28 كانون اول, 2007
تبديد كل فرصة للنجاة !
محمود الريماوي *
درج الناس على ربط العيد بالواجبات، فالاحتفال بهذه المناسبة السعيدة بات يعني أساساً أداء واجبات ولا شيء غير ذلك. وبما أن الحياة زاخرة بالأعباء، فالذي يحدث أن العيد لا يحرر الناس منها، بل إن الواجبات تتضاعف في هذه المناسبة. وللتعبير عن الضيق المكتوم بهذا الواقع، فقد تواضع الناس على التسليم قائلين: "العيد ليس لنا. العيد للأطفال وليس للكبار". وفي ذلك رفع لأي التباس أو مظنة بأن الكبار قد يهنأون في العيد!. وعلى كل حال فلقد كانت سيماهم في وجوههم قبل أيام.
دينياً، العيد للكبار وللصغار على السواء بغير تفريق. و"صلة الرحم" من طبيعة العلاقات الإنسانية على الدوام، لا في الأعياد فقط. لكن بما أن الناس قطعت صلتها بالحياة الطبيعية والأواصر العائلية وانصرفت لعبادة المال، فالعيد يأتي للتذكير ويدفع للتعويض عن التقصير، كمن وجب عليه سداد ديون متفرقة ومتراكمة دفعة واحدة. علاوة على العجز المزمن عن ملء وقت الفراغ بما هو بهيج، والحديث يدور هنا عن أفراد الطبقة الوسطى العريضة لا عن الأغنياء الذين يتدبرون أمورهم فيمضون العيد في إجازة على شواطىء العقبة أو خارج البلاد. وحتى بعض هؤلاء فهم لا يجدون ما يفعلونه بالمناسبة سوى تناول المزيد من الطعام والحلويات والتدخين، ولا يروق لهم سوى التداول مع ضيوفهم في أسعار الأراضي والعقارات والأسهم والسيارات، واستدراج المزيد من الأمراض لأجسامهم المثقلة والكسولة، وتجنب الضحك وأية مظاهر للتسلية والتسريةعن النفس والبدن، والزعم بأن ذلك قد فات أوانه.
كان أبناء الجيل القديم يمضون عصاري أيامهم باللقاء مع الجيران، ثم يتسامرون بلعب الورق أو لعبة الطاولة أو المشي في الحي، وتشجيع الأبناء في السهرات على الغناء وتقليد الأصوات ورواية النكات، والقيام برحلات عائلية حسب الإمكانيات.. لقد تم هجر هذه العادات وما يشبهها وحل بدلاً منها العبوس والشرود، وانقطع أفراد العائلة عن بعضهم بعضاً بمن في ذلك رب العائلة دائم التشكي، والذي يستغرقه تدبير الحال حتى لو كانت حالته جيدة وتتحسن باطراد.
ولا يتغير الأمر في العيد، إذ يرتفع منسوب التجهم العام ارتفاعاً ملحوظاً.
بهذا ننجح نجاحاً خارقاً في تحويل مناسبة بهيجة إلى روتين بطيء وثقيل، علماً بأنها مناسبة نادرة تستحق اقتناصها لا إطفاءها، فهي تقع مرتين فقط في العام الواحد، ونفلح بذلك في تبديد أية فرصة لتجديد الحياة والنجاة من الرتابة، حتى عندما تسنح الفرصة لذلك كما في مناسبة العيد. ثم نصبح أسرى لهذه العادات التي نصنعها نحن بأيدينا، ونعمد لنقلها للأبناء من ذكور وإناث، ما إن يتخطوا العشرين من أعمارهم الغضة.
صدق الشاعر حين قال: نعيب زماننا والعيب فينا.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
26 كانون اول, 2007
شيء ما عن دولة خليجية
محمود الريماوي *
شيء ما يشد المرء إلى بلد عربي "صغير " هو البحرين. أيكون هذا الشيء هو كفاح شعبها الشقيق وإقباله على العمل المنتج في البحر وعلى الأرض في الزراعة وفي المصانع وفي سائر المهن اليدوية والمهنية والذهنية ؟ أم هو دورها الثقافي الريادي في منطقة الخليج العربي، ومواكبة شعرائها وناثريها ونقادها لحركة التجديد المشرقية منذ نحو نصف قرن مضى.؟ أم هو التشبث بالديمقراطية كخيار مبكر والتلاقي الذي تم منذ مطلع الألفية الثالثة بين المستويات الشعبية والرسمية، على عودة الحياة النيابية وإطلاق حرية الصحافة وتشكيل التجمعات السياسية ؟.أم هو سياستها المسالمة القائمة على التعاون مع دول شقيقة ، والارتضاء على سبيل المثال قبل سنوات بالتحكيم الدولي مع الجارة دولة قطر بخصوص نزاع حدودي ؟.أم هو مرونة نظامها السياسي الذي جعل منها مركز استقطاب نادر لمصارف عربية وأجنبية، رغم شح مواردها النفطية مقارنة بدول نفطية أخرى ؟ أم حيوية مجتمعها المدني الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة العامة ؟ .أم هو التعاطف مع هذا البد وشعبه ضد ادعاءات توسعية تستهدف وجود البلد وكيانه ؟ .
لعل جملة هذه الأسباب هي التي تجعل المرء مشدوداً إلى تلك التجربة، رغم ما واجهته من صعوبات وحتى عثرات غير هينة في بعض المراحل.غير أن هناك سبباً طارئاً يجعل المرء مشدوداً هذه الأيام إلى بلاد ديلمون، وهو ما تتوارد عنه من أخبار تترى، تثير من التأمل بقدر ما تثير من القلق. والمقصود بها الأخبار التي تتناول مواجهات عنيفة متفرقة لكنها متتابعة في الشوارع، ومظاهر "معارضة" ذات منحى تهديدي غير سلمي تتخذ من الشارع مسرحاً لها، ومن الممتلكات العامة وأحيانا الخاصة هدفاً لها.
تكرار هذه الأحداث يثير القلق. فمآل مثل هذه التطورات إذا لم يتم احتواؤها من أهل العقل والربط معروف، وتدل عليه شواهد ناطقة في بلدان ومجتمعات أخرى عربية وإسلامية. وهو تأجيج نزاع أهلي وتشديد القبضة الأمنية وإغلاق فرص التطور السلمي ووقف دورة الحياة الطبيعية بما فيها الحياة السياسية، وفرض أولويات طارئة على المجتمع، وإثارة ما لا يحصى من حساسيات، وتحويل الحوارات إلى سجالات محمومة وظيفتها الشحن لا التماس المشتركات، ولا الالتفاف حول مرجعية الدولة وقوانينها مع السعي لتطوير هذه القوانين عبر القنوات الدستورية. وفي المحصلة تهديد الاستقرار السياسي والاقتصادي والنسيج الاجتماعي،وتعريض مجمل التجربة الوطنية للمخاطر .
من دواعي الاستغراب أن يتم استقبال التحول الديمقراطي والتعامل معه عبر اللجوء إلى العنف ومواجهات الشوارع .فالأصل أن ينزع الاحتكام لهذا الخيار، أية ذرائع للعنف وما يلحق به من تسميات وتصنيفات .والأصل أيضاً التقيد بالقوانين والسهر على حسن تطبيقها من سائر الأطراف بغير استثناء، ففي ذلك كل المصلحة للمجتمع والدولة على حد سواء. من هنا تساور المراقب عن بُعد مشاعر القلق إزاء مثل هذه التطورات المؤسفة المتتالية، في بلد مشهود له باتساع آفاق الحوار ورسوخ تقاليد التعددية بين مكوناته الاجتماعية والفكرية.
