30 ايلول, 2007
ديمقراطية العسكر والقبائل
محمود الريماوي
من عجائب التجربة الباكستانية أن رئيس المحكمة الدستورية العليا في هذا البلد افتخار تشودري ، قد أعيد بضغط من العارضة إلى رئاسة هذه المحكمة بعدما أقالته السلطات من هذا المنصب الرفيع .غير أن هذه المحكمة نفسها قضت قبل يومين بحق الرئيس مشرف بخوض انتخابات الرئاسة ، رغم أن الدستور يقضي بأن يكون المرشح للمنصب الأول مدنياً .
يصعب الإلمام بتفاصيل ما يجري في الباكستان وهو بلد كبير يضم نحو مائة وسبعين مليون نسمة . وذلك رغم تفاني محطة "الجزيرة" في متابعة ما يجري هناك ، والإيحاء بأن ما يجري في هذا البلد بالذات ، سيقرر الكثير من مصير آسيا والعالم الإسلامي . وواقع الأمر أن هناك معارضة شديدة للحكم العسكري من أبرز رموزها نواز شريف المقيم في الخارج ، والذي تمت إعادته إلى الخارج في الطائرة نفسها التي أقلته إلى إسلام أباد ، وذلك بعد تهديده في المطار بتقديمه إلى المحاكمة بتهمة غسل أموال ..وكانت المحكمة الدستورية نفسها قد أقرت بحقه مع عائلته بالعودة ..
وقد استطاع مشرف شق حزب الرابطة الذي يقوده شريف ، وهو بالمناسبة حزب الاستقلال عن الهند عام 1947 ومؤسسه محمد علي جناح . وبات هناك جزء كبير من الحزب التاريخي يؤيد مشرف .
أما حزب الشعب بزعامة بتظير بوتو فقد عقدت اتفاقا مع مشرف على عودتها في الثامن عشر من تشرين اول المقبل وعلى تقاسم السلطة معه إذا ما تخلى عن بزته العسكرية .. وبعدما ضمن مشرف هذا التأييد ، انتزع حكماً المحكمة بأحقيته في خوض الانتخابات الرئاسية الأحد المقبل ومع احتفاظه بموقعه العسكري . وهكذا تم عمليا إضعاف شعبية بوتو ، التي انفردت باتخاذ موقف متفاهم مع الحكم .
وفي هذه الأثناء قام مشرف بمناقلات في المناصب العسكرية الرفيعة ، ضمن فيها وجود قيادات موثوقة مقربة منه في هذه المناصب العليا . بينما تتحشد قوى المعارضة في وجه الحكم ، وغالبية هذه القوى الدينية مثل "الجماعة الإسلامية " برئاسة القاضي حسين أحمد وجماعة "علماء الإسلام " بزعامة الأمير فضل الرحمن .
وقد اشتدت نقمة المعارضة بعد المواجهات في المسجد الأحمر ومسجد حفصة ، وكذلك على خلفية مشاركة الحكم الباكستاني في "الحملة على الإرهاب " . علما بان لهذه الحملة طابعاً محلياً صارخاً يتعلق بالوضع الداخلي . فبالنظر لمتاخمة باكستان لأفغانستان وتسلل عناصر من طالبان لمنطقة القبائل الحدودية ، فقد أدى ذلك لانتعاش وضع من التعاطف بل التداخل مع طالبان ، ولدرجة نشأت معها جماعة تدعى طالبان باكستان .
وذلك ما يفسر الارتباك الأميركي تجاه ما يجري في باكستان الإسلامية ، فهناك من جهة قبول بحملة مشرف وهناك من جهة ثانية صعوبة في تسويغ حكمه العسكري .والتحالف بين بوتو ومشرف لم يقيض له النجاح ، فمشرف يرغب في قيادة الجيش وقيادة عموم البلاد ، وكما كان عليه الحال طيلة السنوات الثماني الماضية من حكمه . والمعارضة تستند إلى دعاوي دستورية صحيحة ، لكنها ترغب في نهاية المطاف بإقامة حكم أصولي .
