28 تشرين ثاني, 2007
محفل أنابوليس :فرص ومحاذير
محمود الريماوي
عقد الثلاثاء اجتماع أنابوليس في ولاية ميرلاند الأميركية ، في غمرة مشاعر الريبة بأن يحقق الاجتماع نتائج ملموسة ، توقف تغول المحتلين وتحدد نقطة انطلاق لانتهاء الاحتلال القائم منذ أربعة عقود .
واللافت أن تصريحات مسؤولين عرب كثر ، قد حذرت من انعكاسات فشل الاجتماع ، بما دلل على أن سقف التوقعات منخفض. في الوقت ذاته تحدث آخرون من بينهم الرئيس عباس ، عن "فرصة تاريخية " يوفرها اللقاء. ومن الواضح أنه حديث أقرب إلى التمنيات منه إلى تشخيص الواقع . وفي نهاية الأمر فالمهم هو إثبات النجاعة على تحويل المرتجى إلى واقع ملموس ، وتخير الوسائل الملائمة لذلك داخل أروقة هذا اللقاء كما خارجه .
مع ذلك ليس لأحد أن ينعي أو ينكر أهمية انعقاد هذا الاجتماع من حيث المبدأ. فلطالما تمت دعوة واشنطن للبرهنة على جديتها ووقف تعطيلها للمسيرة السياسية. ليس من المنطق تتفيه فكرة اللقاء، لكن الواجب يقتضي منح هذه المناسبة المعنى والقيمة ، وتلك ليست مسؤولية واشنطن ابتداء فلديها كل الإمكانيات للتلاعب والتملص ، بل هي مسؤولية فلسطينية وعربية أساساً.
الاستنكاف عن المشاركة كان أحد الخيارات التي تم التلويح بها، من أطراف عدة بينها مصر والسعودية والطرف الفلسطيني. الآن مع اختيار المشاركة والاستجابة لدعوة واشنطن، فعلى المشاركين العرب إثبات أن استجابتهم للدعوة تمت تعبيراً عن قناعة بإمكانية تحقيق نتائج جدية ، تتعدى التقاط الصور والوقوع في شرك الوعود الاسرائيلية المبهمة وترديد المبادىء الفضفاضة ، وفي النهاية التفلت من أي التزام محدد ، خاصة لجهة الجدول الزمني وآلية التنفيذ والمتابعة .
الاستجابة الدولية الواسعة للمشاركة في اللقاء ، توفر فرصة للأطراف العربية للضغط على تل أبيب ، من منطلق استهتارها المديد بكل الشرعيات والمواثيق التي تدين بها الأسرة الدولية، والتشديد خلال ذلك على واقع شاذ يتمثل في إعفاء هذه الدولة الباغية من أية محاسبة أو تبعة خلافا لدول وأنظمة أخرى في عالمنا ، وهو ما أدى إلى إطالة أمد هذه الظاهرة الاحتلالية ، وإلباسها لبوساً دينياً مزعوماً لإخراجها من إطارها السياسي والقانوني .
من بؤس النظر والعمل الاكتفاء بإبداء الأسف ومشاعر الخيبة من السلوك الإسرائيلي ، فليس من المتوقع أو المنتظر أن يتكرم هذا العدو العنصري والمتغطرس، بإعادة الحقوق إلى أصحابها والكف عن نهجه التوسعي والدموي ، لمجرد إبداء مناشدات نحوه وإظهار كل هذا القدر من حسن النوايا .
خبرة الصراع والتسوية معه على مدى عقود ، تفيد بدام امتلاك هذه العدو لعقيدة صراعية وخيار عسكري ، حتى مع سيادة حالة سلمية من الطرف الآخر. وكان موشي دايان قد عبر عن ذلك قبل أكثر من أربعين عاماً ، حين أوصى بأن تعزز الدولة العبرية بسلوكها صورتها ك "كلب مسعور يحرص الجميع أن يتجنبوا أذاه ". يجري التقيد بهذه الوصية ولو بتفاوت بين أطراف المؤسسة الصهيونية .
مناسبة لقاء أنابوليس تستحق أن تحمل رسالة عربية مؤداها ، أن السياسية "الاسرائيلية" لم ولن تحقق لأصحابها شيئا ، وأن طريق التسوية بأهدافها ومرجعياتها معلومة ، وأن التصرف على الأرض وتجاه البشر في مسار يفضي إلى زوال الاحتلال ، هو وحده ما يضمن الأمن للجميع والقبول بالدولة الصهيونية كأمر واقع .
لا يرغب المرء هنا بإيراد جملة من "الينبغيات " ، وجل المرد هو التأشير على طبيعة التحدي القائم والذي لا تتم الاستجابة له بنجاعة كافية حتى الآن .ولقاء أنابوليس يوفر فرصة ثمينة لكن هذه الفرصة لا تتحقق من تلقائها ، وبمجرد تقدير العالم للنوايا الفلسطينية والعربية السلمية والمسالمة .فإما أن تشكل المناسبة فرصة لإثبات الاستجابة للتحدي ، أو يتم هدرها بالرضى بالفتات وإعفاء المحتلين عملياً ، من تبعات اقترافهم لجرائمهم الكبرى بما يحفزهم على ارتكاب المزيد منها ، حتى لو صدرت بعض المؤاخذات اللفظية من هنا وهناك والتي لا تعني شيئا ، لساسة يتميزون بالصفاقة والوحشية ويعتبرون هذه الخصال ، طقساً وطنياً وشعائر مقدسة .
لن يفاجأ أحد إذا ما خرج لقاء أنابوليس بنتائج هزيلة وخاوية ، بل إن المفاجأة سوف تكمن في خروجه بحصيلة مقنعة. في الحالة الأولى المتوقعة فليس على الأطراف الفلسطينية والعربية المشاركة لوم أحد على سوء المآل ، فقد كان هناك في البدء خيار عدم الاستجابة لمناسبة مبهمة، وكان في متناول اليد بل تم التلويح به غير مرة كما سبقت الإشارة .وفي النهاية تمت المشاركة وقد يصح وصفها بمجازفة .على أنها لم تقترن بأداء ناجع يضع اللقاء بين خيار الفشل مع تحميل المحتل وحليف في واشنطن التبعة والمسؤولية ، أو الخروج بنتائج جدية تضمن استئناف المسيرة السياسية ضمن أمد زمني محدد وقصير وبآليات واضحة وملزمة للمتابعة والتنفيذ ،وذلك على سائر المسارات حتى لو تم البدء بالمسار الفلسطيني لخصوصيته ومركزيته .
لقد أتيحت الفرصة خلال الأشهر القليلة الماضية ، لوضع خطة محكمة وفعالة للتعامل مع هذا الحدث ، رغم التعمية المقصودة التي أشاعتها الجهة الداعية . ويفترض أنه تراكمت للأطراف العربية المعنية خبرة تراكمية في التفاوض وإدارة العملية السياسية ، وهو ما يستحق تفحصه مع انفضاض الاجتماع.
26 تشرين ثاني, 2007
من يبالي حقاً بالشأن العام ؟ محمود الريماوي*
على المجتمع السياسي بمختلف مكوناته أن يتفحص جيداً ، أسباب ضمور الطابع السياسي لانتخابات المجلس الخامس عشر . جري الحديث عن ضمانات مطلوبة لنزاهة العملية الانتخابية ، لكن الحصيلة في جميع الأحوال سوف لن تتغير كثيراً ، وذلك في ظل ما يمكن احتسابه انسحاباً للنخب من هذا الاستحقاق ترشيحاً وربما تصويتاً .
سوف تبين أية دراسة أو استطلاع إحصائي لاحق ، أن الطبقة الوسطى المثقفة والمتعلمة والمسيسة في العاصمة والمدن الكبيرة للمملكة ،هي الأقل احتفالاً بهذه المناسبة الوطنية مقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى . في بلدان عربية منها مصر يحدث شيء مشابه وهو مما لا يثير التفاؤل. هذه النخب هي الأكثر حديثا وتنظيراً عن الإصلاح الشامل بما فيه السياسي، لكن الكثرة الكاثرة من أعضائها تستثقل وتستكثر القيام بأبسط دور، مثل الانشغال بهذا الاستحقاق والاستعداد للمشاركة به .
لماذا يلوم المرء الفئات الأخرى من كادحين ومهمشين ، إذا لم تبد اهتماما كافيا بهذه المناسبة ، ما دام هناك من يشيع اليأس واللامبالاة ويزهو باستنكافه عن الاهتمام بما يجري ؟ .
الحديث لا يساق عن حالات فردية فممارسة هذا الحق والواجب ، يظل في نهاية الأمر شأناً شخصياً وذاتياً ، فلا يمكن إلزام أحد بالتصويت ، كما سعت إلى ذلك أنظمة شمولية في سياق نهجها القائم على ما لا يحصى من إكراهات على مواطنيها .