ذلك ما يحمل على دعوة أهل الرأي والنظر من مختلف التيارات والمنابت وهم كثر في ذلك البلد العزيز، على التصدي لهذه الظاهر المقلقة وعدم "التطبيع " معها، بالحؤول دون احتسابها ظاهرة عادية أو من قبيل شغب الشوارع والأحداث الفردية المتفرقة. فمن الواضح أن هناك استبطان لادعاءات وتطلعات شتى، واستغلال متعمد لوقائع حقيقية، وعزوف عن وضع أمور في نصابها القانوني والإداري وبين يدي مؤسسات دستورية كالبرلمان والقضاء، ووضعها بدلاً من ذلك في عُهدة الشارع وفي أيدي بعض الفتية، واختيار أساليب تنحو نحو العصيان والتمرد ، بدلاً من المطالبات المنظمة وحتى الاحتجاجات السلمية المعهودة .
لا شك أن تجربة التحول الديمقراطي في البحرين بحاجة إلى استكمال لاستيفاء جميع أركانها كما هو حال هذه التجربة في دول عربية أخرى ، كاليمن والكويت ومصروالأردن وموريتانيا وسواها.غير أن ثمة تحدياً داخلياً يستحق الاستجابة الناجعة له، وذلك بعدم الخلط سواء عن غفلة أو بصورة متعمدة، بين نزعات التطوير والإصلاح المشروعة بل الواجبة، وبين المس بالسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي ، تحت عناوين ملتبسة وحمالة أوجه وقابلة للاستغلال لغير غايات سد الثغرات وتصويب المسار .
إضافة إلى محاذير أخرى تواكب المراحل الانتقالية، كأن يُعهد بالسهر على إرساء التحول الديمقراطي، لمن لا يقيمون كبير وزن لهذه التجربة ومعاييرها ومحدداتها، أو يعتمدون أساليب عمل تنتسب لعهود سابقة ولغايات مغايرة للأهداف الوطنية العامة التي تحمل الدولة لواءها، في الانتصار لقضية الديمقراطية والعمل على استكمال بناء دولة القانون، جنباً إلى جنب مع القوى الحية العريضة بمختلف تلاوينها ومذاهبها ومشاربها في المجتمع.
إلى ما تقدم هناك كما هو جلي صعوبات اقتصادية وإدارية تتمثل في مستويات من البطالة وحتى مظاهر الفقر يشهدها مجتمع البحرين. يُفترض أن يشكل التكامل الخليجي في إطار مجلس التعاون أحد مداخل معالجة هذه الظواهر، فالإعداد للسوق الخليجية المشتركة يتسع لا بد وحُكماً ، لاستيعاب العمالة البحرانية ومعاونة هذا البلد على حل مشكلاته الواقعية والقابلة للحل .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
22 كانون اول, 2007
الافتقاد إلى الجاذبية
محمود الريماوي*
لدينا حياة ديمقراطية نسبية، كما لدى مصر ولبنان مستوى مشابهاً منها. ومع ذلك فإن القارىء الأردني يتابع مجريات الحياة السياسية اللبنانية والمصرية بشغف ، يفتقده لدى متابعة الحياة السياسية عندنا .
من واجب السياسيين والإعلاميين أن يتساءلوا عن سر هذه الظاهرة.وأن يحاولوا الإجابة عن سؤال قد يكون صعباً وهو : لماذا تفتقد حياتنا العامة الى الجاذبية الإعلامية ، وإلى الحيوية الخاصة بها التي تغري بالمتابعة رغم وجود ثلاثين مطبوعة سياسية دورية، ومع وجود الهامش المعقول مع حالات المد والجزر لحرية تداول المعلومات والأفكار، ورغم الانطباع الذي يحتاج الى تفحص بأن شعبنا مسيس "حتى العظم " ، وخاصة في ضوء الانتخابات الأخيرة حيث جرى التصويت على أساس عائلي وعشائري وليس أبداً على أساس سياسي ؟ .
يجيب البعض أن الفئات الشابة وحدها هي المنقطعة عن الشأن لعام ، أما الفئات الأكبر سناً المكتهلة والمخضرمة فما زالت على تواصل مع مجريات الحياة العامة.على أن ذلك ليس صحيحاً . فهناك عزوف واضح وعام يشمل فئات شتى، عن متابعة وقائع الحياة السياسية الاردنية. قلة قليلة من الناس من تعرف أسماء أعضاء الحكومة السابقة والحالية ومجلس النواب السابق والجديد ، وقلة أقل تعرف أسماء الأحزاب والرموز الحزبية ، وحتى أسماء الصحف الأسبوعية وبعض اليوميات .
وحتى لو صح أن الأجيال الجديدة هي وحدها المنقطعة عن عالم السياسية، فذلك لا يحمل على الطمأنينة حين تكون القوة المنتجة والدافعة نحو التطوير، غائبة ومغيبة وذلك ليس بالأمر الهين .
في القناعة أن هناك عوامل متضافرة ،ودوافع مختلفة تجعل الناس في بلانا لاتولي اهتماماً بجوانب السياسية المحلية ،مقارنة باهتمامها بما يجري في مصر كانتخابات نقابة الصحفيين هناك ونشاطات حركة "كفاية" ، أو ما يجري من سجالات في لبنان ين قوى 14 آذار و8آذار وانتخابات الرئاسة .
من هذه العوامل أن المجتمع السياسي والمجتمع بعامة في كل من لبنان ومصر/ أكثر انفتاحاً وتسامحا حيال المختلف والآخر. وهو ما يحفز على الشفافية والمصارحة حتى لو تم اعتماد نبرة حادة في الخطاب، فذلك يُحسب ضمن الاختلاف في الرأي لا من قبيل المساس بالكرامة الشخصية ، كما يحدث عندنا حيث الناس مستنفرون على الدوام حيال بعضهم بعضاً للدفاع عن حياض كرامتهم المهددة . ضمن هذه الأجواء الرحبة عند الأشقاء يتم فرز تيارات سياسية وفكرية، تتولى إصدار نشرات ومطبوعات وكتب ، وتقيم أنشطة مختلفة بما يسهم في الارتقاء بالوعي العام ، ويعزز عادات ذهنية في تقبل الاختلاف واعتباره من طبيعة الأشياء والمجتمعات .
مع افتقاد هذه الأجواء لدينا تنشأ جماعات وتكتلات على أسس شخصية وجهوية ومناطقية . وتنشأ ازدواجية بين ما يقال داخل الغرف المغلقة وما يقال في العلن. ومع مضي الوقت وتأصل هذه العادات، تتركز حالة من الباطنية ومعها تختفي الصراحة، ويتم الجنوح الى الإنشاء والتكرار في تصريحات السياسيين من مسؤولين وحزبيين.
فلماذا الاستغراب بعدئذ إزاء حالة العزوف العام عن المتابعة والاهتمام ؟.
* رئيس تحرير صحيفة "السجل" .
20 كانون اول, 2007
لماذا انكفأ اليساريون والعلمانيون ؟
محمود الريماوي *
منذ نحو ربع قرن يثور تساؤل : لماذا تشهد دول ومجتمعات عربية انفضاضاً عن التيارات القومية و واليسارية و الوطنية والليبرالية، تجتذبها في المقابل تيارات الإسلام السياسي؟.