هكذا يبدو هذا البلد خليطاً متداخلاً ، من تشكيلات قبلية وحزبية ومن جماعات ومدارس دينية بلا حصر ، ومن عسكر مدمنين على السلطة ، ومن تجارب ديمقراطية جهيضة . والأيام المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد ومن استقالات لنواب المعارضة ، بعد ان تم اعتقال عشرات من رموز المعارضة ، علماً أن النواب هم طرف في الهيئة الناخبة ولا يشكلون عموم هذه الهيئة ، التي تضم ممثلين منتحبين عن الأقاليم الأربعة .
mdrimawi@yahoo.com
29 ايلول, 2007
ما الحكمة من طمس الفوارق ؟
محمود الريماوي
من طبيعة الأمور أن تشارك سائر الأحزاب في الانتخابات النيابية التي يقترب موعدها . فهذا الاستحقاق يمثل فرصة ليس فقط للتواصل مع الجمهور ، واحترام المؤسسات الدستورية والسعي للانضمام لها ، بل هي كذلك فرصة للإرتقاء بالتمثيل الشعبي بما تشكله الأحزاب من أطر حديثة ومتطورة نسبياً .
يستذكر كثيرون فترة الخمسينات بما لها وعليها ، مع خلاصة أساسية وهي أن الحياة الحزبية نجحت آنذاك في تطوير المجتمع وفي تعزيز الوحدة الوطنية .يصعب تكرار التجربة بمجرد إبداء حسن النوايا أو إبداء الطموح لذلك أو تقديم تسهيلات حكومية ..غير أنه لا مناص من دور للأحزاب في تطوير الحياة النيابية، رغم أنها أي الأحزاب وفي معظم الحالات لم تتطور كثيراً ، عما كانت عليه قبل أكثر من خمسين عاماً .
تبدي سائر الأحزاب ذات الوجود خارج مقراتها استعدادها للمشاركة ، وقد انضمت جبهة العمل فأبدت مؤخراً مثل هذا الاستعداد . وما يسترعي الانتباه أن أجواء الحملة الانتخابية التي بدأت قبل موعدها الرسمي والقانوني ، لا توحي بجدل بين أحزاب الوسط واليمين واليسار كما هو الحال في التجارب الحزبية .فالجدل محصور في الاقتراب من الحكومة أو الابتعاد عنها . وهو أمر يستحق أن تطرح الآراء حوله ، لكن حيوية التعدد الحزبي تبدو غائبة .
ثمة أحزاب متباعدة أيديولوجياً ، تتقدم باعتبارها قبيلة واحدة ذات أفخاذ متعددة !
طمس الفوارق لا يفيد في إغناء التجربة . وهو ليس من خصائص الحياة الحزبية والسياسية المتطورة ، التي تقوم على التنوع وتمثيل تعددية المجتمع . وتقوم خلال ذلك على نشر الثقافة السياسية ، وتحديد الخصائص وبلورة الرسائل والخطابات الحزبية . ولو لم يكن الأمر كذلك فما هو مبرر نشوء أحزاب يسارية ومحافظة ووسطية وقومية وسواها ، إذا كان هدف حزبيين ورموز سياسية هو التمويه على الفروق ؟ .
على علم المرء تنشأ الجبهات الوطنية العريضة في ظل حالات الحروب والاحتلالات ، لكنها لا تقوم بصيغتها الفضفاضة والدائمة والثابتة في أزمنة السلم والاستقرار ، وفي عهود يتم فيها التطلع لتعزيز تجربة ديمقراطية ، ولاجتذاب شرائح مختلفة من الجمهور ، وفي التنافس المفترض حول الصيغ الحزبية الداخلية ،وعلى تحديد مفاهيم النهوض والارتقاء والتقدم ، وأدوات تحقيق هذا الطموح .
وهكذا وإلى جانب اعتماد أحزاب على النفوذ الشخصي لزعاماتها في المعركة الانتخابية ، حتى يصح نسبة الحزب ل"صاحبه " وليس العكس ، وإلى جانب إخفاء مرشحين كثر لهويتهم الحزبية مخافة الإخفاق واعتبار هذا الإخفاء شرطا للفوز المأمول ، فإنه تبرز واقعة أخرى متصلة وهي محاولة تكتل أحزاب ، التشديد على أن لا شيء في الرؤى والطروحات ، يميز حزباً يسارياً أو قومياً مثلاً عن حزب آخر محافظ ! ، بما يدلل في النتيجة على أوجه قصور وضعف ، تكاد تسلب من المشاركة الحزبية معناها وجدواها .
