مدونة محمود الريماوي

نصف شورى نصف نيابي !

                    نصف شورى نصف نيابي

                                                 محمود الريماوي                                             

الأخبار التي ترد من سلطنة عمان شحيحة ، بما يجعل المهتمين متشوقين لسماع أخبار هذا البلد الشقيق الذي لا يولي كبير اهتمام لصورته الإعلامية في الخارج ، وربما في الداخل الى حد ما . فهناك محطة تلفزبون واحدة رسمية ، خلافا لبقية الدول الخليجية التي تحوز على أكثر من محطة ، فيما القطاع الأهلي في هذه البلدان يمتلك محطات خاصة به . إلى جانب ازدهار الصحافة المطبوعة في تلك البلدان .

للأشقاء في السلطنة كما يبدو فلسفتهم أو قناعاتهم الخاصة ، وبالذات أمام موجة الإغراق الإعلامي ، التي يختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين . وأيا يكن الأمر فبين أخبار الأمس ،  فقد تصدر خبر انتخابات عمانية هذه الأخبار . والانتخاب يتعلق باختيار 84 عضواً لمجلس الشورى ، وقد بلغ عدد المرشحين 631 مرشحا بينهم 21 سيدة . وهو عدد كبير بالنسبة لحداثة هذه التجربة ، أما الناخبون فيبلغ عددهم نحو 388 ألف ناخب بما نسبته أقل قليلا من ربع  عدد السكان  .

ما يميز هذه التجربة انه رغم الصفة الاستشارية ، فإن أعضاء المجلس يتم اختيارهم بالانتخاب لا بالتعيين . بما يجعل المجلس يمتلك تبعا لذلك صفة نيابية تمثيلية ، وخلافاً لتسميته كمجلس استشاري. وقد تم تمكين المرشحين من القيام بالدعاية والحملات الانتخابية لأول مرة . وهذه هي أيضا خطوة متقدمة . وإذا أضيف لذلك زيادة عدد من يحق لهم الانتخاب ، فإنه يتبين أن السلطنة تمضي نحو الوفاء بأركان العملية الانتخابية ولكن ببطء .

وقد كان المأمول أن يتم تبعاً لذلك توسيع صلاحيات المجلس ،المخول بمناقشة السياسة الحكومية الداخلية فقط دون وضع توصيات ، بحيث يبدأ المجلس القيام بمهمات تشريعية ولو بالتدريج ، لكن ذلك لم يتم حتى الآن .

هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية هذا الحدث  خليجياً ، وكذلك بالنظر الى طبيعة المسار السياسي الذي شهدته البلاد ، فالسلطنة تسعى لتطوير بل لبلورة تجربتها السياسية وفق معايير وحسابات خاصة ، ليست متطابقة بالضرورة مع المعايير الدولية أو حتى العربية في هذا المجال .

والمهم واستكمالاً لهذا المسار فلا شك أنه من المفيد وضع محددات هذه التجربة في دائرة الضوء . فغذا كان الإغراق الإعلامي ليس مفيدا فإنه لا بد في المقابل أن ينهض الإعلام بالشرح والتنوير وتقريب الأجيال الجديدة بالذات ، من طبيعة التطور الجاري وآفاقه المستقبلية .   يُذكر هنا أن السلطنة بلد شاسع يتوفر على 61 ولاية ، ولا يتيح له إنتاجه النفطي المحدود نسبياً الانضمام إلى منظمة أوبك ، ولسنوات قليلة خلت كانت ميزانية  البلاد تتحمل ديناً قيمته نحو ملياري دولار . غير أن البلد يتوفر على ثروة سمكية هائلة وهو في عداد البلدان الزراعية ، وهو الأقل بين دول الخليج اعتماداً على العمالة الوافدة ، إذ يعمل أبناؤه في سائر المهن الفنية واليدوية ، بما يجعله بلدا منتجاً لا مستهلكاً فقط .

وإذ سبق أن شهد هذا البلد تمرداً مسلحاً في السبعينات ( ولم يلبث أن تبوأ زعماء سابقون في التمرد مواقع رسمية رفيعة ) فقد شهد قبل زهاء عامين ، محاولة لزعزعة نظام الحكم جرى اتهام جماعات أصولية  بتدبيرها . وقد تم العفو عن المتهمين خلال وقت لم يتعد العام الواحد على إلقاء القبض عليهم .

وربما كان مجموع هذه الخصائص وظروف البلد ، هو ما أبطأ من وتيرة تجربته في التطوير السياسي الداخلي رغم توفر الإرادة لذلك . ولعل التطلع إلى المستقبل يدفع لإعادة النظر في هذه الوتيرة .

mdrimawi@yahoo.com

 

 

نواة صلبة للمحافظين

نواة صلبة للمحافظين

                                                  محمود الريماوي

ليس معلوماً على وجه الدقة ما هو وجه الخلاف بين علي لاريجاني مسؤول الملف النووي الإيراني وبقية أركان الحكم في طهران ، غير أن التقارير الواردة من هناك تفيد أن الرجل أقل تشدداً من احمدي نجاد والمرجع المرشد خامئني . لم تشفع كما يبدو للرجل جهوده التفاوضية وغير التفاوضية ، فخرج من منظومة الحكم .فيما كان من المقدر

أنه من الوجوه الشابة التي ينتظرها الكثير في المستقبل .

المحافظون المتشددون في طهران وفي الحوزات لم يتركوا مزيدا لمستزيد ، فلا يظهر على يمينهم أحد . خلافاً للدولة العبرية مثلا حيث المعارضون هم على يمين الطاقم الحاكم . وهو ما يحمل على التفاؤل إزاء الجارة الكبيرة المسلمة .فالبديل هو دائما الأقل تشددا من رفسنجاني الذي سبق أن ترشح لرئاسة الجمهورية الى محمد خاتمي الذي فاز بالرئاسة لمرتين ، الى لاريجاني الرمز الصاعد الذي لم يستكمل صعوده . هناك نواة صلبة يراد لها أن تزداد تصلبا داخل النظام وتضم عددا من كبار رجال الدين وقيادات عسكرية .وتتولى هذه النواة إغلاق الطريق أمام أي تغيير من داخل النظام .هكذا كان عليه الحال في تركيا مع مجلس الأمن القومي الذي يسيطر عليه قادة الجيش ، غير أن هذا المجلس الذي كان يسيطر على كل شيء ، وفي ظل زعامات حزبية وسياسية تطاردها شبهات الفساد القوية ، لم يلبث أن ارتضى بالتغيير مع صعود حزب العدالة والتنمية .

في إيران الوضع يختلف ، النواة الصلبة تسيطر على قيادة القوات المسلحة والجهاز القضائي والإذاعة والتلفزيون ، وهو ما أدى في السابق إلى إفشال متعمد ومنهجي لتجربة الإصلاحي خاتمي ، مع تقييد وشل  صلاحياته . الآن توضع عقبات أمام رئيس مجلس الأمن القومي تدفعه للاستقالة ( لاريجاني ) وتهمته أنه يريد تجنيب بلاده مواجهة دائمة مع مجلس الأمن  ، ويسعى للتفاهم مع الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية .

والهدف هو بث رسالة وإرساء واقع يفيد أن خيارات النظام ، غير قابلة ليس للتغيير فقط بل غير قابلة للتعديل أيضا من طرف الشركاء . وهذا هو حال الأنظمة الشمولية التي تزداد مع الأيام تمركزاً حول أشخاص ومراكز قوى بعينها وتغلق أبواب التطوير الداخلي . وكما خدث داخل الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي ، مما أدى في النتيجة إلى انفضاض شعبي ، ولتظهير وتكبير مزايا النظام الآخر في عيون الرأي العام .

ينزع أهل الحكم من النواة الصلبة في طهران إلى إيلاء كل الاهتمام للبرنامج النووي والمراهنة عليه لتعظيم صورة وموقع إيران في المنطقة والعالم . غير أن ذلك على أهميته الاستثنائية لا يكفي . فالاتحاد السوفياتي كان نووياً وكذلك كوريا الشمالية ، وأخيراً باكستان المهددة بالفوضى . القوة العارية من الأركان الدستورية للدولة ،  ومن بناء دولة القانون والتداول السلمي على السلطة ، لا تفيد على المدى البعيد .

 النموذج الشاذ يتمثل في الدولة العبرية الباغية ، التي أقامت دولة قانون وتداول سلمي للسلطة لليهود  ، واعتنقت نهجا توسعياً وعنصرياً حيال غير اليهود من الجيران وجيران الجيران . وحتى هذا النموذج لا يبدو مغرياً للنظام الإيراني ، الذي يتشدد حيال الإيرانيين وغير الإيرانيين على السواء ، بحجة أنه سيطعمهم عما قريب مجداً نووياً ، فلا حاجة بهم للحرية والمشاركة والتعددية السياسية والثقافية .

بلد متروك للأعاصير !

          بلد متروك للأعاصير

                                       محمود الريماوي

من المؤسف أن اهتمام العالم الخارجي بقضايا منطقتنا ، أكبر من انشغال دول وأحيانا شعوب المنطقة بهذه القضايا ، التي هي قضاياهم . على سبيل المثال فإن اهل المشرق لا يبدون تجاهلاً لقضايا المغرب العربي بل حتى لشؤون بلد قريب مثل السودان . هناك اهتمام متقطع: ليبي ومصري ، واهتمام موسمي من الجامعة العربية ، وليس أكثر من ذلك . المسؤولية مشتركة عن ذلك بين السودانيين وأشقائهم .