الحديث هنا حول ظاهرة ملحوظة في مجتمعنا أكثر من أي وقت مضى . يمكن تفسير الظاهرة بعوامل ودوافع شتى ، وهو ما يحتاج الى تناول مستقل ويفيض عن حدود هذه المقالة . غير أنه لا يمكن تبريرها في النهاية. فادعاء الانشغال العميق بالشأن العام ، لا يتفق مع حالة الانكفاء التي يراد تحويلها إلى قانون وتقليد . أي تثبيتها وتكريسها ومحاولة تعميمها إذا أمكن على الناس .
ومن اللافت أن هذه السلبية الشديدة لدى فئات متنورة ، تلتقي في المحصلة مع دعوات فئات متطرفة هامشية للانسحاب من هذه المناسبة . المتنورون ليسوا متطرفين بل غالبيتهم الغالبة من العقلاء المعتدلين ، لكن مزاجهم كما يبدو متطرف .فحتى من لا يعجبه المترشحين بوسعه لو شاء وضع ورقة بيضاء ، فالمهم هو البرهنة على قدر يسير من الجدية والمسؤولية ، بمعرفة مكان الاقتراع والتوجه إليه مع بقية خلق الله وتحكيم الضمير أمام صندوق الاقتراع ، والاحتكاك والمقصود التماس مع " الجماهير " ، التي يجري الحديث دائماً عنها والنطق باسمها والتعبير عن مصالحها ورؤاها ! .
وفي نهاية المطاف فإن أطراف المجتمع السياسي تتحمل مسؤولية انخفاض منسوب السياسة في هذه الانتخاب ، وعليها الوقوف أمام هذه الحصيلة وعدم قصر الأمر على قانون الصوت الواحد وإراحة الضمير وإخلاء " الذمة " بهذه الطريقة . فالنخب مشغولة بالبزنس والترقي الاجتماعي والاستهلاك وتزجية أوقات الفراغ ، بأكثر من اهتمامها الفعلي بالعمل العام ، إذا كانت تبدي أي اهتمام به يتعدى حديث السهرات والاستعراضات الثقافية ، وتشبيك العلاقات مع أصحاب النفوذ في القطاعين الخاص والعام .
*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
mdrimawi@yahoo.com
23 تشرين ثاني, 2007
إعادة اعتبار متأخرة
محمود الريماوي
يعاد الاعتبار إلى الراحل ياسر عرفات بعد ثلاث سنوات على غيابه بصورة تثير الريب .وكان شارون سمح له بالسفر والعودة لأول مرة بعدما تمنع صهيوني صفيق ومديد . مما يؤشر أنه أي شارون كان على شبه يقين بأن عرفات لن يعود حياً ، بعدما عمل على اغتياله بمفعول لاحق ، وهو ما كان .
يعاد الاعتبار إذن هذه الأيام للراحل بعدما كان تعرض ، لما لا يحصى من حملات من أطراف عدة تندرج معظمها في ما يعرف بقوى ممانعة. على أنه يسترعي الانتباه أن الإنصاف المتأخر لا يرتب على أصحابه أية تداعيات : فهم يمتدحون من بات في دار الحق ، لكنهم لا يقدمون على أي نقد لمواقف عرمرمية سابقة قيل فيها ضد الرجل ما لم يقله مالك في الخمر. فالنقد الذاتي إمارة على الضعف وهم : منصفو اليوم ، أقوياء . فيما ذاكرة "الجماهير " ضعيفة كما يتصورون.
خلافهم مع الكيانية الوطنية التي أرساها عرفات، مستمر. فهذه الكيانية "مشبوهة " لمجرد نزوعها إلى إحراز الحرية وإقامة دولة مستقلة ، فالفلسطيني الجيد كما اللبناني الجيد والعراقي الجيد، يتعين في عُرفهم أن ينزع إلى كيان غير مستقل بل ملتحق بغيره ، وهي غير مقبولة لأنها لا تتمسك بقوالب أيديولوجية تستهوي المعترضين ، ويديمون تردادها بمناسبة وغير مناسبة كتعاويذ سحرية .
لم يكن عرفات بغير أخطاء بل ارتكب أخطاء جسيمة: الفردية في اتخاذ القرارات ، غض النظر عن الفساد ،التهور في الزج بمنظمة التحرير في نزاعات أهلية في كل من لبنان والأردن،عدم اتخاذ موقف موضوعي من أزمة احتلال الكويت والانسياق لإعجاب مضمر بالرئيس العراقي الراحل. غير أنه في الوقت الذي كان يسعى لتصحيح بعض أخطائه ، ونجح جزئياً في ذلك قبل رحيله ، فإنه نجح على الدوام نجاحاً أكبر في فرض القضية الفلسطينية كقضية تحررية على صدارة جدول الأعمال الإقليمية والدولية . والكفاح الوطني المعاصر لشعبه يظل يقترن باسمه خصوصاً ، إلى جانب كوكبة من الرموز والقادة ، علاوة على آلاف الشهداء الذين باتوا مجهولي الهوية والاسم .
ونجح قبل رحيله في التعامل مع الاحتلال بصورة صراعية ، رغم بعض تصرفاته المستغربة في مجاملة إسرائيليين ، وهو أي صموده ما تجلى في المفاوضات الشاقة التي خاضها معهم في كامب ديفيد وطابا ورفض خلالها التنازل عن ثلاثة بالمئة من الأراضي المحتلة ،كما رفض عرضاً بمليارات الدولارات لقبول هذه الحل من قبل الراعي الأميركي. وذلك يختلف اختلافاً بيناً عن الأسلوب البيروقراطي الذي يتبعه محمود عباس الذين يراهن على إفحام الإسرئيليين في المناقشات ، كسبيل لإحراز حل عادل ، دون اتباع أية وسيلة صراعية بما في ذلك العمل الشعبي والكفاح المدني ! .
لقد أرسى الراحل خلال ذلك مستوى مقبولاً لعمل ائتلافي داخلي، قياساً بالوضع العربي. وظل الاقتتال في عهده من المحرمات التي لا يجرؤ أحد على الانزلاق نحوها.الأمر الذي أسهم في فرض الاحترام والتعاطف مع قضية الشعب المكافح. ومع ذلك فقد تم تجريد حرب إعلامية شعواء على الرجل طيلة عقدين وأكثر،من قوى اختارت لنفسها احتكار الصواب القومي، سعياً لتحقيق غايات غير قومية.بعض هذه القوى هي التي تترحم على الرجل هذه الأيام ، وتجزل له عاطر الثناء .
من المفارقات أن حركة حماس مثلا التي تحمل مشروعاً فوق وطني عابر للحدود وللقارات والقوميات ، قد انضمت عبر تصريحات متفرقة لبعض قياداتها لمسلسل امتداح الرجل ، رغم أنها وقفت منذ البدء وعلى الدوام ضد مشروعه التحرري ، مرة باسم تعزيز العقيدة الإيمانية في النفوس وبناء مجتمع صالح كأولوية سابقة على الكفاح الوطني ، ومرة لاحقة باسم أولوية الانضواء في إطار إقليمي لقوى مجاهدة وممانعة ، بدلاً من بناء إطار ائتلافي داخلي أولاً . .غير أن امتداحها للقائد المؤسس، سرعان ما تبينت جديته وصدقيته مع إطلاق النيران الحية دون وجل على عشرات الآلاف من المحتفلين في غزة بذكراه ، مما أدى لسقوط ثمانية شهداء وعدد آخر من الجرحى .
ليس مطلوباً تصنيم أحد ولا عبادة أشخاص ، بل المطلوب استخلاص الدروس الصائبة من سير الراحلين الكبار وتفحص أوجه جدارتهم وريادتهم ، وإدراج الثناء عليهم في سياق إنصاف دورهم التاريخي ، مع ضرورة تفادي أخطائهم ، والبناء على إنجازات سابقة مهما بدت متواضعة . ذلك أن العدو في سلوكه وفي استهدافه لشخص الراحل الكبير : حصار مقره ثم تسميمه أو التسبب بإصابته بالإيدز على ما يؤكد طبيبه أشرف الكردي ، فإنه أي العدو يدرك مدى أهمية تلك الإنجازات، بما لها من صفة تأسيسية في شق الطريق لتحول تاريخي، وهو ما يفسر ازدياد الوحشية الصهيونية ، وانفتاح الشهية على المزيد من اللصوصية والتوسع بعد غياب الراحل لكبير، والاستخفاف المتزايد بالسلطة ومشروعها السياسي .