وبالمناسبة فإن التحشد وعلى هذه الطريقة يكاد لا يحدث إلا عندنا . علماً أنه لم يكن الحال عندنا في الخمسينات على هذه الصورة ، فقد كان القوميون يفلحون في تطهير الفوارق عن الاشتراكيين وهؤلاء عن الإسلاميين الى آخره. ولا شك أن ذلك هو في مقدم الأسباب التي تجعل الجمهور المسيس ينفض عن الأحزاب . والخشية أن لا تؤدي المشاركة الحزبية المنوه بها إيجابياً ، للغرض منها في الانتخابات للمجلس الخامس عشر ، وذلك وسط هذه المعمعة من التشابه والتماثل في الخطابات تحت مسمى المعراضة وكأنها يجب أن تكون بلون واحد وتذهب في اتجاه واحد ، مع اختلاف في الوجوه فقط .
mdrimawi@yahoo.com
28 ايلول, 2007
الانترنت بطبيعته غير قابل للضبط
محمود الريماوي
القرار بإخضاع ما ينشر على الانترنت محلياً ، لقانون المطبوعات والنشر جاء مفاجئاً ، فالأردن ليس من البلدان التي تضع رقابة على الشبكة العنكبوتية ، ولا هو من الدول التي يجري تصنيفها وتسميتها "معادية للانترنت " . ويكاد المرء يكون على يقين ، بأن هذا الوضع لن يتغير ، فذلك يتماشى مع التوجهات الرسمية الأساسية ، بالتواصل مع مخرجات تكنولوجيا الاتصالات والميديا ، بغير تقييدات تذكر .
حدثت تجاوزات وتحدث مثلها وأكثر في كل مكان في العالم .غير أن الضرر يظل أقل من ذلك الذي ينجم عما تنشره المطبوعات الورقية ، وما تبثه الإذاعات ومحطات التلفزة . الضرر أقل ، بسبب الإدراك العام بأن للإنترنت إلى جانب مزايا الفضاء المفتوح والذي لا حدود له ، فإنه كذلك قابل لأن يتسم بالارتجال والعشوائية ، وحين يجري استقبال ذلك المنتوج بهذا الإدراك ،فإن التأثير يصبح أقل ويكون إذا حدث آنياً وكما يحدث في ميادين الخطابة المفتوحة ، حيث يختلط الجد بالهذر بالاستعراضات الذاتية للمتحدثين ، كما في حديقة هايد بارك الشهيرة .. وبالمناسبة فقد كانت هناك نية حكومية معلنة ، باستحداث فضاء كهذا عندنا في الأردن .وليس معلوماً ما مصير هذه الفكرة ..
ليس التسبب بالإيذاء الشخصي أو العام مقبولأ على أي وجه . فهنا يحق للأشخاص المتضررين كما للحق العام التحرك . وهنا يبدأ التحدي القانوني : التحرك لإنفاذ أي قانون ؟ .
الجواب : التحرك تحت سقف قانون المطبوعات والنشر ، فهو الأقرب إلى طبيعة عملية التقاضي هذه . الأقرب حقاً .. لكنه لم يصدر لتنظيم ما يبث على الانترنت وبما يتفق مع طبيعة وسيلة البث والنشر هذه . وإلا لكان على من يرغب بتخصيص مدونة له أن يتحصل على ترخيص . وكذلك لمن أراد الانضمام إلى أحد المنتديات الالكترونية ( أحدها يضم عشرات الآلاف من الأردنيين ) ، أو شاء التحاور عبر غرف المحادثة ( التشات ). . وهو أمر غير قابل للتصور منطقياً أو التطبيق عملياً .
هناك فراغ قانوني حول هذه المسألة ، وليس من المتيسر أن يُملأ بمجرد الاستناد إلى قوانين سارية .فمن لا يتاح له النشر في هذا الموقع لسبب من الأسباب ، بوسعه الانتقال إلى موقع آخر باللجوء لبضع نقرات فقط . والمواقع تتكاثر وتتناسل بلغات شتى ، وبصورة تفوق قدرة أي فرد أو مجموعة ، مؤسسة أو هيئة على الرصد والمتابعة . هذا هو عالم الانترنت بمرونته الهائلة .. بل ذلك هو غيض من فيض هذا العالم ، الذي لم يحسب له أحد حساباً في العالم المتقدم .