في أوقات سابقة جرى تجاهل أوضاع موريتانيا باستثناء بعض الدعم والتبرعات المالية ، ومحاولات لتبعيث الحياة السياسية في ذلك البلد من طرف النظام العراقي السابق . وفي النهاية ومع أهمية التجربة الديمقراطية هناك ، فإن الولايات وفرنسا إضافة للدولة العبرية هي الأطراف التي تنسج أوثق العلاقات مع هذا البلد المغاربي الصحراوي والزاخر بالثروات المعدنية .

السودان ليس عرضة لمثل هذه "التحولات " ، غير أنه مهدد إما بالتمزيق أو الاستنزاف الدائم . وليست الأطراف الخارجية الطامعة هي وحدها المسؤولة عن تأزم الوضع بل كذلك ، إن لم تكن أولاً الأطراف المحلية ذاتها من حكم ومعارضة ، من شماليين وجنوبيين ومن زعامات متمردة في الشرق (إقليم دارفور ) .

هذا البلد الكبير في وادي النيل ، والذي قلما يقصده أحد من أبناء مشرقنا  للزيارة والسياحة ،يعاني من تجدد الأزمة بين الشمال والجنوب بين الحكومة المركزية و"الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي سبق أن أسسها جون قرنق .  كان الطرفان اتفقا قبل اكثر من ثلاث سنوات على تقاسم السلطة والثروة وعلى مشاركة الجنوبيين في الحكم وعلى إجراء استفتاء لأهل الجنوب ( معظمهم من أصول غير عربية ويدينون إما بالمسيحية ، أو بأديان محلية غير توحيدية ) .

 منذ بضعة أسابيع تتحدث الحركة عن تحشدات للجيش السوداني على حدود الجنوب ، فيما تتحدث الخرطوم في المقابل عن تحشدات لقوات الحركة الشعبية ، التي سبق أن قاتلت الحكومة المركزية لأكثر من ربع قرن ، وسقط في المواجهات المديدة نحو مليوني سوداني . فيما تتحدث الحركة عن إخلال الخرطوم ببنود اتفاقية السلام وعلى الأخص في استغلال الثروة النفطية في الشمال والجنوب : زهاء نصف برميل يومياً . تجري مباحثات بين الجانبين يقودها سيلفا كير نائب رئيس الجمهورية مع المسؤولين السودانيين ، لكن هذه اللقاءات تنقصها كما هو بادٍ روح الثقة ، وتخلو من تمسك ظاهر بوجوب استعادة الوفاق بين الطرفين .

في هذه الأثناء تتجه الأنظار الى لقاء يعقد في سرت الليبية السبت المقبل 27 تشرين الجاري ، بين المتمردين في دارفور وحكومة الخرطوم وذلك بمبادرة ليبية مصرية .واستعداداً لهذا الحدث أعلنت الخرطوم ، أنها ستوقف إطلاق النار في الإقليم من جانب واحد بمناسبة انعقاد اللقاء .هذا يعني أن هناك مواجهات مسلحة  دائرة ودون متابعة إعلامية تذكر . وفي الوقت نفسه لم تتأكد مشاركة جميع منظمات التمرد في اللقاء المنتظر.

تضغط فرنسا من طرفها على أهمية نجاح اللقاء ومشاركة الجميع فيه ، كما نسب لوزيرة الدولة لشؤون الخارجية الفرنسية راما ياد ! وكان يفترض أن تبرز مواقف عربية بهذا الصدد ، دعماً للسلم ووحدة السودان ، لكننا نكتفي بالتحذير من تدخلات أجنبية  !. فالعرب لا يريدون إبداء اهتمام يذكر ، ويشككون في الوقت ذاته بأي اهتمام خارجي أياً كان مصدره وفحواه ، ومن أي نوع فحتى المنظمات الإنسانية قد يجري النظر اليها على أنها مشبوهة ، كما يُفتي بذلك " مجاهدون " في العراق وغزة ،  وهي طريقة عربية تقليدية قد لا تستحق التعليق عليها .

mdrimawi@yahoo.com

         

 

قواعد اللعبة التي تغيرت

              قواعد اللعبة التي تغيرت     

                                            محمود الريماوي

الكارثة التي استقبلت عودة بناظير بوتو إلى وطنها  ، تؤشر على إخفاقات ما زالت تستبطن الحياة السياسية الباكستانية ، وها هي هذه الإخفاقات  تتزايد وتتفاقم ، حيث تقدم المعارضة  نموذجا لا يقل سوء عن النظام الذي يسعى للتخفف من طابعه العسكري مع تخلي برويز مشرف عن قيادة الجيش .

قبل وصولها الخميس 18 تشرين أول الجاري ، نشرت الصحف أنباء عن تهديدات صادرة عن منظمة القاعدة ومنظمات باكستانية متشددة على صلة بتنظيم أسامة بن لادن ، ضد بوتو  ومع ذلك أثبتت السيدة شجاعة في تمسكها بحق العودة . وبعد وقوع التفجيرين سارع زوجها للقول إن جهازاً أمنياً حكومياً يقف وراء الجريمة . وأيا كان المخططون والمنفذون ، فهم متوحشون ومتخصصون في تشويه صورة الإسلام والمسلمين ، وذلك بما يتوفرن عليه من تبخيس مشين لقيمة الحياة البشرية ، واحتساب البشر أصفاراً ووقوداً لجشعهم على السلطة .

تعتبر أحزاب متشددة أن بوتو على صلة قوية بالولايات المتحدة ،ورغم أن ذلك صحيح بصورة جزئية  فقط ، فإن من حق هذه الأحزاب معارضتها بالوسائل السياسية والإعلامية والبرلمانية  .غير أنه ليس من حق زعامات حزبية معارضة حق البشر في الحباة ، فخالق الكون هو وحده في عليائه ، من يمنح ويسلب الكائنات الحق في الحياة .ومن المعلوم أن جماعة القاعدة وما يتصل بها من جماعات رديفة و"شقيقة " قد نسجت خلال حكم طالبان لأفغانستان ، علاقات قوية مع دوائر في الحكم الباكستاني ، بما في ذلك أجهزته الأمنية والعسكرية ، وقد كان التعاون مع حكم طالبان شبه علني علما ان باكستان كانت بين دول نادرة اعترفت بحكم طالبان ، وعليه فغنه لس مستبعدا أن تكون أجهزة حكومية ضالعة في الجريمة ، ليس فقط بسبب توجهها العقائدي ، بل كذلك لقطع الطريق بصورة دموية على تقاسم السلطة بين حزب الشعب وبين برويز مشرف .

لا يشكل ما حدث رغم ما أثاره من ضجيج يصم الآذان ،  تطوراً أو تحولاً سياسياً ذا شأن ، فهو لا يعدو أن يكون انزلاقاً إضافياً نحو توسيع العنف الأهلي والاحتكام إليه ، ومحاولة إغلاق كل الأبواب أمام حياة سياسية طبيعية ، وهذه هي البيئة التي يرنو المتطرفون لإرسائها وتعميمها ، كي تزدهر نشاطاتهم ودعاويهم .وكي يصبح في النهاية كل مواطن عدواً محتملاً لابن وطنه يتوجس منه ويتربص به ، وفي ذلك وصفة نموذجية لخراب الدول والمجتمعات .

ومن المثير حقاً أن من يشقون الطريق نحو هذه الهاوية بكل ما ملكت أيمانهم ، يرطنون بالمعارضة والديمقراطية ، بعدما وقعوا كما يبدو على تكأة يستندون اليها تتمثل في الحياة الحزبية والبرلمانية ، للقفز على السلطة وتقويض ابسط معاني التداول السلمي على السلطة واحترام التعددية ، وليس مهماً خلال ذلك أعداد الضحايا الذين يسقطون على الطريق ، ما دام قد تم العثور على غطاء ديمقراطي ، يتم من خلاله التمويه على المرامي الحقيقية والأهداف الفعلية .

كان الواجب يقضي أن يكون اتفاق تقاسم السلطة بين حزبي بوتو ومشرف مقدمة ومنطلقا لمفاوضات ومساومات وحتى لنضال مدني ، بهدف إعادة الحياة المدنية وتوسيع إطار المشاركة لا أن يقتصر الأمر على تقاسم ثنائي . غير أن تحالفا يضم زعماء قبائل وخلايا نائمة ل"طالبان باكستان " وحزب نواز شريف وربما أطرافاً عسكرية في السلطة ، اختارت بدلاً من ذلك  الطريق الأقصر وهو زج البلاد والعباد في معمعة دموية ، تضمن للقاعدة وامتداداتها وتحالفاتها المحلية ، حضوراً وانتشاراً في أجواء من الفوضى والإفقار ، تحت راية مناوأة الولايات المتحدة ، وكان هذه المناوأة المشروعة لا يقيض لها أن تتم ، إلا بفتح الأبواب على مصاريعها أمام النزاعات الأهلية وتقويض الإدارات والمرافق ، والعودة بالبلد عشرات السنين إلى الوراء ، وذلك في استنساخ لتجربة العراق وأفغانستان ، مع فارق أنه ليس هناك قوات أو قواعد أميركية في بلد محمد علي جناح . فيما كان الطموح القومي لملايين الباكستانيين ولعله ما زال قائما ً، يتجسد في منافسة الجارة و"الغريمة" الهند في ميادين التقدم العلمي والديمقراطي ، والمضي ولو ببطء على طريق التحديث . والذي حدث أنه جر التشبه بالجارة في السباق النووي وحده دون امتلاك  بقية الشروط الاقتصادية والمؤسساتية التي تكفل بقاء هذا السلاح لأغراض الدفاع والردع ، وضمان السير خلال ذلك على طريق التقدم الشامل في ظروف آمنة .