في جميع الأحوال فإن حلول ذكرى هذا القائد في هذا التوقيت ، ينبغي أن يكون مرشدا للسلطة وهي على أعتاب الدخول في مواجهة سياسية واشتباك تفاوضي مع عدوها . لقد كان محمود عباس في عداد الوفد المفاوض في كامب ديفيد آنذاك إلى جانب عرفات . عليه استلهام سيرة الرجل في الثبات والاحتكام إلى شعبه والاستقواء به، كما كان يفعل عرفات بحديثه الدائم عن "شعب الجبارين ". الدبلوماسية مفيدة وواجبة ، شريطة الاتكاء على إرادة سياسية حازمة والإيمان بالشعب وإطلاق قواه وبعدئذ مخاطبة الشعوب الشقيقة التي شكلت اكبر رافد دعم وتضامن فعلي على مدى عقود .
mdrimawi@yahoo.com
20 تشرين ثاني, 2007
اعتراف واحد لا يكفي !
محمود الريماوي
يريد إسرائيليون دولتهم المقامة على أرض فلسطين دولة فوق الدول، و يريدون أمتهم رغم أنها تحت التكوين أمة فوق الأمم .
ليس ذلك من باب الهجاء ، فأسباب هجاء هذه الدولة تعز على الحصر ، وهي تتردد على ألسنة كثرة كاثرة ،وتجهر بها أصوات شجاعة في الغرب وحتى داخل المجتمع الاسرائيلي ، الذي تريد المؤسسة الحاكمة تعبئته على الدوام تعبئة عنصرية وغرائزية .
مع توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 جرى الطلب من الجانب الفلسطيتي المفاوض الاعتراف ليس بالدولة الاسرائيلية القائمة،بل الاعتراف ب" حق اسرائيل في الوجود " . وكان لهم ما أرادوا لاعتقاد المفاوض الفلسطيني آنذاك أن المسألة " لا تفرق وكله اعتراف " !. لقد تم الأخذ بهذا الاعتراف المتبادل مع منظمة التحرير ، دون ربطه باعتراف مسبق بدولة فلسطينية مقبلة أو حتى بحق شعب فلسطين في الوجود ، على غرار حق الدولة العبرية في الوجود .
هذه الصيغة غير جارية في الاعترافات بين الدول، ومع ذلك أصر المفاوضون الاسرائيليون على ابتداعها وفرضها ، كي يكون واجباً على المشردين أن يتشردوا ويخلوا الأرض لمستوطنين يهود تخلوا عن البلد الأم والمجتمع الأصلي! .
هذه المرة يريد السادة الحاكمون في تل أبيب اعترافاً آخر.فإذا كان الاعتراف بين الدول والشعوب يتم لمرة واحدة وينقضي الأمر، فالدولة العبرية باعتبارها دولة فوق الدول فإنها تتطلب أكثر من اعتراف واحد بها.يريدون هذه المرة الاعتراف ب"يهودية دولتهم".وهو مطلب غريب فالدول لا تشترط إقرارا بدينها من الآخرين . غير أن هذا المطلب الشاذ يخفي هدفا سياسيا يكمن بالتجريد الضمني للمواطنين العرب في هذه الدولة ( نحو ربع مليون نسمة ) من حقوقهم باعتبارهم ليسوا يهوداً . وبهذا فإن هذا الهدف يتجه لتصفية وقطع روابط هؤلاء بأرضهم والكيان القائم عليها ، بما يهيء لترحيلهم إلى دولة ما مرشحة للقيام في " أجزاء من الضفة الغربية ".وبدل أن يعود لاجئون إلى ديارهم التي شردوا منها في العام 1948 تتم " عودة " أبناء الناصرة وصفد ويافا وحيفا واللد والرملة والجليل والنقب وشفا عمرو حيث يرابطون على أرضهم هناك .. إلى الضفة الغربية ! .
ومع محاولات إدخال مفاوضات مزمعة في دوامة "خريطة الطريق" التي سبق لهم أن نقضوها وتم تجاوز جدولها الزمني، فالرؤية الاسرائيلية تتجه لانتزاع مكاسب معنوية هائلة من قبيل دفع الفلسطينيين للاعتذار عن وجودهم على أرض فلسطين التاريخية لآلاف السنين . وفتح الباب أمام ترحيل من تبقى منهم . وقد أجاد المفاوض صائب عريقات بالقول "إن خريطة الطريق لم تتضمن حديثا عن أديان " . ومن المهم التمسك بهذا الموقف ،ورفض المناورات الاسرائيلية القائمة على محاولة حرف المفاوضات عن مجراها والسعي لانتزاع تنازل جوهري، فإن تحقق ذلك فهو جيد جداً بالنسبة لهم. وإن لم يتم فلا بأس من تبديد الوقت وتجاهل القضايا الأساس موضع الصراع ومحل البحث .
تبلغ الصفاقة حد الإدعاء بأن مطلب الاعتراف بيهودية دولتم هو أساس للمفاوضات ! علماً أن كل القرارات الدولية ذات العلاقة ، كذلك الاتفاقيات السابقة المبرمة لم تتطرق لهذا الأمر .
ذلك يدلل على صعوبة ما ينتظر المفاوض الفلسطيني، من مناورات سقيمة يتخصص بها الجانب الآخر . وهو ما يتطلب تصليب الموقف الصائب حتى الآن والتمسك به. مع ملاحظة أن العالم لا يصغي فقط للموقف الصحيح ، بقدر ما يأخذ في الحسبان مدى صلابة الإرادة السياسة التي تقف وراءه .
من المهم التوقف عن الأداء البيرقراطي في استقبال مبعوثين وقناصل والسفر الدائم إلى الخارج ،والتوجه للاتصال بالناس وممثليهم في القدس مثلاً، حتى تصبح المفاوضات قضية وطنية بالفعل يشاركون ويتمسكون بها وبمحدداتها ويدعمون المفاوض .
mdrimawi@yahoo.com
18 تشرين ثاني, 2007
ضغوط وعروض
محمود الريماوي
تذكر صحيفة اسرائيلية أن أولمرت يعرض على دمشق تخليه عن الجولان مقابل تخلي سوريا عن علاقاتها بحماس وإيران وحزب الله . ليس معلوماً إذا كان ما نشرته يديعوت أحرونوت هو مجرد تسريب يستخدم كبالون اختبار ، أم أنه يعكس توجها على قدر من الجدية . مصادر رئيس حكومة الاحتلال ألقت ظلالاً من الشك على ما نشر ، دون أن تلجأ إلى نفيه بوضوح .
كانت تل أبيب قد دعت .. حثت دمشق قبل أيام على المشاركة في مؤتمر أنابولس المزمع ، وتمسكت دمشق بموقفها بضرورة طرح قضية الجولان في اللقاء ، وقد سربت أوساط أميركية بأن هضبة الجولان سوف يتم ذكرها في الاجتماع ! فيما ذكرت أوساط أخرى في واشنطن الاستعداد لعقد لقاء لاحق خلال وقت قصير لتهيئة الأجواء لاستئناف التفاوض على المسار السوري .
تعطي تل أبيب كما هو واضح إشارات متناقضة ، فمواقفها "المشجعة" الأخيرة جاءت بعد الغارة التي شنتها على الأراضي السورية ، وبضوء اخضر أميركي كما هو جلي بدليل التصريحات الأميركية عقب الغارة التي سوغتها بادعاء وجود موقع نووي مفترض . مع ذلك فإن أبجديات الصراع والتسوية في منطقتنا تفيد أن الاحتلال الاسرائيلي يستخدم الحرب كوسيلة تفاوضية ، ويستثمرها من أجل إشاعة أجواء تفاوضية مواتية له . كما حدث في مؤتمر مدريد بعد حرب عاصفة الصحراء التي تم فيها استعادة الكويت . وقد شاركت سوريا من جانبها مشاركة رمزية في تلك الحرب كما شاركت بصورة كاملة في مؤتمر مدريد . وحدث أن تم توقيع اتفاق أوسلو بعد الانتفاضة الأولى : انتفاضة الحجارة وما جوبهت به من قمع أيام رابين ( لا يقارن بوحشية شارون وأولمرت في استئصال الانتفاضة الثانية ) .
في جميع الأحوال فإن التقرب الاسرائيلي اللفظي من دمشق ، يعكس خليطاً من التكتيكات والمصالح الاستراتيجية .في التكتيك هناك استخدام للعصا والجزرة : الغارة وعروض التفاوض ، وكذلك محاولة الضغط على الجانب الفلسطيني لانتزاع تنازلات منه قبل وخلال وبعد لقاء الخريف ، وذلك بالإيحاء أن المسار الفلسطيني قابل للتجميد مجدداً لمصلحة مسار آخر.
وفي المصالح الاستراتيجية فهناك حاجة للاحتلال لنزع عامل حزب الله وحماس وعزل إيران ، ضمن الحاجة لمقاومة مد ديني ، يحارب إسرائيل دينياً بمثل ما تحارب به هذه العرب كدولة يهودية تقاتل غير اليهود وتسلب منهم أراضيهم .