أعداد بلا حصر من البشر يتحاورون ويكتبون وكل منهم يقرأ ويتابع ويشاهد ويستمع، لطرف أو نزر يسير من مشتملات هذا العالم . وتؤدي الوفرة التي لا يحدها حد ، لإشباع الفضول وغريزة المعرفة لكنها تولد قوة سلبية موازية : قوة النسيان ، فالتزاحم الهائل يدفع الذهن المتلقي للاستزادة وللشطب من الذاكرة ، كوسيلة دفاعية للذهن أمام التدفق .
هذا هو المقصود بعشوائية واختلاط هذا العالم .لكن ذلك لا يمنع أطرافاً سياسية وغيرها في عالمنا لاستخدام هذه الوسيلة على أكثر من وجه لخدمة مصالحها وتحقيق أهدافها . وبذلك تحول الانترنت إلى ميدان لمواجهات إعلامية وحروب نفسية . كما بات مصدرا للأخبار ينافس وكالات الأنباء .
هناك إذن حاجة لملء الفراغ القانوني، ويمكن الإفادة من خبرات وتجارب دول متقدمة لإنجاز هذه المهمة ، إذا كان ممكنا إنجازها على الوجه المتوخى الذي يحفظ حقوق جميع الأطراف .
mdrimawi@yahoo.com
25 ايلول, 2007
طبول الحرب وحشرجة السلام
محمود الريماوي
أمام المأزق العراقي تبدو واشنطن مؤيدة هذه المرة من باريس ، وكأنها تنتهج نهجاً "متوازناً" أو متكاملاً : تقوم بممارسة الضغوط ولدرجة التلويح بالحرب على إيران ، وتعد في الوقت نفسه مؤتمر لسلام الشرق الأوسط .في الضغط على طهران يتم التهديد بتحجيم الطموحات النووية الإيرانية ، وتقليص التمدد في العراق ، فيما يتم عبر مؤتمر الخريف إرساء بيئة سياسية مناسبة تحد من تغذية المقاومة والعنف في العراق ، عبر تقديم صورة جديدة للولايات المتحدة ، بوصفها منحازة للسلام لا للاحتلال الإسرائيلي فقط ! .
هذا التكامل يشكو من أكثر من عطب . فالحملة على الملف النووي الإيراني ، انكشفت أهدافها في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جنيف : فقد رفضت واشنطن مشروعاً لجعل الشرق الأوسط منطقة نظيفة من أسلحة الدمار الشامل ، بهدف تمكين تل أبيب من الإنفراد بامتلاك هذه الأسلحة ، ومنع أي طرف آخر من التفكير بامتلاكها . هذا الموقف غير المسؤول لا ينعكس إيجاباً على المعضلة في العراق ، ولا يدعم الحملة على الملف الإيراني . بل هو على العكس يمنح مسوغات كافية للطموحات الإيرانية ، ويعزز تطلعات الجار الإيراني لتعزيز نفوذه لدى جاره العراق ، ويقوي روابط أطراف عراقية نافذة بالجمهورية الإسلامية ، علاوة على "الحاجة الأصلية "لهذه القوى لإقامة توازن في ارتباطها بكل من الولايات المتحدة وإيران .
مؤتمر الخريف مهيأ حتى الآن للفشل ، بفضل الغموض غير البناء في مواقف الطرف الداعي حول الأهداف الفعلية للمؤتمر .الحملة على إيران أشد وضوحاً بكثير ، من مرامي هذا المؤتمر . وإذا استمر الموقف الملتوي على حاله ، بعدم الرد على التساؤلات فسوف يثير ذلك المزيد من الشكوك ، وقد يؤدي لمقاطعة المؤتمر من أطراف أساسية .ولا يفيد تسرب أنباء حول دعوة سوريا ولبان للمؤتمر العتيد ، فالمهم هو تبيان ما إذا كانت واشنطن تريد حلولاً جدية وجوهرية ذات برنامج زمني ملزم ، أم أنها تسعى لحلول جزئية ومؤقتة ، واستدراج دول عربية للتطبيع مع تل أبيب كمكافأة لهذه الأخيرة ، على استمرار استيلائها على الأراضي العربية وإنكارها للحقوق الفلسطينية الأساسية في الحرية والاستقلال .