والآن وعلى "هدي " من الاحتكام للقوة العارية  ، وإثارة الغرائز الشعبوية  ، والسعي لهندسة اجتماعية وحضارية أشد تخلفاً ، وعلى إيقاع المواجهة التدميرية بين واشنطن والتي تتخذ من دول أخرى ميداناً لها ومن شعوب أخرى وقوداً لها ،  فإن الصراع يدور في بلاد الباكستان تخت ذرائع ومسميات خادعة مثل مناوأة الحكم العسكري ( للاستعاضة عنه بحكم ميليشيات  ) وبنصرة الإسلام علماً بأن غالبية الباكستانيين يدينون بالإسلام  ،وحيث يتمتع هذا البلد بمئات المدارس والمعاهد الدينية ، وليس هناك محل لأنماط الحياة الغربية فيه .فيما لا يجد حزب نواز شريف العائد إلى المنفى من تحالفات سوى زعامات قبلية ومتشددين ، أما بوتو سليلة الأسرة السياسية وابنة علي بوتو الذي قتله الجنرال ضياء الحق ، فهي تواجه وضعاً مأساوياً فقد تغيرت قواعد اللعبة  في بلادها ولم يعد التنافس بين أحزاب مدنية ، فقد توزعت مراكز القوى بين العسكر والزعامات القبلية والمتطرفين .وهي من إفرزات انقلاب مشرف وحكمه .

 

دويلات داخل دول عربية

دويلات داخل دول عربية

                                               محمود الريماوي

جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق تحدث بالأمس  بنبرة قومية ..كردية ، وذلك في مؤتمر صحفي عقده بالاشتراك مع البرازاني رئيس إقليم كردستان العراق ، للحديث حول الوضع المتوتر في الإقليم نتيجة التهديدات التركية بمطاردة قوات حزب العمال الكري  التركي. بدا الطالباني أشد حماسة من زميله رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (البرازاني) )، وذلك للتدليل على أن تسنمه منصب رئاسة عموم العراق ، لم يضعف لديه الشعور القومي الكردي  .

لست هذه مشكلة بحد ذاتها . المشكلة هي إخضاع البلد الممزق والغارق في الفوضى ، لاعتبارات وحسابات تخص الإقليم الكردي وحده ، وذلك لناحية التعاطف مع حزب العمال ودعم ولو ضمنياً توجهات قومية لبعض أكراد تركيا . العراق في وضعه الحالي على الأقل لا يحتمل هذه الازدواجية ، كالقول إن الاعتداء على الإقليم الكردي هو اعتداء على الدولة العراقية . فلئن كان ذلك صحيح مبدئياً وأساساً ، فإنه ينبغي أن يقترن بالمشاركة في قرارات السلم والحرب ، فلا يصح أن يقرر إقليم كردستان سياسة معينة حيال تركيا بمعزل عن شركاء العملية السياسية ، ثم تجري المطالبة بعدئد بأن يتحمل الشركاء تبعة هذه السياسة المنفردة .

ألم يذهب المالكي الى أنقرة ويوقع اتفاقا أمنياً مع المسؤولين فيها ، بما يعني على الأقل تقييد النشاطات المسلحة لحزب العمال الذي تتحشد بعض قواته في شمال العراق ؟ .

هذه الصورة تتكرر بصيغة أخرى مع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية التي تتمركز في العراق . ورغم أن الحكم العراقي يقيم علاقات وثيقة مع طهران ، فإن هذه المنظمة المسلحة المعارضة ما زالت تنشط على الأراضي العراقية . ومن الفارقة أن نفوذاً إيرانياً متشعباً متعدد الأوجه يتغلغل أيضا في العراق المستباح للاحتلال الأميركي ولقوات المرتزقة وللقاعدة ولآخرين .

وفي النتيجة ومع وضع الاحتلال جانبا فإن دويلات تتحكم في مصير البلد . ولا يقلل من حساسية ذلك أن أكراد العراق قد تعرضوا للظلم في عهود سابقة .فالفيصل هو عدم تكرار المظالم تجاه أي أحد واستعادة هذا البلد لسيادته واستقلاله ، وتمتع الإقليم الكردي لوضعه الخاص بمزايا حكم فيدرالي .

في بلد آخر هو السودان فإن إقليم الجنوب شبه المستقل ، بات يتمتع بنفوذ على الحكومة المركزية في الخرطوم . للتنظيم القائم في الجنوب ( الحركة الشعبية لتحرير السودان )أن ينسج ما شاء من العلاقات مع الخارج ولو على مستوى حزبي ، رغم أن الحركة شريكة في الحكم . والأزمة الأخيرة التي نشأت بين الحركة والحكم والتهديد بتجميد المشاركة في الحكم تعني موضوعيا التقدم على طريق الانفصال ، رغم أن هناك فترة  عامين ما زالت باقية على الاستفتاء المقرر  لتقرير مصير الجنوب.

هذا واقع جغرافي سياسي جديد نسبياً في المنطقة ، وليس المطلوب توجيه الاتهامات وكيل الشتائم للأقليات القومية كما يفعل ذلك بعض القوميين العرب ، بل تنظيم العلاقة لحفظ حقوق الدولة والسيادة وصيانة حقوق الأفليات من جهة ثانية .

ليس بعيداً عن ذلك ما يجري في لبنان . فالطائفة الشيعية ليست أقلية قومية في هذا البلد ، بل هي جزء أصيل وأساس في النسيج الوطني والاجتماعي ، ومع ذلك وباسم الطائفة الكريمة فقد أنشأ حزب الله دولته الخاصة داخل الدولة اللبنانية ، وهو بالكاد يعتبر الدولة اللبنانية دولة شقيقة ، مقارنة بالعلاقة العضوية والاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ! .

أجل إنه واقع جديد تشهده المنطقة . وهناك من يتحدث عن مخططات معادية للتقسيم والشرذمة ، وذلك صحيح ، غير أن البعض منا ومن أشقائنا  لا يقصر ( ليس مقصراً ) في هذا السبيل .

mdrimawi@yahoo.com

                         

 

عرب وأكراد و "يهود "

عرب وأكراد و"يهود "          محمود الريماوي

 

يتضح هذه الأيام أكثر فأكثر مدى التشابك بين قضايا المنطقة ، بما لا يسمح لأحد بالانعزال والانكفاء ، أو التقليل من تأثير ما يدور حوله  ..عليه .

زيارة الرئيس السوري إلى أنقرة هي شاهد أخير وليس الوحيد على ما نذهب إليه . لقد نسب للرئيس الأسد تأييد بلاده لتدخل عسكري تركي في شمال العراق ن لمحاربة حزب العمال الكرستاني . ثم جرى تصحيح التصريح بان التأييد يذهب لعمل محدود .

 في الوقت نفسه تم  رفع طلب للمسؤولين الأتراك بعدم استخدام أجواء بلادهم لعبور مقاتلات إسرائيلية تتجه للاعتداء على الأراضي السورية ، وهو  مطلب محق حظي بموافقة تركية .فإذا عرفنا أن سوريا كما هي إيران والعراق وتركيا تضم أكراداً على أراضيها ( كان من بينهم مُفتٍ للجمهورية وزعيم للحزب الشيوعي السوري ) ، فإن ذلك يدلل على حساسية الوضع وتشابكه .

الفوضى في العراق ترتد بالسلب على تركيا وعلى سوريا كما على دول مجاورة أخرى ، والعامل الكردي يحتاج غلى معالجة سياسية لا إلى حلول أمنية ، فالنطق باسم الشعوب يقتضي احترام أقلية قومية مثل الأكراد يعيش معظم أفرادها في أربع دول في المنطقة ، وأكبرهم عدداً في تركيا : نحو 15 مليوناً .

عدا الأكراد فإن التوتر الإسرائيلي السوري ينعكس سلباً على تركيا وبقية دول الإقليم . وما زالت أنقرة تطمح بأداء دور في جهود التسوية ، بينما تطمح العسكرية الإسرائيلية في استخدام الأجواء التركية ، لأغراض حرب ليست تركيا طرفاً فيها . وكانت سلطات الاحتلال سمحت لوفد تركي بالاطلاع على جانب مما يجري ضد بيت المقدس والأماكن الإسلامية ، قبل أن تستأنف هذه السلطات عملها بعد مغادرة الوفد التركي ! .

بهذا فإن مخاطر الحرب وجهود التسوية في المنطقة هي مسألة باتت تخص الأمن القومي التركي، بعد طول تعاون مع الدولة العبرية ، فيما هذه الدولة هي في حالة احتلال لأراضي الغير ..

هناك حاجة إذن للمضي في التسوية العربية الإسرائيلية وفقا للشرعية  الدولية ن وهناك حاجة مماثلة لاستقرار الوضع في العراق حتى لا يظل مسرحا لكل أشكال الفوضى ، وهناك حق للأكراد حيثما وجدوا بان يتمتعوا بخصائصهم القومية بعدما عاشوا طوال لتاريخ وسط ملايين العرب والمسلمين وخاضوا معارك هؤلاء ، ويفترض أن يتمتعوا منهم بإنصاف أكبر مما بصادفونه من غير العرب والمسلمين ، لا أن يكون الوضع على العكس من ذلك .

بالمناسبة وفي غمرة الحديث عن تدخل تركي في شمال العراق وبمناسبة الحديث عن التشابك بين القضايا ، فإن أكراد العراق يتعرضون لهجمات إيرانية بأكثر من تلك التي تصدر عن الجيش التركي . قوات الجمهورية الإسلامية تقترف ذلك  ضد أشقاء مسلمين ومع ذلك ، فإن الشعارات الجمهورية عن العقيدة تترى بغير توقف  ! .

لبنان أيضا ليس بعيدا عن هذه الدوامة إن لم يكن في قلبها . فالحرب الموقوفة بين دمشق وتل أبيب منذ العام 1973 قد تشتعل بالوكالة بمواجهة بين حزب الله وتل أبيب . اللبنانيون يريدون العيش في سلام ، غير أن أعاصير الإقليم تتهددهم ، وهناك في لبنان من هو سعيد باستدخال الصراعات الإقليمية إلى كل مكان في الدولة الصغيرة .