لكنه ليس سراً أن دمشق تتبع سياسة تجميع الأوراق ، التي دشنها الرئيس الراحل حافظ الأسد وهو ما يفسر التحالف الناشىء بين دمشق العلمانية التي تناوىء التيار الإسلامي المحلي أشد المناوأة ، وبين منظمات ذات توجه ديني وجمهورية إسلامية في طهران . تجميع الأوراق السياسية يرمي أساساً للضغط على تل أبيب لإعادة الجولان المحتل . فإذا ما تم ضمان إعادتها فلا يعني ذلك أوتوماتيكياً التخلي عن هذا التحالف ، ولكنه يعني على الأقل إعادة النظر في الحسابات وفي المعادلات ، وهو ما يتطلب من أطراف كحماس وحزب الله التكيف لا إلقاء سلاحها بالضرورة .
هناك إذن في المشهد الإسرائيلي مزيج من المناورات والضغوط والعروض معاً على دمشق ، التي تتقن بدورها الحسابات دون مساعدة الكمبيوتر والآلات الحاسبة ، وسوف تجد طريقة للتعامل مع مفردات هذا المشهد المركب .
mdeimawi@yahoo.com
16 تشرين ثاني, 2007
| البرادعي يحابي من؟ .................. محمود الريماوي |
| محمود الريماوي
لو كان العرب يملكون أمرهم لكانوا احتجوا على تقاعس محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم تحركه باتجاه فتح الملف النووي “الإسرائيلي”، وكان البرادعي زار تل أبيب قبل نحو عامين وصرح هناك بأن أمر الملف النووي “الإسرائيلي” مرهون باستقرار الوضع السياسي في المنطقة. وهي ذريعة صهيونية يقصد بها حمل الدول العربية والإسلامية، على الاعتراف بالدولة العبرية وهي قائمة على احتلالها للأراضي العربية، وبادعاء أن هذا الاعتراف لا إنهاء الاحتلال هو ما يؤمن الاستقرار لدول وشعوب المنطقة. غير أن التطورات اتجهت على خلاف ذلك بل في اتجاه معاكس. فالدولة العبرية هي التي تحتج هذه الأيام على البرادعي، لأنه ليس متشدداً بصورة كافية ضد الملف النووي الإيراني، وهي تبعاً لهذا الادعاء تدعوه للاستقالة من موقعه. مع الإقرار بأن الملف الإيراني يثير درجة عالية من القلق، فإنه من الواضح أن الدولة العبرية هي في مقدم الدول التي تتشدد حيال هذه القضية، وهو تشدد يوفر ذريعة أخرى للإيرانيين كي يتشددوا بدورهم. وثمة تنسيق بل لجنة أمريكية “إسرائيلية” مهمتها متابعة هذه المسألة. لم تبد واشنطن حتى كتابة هذه المقالة، موقفاً علنياً مماثلاً لموقف تل أبيب حيال البرادعي.غير أن واشنطن ومعها باريس تدرجان المسألة في إطار نزاع سياسي مع طهران، وليس في إطار الحد من انتشار الأسلحة النووية، ودعوة دول العالم للتوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة الفتاكة. ولا يزال خطر مواجهة ما قائماً في المنطقة، وذلك نتيجة تشبث الأطراف بما فيها إيران بمواقفها. وقد يكون ميدان هذه المواجهة هو العراق في المقام الأول، حيث تنازع إيران الولايات المتحدة على النفوذ العسكري والاستخباراتي في هذا البلد المستباح. أما التدخل “الاسرائيلي” في المسألة فهو يرمي لبلوغ هدفين معاً: الأول تأليب واشنطن على خوض مواجهة مع إيران وبمساهمة عسكرية وتقنية من تل ابيب. والهدف الثاني هو التغطية على وجود منشأة وأسلحة نووية “إسرائيلية”، ودفع العالم لاحتساب الكيان كعضو في النادي النووي الدولي، كما هو حال الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وبالتالي استمرار الصمت والتواطؤ عملياً لإبقاء الملف “الإسرائيلي” بعيداً عن دائرة الضوء. الهدف الثاني متحقق بالفعل. مما يشكل تحدياً للعرب قبل إيران وأية دولة أخرى في عالمنا.غير أن بإمكان العرب نقضه بدفع العالم لسحب الاعتراف الواقعي ب”حق” الكيان الصهيوني في امتلاك أسلحة دمار شامل. غير أن ذلك الهدف لا يقع على جدول الأعمال العربية، وإن كانت تصدر تصريحات متباعدة من هذه الدولة أو تلك أو من الجامعة العربية حيال هذه المسألة. وقد لوحظ مؤخراً بالمناسبة صدور تصريحات “إسرائيلية” تحذر من إمكانية امتلاك مصر والسعودية لقدرات نووية، فضلاً عن الغارة الشهيرة على الأراضي السورية. وهكذا فإن مشروعات أولية لامتلاك قدرات نووية لأغراض مدنية، تصبح محل انتقاد في تل أبيب، بينما يتم غض النظر عربياً عن وضع امتلاك الطرف الآخر لأسلحة تدميرية غير تقليدية، على جدول الأعمال والاهتمامات السياسية ولسبب غير مفهوم. أما الهدف الأول للتصعيد مع إيران ولدرجة التأليب على مواجهة عسكرية، فهو يخدم أهدافاً فرعية من قبل العمل على حرمان أية دولة من امتلاك أسلحة فتاكة بما يمكن تل أبيب من الانفراد بامتلاكها، ويستذكر المرء هنا قيام مقاتلات “إسرائيلية” في مطلع الثمانينينات بتدمير مفاعل تموز العراقي. ومن الغايات الأخرى خلط الأوراق في المنطقة، ووضع لائحة بالمخاطر والتحديات يتصدرها الملف الإيراني، لا استمرار التوسعية “الإسرائيلية” ولا المنشآت والمفاعلات القائمة في النقب وفي مناطق أخرى. ويغدو الأمر أسوأ مع رفض إيران التفاهم مع الجيران وطمأنتهم، وبذلك فإن هذا التشدد يوفر ذرائع لأطراف مختلفة يسهل استغلالها من الكيان الباغي. غير أن النقمة على المسؤولين الإيرانيين وجدت لها هدفاً سهلاً، بتوجيه النقمة في هذه المرحلة إلى محمد البرادعي، الذي تم استضعافه وكان من قبل قد أقصى منشآت تل أبيب عن جدول أعمال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فكانت النتيجة أن تل أبيب ردت على ذلك بنزع الصلاحية منه، وتصويره على أنه يحابي الإيرانيين لا “الإسرائيليين”. هذه الحملة من التضليل والتصعيد تعنينا كعرب، فالتسابق النووي الذي أطلقته تل أبيب وبات قائماً بينها وبين طهران، سوف يستخدم الأرض والأجواء العربية ميداناً له، كما أن تبادل التهديدات ومحاولة خلط الأوراق يلحقان الضرر بالعرب، حتى لو لم تقم مواجهة عسكرية سافرة بين إيران وأطراف غربية بإسناد “إسرائيلي”. فذلك يعني أن الآخرين هم من يضعون ويحددون سُلم الأولويات، وهم من يأذنون لأنفسهم بالتسابق على امتلاك أسلحة مدمرة، بينما يوضع التسليح العربي التقليدي دائماً في دائرة الضوء والمتابعة. ويجري الاكتفاء خلال ذلك بالتشديد على أن العرب طلاب سلام. وكأن امتلاك أدوات المنعة، وخوض مواجهات سياسية حازمة، ودفع الآخرين لكي يحسبوا حساباً للكتلة العربية، هو مما يؤذي صورة العرب المسالمين |
14 تشرين ثاني, 2007
اختناقات السير من المسؤول ؟
محمود الريماوي
يرتفع سعر البنزين ويزداد عدد المركبات ، ومع زيادة استهلاك هذه السلعة تزداد الحاجة الحكومية إلى تقليص الدعم . المعادلة تبدو غير منطقية ، لكن هذا هو واقع الحال حتى الآن .
في العام المقبل سوف يتم تحرير أسعار المحروقات بصورة نهائية ، وتزداد معها كلفة تزويد المركبات بالبنزين ، وهو مما يزيد الأعباء على الطبقة الوسطى التي تستخدم السيارات الخاصة بكثافة واعتادت عليها، وعلى نحو يقترب من معدلاته في الدول النفطية . ولعل ذلك من الأسباب البارزة وراء حال التوتر الذي يسود شوارع المدن ، والمرشح للأسف للازدياد ، ومعه ترتفع معدلات التلوث ، واستهلاك الطرقات وتبديد الوقت في الازدحامات ، والبحث المضني عن حلول مرورية ، بما في ذلك شق أنفاق وإشادة جسور للمركبات والمشاة .
كل ذلك يحدث لأن الحكومات المتعاقبة ، لم تلحظ أن هناك مشكلة في سبيلها للتفاقم ، وأن عمان تتحول إلى عاصمة تشكو من اختناقات دائمة ومعها مدن أخرى كإربد والزرقاء والطرقات الخارجية .