لماذا تجد التيارات العلمانية صعوبة متزايدة في استقطاب مؤيدين لها؟
هناك أجوبة عديدة على السؤالين هي من قبيل التفسيرات، منها :أن أجواء الهزيمة في الصراع العربي الاسرائيلي، وإخفاق ردود الانظمة والمقاومات غير الاسلامية على الهزيمة، أشاع أجواء من الانسحاب الى الدائرة الغيبية لالتماس نصر طال التوق اليه . ومنها أن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أشاعت آمالاً عراضاً بمنازلة الولايات المتحدة والحد من نفوذها في المنطقة،ولم تكن هذه الآمال في غير محلها، وهو ما أكسب جماعات الإسلام السياسي جاذبية ملحوظة في أنظار الجمهور، وذلك على حساب التيارات العلمانية.
وهناك أيضا المقاومة الباسلة التي أبداها حزب الله في حقبة التسعينيات،بعد أن أزاح المقاومة اليسارية ودفعها دفعاً وقسراً الى التقاعد المبكر.
ومن هذه الأسباب أو العوامل استمرار وتيرة التضييق على القوى الديمقراطية والمستنيرة، في سياق كبت وكبح الحركة الشعبية ، وفي حالات اخرى التنكيل بها مما أضعف من فاعليتها وقلص رقعة وجودها.
ومن هذه الأسباب أيضا الضائقة الاقتصادية والنزوح الكثيف من الريف الى المدن، بما أدى الى ترييف المدن وإضفاء طابع ريفي محافظ وطاغ على العديد من أنماط الحياة فيها. وكذلك نمو الفقر واستشراءالبطالة جنباً الى جنب مع نماذج الترف الاستعراضي والشره الاستهلاكي الظاهر، مما وفر في المحصلة بيئة صالحة للإنفضاض على ما سبق وانتعاش جماعات الإسلام السياسي ، وسهولة اختراقها واستقطابها لشرائح عريضة من المجتمع وبالطبع ابتداء وانطلاقاً من الطبقات الفقيرة و المهمشة والوسطى، دون أن تكون فئات واسعة من الميسورين خارج دائرة الاستقطاب هذه.
ترمي هذه المقالة الى التأشير الى سبب آخر لعله بنيوي أدى الى تراجع القوى الديمقراطية.وهو سبب او عامل ذاتي يتعلق بهذه القوى : بأدائها وخطابها ومناحي اهتمامها. ويتمثل هذا السبب أو العامل، في عدم أخذ قضية التنوير بالجدية الكافية وعدم منحها الأولوية التي تستحق طيلة عقود تناهز نصف قرن مضى. مما أدى في النتيجة، الى بقاء الجماهير كتلة يتناهبها نمط الحياة القديم، مع مفهوم للتسيس قائم على النقمة وهي لا شك مشروعة على القوى الخارجية النافذة والمتغولة.
والمقاربة هنا عامة وليست تفصيلية، فذلك ما يحتاج الى بحث أوسع يسع باحثين متمرسين الخوض فيه. كما أن هذه المقاربة تتناول وجهة عامة وأساسية، ولا تتوقف كما ينبغي عند الفوارق والخصائص الذاتية للمجتمعات والبلدان، وكذلك لدى القوى الديمقراطية والمتحررة في مشرق العالم العربي ومغربه.
وبما ان منافحة التحديات الخارجية المتمثلة في الحلف الأميركي ـ الإسرائيلي غير المقدس (سياسياً وأن كانت تحف به بالحلف مزاعم دينية قدسية، أيديولوجياً). بما أن هذه المنافحة أو المناوأة هي ما يجمع القوى الاجتماعية الرئيسة والمنتجة، وهي أيضا ما يوحد يساريين وقوميين وإسلامويين، فقد تم طرح التغيير الثقافي جانباً وملامسته نخبوياً فقط، حتى انتهى الامر الى إضفاء طابع ديني على الصراع السياسي المحتدم، دون تجاهل المنحى الديني للقوى المعادية. وفي ظل ذلك أمكن القوى الدينية ان تخاطب الوعي الأولي، وأن تعمد الى تبسيط المهمات، وذلك وفق القاعدة التي تفيد بأن لكل مشكلة جواب بسيط وفي متناول اليد، لكنه في الغالب الأعم يكون خاطئاً.
غير أن التيارات الإسلاموية الصاعدة ترفض هذه المقولة ويقول ممثلوها "لقد جربنا الطروحات الوطنية والقومية والاشتراكية، على مدى نصف قرن فماذا كانت النتيجة؟".هذا إذا لم يتم تكفير رموز تلك القوى !. وفي النهاية يُطرح السؤال : لماذا لا تجربونا، لماذا لا يتمتع الاسلاميون بفرصة أتيحت من قبل لغيرهم؟. ولماذا تتم تخطئتهم مسبقاً وقبل ظهور الحصيلة والنتائج؟.هذه الأسئلة تلقى قبولاً مبدئيا لدى فئات اجتماعية واسعة، كما تستهوي حتى بعض رموز في العمل القومي التقدمي، وحيث يقوم بعض هؤلاء بالاستلحاق بالقوى الاسلاموية، ومحاولة اقتناص بعض من الشعبية الغامرة لمصلحتهم.
لم تنجح القوى الديمقراطية في نشر ثقافة تنويرية رغم محاولات جمة في هذا الاتجاه، بل إن العديد منها لم يلتفت إلى ضرورة نشر ثقافة سياسية دستورية، الى إلإعلاء من شأن دولة الحق والقانون وحيث كان يتم السخرية من البرلمانات في العديد من الحالات، والتشكيك بالأقليات كمكون اجتماعي وثقافي (الموقف الراهن من الأكراد كحالة سياسية وحتى ككتلة بشرية يكشف عن الموقف "العام" الذي يكاد ينكر وجود الأقليات مع الميل للتشكيك بهم). الى الاعتراف بالمرأة كشريك كامل بصرف النظر عن الجنسوية ، ورفض الممارسات الجائرة ضدها وما يستلزمه ذلك من نضال مدني للاعتراف بحقوقها في المواطنة والمشاركة السياسية والحريات الفردية،التي لن تتجاوز في النتيجة الحالة الثقافية العامة والأعراف السائدة التي يتحرك ضمنها الرجال.
لقد تم النظر الى هذه القضايا من طرف التيارات القومية واليسارية باعتبارها من النوافل والتفاصيل، التي لا تستحق الانشغال بها مقارنة بالمهمات الوطنية والقومية.وكان القصور الفكري يشكك في مثل هذه المفاهيم واعتبارها إما من ثمرات الانظمة الرأسمالية، او أنها لا تتفق مع خصوصية مجتمعاتنا. فيما هي في واقع الامر معايير كونية، شارك العرب والمسلمون ضمن إسهامهاتهم الحضارية السابقة في دفعها نحو التراكم والبلورة. وهي بالتالي ثمرة جهد بشري لا يقتصر على الغرب، وإن كان له فضل دفعها إلى الأمام.
ومن المفارقات أن الغرب الذي تتم أبلسته هو نفسه الذي يشكل مهوى أفئدة كثيرين بمن فيهم إسلامويين ، للسياحة أو التعليم أو الإقامة الدائمة في بلدانه وحتى التجنس بجنسية دوله، فضلاً عن استثمار الأموال فيه للمصارف الحلال، وحيث يتم الاعتراف ولو ضمناً بمستواه الحضاري المرتفع على صعيد احترام القانون وعموميته والتقدم العلمي والاقتصادي.