إن قرع طبول الحرب ضد إيران مع تزايد استعراضات القوة الإيرانية ، هو الحدث الطاغي المرتسم في أفق المنطقة ، والذي تلخصه عبارة قال بها أحدهم: إما أن تكون هناك قنبلة إيرانية ، أو قنابل على إيران ..مع أن طموح شعوب المنطقة أن لا تكون هناك قنابل أو تهديد بها لدى أي طرف . لا طهران ولا تل أبيب ، ولا دينامية فرنسية مفاجئة تتجه وجهة واحدة وترمي للتطابق مع واشنطن .
قد لا تقوم المواجهة بعد شهر أو شهرين أو سنة ، ويتمنى ويدعو المرء أن لا تنشب أبداً ، غير أن استمرار التوتير والتصعيد في الأثناء ، يسخن الأجواء أكثر في بلاد الرافدين ، ويبعد طيف السلام أكثر عن الديار الفلسطينية المقدسة .
وفي نهاية المطاف فالفشل في العراق لا يواجه بمغامرة عسكرية جديدة ، محفوفة بكل أنواع المخاطر وتنقصها المشروعية . الرد الصالح والوحيد هو توطيد فرص السلام وإخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة ، وإقامة تسوية في فلسطين تستند إلى الشرعية الدولية ، لا إلى أطماع الإحتلال ومناوراته ، وتطمين الأميركيين والعراقيين بنهاية قريبة لاحتلال العراق ، على أن يملأ العراقيون وحدهم "الفراغ " .
mdrimawi@yahoo.com
24 ايلول, 2007
جُن جنونها
محمود الريماوي
عقد مؤتمر لوكالة الطاقة النووية في جنيف .المؤتمر ضم 144 دولة تمثل نحو سبعين بالمئة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة .بينما هناك مجلس محافظين للوكالة بمثابة أمانة عامة يضم 11 دولة يجري تبديل بعضها دورياً حسب التقسيمات الجغرافية . بين هذه الدول الممثلة في المجلس مصر , وقد انضمت المملكة العربية السعودية للمجلس في هذه الدورة التي تعقد كل عام .
وفي توقيت مناسب بل دقيق تقدمت مصر ، بمشروع يدعو لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل ، ويحرم حيازة وتطوير منشات وأسلحة نووية .حظي المشروع بموافقة 53 دولة ورفض دولتين هما بالطبع : الولايات المتحدة والدولة الاسرائيلية . وامتنعت 47 دولة عن التصويت شملت سائر الدول الأوروبية بما فيها ..فرنسا .( إيرلندا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي أيدت القرار ) . كما صوتت لصالح مشروع القرار اليابان والصين وروسيا والهند ، وهي دول تستحق رفع القبعة ( ممن يرتديها ) تحية لهذه الدول .
تل أبيب جن حنونها لهذا القرار . فهي تطمح لأن يفقد العالم عقله وأبصاره ، فلا ينتبه ولا يعي أن الدولة الإسرائيلية هي الوحيدة التي تمتلك هذه الأسلحة .ونقل مراسلون أن المندوب الإسرائيلي شتم الحاضرين واتهمهم بالكذب ، واستغل استخدام بعض الدول لتعبير الكيان الصهيوني لشن حملة ،وذلك في أسلوب صهيوني تقليدي للتلاعب بالعقول ، وحرف النقاش عن مجراه الأصلي .
إعادة تركيز الضوء على انفراد الاسرائيليين بالأسلحة المدمرة ، أمر فائق الأهمية في هذا الظرف بالذات حيث ترتفع أصوات فرنسية إلى جانب الأصوات الأميركية ، بالتهديد بإشعال مواجهة مع إيران على خلفية برنامجها لنووي . بما يزكي مخاوف من أن تنهج باريس في عهد ساركوزي ، نهجاً أميركياً يعوض خسارة توني بلير على رأس الحكومة البريطانية .
