندي .
كان محور رسالتها رفض حكم العسكر (وكان هؤلاء قد أودوا بأبيها رئيس الوزراءعلي بوتو) والتمسك بالحياة المدنية الديمقراطية، بما يجعلها من الرموز الوطنية والتحديثية في ذلك البلد المنكوب .فلما برزت ظاهرة الأصولية الدموية نتيجة العلاقات شبه العلنية بين العسكر وطالبان أيام حكمها لأفغانستان ، فقد وقفت ضد هذه الظاهرة التي تهدد ليس الأنظمة القائمة في الباكستان بل مفهوم الدولة أيضا . ولهذا نشأ تحالف موضوعي بين الأصوليين والحكم القائم، كان يجد أهم مشتركاته في العداء المستحكم لبوتو وحزبها حزب الشعب .
لقد انشغلت فضائيات عديدة في التساؤل،عما إذا كان أصوليون أم أجهزة رسمية وراء اغتيالها . ومن الواضح أن الطرفين معا يتحملان المسؤولية، بصرف النظر عن الفاعل.فقد كانت الراحلة تشكل وعداً للباكستانيين بعودة الأمل في حياة طبيعية مدنية ، عبر انتخابات حرة كانت مقررة في الثامن من يناير المقبل، وهو ما يجافي مصالح العسكر واحتكارهم للسلطة والامتيازات ،ويتعارض مع رؤى الأصوليين المناوئة لقيام دول حديثة ومجتمعات تعددية .
يتحدث خصومها عن اتهامات بالفساد كانت تلاحقها.الدولة المدنية التي ناضلت من أجلها كانت قمينة بمحاكمتها لو صحت الاتهامات وربما كانت في جانب منها صحيحة،ومحاكمة أي فاسد ومستبيح لدماء وكرامات الناس.ولو كان خصومها جادين في اتهاماتهم لأفسحوا في المجال أمام قضاء مستقل،لا أن يعبثوا بالمحكمة الدستورية أعلى هيئة قضائية في البلاد فكيف بالهيئات الأدنى منها ،كما هو حال العسكر الحاكمين سعيداً ، فيما الأصوليون من جهتهم ينكرون الحاجة إلى أية سلطة قضائية، ويعتبرون العمليات الانتحارية في المساجد أيام صلاة الجمعة، أفضل وسيلة للتقاضي وإصدار الأحكام وتنفيذها،وهو الأسلوب الذي تميزوا به في بلاد محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان .
بهذه الجريمة النكراء التي نالت من أول رئيسة وزراء في بلد إسلامي مع 16 آخرين من الأبرياء، فإن هذا البلد الكبير يمعن في الدخول في نفق شديد الظلمة.فالاحتراب الأهلي بات نشاطا يوميا . وادعاءات السلطة بالحفاظ على الأمن ستقود مجددا إلى كم الأفواه وتعطيل الدستور وفرض حكم طوارىء. والمعارضة الأصولية سوف تجد في الفوضى الضاربة أفضل بيئة لازدهار نشاطاتها، بتصفية الحساب مع كل ما تخاصمهم ومع وجود الدولة، بالاحتكام إلى السلاح دون سواه. والفتنة الطائفية بين الجناحين المسلمين وهي قائمة منذ سنوات وسط تعتيم من مفكري الأمة الإسلامية، سوف تتغذى بمزيد من الشحن والتأليب وبعدما زُين لسلفيين أن الطريق بات ممهداً أمامهم ل"اجتراح " ما يشاؤون من إبداعات..
وفي غمرة الاستقطاب والاصطراع بين أصحاب السطوة ، فقد تتكرر بعض مظاهر المشهد العراقي حيث تحل القبائل محل الأحزاب، والانتماءات المناطقية محل الانتماء إلى الوطن
والتعصب محل التدين، والعصابات والميليشيات محل الدولة، إلى أن يتم تقاسم السلطة بصورة أو بأخرى.. بانتخابات أو بدونها، بين أتباع المدرسة الواحدة من العسكر المحافظين والأصوليين، أو تفتح الحرب الأهلية أشداقها لتبتلع الجميع .