لسبب ما ولأمرٍ ما ، جرى تجاهل يكاد يكون متعمداً لتسهيل إنشاء شبكة مواصلات عامة حديثة وشاملة ، كما هو الحال في عواصم الدنيا . جرى الاكتفاء بالشبكة القديمة مع إدخال تحسينات عليها وهي التي تغطي شرق وجنوب العاصمة ، .مع تخصيص أعداد رمزية من مركبات النقل والعام وسيارات السرفيس لشمال وغرب عمان . وبهذا تفاقمت المشكلة في هذه المناطق ،مع تضاعف أعداد المركبات الخاصة واختناق الشوارع بها .
وكان يجري من قبل التذرع بوجود زوار الصيف ومركباتهم ، الآن فإن هذه الحجة تبدو واهية ، فنحن في الخريف وعلى أبواب الشتاء والأزمة لا تقل حدة عما كانت عليه في الصيف . وهي مرشحة لأن تزداد حدة ، بسبب تجاهل الحاجة الماسة لمواصلات عامة .
حتى أن بعض المسؤولين إذا تحدثوا عن هذه المشكلة فهم يومئون إلى سيارات العراقيين ، ويوحون أن المشكلة مفاجئة وغير متوقعة بالنسبة لهم ، وليس هناك من يعترف أن النقص الحاد في وسائل المواصلات العامة ، هو ما دفع الناس دفعاً لامتلاك سيارات خاصة وعلى حساب النفقات الأساسية للأسر . فكيف يمكن مثلا إيصال طفل لمدرسته الحكومية ؟ .
في حديث صحفي نشر بالأمس لمدير النقل العام د. هاشم المساعيد ، قال المدير بين أمور أخرى إن " الناس ما زالت تعزف عن استخدام وسائط النقل العام" . وعليه فإن المشكلة تكمن في الناس وليس في عدم توفر أعداد كافية من هذه الوسائط ، وفي مستوى خدمتها . علماً أن افتقاد هذه الوسائط هو الذي أشاع ثقافة اقتناء سيارات خاصة . هناك وعود بتحديد أوقات لتحرك هذه الوسائط ، مع الإشارة لصعوبة تحقيق ذلك بسبب الازدحامات والاختناقات .
واقع الحال أن المشكلة تركت منذ عشر سنين على الأقل لتتفاقم ، حتى بات من العسير وضع حلول لها ، بسبب اكتظاظ الشوارع والكلفة العالية لتخصيص مساحات لإيواء المركبات . وإذا لم يتم السعي لحلول جدية وعلى جانب من الجذرية ، فلسوف يكون في حكم المستحيل وضع حلول لها مستقبلاً، هذا إذا كان هناك من يفكر بحلول تعيد للشوارع طابعها الجمالي والحضاري ، وتحد من معدلات التلوث ومن توترات الناس ، وترفع عنهم أعباء اقتناء سيارات خاصة، وتقلل الحاجة لتنظيم السير ولاستهلاك الشوارع .
التوسع الملموس في خدمة النقل العام يوفر تلك الأعباء ويحد من الأضرار على البيئة ، ويوفر فرص عمل ، ومع ذلك لا يتم التفكير إلا بحلول جزئية وجانبية ، سرعان ما تفقد فيه هذه الحلول مزاياها .
mdrimawi@yahoo.com
13 تشرين ثاني, 2007
تونس : اتجاهات التغيير
محمود الريماوي
في الذكرى العشرين للتغيير أو التحول في تونس الذي أدى لانتقال السلطة سلميا دون إطلاق رصاصة واحدة أو سفك قطرة دم واحدة ، في هذه الذكرى وهي العشرون في حساب الزمن ، أعلنت السلطات عن الإفراج ( العفو ) عن دفعة جديدة من المعتقلين ، وقد عرف من بين هؤلاء عدد من أعضاء حركة النهضة المحظورة ، وحيث تبقى وراء القضبان أقل من عشرين معتقلاً من أصل خمسمائة جرى إخلاء سبيلهم على دفعات .
الخبر جيد بطبيعة الحال ، علماً بأن المفرج عنهم متهمون بالانتماء لتنظيم محظور ومسلح ،سبق للحكم أن أطلق سراح بعضهم قبل اتهامهم بحيازة أسلحة والاستعداد لاستخدامها . أي أن السلطات أقدمت على إفراجين عنهما .. ولكن مع فارق زمني ليس قصيراً . المأمول الآن إخلاء من تبقوا وبعضهم أمضى نحو خمسة عشر عاماً رهن الاعتقال وبموجب أحكام صادرة بحقهم .
من الملاحظ هنا أن تشدد السلطات إزاء تنظيمات أصولية قد أدى بين ما أدى إليه ، إلى نجاة البلد من عقابيل الحادي عشر من أيلول وما تبعه من تداعيات جسيمة لحقت بالعديد من الدول والمجتمعات . وللسلطات أن تحاجج بأن تشددها هذا ، لم تقتصر نتائجه على الوقاية من تفاعلات ذلك الحدث الرهيب ، فقد أمكن أيضا بفعل هذه السياسة على مدى التسعينيات خصوصاً ، ضمان عدم التأثر بما جرى في البلد المجاور الشقيق الجزائر، الذي شهد أسوأ موجة عنف حصدت أرواح عشرات الآلاف ، علاوة على الأضرار الاقتصادية الجسيمة ، بينما تأثرت بالظاهرة بلدان ومجتمعات مجاورة أخرى .
في السياق نفسه فإن تونس لم تشهد إلا على نطاق ضيق جداً ظاهرة الأفغان العرب الذين عادوا الى بلدانهم ، ليمارس بعضهم الجهاد في غير مكانه وزمانه . والحال أن المتابع يلاحظ ظهور سلفيين تونسيين في العراق أو في مخيم نهر البارد ، أو في هذا البلد الأوروبي أو ذاك ، لكن هؤلاء لا يظهرون في بلدهم بعد أن تم تجفيف ينابيعهم منذ البدء .
هذه نتائج حسية لا يمكن إلا التسليم بها . غير أن الأمر يستحق مزيدا من التأمل والفحص .فقد ظهرت خلال ذلك ظاهرة يمكن تسميتها بأصولية علمانية ، تتطير من مظاهر ورموز الحياة الإسلامية في مجتمع مسلم .ومن ذلك الموقف غير المفهوم من الحجاب .وهو ما كان سائدا وغير مقنع في تركيا ، قبل أن تتطور الأمور لنجاح حزب العدالة والتنمية . عن كل تطرف بما فيه التطرف العلماني يسد الأبواب أمام الحياة الطبيعية ،مع الإقرار بأن تسييس الدين يشكل بدوره تحدياً كبيراً . وهو ما باتت تستشعره السلطات التونسية التي أخذت في السنوات القليلة الماضية تأذن للتعبيرات الدينية بالظهور ، وكما هو الحال في كل المجتمعات المسلمة . بل هناك مشروع قيد الدرس كما نقلت "الحياة" اللندنية ، للسماح بتشكيل حزب ديني وسطي ، رغم أن القوانين السائدة تمنع تشكيل أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو على أساس الجنس . وقد يتم السماح لتفادي ذلك بتشكيل تجمع أو تيار فكري بتوجهات دينية .
وبعيداً عن الجوانب القانونية فالمهم هو تمكين المجتمع من التعبير عن تعدديته .فإذا كانت هناك طبقة وسطى عريضة ومدينية ذات توجهات علمانية ، وإذا كانت النساء يتمتعن بقدر كبير من الفرص والحقوق والحضور وهو ما يحسب حقاً لتونس ، كذلك فإن هناك شرائح اجتماعية عريضة أقرب إلى المحافظة ، ومن حقها أن تتمتع بقرص التعبير عن وجودها ورؤاها ، بما لا يمس السلم الأهلي ودستور البلاد والمنحزات التي تحققت ، وبعضها في عهد الراحل بورقيبة الذي يتم الاحتفال بتغييره ، بعدما تقدم في السن آنذاك وبات عاجزاً عن الحكم فانتقلت السلطة إلى رئيس وزرائه ، الرئيس الحالي زين العابدين بن علي . .
mdrimawi@yahoo.com
11 تشرين ثاني, 2007
العمل بأجندات الآخرين
محمود الريماوي
"المقصود بعقد مؤتمر الخريف هو التغطية على حرب أميركية يجري تحضيرها ضد إيران "قائل هذه العبارة ليس مسؤولاً إيرانياً ، بل زعيم حركة حماس خالد مشعل . يستوقف المرء هنا قائل هذا التصريح ، بأكثر من فحوى التصريح . فزعيم الحركة معني بالدرجة الأولى بإيران ونزاعها مع الولايات المتحدة ، وهو من هذه الزاوية تحديداً ينشغل بمؤتمر أنابولس .بما يجعله " إيرانياً " كالمسؤولين الإيرانيين لا فلسطينياً كبقية الفلسطينيين ، من مسؤولين وسياسيين وسواهم من الناس .