قرار وكالة الطاقة النووية يفيد في مضمونه وفخواه ، ان هناك دولاً أخرى وسابقة على إيران تمتلك هذه الأسلحة . هذا الانكشاف المتجدد تخشاه تل أبيب وواشنطن خشية شديدة . ولذلك لم تتوان الدولتان عن الاعتراض على مطلب منطقي وموضوعي ، مثل جعل منطقة الشرق الأوسط نظيفة من أسلحة الدمار . لا يريدانها خالية ونظيفة مخافة "حرمان" الدولة العبرية من تهديد عشرات الدول وأولها جيرانها .
الموقف الأوروبي السلبي بالامتناع عن التصويت ، يدلل أن الاتحاد الأوروبي ما زال عاجزاً عن انتهاج سياسة كونية مستقلة عن الاستراتيجية الأميركية ، رغم التباينات هنا وهناك مع واشنطن ، ورغم مجمل الخطاب الأوروبي ذي النزعة الإنسانية ، والداعي ضمناً أو جهراً للتعددية على المسرح الدولي .
في النتيجة فإن الحملة على الملف الإيراني تفقد صدقيتها ، ما دام مطلب إخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة ، لا يحظى بموافقة المعترضين على هذا الملف . بينما الموقف الصائب يتعين أن يستند إلى الاعتراض على الملف الإيراني ، ضمن توجه جدي ومبرمج لإخلاء المنطقة من هذه الأسلحة .
ما زال هناك خضوع ظاهر للابتزاز الاسرائيلي الأميركي .. والخشية أن يكون الأمر أسوا من ذلك ، ويقوم على التواطؤ مثلاً . وقد كان وما زال يؤمل أن تتخذ باريس موقفا أكثر نزاهة ، بالنظر لدورها "التاريخي " في بناء أول مفاعل في ديمونا . لكن ذلك لم يحدث حتى الآن . مما يقود إلى استخلاص لا مناص منه للأسف ، وهو أن الحملة على إيران في جانب أساس منها ، تهدف للتغطية والتمويه على تل أبيب ،وتمكينها من الانفراد بما هي منفردة به .
mdrimawi@yahoo.com
23 ايلول, 2007
هكذا يتهيأون للمؤتمر محمود الريماوي
استغل إيهود أولمرت زيارة رايس وبدء الانشغال بمؤتمر الخريف ، ليسجل نقطة جديدة لصالح سلطة الاحتلال حين اعتبر قطاع غزة كيانا معاديا . أراد انتزاع أو استدراج موقف مؤيد لطرحه هذا ، كيما يسهل من جهته ترتيبات عقد المؤتمر . الزائرة رايس عبرت عن موقف قوامه أن واشنطن ، تعتبر حركة حماس منظمة معادية ولكن دون المساس بأبناء القطاع . ليس هناك جديد في موقف الوزيرة وإدارتها ، سوى محاولتها الالتقاء مع مضيفها في منتصف الطريق .
أما الجديد حقاً فهو رفض الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ل "الفكرة "، والموقف المتميز والسريع الذي عبرت عنه كل من الأردن ومصر الرافض لهذا الطرف والمحذر منه . فالمقصود هو المزيد من إطلاق يد سلطة الاحتلال الغاشمة للفتك بالمدنيين وإغراق القطاع في المزيد من البؤس ، علاوة على تشديد الحصار الجوي والبري والبحري عليه ، مع الزعم بان هذا "الكيان الناشىء مستقل " وهو يعادي الدولة الإسرائيلية معاداة دولة لأخرى .
إنها مطالب وأولويات يفتعلها المحتلون ، لتوجيه مؤتمر الخريف قبل أن يعقد ، في وجهة بعينها فبدلاً من العمل على إنهاء الاحتلال وإحلال السلام الموعود ، يتم الانشغال بالوضع داخل قطاع غزة .رغم أن حركة حماس أعلنت التهدئة قبل أيام . وفي نهاية المطاف فأن أمر هذه الحركة يظل شأنا داخلياً فلسطينياً ، كما هو حال منظمات وأحزاب إسرائيلية يمتدحها المرء إذا ما اقتصر على وصفها بالمتشددة ..
وهكذا ففي الوقت الذي تنشغل فيه أطراف إقليمية ودولية بفرص السلام مع السعي لجعلها فرصاً جدية ، فإن المدعو أولمرت يبحث عن ذرائع لشن المزيد من الحروب ، ويرغب في حمل العالم على القبول بهذه الأجندة الدموية .وبما يمنحه رخصة إضافية كي يشن الاجتياحات على إيقاع التحضير لمؤتمر الخريف ، وبالتواكب مع الإعداد له وربما مع انعقاده .