وفي الأثناء يتحرك الإسرائيليون نحو موسكو هذه المرة ( زيارة أولمرت السريعة ) للتحذير من مخاطر امتلاك طهران لمنشآت وأسلحة نووية . أما الملف النووي الإسرائيلي فيجب أن يثير الاطمئنان وأن يتم غض النظر عنه ، فتل أبيب لم تقترف شيئا ، باستثناء احتلالها لأراضي الغير منذ أربعين عاما فقط ! .

mdrimawi@yahoo.com

 

 

البيت الأول

البيت الأول

محمود الريماوي

 

إالي حلمي الأسمر

 حينما وصل مع أمه وأبيه المسنين لزيارة البيت الأول لعائلة، قبل ظهيرة يوم خريفي، وبعد بحث لم يطل واستكشاف مسبق علي الخريطة، فقد كانت تتناهبه مشاعر شتي، فمن الفضول الطاغي لزيارة المنزل الذي أمضت فيه الأم والأب سنواتهما المشتركة الأولي، وشهد ولادة شقيقه الأكبر الذي يكبره بثماني سنوات، الي الخشية بأن لا يتمكن من رؤية البيت، اذا ما رفضت العائلة الاسرائيلية الساكنة السماح لهم بالدخول، كما وقع مع كثيرين قصدوا منازلهم الأولي التي أجبرتهم الحرب علي مغادرتها، الي خشيته بأن يبدو أمام نفسه، مجرد زائر بل سائح اذ لا ذكريات تربطه بالمنزل، مما يحرجه مع أمه وأبيه، أو أن لا يعجبه البيت القديم ببساطة، مقارنة بالشقة الحديثة الفسيحة التي يقطنها هو. ومع ذلك فقد كانت تقوده لهفة الوالدين، وفضوله العاطفي وحنينه الغامض لكن القوي، لرؤية البيت الذي فارقاه قبل 48 عاما.. مرة أخري هذا الرقم المشؤوم.
يقع البيت في قرية الشيخ مونس التي جري تهديم معظم بيوتها وقد نجا بيتهم بأعجوبة، وباتت القرية بحكم الهندسة الجغرافية والديمغرافية احدي الضواحي البعيدة لتل أبيب، وقد استدل الأب.. علي البيت بمعاونة الزوجة رغم ضعف بصرها، لأنه احتفظ رغم الترميــــم بمظهره الخارجي، باستثناء تغيير الأشجار فقد اقتلعت شجرتا التين والتوت، وحلت محلهما أشجار غير مثمرة لا اسم لها ، والسور أصبح أكثر ارتفاعا واتساقاً. وللحظات بدا الأب متردداً في قرع الباب. وهو ما لاحظته الزوجة فتقدمت عليه بخطاها، وسألت ابنها أن يبحث عن مكان الجرس، وقد تمني الابن أن يعثر عليه سريعا حتي لا تثير هيئة العائلة الريبة، وقد حدث ذلك.
ضغط علي كبسة الجرس، ولدهشتهم فقد سارعت سيدة لا تبدو أنها تجاوزت الأربعين الي فتح باب داخلي، ووجهت سؤالاً بالعبرية يفهم منه الاستفسار عن الطارق. فأجابها الابن بالانجليزية سائلاً اذا ما كان يستطيع التحدث اليها، وقد اقتربت من البوابة الخارجية محتفظة بمسافة نحو ثلاثة أمتار، عن العائلة العربية الغريبة . أجابها الابن وهو رجل مكتمل القامة والقيافة، بأن اسمه يوسف وأنه بصحبة أمه وأبيه، وأنهم قادمون جميعاً من عمان لرؤية بيتهم العائلي، الذي غادروه في حرب 1948 اذا لم تكن تمانع في ذلك. لم تبد السيدة اندهاشا كبيراً لما سمعت، فقد تكدرت فقط، اذ سمعت عن حالات مماثلة عديدة، حدثت بعد اتفاق اوسلو ومعاهدة السلام مع الأردن، ولعلها فكرت لوهلة بأن للسلام متاعبه أيضا، فهو يوقظ الماضي النائم (كمن يتم تنويمه بمخدر قوي) وحيث هناك اتفاق وطني علي تناسيه، ومحو صورة ضحاياه.
لم تجب علي التو إذ انشغلت بتفحص ملامحهم واخفاء كدرها، ثم لم تلبث أن دعتهم للانتظار قليلاً.
وقد غابت لبضع دقائق، لتعود داعية اياهم وان بفتور للدخول. لم يصدق الأب ما سمعه، غير أن عزيمة جديدة حلَت عليه فأزاح امرأته عن طريقه، ونطق دستور وهو يشق طريقه وراء سيدة البيت الجديدة. أما امرأته فشكرت السيدة واعتذرت لها مسبقاً عن الازعاج، دون أن تفهم السيدة ما يقال ولكنها خمنت المقصود. قادتهم السيدة الي الغرفة الكبيرة غرفة الاستقبال.
الأب انشرح لأن البيت في حال جيدة وكما تمني، وكاد يشكر السيدة علي اهتمامها به لكنه لم يفعل، اذ أخذ يردد: ها هو. وامرأته تردد وراءه: نعم هذا هو البيت، لم يتغير عليه شيء كثير.هل تشربون شيئا؟ نطقت السؤال بسرعة فائقة ووجهها نصف مائل عنهم، فأجابوها معاً: اذا كان هناك ماء. قال ثلاثتهم دون اتفاق مسبق، وحسب طريقة فلسطينية مألوفة، يبدي فيها الزائر اكتفاءه بالماء للتدليل علي اعتذاره عن تناول أي شيء. أحضرت المرأة زجاجة ماء وثلاثة أكواب.
وأنبأتهم أن زوجها يعمل ضابطاً في جيش الدفاع ، وأنها استمهلتهم علي الباب لكي تتصل به، وقد فعلت ولم يبد ممانعة في رؤيــــة البيت. وأشارت الي صورة له بزيه العسكري، داخل اطار علي منضدة في الزاوية. انقبض الأب وخاصة لدي ملاحظته انشراح صاحب الصورة. وقالت السيدة الزائرة: بنينا هذا البيت وتزوجنا وعشنا فيه سبع سنوات قبل أن يرحلونا. فقالت المضيفة: نحن هنا منذ أربعة عشر عاماً، نحن من مواليد اسرائيل ووالداي من مواليد بولندا، وقد اشترينا البيت من عائلة يهودية من العراق ورممناه..
وسألتهم ان كانوا يرغبون في رؤية بقية البيت، فنهضت الزوجة وتحسست الجدار قربها ولم يكن خشناً، وكانت تتمني لو أنه كذلك حتي تحتفظ بملمسه، ومشت خلف صاحبة البيت الجديدة. بينما ساور يوسف الذي جاوز الأربعين بأربع سنين، ساوره خاطر أن يسألها اذا كانت ترغب في بيع البيت، وقال لنفسه: ألم يحل السلام، ومعه الأخذ والعطاء والبيع والشراء؟. هناك غرفتا نوم ومطبخ صغير وحمام واحد. هذا هو البيت. السيدة المسنة الزائرة كانت تهز رأسها وهي تحدث نفسها: طبعاً هذا هو البيت، نحن من يعرفه. الأب ينظر بامعان الي البلاط والجدران والسقف، نظرة المتفحص الذي يعاين ما تغير وما بقي علي حاله. يوسف يراقب انفعالات أمه وأبيه، ويقول لهما ان بيتكم جميل. ليس كبيراً لكنه جميل.
وفي هذه الأثناء، ولما أوشكت الزيارة علي الانتهاء بعد مضي نحو سبع دقائق فقط، وبعد استيفاء الغرض منها، اذا بطفل بملابس زاهية وبصحة جيدة في سن الثالثة أو الرابعة، يطل فجاة ويبتسم في وجه يوسف. ابتسامة طفولية هانئة تستحثه علي أن يبادلها بمثلها، بادله بابتسامة عفوية شبه مرتبكة، فتشجع الطفل واقترب منه. وكانت الزائرة اختتمت جولتها، وقد شغلها الأثاث وألوانه وطريقة توزيعه الغريبة بالنسبة لها، وفكرت أنهم فعلوا ذلك متعمدين، حتي تتغير هيئة البيت من الداخل، دون أن تتبادل حديثاً مع المضيفة. أما الأب فتبدلت فرحته الي زعل: انه لا يجد ما يقوله ولا ما يفعله، وليس بوسعه الجلوس لتنسم عبق البيت، فبماذا يبرر ذلك لو فعل؟ أما يوسف فقد انشغل لهنيهات بالطفل، وأخذ بعد قليل من التردد يداعبه بالتصفيق الخفيف وفرقعة الأصابع.وفكر لو أنه أحضر معه ابن شقيقه أو شقيقته، كي يلهو أحدهما مع هذا الطفل، فأبناؤه هو شبوا عن الطوق، فكر بذلك مع ابتسامة مكتومة متسائلة: ما نفع ذلك لو تم؟
وفيما جرجر الأب والأم أقدامهما شاكرين باقتضاب وبصوت متلعثم للمضيفة استقبالها، بعدما استشعرا أنهما يفقدان البيت لمرة ثانية وربما أخيرة، حتي تمني كل منهما في سره لو أنه لم يأت وأعفي نفسه من التجربة، فان يوسف الذي لم يصدق تمكنه من رؤية البيت الساحر، والتواصل معه بهذه السهولة ، البيت الهاديء الذي يشبه بيوتاً حجرية ريفية صغيرة أليفة، صادفها في العديد من القري والمنتجعات في حوض المتوسط، فقد لبثت في ذهنه بعدئذ علي الخصوص صورة الطفل اللاهي ولم تبارحه، الطفل الذي تقرَب منه في غياب أبيه ومع توجس أمه، وتلاقت نظراتهما معاً غير مرة، والذي شيعه لدي مغادرته بنظرات بدت له عاطفية.