لا شك ان استهداف ايران من قبل واشنطن ، هو أمر يستحق الاهتمام لما له من انعكاسات سلبية بل خطيرة على المنطقة .كما أن رفض إيران التفاهم وطمأنة جيرانها الخليجيين حول ملفها النووي ، يثير القلق الشديد .غير الوضع الإيراني ليس هو حده الذي يستحق الانشغال به كما يومىء تصريح زعيم حماس .فالاحتلال الإسرائيلي وإنكار الحقوق الفلسطينية هو أم القضايا في المنطقة ، وسوف يظل الأمر كذلك ، إلى أن يتيسر إحراز حل عادل وفق المعايير الدولية لهذه القضية .
وما يقول به السيد مشعل حول أولوية الانشغال بوضع إيران وتقديمه على المصلحة الوطنية وهي بالمناسبة مسألة مصيرية ، يزكي ويعزز المأخذ الجوهري على سياسة قيادتها خاصة تلك التي في الخارج ، بأنها ذات أجندة إقليمية ، وحيث يتم النظر إلى القضية الفلسطينية بعيون آخرين وحساباتهم وأولوياتهم ، وليس من منظور وطني ذاتي ، وكما هو حال إيران التي تحكم على الأمور وتتعامل معها برؤية قومية خاصة ، وكذلك بقية دول عالمنا التي لا تتعامل مع قضاياها من منظور غيرها .
والأغرب بعدئذ هو ما عمد إليه السيد مشعل ، من قفز ليس عن محور عن الجانب القومي والتأثير المتبادل للمحيط القومي مع القضية الفلسطينية ، فيمم وجهه شطر ايران التي لم يسبق ان جرت مواجهة( (إذا كان في الإمكان أن تجري جغرافياً مواجهة ) مع الدولة العبرية الغاصبة . ولم يسبق باستثناء تخصيصها يوماً في السنة للقدس العربية المحتلة ، أن انتصرت لبيت المقدس أرضاً وأهلاً ومقدسات بأي أشكال الدعم الفعلي . دون تجاهل وجوب وأهمية إقامة علاقة طيبة مع الجانب الإيراني أسوة ببقية دول العالم الإسلامي . على أن لا يؤدي الأمر إلى الاندراج في محور إيراني أو غير إيراني .
يقضي الواجب بأن يتم استثمار مؤتمر أنابولس على أفضل وأنجع وجه ممكن ، بما يصون الحقوق الثابتة ويأذن بانتهاء الاحتلال البغيض ، ويعيد خلال ذلك فرض القضية الفلسطينية باعتبارها تتصدر القضايا الإقليمية والدولية . إن هذه الرؤية تختلف اختلافاً كبيراً عن تلك النظرة العدمية التي تسهم عملياً في شل القضية الفلسطينية وتعليقها وإقصائها عن جدول الاهتمامات الدولية ، ثم في إدامة الاحتلال ، وتحت ذريعة مناوأة التفريط والتحذير من التنازلات ، وكأن القضية تتحرك وتتقدم أوتوماتيكياً ومن تلقائها بمجرد تسجيل مواقف . ناهيك عن ذيول وتبعات الالتحاق بمحور إقليمي ،هو في خلاف مع الغالبية الغالبة من دول العالم .
من حسن الطالع والتدبير أن هناك بعض الأصوات المعتدلة في حماس ، التي بدأت في البروز مؤخرا وبتأثير تداعيات الانقلاب سيء الصيت الذي وقع في غزة أواسط حزيران الماضي . والمأمول أن تسهم هذه الأصوات مع الضغط الشعبي في الدفع باتجاه العودة إلى تراث الشيخ الشهيد مؤسس الحركة ، الذي كان في نظرته السياسية وتعقله للأمور أكثر شباباً وانفتاحاً ، من بعض أفراد الجيل القيادي الشاب حالياً .
mdrimawi@ yahoo.com
09 تشرين ثاني, 2007
مصر في وقفة مع الذات
محمود الريماوي
تطغى في مصر هذه الأيام الأحاديث حول الاحتقان الاجتماعي ، الناجم عن الصعوبات الاقتصادية الجمة التي يعانيها ملايين المصريين ونسبة كبيرة من هؤلاء يقيمون في القاهرة . حيث تختلط مظاهر الغنى الملحوظ بالفقر المدقع . يدلل مراقبون ومعنيون على ذلك بعودة ظاهرة الإضرابات والاعتصامات العمالية ، وكان من أبرزها مؤخراً إضراب مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى ، الذي ترددت أصداؤه في الخارج .
الحديث عن الجانب الاجتماعي الاقتصادي ، طغى على المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم . ففي بلد كبير كمصر يتعذر الفصل بين الوضع الاقتصادي والمعيشي وما هو سياسي . وذلك بسبب ضغط الكثافة السكانية العالية ، ولأن التحولات الاقتصادية ( الخصخصة ) وما رافقها من ارتفاع أكلاف المعيشة قد زادت من أعباء الشرائح الفقيرة العريضة .
نائب أمين عام الحزب جمال مبارك شدد في المؤتمر على أولوية قضية التشغيل وعدالة توزيع الدخل وكل ما يتصل بدعم الفقراء والدور الاجتماعي للدولة . غير أن أمين عام السياسات في الحزب لم يبذل وعودا عاجلة التنفيذ ، فيما اعترف وزراء بأن التحول الاقتصادي لم تصل آثاره الإيجابية إلى عشرين بالمئة من السكان . وهي نسبة تعادل نحو 15 مليوناً من السكان ، وذلك دون حديث رسمي عن الآثار السلبية التي لم تتأخر في الوصول!.
على أي حال فهناك أرقام عن النمو الاقتصادي وتحسن بعض الخدمات ، وسباق مع الزمن لمواجهة التزايد السكاني الذي يبلغ نحو مليون ونصف المليون سنوياً .
المشكلات الصعبة التي تواجهها مصر ، والتي يراها الزائر رأي العين إلى جانب مباهج حياة المصريين ، هذه المشكلات ليست جديدة فهي تتراكم إذ يتم حل جزء منها فيما يكبر الجزء المتبقي ويؤدي لنشوء مصاعب جديدة كصعوبات السكن ومعدلات الجريمة . ولا يخفى على المراقب أن النزوح للعاصمة من الريف والبلدات ، هو في طليعة المشكلات التي تتولد عنها مشكلات إضافية .وهي مشكلة المشكل في دول العالم الثالث ، وذلك نتيجة التنمية غير المتوازنة وغير الشاملة ، فتركيز الخدمات والمصالح الحكومية والاستثمارات في العاصمة يجذب وافدين جدداً ويولد ضغطاً متزايداً ، حتى أن المدافن لم تعد تتسع للموتى وإن اتسعت لأحياء للسكن فيها مع تعذر الحصول على سكن أو على شقة.
القاهرة الجميلة الذي ما زالت تجذب الزائرين ، تنوء بمن فيها . وكان الراحل نجيب محفوظ قد اقترح بناء عاصمة جديدة أو ثانية لتخفيف الأحمال عن قاهرة المعز . وكما حدث في دول عديدة مثل باكستان وتركيا والمكسيك وسواها . غير أنه لم يرشح صدى لهذه الدعوة في مدينة كبرى تنوء بساكنيها وزائريها . هذا دون تجاهل مستوى الحياة في الأرياف التي يستمتع ساهرون عرب في متابعة مسلسلات تلفزيونية عنها ، دون أن يقفوا على حجم المصاعب المعيشية لملايين الفلاحين .
الضغط الاجتماعي والاقتصادي المتزايد ، هو لا شك بعض أسباب تقلص الدور المصري إقليمياً ، وذلك نتيجة الانشغال بالوضع الداخلي وتعذر الوقوع على حلول في الأمد القريب وأحيانا المتوسط .وعلى ما يعلم المرء فإن الاستثمارات العربية الخليجية أساساً لا تنقطع عن مصر ، حيث "التماس الرزق عند تزاحم الأقدام " . غير أن الحل يبدأ في الداخل فالدولة المصرية المركزية ما زالت قوية وتتمتع باحتياط عال من العملة الاجنبية ، والمطلوب هو رؤية حلول خلاقة وجريئة من أجل توزيع الأعباء والدخول بصورة أكثر عدالة . ومصر تتوفر على خبرات جمة وليست بحاجة لنصائح من الخارج ، وربما كان ما تحتاجه هو إرادة سياسية بالتشارك مع بقية الفاعلين والشركاء لبدء الخروج من حالة الاحتقان .
mdrimawi@ yahoo.com
08 تشرين ثاني, 2007
حكم سيء ومعارضة أسوأ
محمود الريماوي
كما أن جفاف البيئة والمناخ يهلك الضرع والنسل ، كذلك فإن التصحر السياسي كالذي يتفاقم في بلد مسلم هو باكستان ، يمكن أن يؤدي إلى كوارث تلحق بالبشر وبقية موارد الحياة ، وذلك مع غياب حكم القانون والاحتكام إلى السلطة العارية أو العنف المرسل .