لقد أسهمت تيارات علمانية وما زال بعضها يفعل في أبلسة الغرب بعد وضعه كله في سلة واحدة.خلافا للتجربة الآسيوية التي رأت فيه تحدياً إيجابياً, ولم يكن المطلوب أبداً هو طرح التحديات الوطنية والقومية جانباً والانهماك في التغيير الاحتماعي والثقافي. بل كان المطلوب وما زال المواءمة بين الأمرين بما يجعل مواجهة التحديات الخارجية أكثر نجاعة، وبما يثبت للآخرين أن العرب والمسلمين شركاء ناشطين في حضارة العصر ضمن خصوصية معينة، وأنهم يستحقون التفاعل مع قضاياهم العادلة.
ليس الغرض هو نيل رضا الغرب، بل الوفاء للتحديات الداخلية والاستجابة الناجعة لها. أي أن الأجندة الوطنية والاحتياجات الداخلية والتنمية البشرية الشاملة هي الأساس والفيصل. غير أن القوى المشار اليها لم تفعل الكثير في هذا الاتجاه، وحين فعلت فإنها أخفقت ولم تجر مراجعة لأسباب هذا الإخفاق. مما أدى الى إرساء حالة اجتماعية ساكنة وقابلة للنكوص على قاعدة أن لا شيء يتقدم ولا صوت يعلو على المعركة.وأن التغيير الاجتماعي "مقدور عليه" حين يتم إنجاز حلقات المواجهة مع الاعداء.
الشرائح الاجتماعية التي تشكل المادة البشرية والخزان الإنساني لقوى الإسلام السياسي، هي نفسها التي كانت ذات يوم ليس ببعيد جماهير الأحزاب اليسارية والقومية. وما حدث هو أن الجماعات الدينية لم تجد كبير عناء في استقطاب الناس.فالخطاب الصادر في نهاية المطاف هو واحد ولم يتغير الكثير : معاداة الغرب ورفض المساومة معه والتمسك بالحقوق الوطنية والقومية، والاستعداد للتضحية الى ما لا نهاية في سبيل هذه الحقوق. الفرق هو النبرة والخطاب الديني والإيمان بحتمية النصر.فإذا ما أضيف الى ذلك التقديمات الاجتماعية من إعانات وصدقات ومن خدمات أخرى طبية وغيرها، ومن تشكيل روابط مختلفة واستثمار الروابط العائلية، ومن تركيز على وسائط الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة، أمكن فهم النفوذ الذي باتت تتمتع فيه قوى الاسلام السياسي والضمور الذي ترفل به قوى يفترض أنها علمانية ..
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"
17 كانون اول, 2007
وسط البلد : من يحبه ؟
محمود الريماوي*
كثيرون سوف يستفزهم التساؤل الوارد في عنوان هذه المقالة . فوسط البلد والمقصود قلب العاصمة يستهوي كثرة كاثرة من الناس ، كاتب هذه السطور أحدهم . وحين يقصد أحدنا البلد فإن شعوراً غامراً يساوره بأنه يذهب الى جزء عزيز من نفسه ، والى موضع حميم من ذاكرته . ومع ذلك يشعر المرء وهو يتمشى في شارع البريد اوسقف السيل او سوق السكر أو شارع الهاشمي ، أنه يفتقد ما لا قبل له باستعادته . أولاً الماضي الذي لن يعود حيث كان المشي في تلك الشوارع وحتى مطالع الثمانينات متعة لا نظير لها .وثانيا لأن وسط البلد قد تغير نحو الأسوأ ، فقد لحق به ازدحام المركبات والبشر ، وضوضاء محلات الأشرطة الغنائية . الباعة تغيروا أيضا : باتوا أصغر سناً وأكثر تشاطراً على الزبائن ولم يعد احد منهم يسعى لعقد صداقة مع زبون كما كان عليه الحال من قبل . وفي المحصلة غدا وسط البلد أكثر ضجيجا وأقل تجانساً ،و يحمل بالتالي من عناصر الألفة بقدر ما يكشف عن أسباب التنفير .
مقاهي زمان ما زال معظمها على حاله . غير أن اصحابها لا يلتفتون الى أن الوعي الصحي والبيئي عند الناس قد ارتفع ،وأن دخان الأراجيل والسجائر الذي يملأ فضاء المقهى المغلق في الشتاء والقليل التهوية في الصيف ، لا يمكن أن يكون مريحا او مقبولاً .
لهذا ولأسباب أخرى يشعر العابر أن وسط البلد الحالي هو مجرد صورة وشبح للماضي الجميل . خاصة بعد أن اصبحت بعض دور السينما فيه اشبه بمستودعات قديمة مهجورة .
ولعل ما سبق ينطق بحال من هم في حقبة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من اعمارهم . اما الجيل الجديد فهو يرى قلب العاصمة على أنها مجرد جزء من عمان : جزء قديم لا جاذبية فيه قياسا بمناطق وأسواق غرب وشمال عمان ولا ضرورة للتوجه اليه إلا حين الاضطرار والحاجة .
الجيل المكتهل كالذي ينتمي اليه صاحب هذه الكلمات هو من يرى في وسط البلد خصوصية مميزة وروحا كانت نابضة في زمن مضى . هل يشمل مخطط عمان الشمولي وسط البلد ؟ لا بد ان الأمر كذلك ما دام المخطط شمولياً .وهو ما يسمح بالإعراب عن الأمل بالإبقاء على طابع المكان وخصوصيته ، وبإنقاذه من زحمة المركبات الخاصة بأن يقتصر السير فيه على وسائل النقل العام مثلا . وبوضع ضوابط على المحلات المتخصصة بإصدار الضوضاء .والتفكير في وضع الجزيرة أو المثلث القائم في المسافة بين أول شارع الشابسوغ وساحة المسجد الحسيني حيث تحجب البناية القائمة في المثلث الرؤية وتسد الفضاء .
في عواصم العالم فإن قلب البلد هو الموقع الأزهى الذي يجذب العائلات والسياح ويدل على خصوصية وتميز كل عاصمة . عندنا يراد تحويله وقد تحول الى موقع قديم مع تحسينات فجة ويزخر بحركة عشوائية ويتجنب كثيرون عبوره .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
15 كانون اول, 2007
واشنطن وطهران : المواجهة الموقوفة
محمود الريماوي*
لا شك أن تقرير المخابرات الأميركية بشأن الشق العسكري من البرنامج النووي الإيراني قد خلط الأوراق ، وأفرز وقائع جديدة .عناد الرئيسين بوش وساركوزي لا يغير كثيرا في الواقع الناشىء .فالأزمة الأميركية الإيرانية سابقة على تفجر البعد النووي وما حدث أن هذا البعد أضفى مزيداً من التسعير على الأزمة الثنائية المستدامة .أما فرنسا اليمين الجديد فهي لا تجد لغة مشتركة ولا مساحة تفاهم مع طهران ، لانعدام الثقة المتبادلة ولخشية باريس من تعميم النموذج الإيراني في غير مكان في المنطقة .
مراقبون كثر استعادوا واقعة أسلحة الدمار الشامل التي لم يكن لها وجود لدى النظام العراقي السابق .والتي أدت لاستنزاف هائل عراقي وأميركي أيضا. كان تكرار تجربة اجتياح العراق مستبعداً مع إيران حتى قبل صدور التقرير الأخير، الذي يبرىء طهران من طموحات نووية عسكرية حتى تاريخه.
لن يكون ممكنا التفكير بإيفاد فرق تفتيش أميركية وأوروبية بغطاء من المنظمة الدولية .الدكتور البرادعي الذي تعرض لجملة في تل أبيب اكتسب مع صدور وكالة الاسخبارات المزيد من الصدقية . وكذلك المواقف الروسية والصينية في مجلس الأمن وخارجه . ومع ذلك فإنه في الوسع القول إن مثل هذه العناصر كانت متوافرة عشية اجتياح العراق في العام 2003 دون أن يكبح ذلك الجموح الأميركي. لولا أن إيران أكثر قوة من النظام السابق وما كان يبدو نصرا أميركياً عشية غزو العراق ، يقابله الآن مأزق لا يجد حلاً له في هذا البلد فيما تتصاعد الأصوات داخل المجتمع الأميركي الداعية للانسحاب " الآن " .