0

منطق آكلي لحوم البشر !

                منطق آكلي لحوم البشر !

                                                 محمود الريماوي

ها هي نقطة مضيئة  تومض في ظلام الصراع العربي الإسرائيلي ، إنها تبادل جثامين وأسير حي واحد بين تل أبيب وحزب الله .كان الأمل أن لا يقع قتلى من الجانبين وأن يعود الأسرى والمقاتلون والجنود أحياء إلى ذويهم ، لكن هذا هو الوعد بالموت الذي يطلقه هذا الصراع، الذي يريد كثرة من أهل اليمين الإسرائيلي جعله أبدياً .

كان الأمل أيضاً أن تكون الحكومة اللبنانية طرفاً في مفاوضات التبادل ، فليست هذه الحكومة أجنبية لهذا الحد بما يتعلق بمواطنيها  ! .كان الواجب يقضي أن يتم احتساب الحكومة اللبنانية كحكومة شقيقة على الأقل ل" دولة حزب الله " ! لا أن يتم كل شيء يتعلق بالحرب والسلم ، في غيبتها ومن وراء ظهرها .

مع ذلك فهذا التطور جيد .من المفيد مراعاة الاعتبارات الإنسانية  ،والتقيد بها كما أشار أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله . وفي ذلك درس لإسرائيليين ما انفكوا يراهنون على الكراهية والقتل ، وينشرون بغير خجل هذه الثقافة المريضة ، في صفوف الجنود وتلاميذ المدارس .

من العار الاحتفاظ بجثامين وبآلاف الأسرى الأحياء . الإسرائيلييون مهووسون باختطاف وجمع أكبر عدد  من المعتقلين ، بأكثر مما يفعل هواة جمع الطوابع . يرغبون أن يكونوا أسياداً على ضحاياهم وعلى جيرانهم ، وعلى التسبب بمحرقة لأبرياء انتقاماً من محرقة اليهود . ومع ذلك يزعم مخبولون منهم برغبتهم بأن يكونوا جزء من المنطقة وشعوبها . ازدراء ذكاء الآخرين هو بين ما تتميز به العقائد العنصرية ومنها الصهيونية ، على الأقل في صيغتها المعتمدة والمطبقة . ويتبع ذلك ازدراء حق الغير في الحرية والأمن والكرامة . واعتبار ذلك حقاً حصرياً لمستوطنين وافدين من وراء البحار .

من المؤسف أن تطورا جيدا كعملية التبادل ، يتبدد أثره مع تقيد اولمرت وحكومته بممارسة القتل اليومي أي الإبادة بالتقسيط . وإطلاق مناورات بلا نهاية لإدامة الاحتلال والتهرب المشين من موجبات العملية السلمية ، كما يتضح حتى الآن في المباحثات مع رايس ومع الجانب الفلسطيني .

يعتبر إسرائيليون كالحاكمين حالياً في تل أبيب ، أي تقيد بأبسط حقوق الإنسان والشعوب تنازلاً .. بل تنازلاً مؤلماً ! ، وهذه  شيمة العصابات والخارجين على القانون ، وليست سمة دول ومجتمعات متحضرة تنتمي إلى عالمنا . ولذلك تكاد تعجز الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية وبعضها إسرائيلية  ..تعجز عن حصر الارتكابات والتعديات الجسيمة التي ترتكبها سلطة الاحتلال بلا توقف ، ومنها على الخصوص اختطاف واحتجاز الآلاف وراء القضبان وتركهم "يتعفنون " هناك . والتشاطر بإخلاء سبيل مئات ثم احتجاز أضعاف عدد هؤلاء . ومع ذلك يتبجحون بالديمقراطية وينشئون صناعة من الكذب ، حول سجلهم الناصع وحول طهارة سلاح مستوطنين ينتقمون من أبناء البلاد .

من الصعب فصل الجانب الإنساني عن البعد السياسي فالكوارث الإنسانية هي من صنع سياسيين دمويين ، لا يطيقون رؤية ما هو غير يهودي ، أو مصادفة أحد من أبناء البلاد وأصحابها . على أنه يبقى من المفيد بل من الواجب التركيز على الجوانب الإنسانية ، وفضح الممانعة الإسرائيلية  في التصرف كبشر إزاء بشر آخرين ، وفق النواميس الإنسانية لا بمنطق  آكلي لحوم البشر .

المنظمات الحقوقية لا تتوانى عن كشف المخازي . غير أن هناك بين ساسة الغرب من يستمرىء الخضوع للابتزاز الإسرائيلي ويمتنع عن عمل المقتضى . وهناك من يتواطأ وهناك بينهم من يخشى الغضب عليه . وهذه بعض أسباب تدهور الوضع الإنساني وانسداد الأفق السياسي حتى تاريخه .

mdrimawi@yahoo.com

            

حماس تفوض "نفسها " !

حماس تفوض "نفسها "  !

                                                 محمود الريماوي

 

الاستعداد المتجدد الذي أبدته حماس على لسان احد الناطقين باسمها وهو غازي حمد ، يدلل على أن الحركة ماضية في مشروعها ، لإقامة كيان سياسي لها في قطاع غزة ، والتطلع حلال ذلك للاستيلاء على مجمل القرار السياسي ،تأسيسا على انقلابها أو على الحسم العسكري حسب تسميات الحركة .

حلال ذلك أيضا تراهن الحركة كما حال اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً على فشل لقاء الخريف . تبني نجاحها المرتجى على فرص فشل مجمل المشروع الوطني . وعليه يمكن توقع نشوب توترات مختلفة تساهم فيها حماس عشية المؤتمر وبالتواكب معه ، دون تجاهل أن القسط الأكبر من محاولات التفشيل سوف يتم من الجانب الاسرائيلي . يستذكر المرء الأعمال التفجيرية التي رعتها حماس لدى كل مفصل سياسي ، في السنوات القليلة الماضية . المأمول أن يكون هناك في صفوف الحركة من لا يأخذ بهذا النهج ، الذي يقوم في الجوهر على تغليب المصالح الفئوية على الاعتبارات الوطنية .

في أوقات سابقة تحدث مسؤولون من الحركة عما أسموه سحب تفويض السلطة بإجراء التفاوض . وقد غاب عن أذهان هؤلاء أن حماس تظل في النهاية فصيلاً بين فصائل عدة مع فارق وحيد وهو أن الفصائل الأخرى بريئة من الجشع على السلطة ، لدرجة القيام بانقلاب كما هو حال الحركة ..

من المهم وضع إطار مناسب للجهد السياسي ، في هذه المرحلة ، بتوسيع المشاركة في صياغة الرؤى والتوجهات المحتكمة لوفاق الوطني والمرجعيات المعروفة . كما من الأهمية بمكان ، تشكيل لجان للتفاوض تعكس التعددية السياسية ، وتضم خبرات تفاوضية وقانونية متمرسة وذات شأن .  من المحظور أن تتولى فتح وحدها هذه المسؤولية الجليلة والجسيمة ، وان لا تتم الاستفادة الفعلية من تجربة الماضي القريب في اتفاق أوسلو وما تلاه . ومن مصلحة فتح نفسها اعتماد أسلوب عمل جماعي وفي إطار منظمة التحرير أولاً ثم مع الشخصيات المستقلة ، و باقي المكونات والمنظمات التي ترتضي بقرارات وتوجهات التوافق الوطني .

أما نهج حماس فمن الواضح أنه لم يعد يكتم الجشع للاستيلاء على مجمل القرار السياسي ، والانفراد بقرارات السلم والحرب ، ومن المفارقة أن ذلك يحدث في وقت عجزت فيه الحركة منذ نحو عامين عن إدارة حوار مثمر مع ممثلي الشعب ورفضت ذلك ، لامتلائها بوهم امتلاك الصواب الوطني دون أحد آخر من أبناء شعبها . وإذ يقترن هذا النهج بتجديد الاستعداد للتفاوض مع الاحتلال ، فذلك يعني ابتداء القبول بالحلول المجزوءة  ، وتكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بحيث يتسنى لحماس ، التفاوض حول مستقبل إمارتها ، والمضي في تمزيق الوطن الواحد ، وعملياً إضعاف المفاوض الفلسطيني . وهو ما يسع الطرف الآخر(الإسرائيلي ) استغلاله على الفور،

لإدامة احتلاله ورفض الانصياع لمقتضيات وموجبات إنهاء هذا الاحتلال ، وعلى الأقل الادعاء بأن هناك مشكلة ازدواجية على الجانب الفلسطيني ، وهو ما "يضطره" لوقف التفاوض والمضي خلال ذلك في بناء الجدار وتوسيع المستوطنات ، إلى حين حل هذه المشكلة ! .

يحسن بالحركة أن تتفاوض أولاً مع شعبها ، مع سائر التيارات الوطنية والاجتماعية ابتداء من قوى الحركة الوطنية التاريخية . وعدم التذرع بأن فتح ترفض الحوار ، علماً بأن الحركة هي التي أوقفت مسار الحوار كله ووجهت طعنة له ، حين استلمت لأهوائها وجنحت لانقلاب .التواصل مع الأشقاء أفضل من الوهم ، بأن الحركة تملك تفويضاً ما للتفاوض مع الطرف الآخر .

mdrimawi@yahoo.com  

 

                            

شهادة أخرى ..من يستثمرها؟

          شهادة أخرى ..من يستثمرها ؟

                                              محمود الريماوي

وجه المبعوت الخاص  للأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان  جون جودارد ، دعوة للمنظمة الدولية  التي يمثلها للانسحاب من اللجنة الرباعية الدولية التي تضم إلى الأمم المتحدة : أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي .المبعوث يعمل في الأراضي المحتلة ، وقد جاءت دعوته اعترافاً بما أسماه عجز اللجنة الرباعية عن الوفاء بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني . وأشار إلى أن الرباعية لا تستطيع تحدي القيود التي تفرضها إسرائيل على الشعب الفلسطيني  .