أخر مظاهر هذا التصحر هو قيام السلطات بفرض حالة الطوارىء وتعطيل الدستور وتكميم الصحافة ، وشل عمل المحكمة الدستورية بحجة "تدخلات القضاء ". علما أن الحكمة كانت بصدد النظر في قانونية انتخاب برويز مشرف لرئاسة البلاد فيما هو يتولى قيادة الجيش .
صحف محلية وصفت القرارات بأنها بمثابة "انقلاب ثان" . خاصة أن ما حرى تواكب مع عمليات اعتقال بغير تمييز للمعارضين وأصحاب الرأي .
بناظير بوتو وصفت الإجراءات بأنها "عودة إلى الديكتاتورية " . أما السلطات فاعتبرت انها "أقدمت على ما أقدمت عليه لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الانتحار" . والمقصود الحد من تفشي ظاهرة العنف .
هذه الظاهرة موجودة وقائمة وتستحق بالفعل مكافحتها . غير أن الضحية كانت الحياة الديمقراطية الطبيعية وكذلك الدستور . والأصل أن تسن قوانين عبر القنوات الدستورية لمكافحة هذه الظاهرة لا أن يتم تكميم الأفواه بما في ذلك أفواه القضاة والنواب . وان يقترن ذلك بتشكيل ائتلاف سياسي واسع يضم سائر القوى السياسية والاجتماعية النابذة للعنف والمؤمنة بالتداول السلمي للسلطة ، وبمرجعية الدولة التي يستظل بها الجميع . كان وما زال هذا هو التحصين السياسي المطلوب لإخراج البلاد من محنتها .
غير أن العسكر اختاروا الطريق " الأسهل " : فرض الأوامر والطاعة ، ودعوة الجميع للانصياع للسطوة العسكرية . وهو طريق محفوف بكل أنواع المخاطر ، وفي مقدمها منح ذرائع ذهبية لرواد العنف الأهلي ، من أصوليين وزعامات قبلية وسوى هؤلاء .
الراجح للأسف الشديد ان العنف سوف يستشري ، ويذهب ضحيته أبرياء ، فيما سيتقدم رواد العنف باعتبارهم شهداء وضحايا الديمقراطية الغائبة . وسوف يطرح هؤلاء أنفسهم كبديل عن النظام القائم ، رغم أنهم لا يقلوا سوء عنه ، إن لم يكونوا أسوأ ، فهم لا يعترفون بدستور أو قضاء مستقل ولا بتعدد سياسي ولا تنوع ثقافي أو بحرية تعبير. وهم يتبادلون تقديم الذرائع مع النظام العسكري ، فقد دأبوا في الأسابيع الأخيرة على اختطاف جنود ، أما صفحتهم الناصعة الأخيرة فتمثلت بالاستقبال الدموي لبوتو ، العائدة لبلادها من المنفى حيث سقط المئات من القتلى والجرحى الأبرياء ، في عمل انتحاري وسط جموع البشرالمحتشدة .
النظام يزداد سوء ، فيما الجناح الغالب على المعارضة هو أشد سوء من النظام السيء القائم .
بما يدفع نحو التصحر السياسي : فناء الحياة السياسية وقطع صلة الناس بالشأن العام ، ودفعهم للهجرة وذلك هرباً من خيارين أحلاهما مر : إما الامتثال لحكم عسكري لا محل فيه لسيادة القانون وحقوق الإنسان . أو الانصياع لحكم جماعات أصولية وقبلية متطرفة ، تعتبر جرائم القتل بحق الأبرياء والمنافسين السياسيين ، باعتبارها وجهة نظر فكرية و"عقائدية " وحقاً من حقوق هذه الجماعات ! .
وبالنظر إلى تاريخ حافل من الإنقلابات العسكرية في هذا البلد ، واستشراء الظاهرة الأصولية فيه نتيجة التواصل والتكامل مع طالبان والقاعدة ، معطوفاً على البؤس الاجتماعي والاقتصادي ، فإن التوقعات تظل قاتمة في الأمد القريب على الأقل .
mdrimawi@yahoo.com
05 تشرين ثاني, 2007
04 تشرين ثاني, 2007
التصعيد أتى أُكُله !
محمود الريماوي
مؤتمر اسطنبول الذي عقد السبت والأحد ، هو بمثابة مؤتمر إقليمي ودولي ، وليس مجرد مؤتمر لدول جوار العراق كما حال نحو عشر مؤتمرات سابقة عقدت خلال السنوات الأربع الماضية . فالدول دائمة العضوية في مجلس الأمن سوف تحضره ، مع حضور بان كي مون وكونداليزا رايس .
ومع أن المؤتمر يحتفظ بعنوانه كلقاء لدعم العراق ، وقد عقد مؤتمر شبيه له في شرم الشيخ في مايو أيار الماضي ، إلا أن التوتر التركي الكردستاني سوف يطغى عليه . وهذا مؤشر إضافي إلى مدى تشعب وتعقيد المعضلة العراقية .كان يٌفترض أن لا شان للعراق والعراقيين بالأزمة الكردية التركية ، غير أن تواجد قوات لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق (إقليم كردستان ) وانطلاق عمليات له من هناك باتجاه الأراضي التركية ، أشعل فتيل الأزمة وهو أمر يصعب الدفاع عنه ، سواء احتسب حزب العمال إرهابياً أم لا .
في ظل احتدام الأزمة الكبيرة مع الاجتياح الأميركي للعراق رفضت تركيا الانضمام للحرب،وهو موقف رفع من أسهمها لدى العرب ولدى شرائح كبيرة من العراقيين علاوة على الأتراك أنفسهم ، ولعل ذلك الموقف كان أحد أسباب صعود حزب العدالة والتنمية الذي جنب بلاده وشعبه ويلات حرب كان يمكن تفاديها وقد تفاداها بالفعل .
الآن تغير الوضع مع اشتداد التوتر الكردي التركي . علماً بأن وجود حزب العمال في كردستان ليس جديداً .غير أنه رفع من وتيرة عملياته خلال العام الجاري .كما بدا أن السلطات في إقليم كردستان تمنحه حرية الحركة لأسباب قومية مفهومة ومعروفة .
واشنطن اللاعب الأكبر تريد حل الأزمة سياسياً ، بما لا يضعف ولا يتسبب بالحرج لحلفائها في شمال العراق .حكومة المالكي ترغب في الأمر نفسه . وهو أمر صعب المنال ، مع رفض أنقرة التفاوض مع حزب العمال والاعتراف به على أي وجه من الوجوه .فيما سلطات إقليم كردستان العراق بزعامة البرازاني ، ترغب باستخدام هذه الأزمة كمدخل لفتح ملف الحقوق القومبة للأكراد في تركيا وربما في إيران وسوريا وأيضاً ، مع احتساب الإقليم في شمال العراق كموئل لجميع الأكراد ، وتعبيراً قومياً ودولتياً لنحو ثلاثين مليون كردي في المنطقة وفي العالم .
لن يكون بوسع سلطات كردستان العراق أن تحصد الكثير من مؤتمر استانبول .. يكفي أن يعقد في حاضرة أمجاد تركية تاريخية ، من أجل استبعاد هذا الاحتمال . وغاية المأمول لتلك السلطات أن تنجح واشنطن بحضور الوزيرة رايس في نزع فتيل الأزمة ، وتحويل الوجود المسلح لحزب العمال في كردستان ، إلى مجرد وجود سياسي وإعلامي في الحد الأعلى .
مع ذلك فهناك نجاح حققه إقليم كردستان بالضغط من أجل تفادي اجتياح تركي يتسبب في أضرار جسيمة : مادية وسياسية للكيان الناشىء في شمال العراق . واشنطن نفسها تقف مع هذا الخيار . أما تركيا فقد نجحت بدورها نجاحاً مشهوداً ، في إلقاء ضوء كاشف على مخاطر الوضع القائم ، ودفعت أطرافاً إقليمية ودولية عديدة في العالم لاحتساب حزب العمال منظمة إرهابية ( الجامعة العربية ذهبت في هذا الاتجاه في اجتماع عقده المندوبون في القاهرة أمس الأول الخميس ) .
وبهذا فالتصعيد المحسوب أتى أُكُله . فلم يتم الركون إلى المناشدات والدبلوماسية التقليدية فحسب لا من طرف أنقرة ولا حتى من جانب إقليم كردستان وهو أقل من دولة . ويمكن للمرء مقارنة ذلك بمجريات الصراع والتسوية العربية الإسرائيلية : تل أبيب وحدها تجنح للتصعيد وتحقق حتى الآن ما تريد . والفلسطينيون والعرب يكتفون بمناشدة الضمائر ..
mdrimawi@yahoo.com
03 تشرين ثاني, 2007
الصلاة في المقاطعة لا في القدس محمود الريماوي
لم يكن مفاجئا ما أعلنته زعامات في حركة حماس قبل يومين في غزة بسحب الاعتراف بالشرعية الفلسطينية ، فالانقلاب على هذه الشرعية وضع حداً لكل التساؤلات ، وأثبت أن هذه الحركة تسعى لأن تكون قيادة بديلة بقوة الأمر الواقع ، شاء من شاء من شعب فلسطين وأبى من أبى .