الراجح والواضح أن المواجهة التي يراد لها أن تكون مستدامة سوف تظل تتخذ من الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسرحات لها ، إضافة إلى المواجهة الاستخبارية المديدة بين الطرفين في بلاد الرافدين والمواجهة السياسية في لبنان . وبهذا فإن سياسة إدارة بوش إزاء الجمهورية الإسلامية لم تعد تتوسل العثور على ذرائع وتعلات ، فهي ذات بعد استراتيجي ومضمون أديولوجي ومع حمولة دعائية هائلة لدى الجانبين ، بأكثر حتى ما كان لدى المواجهة مع المعسكر الاشتراكي .ولو كانت بلاد فارس جزيرة لرسم لها المخططون في البيت الأبيض والبنتاغون مصيراً مشابها لجمهورية كوبا .بإيقاع حصار دائم عليها .
اللافت هنا أن الجهد الخليجي غير المسبوق باتجاه الجارة إيران كما تمثل في قمة الدوحة ودعوة الرئيس نجاد إليها لم يفلح في مراجعة المواقف المسبقة والمتشددة .كان يؤمل أن تكون هذه الخطوة بمثابة مساهمة من دول المنطقة في كسر الجمود الخطير .لكن المناسية والمكان تحولا إلى منبر للخطابة عن الخليج الفارسي ، ( جرى التراجع كما هو باد عن مقترح إيراني بتسميته خليجاً إسلامياً ) . وجرى تجاهل التنازع الإيراني على جزر الإمارات الثلاث .
وبينما هناك تبادل تجاري نشط بين إيران ودول مجلس التعاون الست ، واستثمارات إيرانية هائلة في دول المنطقة ، فإن العقبات تظل تكمن في المخاوف الأمنية المباشرة وبعيد المدى . ولا ينفع في هذا المجال تكرار الدعوة لتوقيع اتفاقات أمنية ,فالأصل هو تهدئة المخاوف وحل المشكلات ، لا القفز عنها إلى اتفاقات أمنية لا مقدمات لها ولا بيئة من التفاهمات العميقة حاضنة لها .
ما تقدم هو مثال على أن هناك بعداً إقليمياً خاصا للتأزم الإيراني مع الخارج .فدول الخليج تشدد في سائر المناسبات والمنابر، على رفض المواجهة وحتى التصعيد بين واشنطن وطهران .وترفض استخدام أراضيها كمنصة انطلاق لأية مواجهة . وكررت من جانبها وعلى لسان وزير الخارجية السعودي عرضا روسيا لطهران ،بتخصيب اليورانيوم في الخارج وهو ما رفضته طهران .
وفي النتيجة فإن التواصل الإيراني الخليجي في قمة الدوحة ، قد رطب أجواء المنطقة وأعاد تفعيل الاتصالات بين الزعماء ، غير أنه لم يؤد بعد لانعطافة سياسية . وهذه كانت وما زالت مطلوبة ،للإسهام في نزع فتيل التوتر مع الغرب ، ومن أجل بث رسائل مفادها أن مبادىء الواقعية والتعاون وحسن الجوار في منطقة الخليج قابلة للترجمة : للأخذ بها وتوسيع نطاقها نحو العالم الخارجي ، وبما يجعل استهداف بلد ما هو إيران ـ في حال سادت وطبقت تلك المرتكزات ـ بمثابة استهداف للأمن والاستقرار في عموم المنطقة .
لكن اختراقا بهذا الاتجاه لم يقع يعد .مما ينعكس سلبا على الأزمة الممتدة بين طهران والغرب رغم أدى اليه تقرير سي .آي . إيه من تنفيس مؤقت . ومن المصادفات أنه بعد أكثر من عقدين على إنشاء مجلس التعاون الخليجي في أجواء الحرب الإيرانية العراقية آنذاك ( مطلع الثمانينات ) ، فإن المخاطر لم تنطفىء بعد .فالعراق ما زال بؤرة توتر خطيرة . وإيران تخوض مواجهة بالوكالة عنها مواجهة مع الاحتلال الأميركي هناك . والطموحات القومية الإيرانية لا حدود لها . وبشكل أكبر فإن الولايات المتحدة لا تبحث في المنطقة عن حلول بل عن انتصارات ! .غير أن الخسارة تشمل سائر الأطراف ربما باستثناء إيران .فقد نجحت طهران في استثمار الأخطاء الأميركية المهلكة وما زالت تحصد نتائج هذا الاستثمار .ولكن دون تقديم ما يلزم لطمأنة دول وشعوب المنطقة . وفي النهاية تسعى هذه الدول لأن لا تكون خسارة الآخرين خسارة لها ، وان لا يتم فوز البعض على حساب مصالحها في الأمدين القريب والبعيد .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
11 كانون اول, 2007
ما الذي تغيّر في الأردن منذ العام 2000؟
محمود الريماوي *
هناك انطباعات عامة ترقى إلى القناعات بأن «الحياة تغيرت» في الأردن، وخصوصاً في العاصمة عمان . ويمكن وضع عام 2000 كحد زمني تقريبي لهذا التحول أو التغير ، الذي ترافق مع الدخول إلى الألفية الثالثة .وإن كانت البدايات والمؤشرات سابقة على هذا التاريخ .
ولا يتوقف الأمر عند انطباعات الناس واستشعارهم لهذا الوضع المتغير ، فهناك الى جانب ذلك أكلاف المعيشة والجديد في المرئيات ومشاعر التوتر والانفعالات الطافية ، التي جعلت الناس «يتغيرون» لا الوضع العام فحسب . هناك توترات ايجابية تجد تعبيراً لها بالإقبال على اكتساب المزيد من الخبرات والمهارات ، مع ظهور مهن وخدمات جديدة . والإقبال على العمل في القطاع الخاص بعدما كان هذا الإقبال قاصراً على العمل الحكومي ، ويعود الفضل الأول في ذلك إلى أنظمة الضمان الاجتماعي . وإقبال الفتيات والنساء على العمل حتى في مناطق بعيدة عن سكناهم ، وإقبال أفراد من الشرائح الوسطى على الاستثمار بدلا من الادخار الفردي ، كالاستثمار في بورصة عمان.
وعلى صعيد آخر، ولكن متصل، ازداد وعي الناس بحقوقهم في التنمية والخدمات الأساسية ، وارتفعت وتيرة مطالبهم وجرى الفصل بينها وبين المواقف السياسية ، وذلك كمطالب تنموية وخدمية تشكل حقاً من الحقوق الأساسية . وقد تمثل ذلك في الاعتصامات والمسيرات وأحيانا الإضرابات ، مع الحرص على النظام العام والوقوع في تجاوزات في أحيان قليلة .
التوتر الإيجابي يمكن ملاحظته في الارتياح لتحسن خدمات إدارات عديدة متصلة بالجهمهور كأمانة عمان وإدارة السير ووزارة الصناعة والتجارة . كما يمكن ملاحظة مظاهر أخرى للارتياح ، مثل النشاط الذي اعترى السياحة الداخلية بعد تحسن خدمات تنظيم هذه السياحة وبأسعار معتدلة . وحيث نمت الرغبة لدى الأردنيين في التعرف إلى وطنهم .