سيدة مثل بنظير بوتو كانت تشكل خطراً عليهم ،وهي العزلاء التي لا تقود ميليشيا والتي لم تقتل أحداً، وذات السيرة التراجيدية بعدما فقدت أباها وشقيقيها في جرائم سياسية، ورغم التهديدات العلنية التي طاردتها، فقد عادت إلى وطنها على كره من النظام العسكري، ولم يجد خصومها الأشاوس من وسيلة للسجال معها ومنافستها ،سوى السعي لقتلها وتفجير من يحيط بها من البشر.
وقبل ذلك بذلت الراحلة جهوداً حثيثة مع السلطة الحاكمة من أجل الدفع نحو عودة الحياة المدنية، وتجنيب البلاد المزيد من التدهور الأمني والسياسي ،لكن أنانية النظام الحاكم عرقلت هذه الجهود وبددتها، إلى انتهى الأمر بإزاحتها بصورة دموية عن المسرح، وهو ما فتح الباب أمام التهاب الشارع وسريان فوضى مدمرة ،وسد الآفاق أمام أية حلول سياسية في الأمد المنظور بما في ذلك الانتخابات التي باتت في الظروف الحالية، طريقاً للتجييش وتغذية المنازعات بدل أن تكون وسيلة لضبطها .
وهذه في نهاية الأمر هي الوعود التي يحملها السادة الحاكمون ومعهم المعارضة المتطرفة، لشعبهم وبلادهم ولعموم الأمة .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
01 كانون ثاني, 2008
منطق القفز عن الأوطان !
محمود الريماوي*
هناك حاجة للاعتراف بأن الأزمات التي تأخذ بخناق دول ومجتمعات عربية، لن يقيض لها الانفراج بمجرد العون الخارجي، علماً بأن هذا العون يشكل في العديد من الحالات عامل تعقيد وشكلاً من أشكال استثمار الأزمات .
خبرة المأزق في العراق تدلل على ذلك، رغم الدور الجوهري للعامل الخارجي في التأزيم (الاحتلال الأميركي، فرق المرتزقة، منظمة القاعدة ). فقد أثبتت مجريات الوضع وتحولاته وتقلباته، وحصيلة أشكال الاهتمام الخارجي ( كلُ يريد وصلاً بليلى ..) ،أن أي حل لن يقيض له النجاح إلا إذا انبثق وابتدأ من الداخل،على أيدي أصحاب الشأن وبتوافق إراداتهم .
الأزمة المتطاولة في لبنان تثبت أمراً مشابهاً. كل مظاهر الاهتمام الخارجي غير قابلة للترجمة السياسية على الأرض، بغير توافق القوى الفاعلة على مبدأ التسوية الداخلية. المؤسف أن الاستقواء بالخارج يمثل العقبة الأولى أمام الوفاق .فسائر الأطراف تتصرف باعتبار أنها ذات "عمق " خارجي، وإن لم يكن دائما ظاهراً للعيان ، وأن على الآخرين أن يحسبوا حساباً
لذلك قبل فوات الأوان ! .
وحتى في فلسطين ورغم الحاجة الوجودية للدعم الخارجي للقضية العادلة، فإن مسار الأحداث يثبت أن هذا الدعم متى توفر، فإنه لن يؤتي أكله بل يتبدد بغير توافق داخلي بين أبناء القضية الواحدة .
ليس مطلوباً في جميع الحالات: في العراق ولبنان وفلسطين رغم اختلاف الظروف وطبيعة التحديات ،التخلي عن روابط قومية ودينية، ولا إدارة الظهر للمجتمع الدولي ولا الأمم المتحدة وهيئاتها ولا حتى المراكز الدولية النافذة. المطلوب خلاف ذلك هو إحياء الوطنيات: الروابط الجامعة ،الوحدة الوطنية، الائتلافات السياسية العريضة التي تخترق الفئويات، والإدراك خلال ذلك إن إحياء الروح الوطنية هو خشبة خلاص جرى تجاهلها، وجرى معها دفع ثمن غال من تماسك المجتمعات ومن الممانعة الداخلية ،ضد التحدي الخارجي وأمام عوامل التفكك الذاتية .