يرتدي هذا الموقف أهمية كبيرة .فاللجنة الرباعية التي بات توني بلير ممثلا لها ، تخضع على الدوام للابتزاز الإسرائيلي والأميركي ، مع العلم أن مواقف أعضائها متفاوتة ، فالمواقف الروسية والأوروبية أفضل بما لا يقاس من الموقف الأميركي ..غير أن المشكلة تكمن بعدئذ  في عدم بلورة المواقف الصائبة إلى سياسيات معتمدة كما أن الضغوط الأميركية داخل اللجنة تنتهي بأن تتخذ  اللجنة مواقف عائمة وعمومية ، وفي النتيجة فإن الاحتلال يبقى مطلق اليدين في ممارسة سياسة التنكيل والتوسع .

بين آونة وأخرى يخرج مسؤول دولي هنا أو هناك  ، بموقف نزيه يسمي الأشياء بأسمائها .وما يحدث بعدئذ أن هذا الموقف يتبدد ويضيع أثره ، ليس فقط لأن تل أبيب تقوم بالتمويه عليه وشن حملة ديماغوجية عليه ، بل لان الطرف الفلسطيني لا يحسن استثمار مثل هذا التطور ويتركه يمر ، دون متابعة من أي نوع أو البناء عليه ، في ما يُفترض أنها مواجهة سياسية مفتوحة مع الاحتلال .

يجري التحضير لمؤتمر الخريف وسط أنباء عن إمكانية تأجيله . وبينما يتمسك الجانب الفلسطيني بمواقف صائبة لجهة ضرورة التوصل إلى وثيقة مشتركة تقضي باستئناف التفاوض حول القضايا النهائية وفق جدول زمني . بينما يفعل ذلك فمن اللافت غياب أي سجال مع الاحتلال الذي "يأخذ " راحته في أعمال التوسع والتنكيل . وبالكاد يتبين المرء موقفاً للسلطة ، بخصوص تأهب الاحتلال لمصادرة المزيد من الأراضي حول القدس (1100 دونم فقط !) .

ما خرج به مبعوث الأمم المتحدة يشكل شهادة رفيعة المستوى وفائقة الأهمية ، للسجال مع الاحتلال والضغط السياسي والمعنوي عليه عشية عقد المؤتمر العتيد . ومن اجل وضع الأطراف الدولية أمام مسؤولياتها . وواقع الأمر أن الوضع يسوء بسبب العقيدة المتوحشة للاحتلال وكذلك بسبب تقصير وسلبية أطراف دولية ، ثم  "بفضل" تقيد السلطة الفلسطينية بدبلوماسية تقليدية قائمة على المخاطبات والمناشدات فحسب ، بدلاً من اعتماد دبلوماسية المواجهة .

إنه لمن المطلوب على الأقل عدم ترك المبعوث جون جودارد  وحده ، في مواجهة  ضغوط  متوقعة  داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها عقاباً على شجاعته الأخلاقية ، وتعضيد موقفه بالقول إن ما أورده صحيح مئة بالمئة ويعكس واقع الحال . وأنه لا بد من سماع شهادته وعمل المقتضى بموجبها ، من أجل تهيئة الظروف لكبح جماح الاحتلال وإنجاح المؤتمر .

من واجب السلطة أن تبدي غضبها بصورة علنية لا داخل غرف مغلقة ، وأن تستقوي بشعبها وأصدقائها ومناصري الحرية والعدل ومنهم أخيراً المبعوث حون جودارد . ذلك أن انتزاع الحقوق في النهاية لا يتم بمجرد الحذق في النقاش واعتماد خطاب موضوعي ومنطقي ، فلا بد من اللجوء إلى السجال والصراع مع احتلال متوحش وعنصري . وفي وقت سابق من هذا العام كما ذكر تقرير بثته إذاعة بي بي سي العربية بالأمس ، فإن المبعوث جودارد كتب تقريراً قارن فيه بين الاحتلال الإسرائيلي ونظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا . وفي وصفه للاحتلال ذكر وصف التمييز العنصري 24 مرة في تقريره الذي ضم 24 صفحة مطبوعة .

هل بات من المطلوب أن يخوض الآخرون الصراع بدلاً منا فلسطينيين وعرباً ؟ .

mdrimawi@yahoo.com

              

الجوار القريب والماضي البعيد

الجوار القريب والماضي البعيد    محمود الريماوي

بما أن السياسة الخارجية هي بصورة أساسية لا ميكانيكية امتداد للسياسة الداخلية ، فإن المراقب يستهويه ملاحظة المنحى الذي تتخذه القيادة التركية نحو العالم الخارجي ، بعدما فاز عبدالله غل برئاسة الجمهورية  ، وآلت جميع سلطات القرار الأساسية باستثناء قيادة الجيش إلى حزب العدالة والتنمية .

لقد نشبت في الأيام الأخيرة أزمتان، الأولى تتعلق بمطاردة قوات تركية لمقاتلين في حزب العمال الكردي داخل الأراضي العراقية (إقليم كردستان شمال العراق ) .والثانية تتصل بالنقمة الشديدة إزاء قرار للكونغرس يحمل الدولة العثمانية مسؤولية مجازر ارتكبت ضد الأرمن .

يبدو الحكم التركي متشدداً إزاء وجود مقاتلين لحزب العمال قي الأراضي العراقية .وهو موقف مفهوم ، وخاصة في ضوء اتفاق أمني أخير جرى توقيعه بين حكومة المالكي ، وحكومة رجب طيب أردوغان بمكافحة الإرهاب ، مع احتساب حزب العمال ضمن المستهدفين بالحملة  . غير أن الاتفاق نفسه لم يلحظ حقاً لقوات تركية في مطاردات تتم داخل العراق . وهي مشكلة كبيرة بالفعل تواجه إقليم كردستان كما تواجه الحكومة "المركزية"  في بغداد . حكومة كردستان بزعامة البرازاني تتحمل مسؤولية لا يسعها الفكاك منها ، وذلك بالسماح لمقاتلين أكراد أتراك بالتمركز والتحشد والانطلاق من هناك لمهاجمة أهداف تركية . أنقرة من جهتها مدعوة للإفساح في المجال أمام حل سياسي  ،يبدأ بمنح مهلة قصيرة لوقف الهجمات بصورة نهائية انطلاقاً من الأراضي العراقية . وهذا ما لم يحدث . فإذا أضيف إلى ذلك التشدد التركي ، في العزوف عن الخوض في أي حل سياسي من أي نوع ل"المسألة الكردية " في بلاد الأناضول ، فإنه يتضح أن السياسة التركية تنحو منحى قومياً صرفاً  ،لا يقل قومية عن التيارات الأخرى كالحزب الجمهوري أو سواه ، وحتى دون نكهة خاصة لحزب العدالة والتنمية .

كذلك الأمر بما يتعلق ب"مجازر " ارتكبت ضد الأرمن .فالمسألة هذه هي أيضا ذات بعد داخلي بانعكاس على السياسة الخارجية . فتركيا من مواطن الأرمن الأساسية في المنطقة ، وأحوالهم هناك ليست سيئة ، بل هي أفضل بما لا يقاس من وضع الأرمن في إيران مثلاً .

غير أنه لا بد من الاعتراف بمشكلات الماضي  ، في ضوء القطع مع السياسات العثمانية التي أدت إلى نشوء تلك المشكلات ، وإلى قيام جمهورية المؤسس أتاتورك بديلاً عن السلطنة العثمانية الغاربة .

ليست الدول الأخرى بأفضل حالاً من تركيا في التعامل مع صفحات الماضي . فليس هناك بين دول الاستعمار القديم  ،من تنأى معنويا وأخلاقيا عن سوءات الماضي وتعترف بالخطايا . إنها معضلة كبرى .فالأميركيون يتعاملون مع إبادة ملايين الهنود  ، وكما لو أن تلك الواقعة المخزية هي مجرد رياضة مارسها المستوطنون الأوائل لاقتلاع نباتات ضارة . كذلك الحال مع ارتكابات بريطانيا وفرنسا والبرتغال واليابان وسواها من الدول في مستعمراتها السابقة .

ليست هناك ذرة من الإنصاف في تخصيص تركيا دون سواها ، في تحمل أوزار مراحل تاريخية سابقة ، إن لم يكن تبرئة تلك الدول رغم أنف المؤرخين والوقائع  والشواهد التاريخية  الدامغة ، وبعض شهودها ما زالوا أحياء .

الأفضل أن نكون لتركيا مقاربها الخاصة لهذه المسألة ، دون الاقتصار على الإنكار أو دعوة الآخرين لطي تلك الصفحة . من المفيد طرح سابقة أخلاقية في التعامل مع هذه المسألة مع التأكيد على أن الدولة التركية الحديثة ، ليست وريثة الخلافة العثمانية بل قامت على أنقاضها .

ومن السخرية حقاً أن مشرعين أميركيين يقف وراءهم بعض صانعي القرار في واشنطن ، باتوا ينطقون باسم الأرمن وكان بوسعهم النطق باسم جزائريين أو فلسطينيين أو هنود حمر  ، فيما يراد رؤية مسؤولين أتراك سابقين وحاليين على أنهم سلاطين عثمانيين .

mdrimawi@yahoo.com

 

 

             

قرار استثنائي

قرار استثنائي

                                             محمود الريماوي                 

هناك قرار على جانب من الأهمية أصدره الكونغرس الأميركي قبل أيام ، ولم يستوقف الصحافة المحلية كما كان متوقعاً . القرار يعتبر الإسلام واحداً من أعظم الديانات في العالم ، ويعرب عن احترامه العميق للمسلمين في الولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم . صوت على القرار 376 نائبا وامتنع عن التصويت أربعون نائباً .وهو أول قرار من نوعه يصدره الكونغرس .