وفي واقع الأمر أن تغير إيقاع الحياة يجد واحداً من جذوره في التغير الاقتصادي . وذلك مع تقليص الدعم الحكومي للسلع وبالذات المحروقات التي ارتفعت أسعارها أكثر من مرة . وهو ما ولد حالة من القلق العام والشعور بأن زمن الحياة الميسرة قد ولى. وقد ترافق ذلك مع نشوء ضريبة المبيعات مما أسهم في رفع أسعار السلع والخدمات. كما تواكب مع ارتفاع في الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص . غير أن زيادة نفقات المعيشة طغت على الزيادات في الأجور وتعدتها . وهو ما رفع حد الفقر إلى نحو 400 دينار للعائلة المتوسطة العدد في المدن .
وقد حرصت الحكومات المتعاقبة على الحفاظ على قدر من التدخل والرعاية عبر صندوق المعونة الوطنية ودعم المشروعات الصغيرة .مع توجه استراتيجي لردم الهوة بين المناطق والمحافظات ، عبر إفامة مناطق اقتصادية خاصة في اربد والمفرق ومعان بعد تجربة العقبة .
وهي مشاريع طموحة .غير أن الحاجات العاجلة وضغوط المعيشة والثقافة السائدة ، لا تستشعر مردوداً ملحوظاً لهذه المشاريع .وهو مما يبقي على حالة التشكي العام .كما أن اعتماد حد أدنى من الأجور بلغ حتى تاريخه 110 دنانير ، لم يجر النظر اليه سوى من باب تحويل المتعطلين عن العمل إلى فقراء فقراً مدقعاً علماً أنه يفترض بهذا الحد أن يكون متحركاً ، وهذه هي فلسفته الأساسية .
هناك الآن مشاريع طموحة للتدريب المهني والتشغيل تتولاها القوات المسلحة وبأجور تتعدى الحد الأدنى للأجور بكثير لتصل إلى 191 ديناراً .ومن شأن الانخراط بها إحداث تغير ايجابي يعيد الاعتبار إلى العمل اليدوي والمهني، ويضمن إنشاء شريحة كبيرة من الفنيين والعمالة الماهرة ، بما يغير الثقافة السائدة ويحد من الحاجة إلى العمالة الوافدة .
أما التوتر السلبي الطاغي، فيجد أوضح وأقرب تعبير له في أزمة السير الخانقة ، وتدهور مستوى قيادة المركبات، ونقص في وسائل المواصلات العامة وارتفاع كلفة النقل ا لتكسي الأصفر مع انخفاض مستوى الخدمة . وخلف ذلك يكمن القلق الشديد على المصير الفردي والعائلي وذلك مع الارتفاع الهائل على أسعار العقارات والأراضي في العاصمة والمدن منذ أواخر العام 2004 مما جعل امتلاك شقة حلماً لأبناء الطبقة المتوسطة بعدما كان في دائرة الإمكان . وبينما يتناقص المعروض من الشقق، فإن تلك المتوافرة ترتفع أسعار إيجارها . حدث ويحدث ذلك فيما راجت في السنوات الثلاث الماضية قصص وحكايات عن أرباح طائلة وفجائية حققها مالكون نتيجة صفقات سريعة لبيع شقة أو أكثر إلى عراقيين . إضافة إلى ظهور أنماط من الاقتناء والاستهلاك الترفي، وأوضح مظاهره ما لا يحصى من المركبات الفخمة رباعية الدفع ذات الكلفة العالية من الوقود ، والمزيد من المجمعات الاستهلاكية (المولات ) التي تجتذب العائلات وفئات الشبان في عمان وإربد والزرقاء والعقبة ..
وفي النهاية، فقد أدى ذلك إلى غلبة التطلعات الاستهلاكية وكذلك الهم المعيشي على ما عداه ، وتلونت وتأثرت الاهتمامات الأخرى وخاصة السياسية بهذه الأولويات .ولم يقتصر الأمرعلى ما تقدم، إذ طرأ تغير كبير على أنماط الحياة . ، مع انتشار الكمبيوتر والانترنت على نطاق هائل .يما في ذلك في بيوت الفقراء، وذلك مع انخفاض الأسعار وإمكانية شراء أجهزة مستعملة . لم يعد هذا الجهاز غريباًعن الطلبة في القرى والمناطق النائية بعد توفيره في المدارس . أما الانترنت فقد امكن استخدامه بشراء بطاقات ، وفي أضعف الأحوال يتم اللجوء إلى محلات الانترنت التي توفر هذه الخدمة بأسعار متفاوتة حسب المناطق .وسوف يتسع تأثير ذلك على أنماط التفكير والذوق الشخصي والسلوك الفردي والاجتماعي .
مع بداية الألفية الثالثة مضت سنة واحدة على تسلم الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية .ولا شك أن هذه الألفية ستكون مطبوعة في أذهان الأردنيين بعهد مليكهم الشاب حيث اتسم هذا العهد بإبداء التواضع نحو لعب أدوار إقليمية دون أن يغيب الحضور الأردني في المنطقة .ففي هذا العهد بالذات تمتع الأردن بموقع هام داخل المعسكرالعربي الرئيس الذي بات يضم مصر والسعودية والأردن ودولة الإمارات .
على المستوى الداخلي يستحق، ومن باب رصد التغيرات ، تسجيل انشاء هيئة مكافحة الفساد التي تنجز أعمالها بقدر من الكتمان، وهو امر جيد للحؤول دون تسييس عملها ، لكن الكتمان النسبي ليس جيدا من ناحية أخرى ، لكونه يقلل من الأثر النفسي المتوخى للكشف عن حالات الفساد وبدليل ان الجمهور العام بالكاد يعرف عن وجود الهيئة .
كما يسجل انشاء “المركز الوطني لحقوق الإنسان “ الذي يرصد أوضاع حقوق الإنسان بصورة موضوعية ومهنية ، وقد قوبل انشاء المركز كما قوبلت تقاريره باحتفاء كبير .
لكن المركز أيضاً ليس معروفاً على نطاق واسع إلا للمتابعين .
وفي المتغيرات الكبيرة أن الأردن نجح في مكافحة ظاهرة التكفيريين الخطرين، وقد تقلص تقبل المجتمع لهؤلاء ، كما تم رصد عدة حالات تعذيب من طرف منظمات دولية بما يدلل على أن جهداً آخر يستحق بذله لوقف هذه الظاهرة المسيئة .علما بان مثل هذه التجاوزات هي التي يذيع عادة صيتها وأكثر من الممارسات السليمة .
اجتماعياً
من اهم المتغيرات الاجتماعية تدفق العراقيين بأعداد كبيرة حتى تحولوا إلى جالية مستقرة ملحوظة الوجود.لم تنشأ علاقات اجتماعية قوية بينهم وبين الأردنيين عدا علاقات العمل والشركات التجارية .غير ان ذلك لم يكن بالشيء الجديد بين الاردنيين ، فالعلاقات بينهم تخثرت وتقطعت .
ومن المظاهر الملحوظة انخفاض في عدد جرائم الشرف . دون أن تختفي الظاهرة ، وهناك من يقرن في الخارج هذه الظاهرة بالأردن دون غيره من البلدان! . وفي واقع الأمر فلولا التدخل الحكومي لتفاقمت هذه الظاهرة . علماً بأن التقدميين الأردنيين على اختلاف الوانهم يغضون النظر عن الظاهرة، ويعتبرون أن هذه الجرائم لا تستحق الانشغال بها .