هذا الضرب من الوطنية الاحتكارية والانقلابية ليس بجديد او مفاجىء . الجديد ربما هو ا عبر عنه أحد هذه الزعامات وهو نزار ريان ، الذي وعد مستمعيه ب" أننا صلينا السنة في المنتدى وهو مفر السلطة في غزة ، وسنصلي الخريف المقبل في المقاطعة وه و مقر السلطة في رام الله .
لقد كان الظن ان هذه الحركة باعتبارها ترفع يافطة إسلامية ، أنها تنوي دعوة جمهورها للصلاة في المسجد الأقصى في بيت المقدس . فإذا بالحركة تكذب هذه الظنون ، وتبرهن أن قبلة هذه الحركة ( هدفها ) هو السطو على السلطة وليس أي شيء آخر . ومن قام بتصديق دعاواها السابقة ، عليه أن يلوم نفسه فحسب .
قبل أيام كان القيادي في الحركة حسن يوسف قد أعلن من وراء قضبان سجن الاحتلال "براءته من جرائم الحركة " مشددا على أنها تنفذ أجندة خارجية " . وما جهر به القيادي لا يتعدى ما تنطق به الوقائع . ومع ذلك فما زالت مراهنة زعامات الحركة قائمة على التغرير بالناس . فليس لهذه الحركة من مشروع وطني ، سوى الاستيلاء على السلطة ثم انتظار ما يمليه الأوصياء للشروع في تنفيذه .
أما الناطق السابق للحركة غازي حمد فإن رسالته لقيادة الحركة ما زالت طرية في الأذهان ، حيث أجمل نجاحات الحركة في تمكنها خلال وقت قياسي من استعداء سائر القوى والفصائل والتيارات عليها .
تحمل هذه الزعامات بالمناسبة على مؤتمر الخريف ، وتطلق عليه ما لا يحصى من أوصاف ، فالكلام ليس عليه جمرك خاصة بالنسبة لطلاب سلطة متدربين على الخطابة . وسوف يكون على شعب فلسطين انتظار أن يعقد مؤتمر خريف آخر تحضره حماس بعد أن تكمل اغتصابها للسلطة ، وكي ينقلب الخريف بقدرة قادر إلى ربيع ، وكي تبرعم الأزهار بدل الأوراق الصفراء المتساقطة .. رغم كراهية حماس للربيع والطبيعة والفنون وكل ما هو جميل .
يشكل مؤتمر الخريف مناسبة لاستئناف الصراع السياسي والاشتباك التفاوضي . وليس هذا المؤتمر بمنة من واشنطن أو سواها . فهو ثمرة لجهد سياسي موصول ولتضحيات شعبية ولإسناد الأشقاء والأصدقاء .. هذا رغم أن صيغة المؤتمر لم تتبلور بعد ، ورغم الممانعة الإسرائيلية حتى الآن في الاستجابة لمقتضيات الشرعية الدولية .
عليه فالمؤتمر حتى قبل أن يعقد وخصوصاً قبل انعقاده ، هو ميدان للكفاح السياسي وبرهان على الصلابة الوطنية ، وليست المنسبة فسحة لإرسال الخطب العصماء مع المؤتمر أو ضده ، التي تعود إلى ما قبل خمسين عاماً في مبناها ومعناها ، والتي يرسلها زعماء في الحركة ممن لا يدركون أن آخر ما يحتاجه الشعب المحاصر المعذب هو الخطابة .
المهم الآن أن المشروع الجهادي للحركة يكمن في الوصول إلى المقاطعة في رام الله ، وليس التحرير من النهر الى البحر كما توهم متوهمون . أما من تنبري الحركة لمجاهدتهم ومغالبتهم فهم الأشقاء والأهل لا العدو الباغي والجيش المحتل . فهنيئا للحركة هذا الصنيع ، حيث لم يطل عليها العهد في التمويه على أهدافها الفعلية ، وعلى مشروعها العظيم .
mdeimawi@yahoo.com
02 تشرين ثاني, 2007
الصين حاضرة غائبة محمود الريماوي
نجحت الصين في إغراق منطقتنا وسد حاجات أبنائها بالسلع والبضائع والخدمات منذ عقد من الزمن على الأقل ، حتى بات مستوردون ومستهلكون تتوزعهم الرغبات بين اختيار بضاعة صينية وأخرى صينية ، وكانوا من قبل يتوقفون عند سلعة صينية .. وأخرى غير صينية ! .
ومما يسترعي الانتباه أن ذلك وقد بات من وقائع الحياة الجارية ، لكنه ترافق مع غياب دور صيني ملموس في الشرق الأوسط . وكانت الصين حاضرة حلال النصف الثاني من القرن الفائت في أزمات وتحولات المنطقة . سواء عبر الأمم المتحدة أم في تعاون تسليحي أم في نشر ثقافة تحررية . ذلك كله تراجع بصورة ملحوظة باستثناء الدور الدبلوماسي في المنظمة الدولية . حتى أن بكين عينت قبل عامين ممثلاً لها في الشرق الأوسط ، لكنه لم يلبث أن توقف عن أداء مهمته بعد القيام بجولتين متباعدتين ، ودون إبداء أسباب تذكر ،مع ترك المجال فسيحاً وشبه كامل للآخرين من أميركيين وأوربيين وروس ، وقد لوحظ خلال ذلك أن الصين غابت ، عن المشاركة في عضوية اللجنة الرباعية الدولية بشان الشرق الأوسط ، بما جعلها الدولة الوحيدة دائمة العضوية في مجلس الأمن غير الممثلة في اللجنة ، باعتبار أن فرنسا وبريطانيا ممثلتان ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي في اللجنة الدولية .
في الزيارة الملكية الهامة لبكين ، دعا جلالة الملك مضيفيه " للاضطلاع بدور أكبر في منطقتنا لأنه ينظر إليكم كوسيط نزيه ، كما أنكم تتمتعون باحترام بالغ في الجزء الذي نعيش فيه من العالم " .
هذه الدعوة تعكس ما يكنه الأردنيون والعرب ، من اهتمام واحترام للصين شعباً وقيادة وموقعاً
ودوراً . ولا شك أن القيادة الصينية وهو تنسج علاقات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة، تدرك مدى ما تعانيه الشعوب من أزمة سياسية محتدمة ومستعصية حتى تاريخه ، بفعل الاحتلال الإسرائيلي المتطاول للأراضي العربية منذ أزيد من أربعة عقود ، فضلاً عن تعقيدات وتبعات الاحتلال الأميركي للعراق ، وما واكب ذلك من تفشي ظاهرة التطرف المسلح .
يعيق هذا الواقع الشاذ ليس فقط فرص الاستقرار وبناء السلم العادل في منطقتنا بل له انعكاس على مناطق أخرى في عالمنا . كما يضعف هذا الأمر من فرض النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة ورفاه دول وشعوب المنطقة ، مع ما لذلك من تداعيات على العلاقات مع العالم الخارجي .
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى قد تكون أكثر أهمية ، فإن دول وشعوب المنطقة تفتقد حقاً الدور الصيني الذي كان حاضراً ومشعاً من قبل ، فبات خافتاً وغير مرئي أحياناً . حقا إن العالم قد تغير ، وإن للصين أولوياتها في المجال الإقليمي والدولي ، كما لها خططها ومشاريعها للبناء الذاتي والمنعة الداخلية ، غير أن هذا هو حال غالبية دول عالمنا بما فيها الدول الكبرى ، دون أن يعيقها ذلك تلك الدول عن الحضور في مجريات أحداث وتطورات الشرق الأوسط ، وأيا كان الرأي في وجهة وفحوى هذا الحضور.
الأمل أن لا تكون تعقيدات الوضع السياسي هي الدافع وراء " الابتعاد " الصيني ، إذا أن هذه التعقيدات تستحق أن تشكل دافعاً وسببا إضافياً ل"التدخل " ، مما ينسجم مع حرص شعب وقيادة الصين على السهر على الأمن والعدل والسلم في العالم بأسره . وإذ تتمتع بلاد الصين بقدر كبير من الاحترام والتقدير لدى شعوب المنطقة منذ أيام مؤتمر باندونغ على الأقل في منتصف خمسينيات القرن الماضي ، فإن الأنظار تتطلع إليها لتلعب دوراً أكبر يتفق مع مكانتها الرفيعة ومع قدراتها العظيمة .
mdrimawi@yahoo.com