أهمية القرار ليست خافية .فهو يشكل رداً قويا وجوهريا على الثقافة المستشرية التي تتلخص بفوبيا الإسلام والمسلمين . وبنزع القرار الغطاء عن كل الممارسات السلبية تجاه المسلمين وبالذات في الولايات المتحدة، وهي ممارسات تتكىء على نظرة عدائية مسبقة للإسلام والمسلمين ، وعلى ادعاء الحاجة للوقاية من مخاطر وتهديدات محتملة من أشخاص وجماعات لمجرد أنهم يدينون بالإسلام أو أنهم يرتدون أزياء خاصة بهم ، يواظبون على ممارسة شعائرهم الدينية .

يفترض أن ينعكس هذا القرار على مجمل الإجراءات والتدابير "القانونية "التي وضعت والتي تتخذ ضد مسلمين على الشبهة ، سواء في داخل الولايات المتحدة أو خارجها . فالقرار لا يندرج في باب المجاملات ، فهو ليس خطاباً في حفل ولا مقالاً في جريدة .ولا يود المرء وصف القرار ب"التاريخي " رغم أهميته البالغة ، ذلك لأن هذا الوصف يعني أن الكونغرس كان يتحذ موقفاً آخر ، سلبياً بالضرورة  ضد الإسلام والمسلمين وقد تم التراجع عنه . الأصح القول إن الكونغرس قد بلور موقفه من الديانة التوحيدية الكبرى ، وبصورة إيجابية وكما يجب .فالعلاقات بين المسلمين والأميركيين وثيقة وعميقة وتاريخية ، وقد تعرضت للطعن فقط لأن السياسة الخارجية الأميركية انحازت بصورة عمياء للاحتلال الإسرائيلي ، ودعمته وشجعته على ازدراء القرارات الدولية وأحكام القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان .وقد أسهمت وسائل الإعلام الاميركية الهائلة النفوذو التأثير مع وجود بعض الاستثناءات المهمة  ، في شيطنة صورة العرب والمسلمين ، وأبدت استخفافاً هائلاً بالكارثة التي أحاقت بالفلسطينيين وبحقهم في التمتع بحريتهم واستقلالهم ، على جزء من وطنهم التاريخي وهو المحتل منذ العام 1967 .

يذكر هنا أن مشروع القرار تقدم به النائبة الديمقراطية إدي جونسون ، ونال تأييداً أكبر في أوساط المشرعين الديمقراطيين ، فيما كانت أكثرية الممتنعين عن التصويت من صفوف الجمهوريين . وتفسير ذلك ان الديمقراطيين على العموم يمتلكون حساسية إيجابية تجاه التعدد الديني والتنوع الثقافي وحقوق الأقليات ، رغم أن هناك نسبة غير كبيرة في صفوفهم ممن يمكن وصفهم بغلاة اليمين .

هيئات المسلمين الأميركيين نوهت  بالقرار ، ووصف عضو في مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية القرار بأنه : إيجابي كلياً . فيما وصفه مجلس الشؤون العامة الإسلامية الأميركية بأنه : معلم هام بالنسبة لنا .ووصف آخرون القرار بأنه بادرة مطمئنة .

لا شك أن المشرعين في الكونغرس تأخروا طويلاً في إبداء مثل هذا لموقف الجماعي والمسؤول .كما طال بهم العهد على "اكتشاف" الديانة التوحيدية الكبرى ، والتي ينتشر فيها نحو  مليار وثلاثمائة مليون مسلم في القارات الأربع الكبرى أيضا في عالمنا . فضلاً عن إسهام الحضارة الإسلامية في وضع مقدمات أولى للحضارة المعاصرة . ومهما يكن من أمر فالقرار من شأنه الرد على ما لا يحصى من تخرصات نالت المسلمين في السنوات الخمس الماضية ، وعلى ما تبقى من دوائر معادية تنكر التعدد الديني ، ومركزية الإسلام في المنظومة الروحية لعالمنا .

بقي أن يستقبل المسلمون هذا القرار بما يستحقه من اهتمام ، سواء بالحفاظ على صورتهم ، أو الدفاع بصورة لائقة ولكن حازمة عن حقوقهم المشروعة ، أو بالمزيد من الانفتاح والتواصل مع الثقافات الأخرى . مع انتظار أن يجد القرار ما يستحقه من انعكاس على الرؤى السياسية ، لصانعي القرارات في واشنطن .

m

من يتنازل ومن يتعنت ؟

من يتنازل ومن يتعنت ؟

                                       محمود الريماوي

يعاني لبنان أزمة سياسية محتدمة من عناوينها  ، الانقسام حول انتخاب رئيس جمهورية جديد .ومن عناوين الحلول المطروحة للخروج من الأزمة اختيار رئيس توافقي من الأكثرية النيابية والمعارضة.هذا الطرح جيد ، فالوفاق هو أفضل المخارج لاحتواء الانقسام . لكن لماذا تم التقدم بهذا الطرح ؟ لسبب بسيط وهو حرمان الأكثرية من التمتع بحقوقها الدستورية ، والحؤول دون انتخاب رئيس عبر المجلس النيابي بالأكثرية المطلقة :نصف زائد واحد . حسناً ، رغم ذلك فإن الوفاق يظل سيد الحلول في نهاية المطاف . المعارضة وعلى رأسها تيار الجنرال ميشال عون حزب الله ، تعتبر  الحل الوفاقي  بمثابة تنازل وتضحية منها ، وخلافاً لواقع الحال . فالطرف الذي يتنازل حقاً في هذه الحالة  ، ليست المعارضة بل الأكثرية صاحبة الحظوظ الأوفر في اختيار الرئيس بحكم أرجحيتها العددية ، رغم عمليات الاغتيال لنوابها والتي استهدفت إنقاص عدد نوابها .

تتنازل قولاً وفعلاً الأكثرية وتقبل بحل توافقي ، لكنها تطلب مواصفات للرئيس العتيد من ضمنها احترام القرارات الدولية التي تكفل وقف الإعتداءات الإسرائيلية ، وبسط الدولة لسلطتها على أراضيها وولايتها على مواطنيها .بينما تطرح المعارضة حفظ حق المقاومة .وهو ما تقبله الأكثرية شريطة عدم بقاء حزب الله كدولة موازية للدولة ! ويطرح مرشحون معتدلون بالفعل مثل بطرس حرب ، التوافق على دمج قوت حزب الله في الجيش اللبناني .غير أن المعارضة أو بعضها على الأقل ترى من حق حزب الله أن يمتلك وحده قرار الحرب والسلم بمعزل عن بقية مكونات الشعب اللبناني ، وعن دولته وسلطاته الشرعية .وهنا تكمن أكثر الخلافات عمقاً .

واقع الحال أن الأقلية تتصرف باعتبارها هي الأكثرية ، وتهدد بتشكيل حكومة ثانية وانتخاب رئيس ثانٍ .هذه النزعة التقسيمية الصريحة يجري تغطيتها بوابل من الشعارات الثورية ، وكأن قتال إسرائيل يسوغ تقسيم البلد وتمزيق المجتمع وتقويض الدولة الشرعية .وللأسف فغن هذه الشعارات تنطلي على البعض ، مع تغافل لمردودها على الأرض وفي النفوس .

حين تم انتخاب الرئيس إميل لحود المنتهية ولايته ، وحين تم التمديد له لستين لم يتحدث أحد من المعارضة الحالية عن ضرورة الوفاق . الآن يراد بهذا الطرح فرض وجهة معينة على الفريق الآخر ، باسم الوفاق . وحين لا تنجح هذه المحاولات يجري تسمية المعارضة بفريق فيلتمان ( السفير الأميركي في لبنان ) مع أن الجميع يعرفون أن لا قواعد ولا قوات أميركية في لبنان .ومع ذلك يتمايل البعض مع الطرب الثوري الذي يجافي الحقائق والوقائع ، علما بان من يبثون هذا الطرب يهزأون بحق لبنان بالسيادة والاستقلال أسوة ببقية دول العالم العربي ودول العالم قاطبة .

وتكراراً هناك حاجة للوفاق من أجل استعادة الوحدة الوطنية ، ونزع الذرائع من البعض ممن  يهددون علناً بتمزيق البلد وتقويض ركائز الدولة . غير أن أطرافاً في المعارضة تصر على تحديد مواصفات الرئيس والرئاسة ، وبالضد من إرادة الأكثرية التي تثور حفيظة بعض أركانها إزاء ذلك فيدعون لانتخاب رئيس بالنصف زائد واحد ، وهو مما تجيزه القواعد الدستورية .

وفي المحصلة فإن الشطط المفرط هو ما يميز أركانا في المعارضة  ، يتخذون من مسمى الوفاق منطلقاً لفرض شروطهم ورؤاهم .

من المفيد رؤية الأمور كما هي عليه . فالأكثرية منتخبة من الشعب اللبناني ، وسبق للسيد حسن نصرالله أن تحالف معها في الانتخابات الأخيرة . لا السفير فيلتمان ولا الحرس الثوري الإيراني ولا "المال الحلال" هو من صنع تلك الأكثرية  .أما حزب الله فهو حقاً شأنه شان المقاومة الوطنية السابقة عليه ، صاحب أمجاد مشهودة في مقارعة التغول الإسرائيلي الغاشم ، لكن ذلك لا يبرر له عدم احترام إرادة اللبنانيين ،وتهديد المؤسسات الدستورية والسلم الأهلي.