ومن المتغيرات أيضاً ازدياد ظاهرة الاعتماد على الخادمات الآسيويات في المنازل .لقد انتقلت هذه الظاهرة من دول الخليج إلى لبنان فالأردن . وتظل هذه الظاهرة رغم بعض الغرابة فيها أكثر قابلية لتفهمها من حلول العمالة الوافدة ، محل العمالة الاردنية في مجالات الزراعة والبناء وكأن الأردنيين من أصول مختلفة لا عهد لهم بمهنة البناء .
ثقافياً
بدا الإهتمام بصناعة أفلام سينمائية قصيرة . واستمر تراجع الدراما التلفزيونية . كم استمر النشاط المسرحي بمشاركة الجامعات وبدعم أمانة عمان ، ولكن دون تحول المسرح إلى ظاهرة جماهيرية .
أما إعلاميا فقد شهد قطاع الإعلام نمواً ، مع انضمام ثلاث صحف يومية جديدة : “الغد” و”الديار” و”الأنباط “، وزاد عدد الصحف والمطبوعات الأسبوعية ومنها "السجل" .
ليس القصد مما تقدم رصد مظاهر التجديد او التحول في الحياة العامة والفردية ، فهذا الجهد يفيض عن حجم مقالة . بل غاية هذا المقال الموجز التأشير إلى بعض المفاصل الأساسية التي تعكس التغيرات المشار إليها وتجسدها. التي أدت في النهاية إلى تغير إيقاع الحياة : اليوم قصير وسرعان ما يمضي . الموبايلات انتشرت وقربت البعيد .. لكنها ابعدت القريب الذي كان يتم اللقاء به وجها لوجه فأصبحت المسجات هي وسيلة التخاطب . التلفزيون هو الذي يجمع الأسرة إذا جمعها بينما الانترنت يعزز الروح الفردية فكل منهم في" ملكوته" .
* رئيس تحرير صحيفة " السجل "
07 كانون اول, 2007
القضية الفلسطينية مسألة أميركية ! محمود الريماوي*
بقليل من التفحص لمجريات محفل انابولس وما تلاه ، فإنه يمكن الاستخلاص بغير عناء أن القضية الفلسطينية لم تعد وطنية فلسطينية ولا قومية عربية ، ولا كونية دولية ، بل باتت قضية اميركية يتولى القطب الدولي الذي ما زال أوحد رعايتها وتكييفها حسب هواه ووفق العلاقة الاوثق من استراتيجية مع دولة الاحتلال .
بيان ذلك أن الأطراف المعنية جميعها التي شاركت في ذلك اللقاء في عاصمة ولاية ميرلاند قد وافقت ضمنياً وفعلياً على هذه المقاربة التي لم تكن بنت ساعتها ، بل جاءت تتويجاً لتراكم طويل ابتدأ عل الأقل منذ بدء الألفية الثالثة ، مع تبوأ كل من جورج بوش الابن وإرييل شارون للسلطة في كل من واشنطن وتل أبيب .
لقد تم منذ ذاك تهميش القضية وإقصاء الأطراف الدوليين وبالذات روسيا والاتحاد الأوروبي (الصين أقصت نفسها بنفسها لحساباتها الخاصة ) . وترافق ذلك مع تجريد حملة تصفية وحشية للمجتمع الفلسطيني ولمؤسسات ومرافق السلطة.وتم تظهير وتسييد البعد الأمني للقضية ، ووضع هذا البعد تحت عنوان "محاربة الإرهاب في العالم" فيما الهدف الأصلي والأصيل هو تقويض البنى التحتية، وتشظية الكتلة البشرية للكيان الفلسطيني الناشىء . هذا التوجه الجذري لم يجد له ما يقابله على الجانب الفلسطيني والعربي ،سوى إبداء مواقف دفاعية واعتذارية ، وترديد المبادىء العامة للسلام الموعود ، وإطلاق المناشدات وتحريك دبلوماسية تقليدية . وحين كان يتم التماس فاعلية ما أو توازنا ما كان يتم الجنوح إلى عمليات تفجيرية ضد مدنيين ، بدل التركيز على استهداف جنود الاحتلال ومستوطنيه أو مواقع عسكرية وأمنية ، وإطلاق حملة منظمة وشاملة في الوقت ذاته ضد استهداف العدو لمدنيين ومرافق مدنية .
عربيا فقد بذلت جهود غير منكورة ، لمواجهة حلف واشنطن تل أبيب ومفاعيل هذا الحلف غير المقدس ( يسبغون عليه مع ذلك طابعاُ دينياً زائفاً : مسيحياً يهودياً ) وشهدت علاقات أطراف عربية بإدارة بوش الابن بعض مراحل الفتور وحتى التوتر نتيجة السياسية الأميركية الملتوية وغير النزيهة .غير أن الأمر لم يصل الى شكل من أشكال المواجهة السياسية ولم يرتق إلى ما تتمتع به سياسة ذلك الحلف من جذرية واستدامة .
لقد كان للمأزق الأميركي في العراق وهزيمة تل أبيب في حرب تموز( يستذكر المرء انتقادات واشنطن العلنية لمستوى أداء جيش الاحتلال في تلك الحرب) ، والسعي لتطويق النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة ، فضل دفع إدارة بوش لإعادة الاهتمام بالمسيرة السياسية وخاصة إزاء لب الصراع . غير أن هذه الإدارة وهي تردد دون انقطاع رؤيتها لحل الدولتين ، لم تتقدم سوى بصورة طفيفة نحو الإقرار بالحق الفلسطيني في دولة مستقلة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967 . فماهية الدولة الموعودة وحدودها تظل رهن التفاوض الثنائي بين طرفين يغيب عنهما التكافؤ ، وفي ظل تمسك الطرف المحتل برؤاه الاستراتيجية وحديثه الدائم عما يسميه " تنازلات مؤلمة ". مع قدر كبير من التدليس في الحديث عن تأيد قيام دولة للجانب الآخر ، وتفادي الإشارة الى أي "شبهة " سيادة لتلك الدولة العتيدة .
يسترعي الانتباه في غمرة انفضاض محفل أنابولس ما أقدمت عيه إدارة بوش من تعيين القائد السابق لحلف شمال الاطلسي الجنرال جيمس جومز لمهمة منسق أمني في الأراضي المحتلة لضمان تنفيذ "خريطة الطريق" . ذلك يؤكد أن البعد الأمني ما زال في الصدارة ومعقد الاهتمام . وقد كان يمكن التعويل على هذه القرار ، لو أن الأمر ترافق مع تعيين مبعوث للسلام أو موفد سياسي يكفل السير نحو تسوية جدية ، ويتمتع بمرجعية دولية : لدى مجلس الأمن مثلا.لكن ذلك لم يحدث حتى الآن .ولعله لن يحدث خلال الأمد المنظور، مع التسليم الفلسطيني والعربي بأن أوراق اللعبة هي بيد واشنطن مائة بالمائة وليس تسعة وتتسعون بالمائة كما كان يجري الترديد سابقا.
أما الحديث عن جدول زمني ينتتهي مع اختتام العام المقبل وعملياً مع انتهاء ولاية بوش، فيظل غير ملزم رغم ما يبدو من توافق عليه. فقد سارع إيهود أولمرت بعد انفضاض الاجتماع للتشكيك بذلك الجدول ، والتقليل من أهميته عبر تصريح لإذاعة أميركية.فبالنسبة لهم في تل أبيب فإنه يمكن المسارعة في استئناف التفاوض المتوقف منذ سبع سنوات ، لكنهم يتفادون أي تقييد زمني لانتهاء جولات التفاوض كيما يكون بوسعهم تعزيز وقائع استيطانية وعسكرية إضافية على الأرض المحتلة .