ليس المقصود التبشير بانكفاء أو انغلاق ما ، فذلك مستحيل عملياً وضار واقعياً. بل الغاية هي الدعوة للالتفات للعامل الذاتي ، باعتباره منصة انطلاق لاجتراح الحلول ولإعادة اكتشاف الجوامع المشتركة، ولاجتذاب الدعم الخارجي من بعد، كي يوظف في خدمة مصلحة وطنية لا مصالح فئوية لهذا الفريق أو ذاك وبما يديم الأزمات عملياً ويغذيها .
كيف يمكن لأي دعم خارجي مرغوب ومطلوب أن يسهم مثلاً في حل الأزمة العراقية، ما دامت القوى العراقية تختلف ما بينها حول صورة الدولة والعملية السياسية وحول مستقبل الوطن وركائز سيادته واستقلاله، وما دام هذا الاختلاف يعبر عن " نفسه " بالاحتكام الى العنف ؟ .
وكيف للبنانيين أن يفيدوا من أي دعم خارجي، ما دام يفرق بينه رموزهم وزعاماتهم الاختلاف حول صورة وماهية الدولة والنظام السياسي، وحول موقع الوطن في بيئته ومحيطه ؟ .
وكيف للفلسطينيين أن يتقدموا إلى الأمام ما داموا يستكثرون على أنفسهم التوحد أمام عدو يتفوق في قدراته عليهم عشرات المرات والأضعاف، وما دام أن الاستقواء بالخارج يتقدم في الأهمية والاعتبار على الاعتصام بالوحدة الوطنية ؟ .
من المفارقات إن لم يكن من دواعي السخرية، أن التطلع للخارج والاحتكام اليه واستدخاله إلى الحياة السياسية الوطنية، يتم جنباً إلى جنب مع يقظة العصبيات الداخلية ، والتنبيش عن المزيد من الفوارق والخصوصيات لكل جماعة سياسية !. بهذا يتم القفز من مربع ضيق ومغلق تمثله العصبيات والولاءات الأولية ، إلى فضاء فسيح ممتد يتمثل بقدرات دول كبيرة مستقرة، وذلك يحدث بتجاهل الإطار الوطني وحتى ازدرائه، وإنكار أن يكون مجرد حلقة وسطى بين الانتماءات الضيقة والتطلعات الرحبة، باعتباره ذلك الإطار لا يستحق التعويل عليه ولا يرضي طموح أصحاب الرؤى العقائدية والقومية والأممية وهم أصحاب العصبيات أنفسهم ! .
عليه فالدعوة التي يتضمنها هذا المقال لإعادة اكتشاف الوطنيات كمرجعية ونقطة انطلاق وتلاقٍ ،ترمي إلى الحد من مفاعيل العصبيات وعوامل التفتيت وأسباب التنازع ، لا قطع الروابط مع المحيط القومي والبيئة الروحية ومع الشرعية الدولية وحضارة العصر.لقد أدى التهوين من قيمة الروابط الوطنية والإعلاء من شأن التماهي مع مرجعيات خارجية وعمليا مع مصالح خارجية، إلى ما نشهده من انقسامات أفقية وعمودية في البلدان والمجتمعات الثلاثة ،وهو ما يحمل على الدعوة لإعادة الاعتبار للمحددات والوشائج الوطنية باعتبار الرجوع اليها والاسترشاد بها ،هو المدخل الذي لا غنى عنه للتعامل مع التحديات، وسوى ذلك فإن أي دعم خارجي لن يثمر ما دام يقع على أرض رخوة وفي بيئة تناحرية، مما يجعله قابلاً للتوظيف الفئوي وتغذية عوامل التأزيم .
لقد انتهت أدبيات الوحدة العربية وممارسات حركات قومية ، بالصورة التي تمت بها إلى تفتيت الوحدات الداخلية. الآن يجري إعادة إنتاج هذه التجربة بمسميات ويافطات شتى متعددة الألوان، والحصيلة على الأرض هي ما نرى وترون .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"