حلول واقعية ومبتكرة

حلول واقعية ومبتكرة

                                    محمود الريماوي

مع احترام مشاعر من لم تشملهم مبادرة الضمان الاجتماعي من المتقاعدين ، وذلك بصرف مائة دينار لمن لا تتجاوز رواتبهم خمسمائة دينار ، فإن هذه المبادرة تستحق التنويه الإيجابي لسببين : الأول  لأنها تساوقت مع روح ومرامي المكرمة الملكية ،وثانيا لأن المبادرة خرجت أو اجتهدت بحل مبتكر ، يكفل دعم أصحاب الرواتب التقاعدية المنخفضة ، ومن المعلوم أن خط الفقر للعائلات بات يلامس مبلغ خمسمائة دينار ، كما تجمع على ذلك تقارير شتى .

حسنا فعلت عشرات المؤسسات الوطنية بالاقتداء بالمكرمة الملكية ، والراجح أن هذه التقدمة لن تمنع تلك المؤسسات من تحقيق وجني أرباح . مع أنه ليس معلوماً إن كانت المبالغ المدفوعة للموظفين سيتم تنزيلها أم لا من الأرباح الخاضعة لضريبة الدخل ، أو إن كانت ستضاف رغم أنها مكرمة إلى جملة رواتب وأجور الموظفين المشمولة بالضريبة .

أياً يكن الأمر فإن المهم هو الاقتداء بروح المكرمة الملكية  ،الرامية إلى تعزيز التكافل الاجتماعي ، ودعم الشريحة الضعيفة التي تضم غالبية الموظفين .وقد كان وما زال بوسع المئات من المؤسسات أن تبتكر صيغاً وحلولاً لتحقيق هذه الغايات . كأن تبادر الحكومة من جهتها للتشاور مع القطاع الخاص برفع الحد الأدنى للأجور خمسة دنانير أخرى ليصبح 115 ديناراً . ذلك الحل ليس مكلفاً حتى لو كان عدد من يتقاضون مثل هذا الأجور كبيراً نسبياً . فذلك يدلل في الأساس على أن جملة الأجور ليست عالية ، في المؤسسة أو المنشأة المقصودة   ، وأن مستوى هذه الأجور منخفض ويستحق  معه مثل هذه الزيادة الطفيفة .

إن هناك مجالاً واسعاً للاقتداء بالمكرمة الملكية ، لا يقتصر بالضرورة على صرف مائة دينار لجميع العاملين . فهناك مؤسسات لا تسمح ظروفها بالفعل بالإقدام على مثل هذه المبادرة ، وليس مطلوباً منها الوقوع في خسائر ، فذلك ليس في نهاية الأمر من مصلحة العاملين ولا الحركة الاقتصادية ككل . غير أنه بالإمكان اللجوء إلى مبادرات مبتكرة ، كرفع أجور العاملين الذين يتقاضون أدنى رواتب في المؤسسة أو الشركة المعنية  بمبلغ رمزي : عشرة دنانير مثلاً . ووضع سقف لهذه الرواتب المتدنية بثلاثمائة أو أربعمائة دينار ، وحسب الإمكانيات الحقيقية للجهة المعنية . وكذلك وفق خططها وبرامجها في التطوير الفعلي ، الذي يعود بالفائدة على مجموع العاملين ، لا على كبار المساهمين أو  أصحاب المؤسسة فقط .

هناك إذن صيغ وحاول مبتكرة وبعضها معلوم أمره وليس مبتكراً ، من أجل استلهام المبادرة الملكية بوضع الكفاية والعدل نصب الأعين  ، ووضع حد لغائلة العوز وقطع الطريق على الأنانيات المتعاظمة  ، التي تزيد الفوارق الطبقية والنفسية بين الناس ، وتؤثر على الإنتاجية وذلك مع شيوع مشاعر غياب الإنصاف وغياب سياسة توزيع الأعباء بعدل ،علماً بأن القادرين في القطاعين العام والخاص هم أكثر قابلية لتحمل الأعباء وبصفتهم هذه كقادرين .

إن أفضل الحلول هي بالطبع الطويلة المدى أو التي تسمى بالاستراتيجية ، غير أن ذلك لا يمنع بل يوجب اللجوء إلى حلول آنية وموضعية ، لمواجهة ضعف القدرة الشرائية مع استشراء وانفلات الغلاء .

والمكرمات الملكية المتعاقبة إذ تعبر عن تحسس القيادة المؤتمنة لمعاناة الشرائح الضعيفة ، فإنها يجب أن تحفز السلطة التنفيذية والقطاعات الاقتصادية ، نحو وضع حلول تجمع بين المردود القصير والبعيد الأمد في الوقت ذاته، ابتداء من إزالة ظاهرة الفقر المدقع ، وصولاً إلى دفع عجلة الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة لعموم الناس في سائر المناطق .

mdrimawi@yahoo.com

 

    

لعله نزوع الى التجديد ..

لعله نزوع إلى التجديد ..   محمود الريماوي

المخاض الذي شهدته جبهة العمل الإسلامي لتقرير المشاركة في الانتخابات النيابية ، ثم فرز رموز ووجوه ذات منحى وفاقي للترشيح باسم الجبهة ..هذا المخاض يحسب في نهاية الأمر لهذا التنظيم ، وذلك ببدء الحسم باتجاه التخفف من الخطاب المتشدد ، دون تجاهل أن هذا التطور جاء أيضا ، كثمرة لحوار قيادات الحركة مع السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الحكومة .

نائب رئيس الجبهة والزميل في الكتابة ل"الرأي " د.رحيل غرايبة ، أوضح في تصريحات صحفية أن التوافق قد تم في الصف القيادي للجبهة على سلوك هذا الخط ، وبالصيغة الديمقراطية ، وأن إقصاء أو تقريباً لأحد لم يتم . وفي النهاية فإن بروز أكثرية هو الذي حسم الأمر.

هذا خبر جيد . فهناك تباينات واجتهادات متعددة تم تداولها ، ففاز أخيراً الاتجاه الذي فاز . هذه نقلة ديمقراطية تحسب للتنظيم .فمن الطبيعي أن تنشأ حياة ديمقراطية داخل الأحزاب ، وذلك كمصداق لانتصار هذه الأحزاب للخيار الديمقراطي ، ودعواتها الملحاحة والمحقة للأخذ بهذا الخيار، على أوسع نطاق في الحياة الوطنية  .

ويقيناً أن مراجعة خطاب الإسلام السياسي ، في ضوء مراجعة هذه التجربة الحزبية ونتائجها ،هو أمر ينسجم مع مقتضيات المصلحة وموجبات التجديد .فمن المصلحة تغليب الاعتبارات  الوطنية على ما عداها  ، من تفاهم وتواصل مع الخارج .والمأمول أن تأخذ تجربة المراجعة مداها عبر قراءة أمينة للواقع .فإذا كانت المصلحة تقتضي وطنياً وقومياً وإسلامياً مناوأة الحلف الأميركي الإسرائيلي لألف سبب وسبب ، فإن المنطق والمصلحة يقضيان بعدم الانسياق وراء مشاريع إقليمية مقابلة ، ترمي لتعزيز نفوذ هذه الجهة أو تلك ، وبالذات المشروع الإيراني بأجندته المعروفة لكل من له أدنى إلمام بالسياسة ، وخطاباتها الظاهرة وأهدافها المضمرة .

الأصل والمرتجى أن تكون هناك مشاريع وطنية تلتقي في جهد وإطار قومي ، وتأخذ المصالح والحقوق العربية في الاعتبار الأول،  وليس الالتحاق بهذا المشروع أو ذاك .ومع الأخذ في الاعتبار أيضا أن إيران بلد جار وشعب مسلم ، على أن ذلك لا يسوغ تزيين مشاريع قومية للآخرين ، تتخذ من الأرض العربية لا من بلاد فارس ميداناً وساحة ومنطلقاً لها .

ليس مطلوبا أن تعود جبهة العمل ومعها جماعة الإخوان القهقرى إلى الوراء وتستعيد خطاب الخمسينات والستينيات ، حتى توصف بالاعتدال . ليس ذلك ممكناً ولا منطقياً . فقد تغيرت الدنيا وأحوالها . على أن البديل لذلك لا يتمثل في انتهاج نهج راديكالي يستعيد خطابات اليسار المتطرف ، مع منحها نكهة ومسميات إسلامية باستبدال تعبير الكادحين بالمستضعفين ،والإمبريالية بقوى الاستكبار والقوى "التقدمية " بمسمى الممانعة . ومع تحول الجمهورية الإيرانية إلى كرملين جديد .

كان الحديث في هذا التعليق جارياً عن الانتخابات والأحزاب وقوائمها .غير أن المرء لا يملك بهذه المناسبة وقف التداعيات وغض النظر عن المقدمات السياسية ، وعلى الأقل من باب :الشيء بالشيء يذكر . ولا شك الآن أن الاعتدال الإيجابي لمصلحة العباد والبلاد سوف يعيد موضعة الجبهة في قلب العمل الوطني ، والتفاعل الحي مع مختلف مكونات النسيج الاجتماعي والسياسي والفكري بدلاً من التخندق السابق . وهو ما اتجهت إليه تنظيمات  ذات اتجاهات او جذور إسلامية في غير بلد ، من تركيا إلى الجزائر والمغرب وغيرها .مما جعلها في قلب الحراك الديمقراطي لبلدانها ومجتمعاتها ، ولكن بعد التخلي عن القوالب الجامدة وعن احتكار الصواب ، ومع الانفتاح برحابة على نهر الحياة والتغيرات .

mdrimawi@yahoo.com

               

 
A service provided by Al Bawaba