يجري الآن التحضير لاستصدار قرار من مجلس الأمن يزكي نتائج الاجتماع ويمنحها مضموناً دوليا .الأغلب أن تل أبيب سوف تبذل كل ما تملك يمينها لتجنب ذلك، من إجل إطفاء أية مرجعية دولية. فإذا أخفقت في ذلك فلسوف تسعى إلى تفريغ القرار المنتظر من أية تقييدات أو ضوابط ملزمة، كي تبقى مطلقة اليدين في تقرير وجهة المفاوضات والإبقاء عليها ثنائية حصراً دون أية مرجعية أو حتى غطاء دولي .
عسى أن تنشط الدبلوماسية الفلسطينية والعربية لتدارك ذلك ، والإدراك بأن الاشتباك في أروقة المحفل الدولي لا يقل أهمية إن لم يزد عما حدث في انابولس ، وذلك لجهة التأكيد على القرارات السابقة ذات الصلة ، وعلى شمولية التسوية ، وتحديد هدف المفاوضات الثنائية ووضع سقف زمني لها .
* رئيس تحرير صحيفة "السجل"02 كانون اول, 2007
"مشهد" ثقافي أم سوق ثقافي؟
محمود الريماوي*
يستخدم على نطاق واسع تعبير «المشهد» للتدليل على الحياة الثقافية المحلية. والتعبير اتفاقي أو تقريبي، ويقصد به المظاهر والظواهر العامة، كأجيال المبدعين والأجناس الأدبية والمواسم المسرحية والحراك التشكيلي، والمنابر من مجلات ورابطة كتاب وملاحق ثقافية للصحف ومجمل المنتوج الثقافي، وسوى ذلك من مظاهر معهودة أضيفت اليها مظاهر جديدة، مثل نشوء اتحاد كتاب الانترنت العرب بمبادرة أردنية، وحفلات تواقيع الكتب الجديدة ونشوء نظام التفرغ الابداعي، وما يتخلل ذلك من مستجدات تطرأ بين الحين والآخر، دون أن يكون بين هذه المستجدات مثلاً نشوء حوار مفتوح أو تراسل ملحوظ بين الفاعلين الثقافيين، من مبدعين ونقاد ومحررين.
ما تم التواضع على تسميته ب«المشهد» يشهد منذ أمد غير قصير، ركوداً مزمناً رغم أنه لا يخلو من حيوية.وقد يبدو في الأمر تناقض، وهو كذلك.فالحياة الثقافيةالأردنية لا تتسم بتراكم يذكر، ولا تؤسس لتقاليد متطورة، ولا تقيم اتصالاً وتفاعلاً حياً لا مع جمهرة القارئين والمتلقين في الداخل ولا مع العالم العربي ناهيك عن العالم. والبادي أن ما تقدم ذكره مرشح للاستمرار و«التفاقم»، رغم زيادة المنتوج وتضاعف أعداد المنتجين من موهوبين وممن هم أقل موهبة. وهذا الأمر محل تحسس إن لم يكن موضع شكوى عامة من الفاعلين في هذه الحقول. وقد يجد بعض الدارسين في الاجتماعيات جذورا لهذه الحالة في عدم نشوء حالة مدينية (رغم أنها كانت قائمة في العاصمة ولو بصورة أولية فبل نصف قرن) واختلاط البنى التقليدية بأنماط الحياة الحديثة في صورة هجينة.مما لا يوفر بيئة صالحة لازدهار الحياة الثقافية ورسوخها.وقد يرى باحثون في التحولات الاقتصادية أن الضغوط المعيشية المستجدة والمفاجئة وشيوع حمى الاستهلاك، قد ضربت حالة الاستقرار والأمان علما بأن المنتجين الثقافيين ينتمون للطبقة الوسطى مع شرائح من الفئات الفقيرة.
وهناك من يرى في ثورة الإتصالات والوسائط التكنولوجية، حيث كان الأردن سبّاقاً في التعامل مع هذه الوسائط، دوراً في تشتت الحياة الثقافية واضطراب نواتها إذا كانت لها نواة، وفي اختلاط لا سابق له في المعايير.
وإلى ما تقدم ذكره برز واقع جديد، فصورة المشهد الثقافي بدأت تختلط بعلاقات وبذهنية السوق.وفي رأي شاعرعلى تماس مباشر مع المرافق الثقافية، فقد بدأت هذه الظاهرة تتبلور منذ العام 2002 مع اختيار عمان عاصمة ثقافية عربية لذلك العام. لقد اقترن ذلك بتخصيص ميزانيات حكومية لأمانة عمان ولوزارة الثقافة، وقد أفادت منها مؤسسات وهيئات وأفراد. وهو أمر جيد،دلل على استعداد رسمي لدعم فعلي والكف عن التقتير.
ونشأت بعدئذ حالات من التمويل الأجنبي لنشاطات فنية ومسرحية، وتسويق لأعمال تشكيلية. ومن المفارقات أن ذلك أنعش الحياة الثقافية كمياً،لكنه اقترن بتراجع دور النقد، فلم يعد هناك من فرق في المتابعات الثقافية بين نص وآخر، بين عمل فني وآخر بين مبدع وآخر، في مرآة الخطاب الإعلام الثقافي السائد، وجرى التقديم والتعتيم وفقاً لعلاقات السوق وازدهار فن العلاقات العامة والخاصة بصورة مطردة واستثمار المنابر وحتى بعض الهيئات لأغراض فردية. وهو ما وقع فيه موهوبون وضعيفو موهبة على السواء.
وقد وقع ذلك كله على بيئة ثقافية غير متماسكة في الأصل.وبات مبدعون يستعيضون عن عزلتهم في مجتمعهم بالتمتع بفرص معنوية وغير معنوية. وقد أسهم الغياب المزمن للنقاد والدارسين الأكاديميين عن «المشهد» خلا استثناءات محدودة ومعدودة، في ذهاب الوضع إلى ما ذهب اليه. بما جعل الوضع الثقافي في النهاية رخواً بغير تحصين أو مناعة تذكر .فيصعب الحديث تبعاً لذلك عن حراس للضمير الثقافي، او عن نزعة «أخلاقية» مكينة، تحول دون الخلط المتمادي للمعايير وحتى عدم الاعتراف بالحاجة لهذه الضوابط، بعدما سادت عقلية «الشاطر بشطارته» واهتبال الفرص. وبعدما دخلت أو استدرجت مؤسسات تجارية لدعم أعمال فنية.ومثل هذا الدعم مطلوب من القطاع الخاص، وهو دليل حيوية المجتمع غير أنه يتم في معظم الحالات دون ضوابط أو رؤية بعينها، ويخضع للعلاقات الخاصة ويحظى بتغطية «مناسبة» في الصفحات الثقافية، نتيجة آلية المتابعات التي تعتمد على الكم، وعلى تفادي النقد واعتبارها شراً مستطيراً تجنباً لزعل فلان أو جهة ما.
وهذا بعض المقصود بمنطق «السوق» الغالب الذي يزداد استشراء، ويجد بعض المبدعين مصلحة لهم فيه. وليس المقصود التطير والشكوى من الصناعة الثقافية ولا من المبادرات الفردية.وهناك مظاهر إيجابية لها سوف تتناولها «السجل» في أعدادها المقبلة مع فتح صفحاتها لمن يشاء للمساهمة، والشرط الوحيد هو الرصانة، والنأي عن شخصنة الأمور مدحا أوقدحاً.
*رئيس تحرير صحيفة "السجل".