يدلل ذلك على سوء نوايا وعلى فساد التجاوب مع التحضير لعقده . علما أن هذا الشخص نفسه عبر قبل أيام عن استعداده لإصدار بيان مشترك أو بيان عام في ختام المؤتمر . والقصد تجنب صدور أي اتفاق ملزم ، خاصة إذا اقترن ببرمجة زمنية وآلية دولية للمراقبة والتنفيذ . وقد أضاف لذلك رغبته بحضور عربي واسع في المؤتمر .والهدف هو دفع الأطراف العربية لشكل من أشكال التطبيع مقابل صدور بيان مشترك ، يضاف إلى مئات البيانات السياسية التي صدرت عن محافل دولية .
على هذا النحو يتم العمل من جانب حكومة الاحتلال ، على تجويف المؤتمر قبل أن يعقد .فلا يعقد من اجل التقاط الصور وإنما من اجل إصدار بيان عام ! .وبوسعهم اختراع المزيد من الذرائع ، ما دامت التعديات الجسيمة التي يرتكبونها تمر بغير أصداء أو ردود فعل تذكر . فقد تحول الصراع مع القوة المحتلة إلى نقاش لا ينتهي معها . أما ممارساتها الوحشية على الأرض وضد البشر ، فهي من قبيل السلوك الروتيني الذي لا يستحق التوقف عنده ولا جديد فيه يلفت النظر ! .
بهذا يتواصل السجال معهم مع شعورهم بحرية الحركة ، لتقويض ما تبقى من ركائز لقيام الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة ، وخلال ذلك تتواصل محادثات ومباحثات تمهيداً لمؤتمر قد يعقد أو لا يعقد ، وإذا عقد فسوف يسعون هم لتحديد معايير نجاحه أو فشله، ومن يرفض ذلك فإن باب النقاش مفتوح إلى ما لا نهاية . المهم ان لا يتغير شيء على الأرض .
mdrimawi@yahoo.com
21 ايلول, 2007
طهران والقاهرة : أي جديد ؟
محمود الريماوي
لا شك أن الإعلان عن مباحثات إيرانية مصرية في القاهرة ، هو خبر يحمل قدرا من المفاجأة . فقد جاءت زيارة مساعد لوزير الخارجية الإيراني للقاهرة ومباحثاته مع مسؤولين في الخارجية المصرية ، في وقت كانت تتصاعد فيه نبرة هجومية على طهران عبر عنها على الخصوص الوزير الفرنسي برنار كوشنير ، قبل أن يقوم بتخفيف لهجته التصعيدية . في أثناء زيارة له إلى موسكو .
الراجح أن استقبال المبعوث الإيراني في العاصمة المصرية لم يكن يقصد منه إعلان شكل من أشكال التضامن مع طهران . فالقاهرة تقف كبقية الدول الخليجية والعربية ضد إشعال حرب جديدة في المنطقة وضد استهداف إيران عسكرياً ، وليس هناك من تغيير أو جديد في هذا الموقف . علماً أن الزيارة تمت بناء على طلب إيراني .ومع ذلك فقد تحدثت مصادر في الخارجية المصرية بان لقاء القاهرة يمهد للقاء ثنائي على مستوى وزاري بين الوزير أبو الغيط ومنوشهر متكي في نيويورك ، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ..
والبادي أن القاهرة وفي غمرة التصعيد حيال الملف النووي الإيراني ، والصراع الأميركي الإيراني شبه المكشوف على العراق ، باتت في ظل هذه الظروف منفتحة على تنشيط الاتصالات مع طهران ، وقد يؤدي الأمر أو لا يؤدي إلى تبادل قريب للسفراء بين البلدين .إلا أن الاتصالات في سبيلها للاستئناف وهي محكومة بسخونة الوضع في المنطقة .
يذكر هنا أن العلاقات مقطوعة بين البلدين منذ سبعة وعشرين عاماً ن وقد بادرت طهران حينذاك إلى قطعها بعد انتصار الثورة الإسلامية ، وقامت بتسمية أحد شوارع طهران الرئيسة باسم خالد الإسلامبولي ، أحد عناصر الجهاد والمتهم باغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات .
والآن وفي ظروف مختلفة ، فإن طهران ترغب فكما يبدو بدعم مصري لموقفها "النووي" ، وذلك مع تمتع مصر بمقعد في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة النووية . وربما أن طهران تعول على كون رئيس الوكالة البرادعي مصرياً ، وهو الذي يشدد على وجوب تعاون طهران مع الوكالة وعلى عدم التصعيد ضدها أو تسييس هذا الملف .
بينما تنظر القاهرة بحذر بالغ إلى التمدد الإيراني في العراق عبر أكثر من ذراع ، وفي فلسطين عبر حركة حماس ، وفي لبنان عبر حزب الله .وقد سبق للوزير أبوالغيط أن صرح عقب انقلاب حماس في غزة أواسط حزيران الجاري ، بأن طهران تقف وراء ما جرى هناك وذلك في أوضح موقف مصري من نوعه حيال المطامح الإيرانية .
لا يمنع ذلك من استئناف الاتصالات وفتح قنوات حوار ، وحتى تبادل السفراء ضمن ترتيبات مناسبة . فواقع الأمر أن سائر الدول العربية تقيم علاقات دبلوماسية مع طهران ، رغم أن العديد منها لا تكتم تحفظاتها على جوانب في السياسية الإيرانية ، وخاصة بناء نفوذ شبه علني لطهران في قلب المشرق العربي . علاوة على تلك العلاقات الإيرانية ذات الطابع "العقائدي" وغير المعلنة ، مع مكونات وشرائح اجتماعية هنا وهناك .
وفي جميع الأحوال وفي غمرة مسعى القاهرة لتجديد دورها الإقليمي في المنطقة ، فهي تسعى كما هو بادٍ للوصول إلى توازن بين الاعتبارات الدبلوماسية من جهة ، والمحددات السياسية والاستراتيجية من جهة ثانية ، وذلك للحد من التنافس الأميركي والإيراني وعموم التدخلات الخارجية ، والتذكير بوجود كتلة عربية معنية بأوضاع المنطقة وصاحبة قول فصل فيها .
19 ايلول, 2007
تلويح آخر بمقاطعة "الخريف" !
محمود الريماوي
عشية زيارة جديدة لكونداليزا رايس ، لوحت مصادر فلسطينية بعدم الاستجابة للمشاركة في مؤتمر الخريف ، إذا لم تضمن التحضيرات للمؤتمر، إطلاق عملية سياسية حقيقية .
إنه خبر جيد فالطرف الفلسطيني هو المعني أولاً بهذا اللقاء أو الاجتماع ، ومن الطبيعي والواجب أن يكون أكثر الأطراف حرصاً على عدم منح غطاء للقاء صوري وشكلي ، لا يؤدي الى تقييد سلطة الاحتلال في ممارساتها التوسعية والدموية ، ويلزمها بالاستجابة لعملية سياسية فعلية ذات أمد زمني قصير .
خبر جيد ، فمن الطبيعي أن يواصل الإسرائيليون استراتيجية الخداع وكسب المزيد من الوقت، ومن الواجب رفض هذه السياسة بصورة مبدئية وحازمة . يجدر بالملاحظة ان إيهود أولمرت دأب على إطلاق تصريحات تفيد بضرورة "عدم رفع التوقعات بشان النتائج المتوقعة للقاء الخريف" . والمقصود بذلك هو التمويه على الاستراتيجية التي يتبعها ، والتي تقضي بعدم التقدم الى الأمام ، مع الإيحاء المضلل بأنه لا يد له ولحكومته في تبديد فرص السلام .
الوزيرة تسيبي ليفني تطلق تصريحات مماثلة بين آونة وأخرى ، لتكريس انطباع مسبق بعدم انتظار شيء من اللقاء ، وذلك ل" لفجوة القائمة بين الطرفين" والتي تعود أي الفجوة لأسباب ميتافيزيقية أو فلسفية ! وليس لرفض سلطة الاحتلال ، الاستجابة لأحكام الشرعية والقانون الدولي .
(بالمناسبة فقد أولمت ليفتني الاثنين لممثلي أطراف عربية وإسلامية ووضعت إلى يمينها ويسارها كلا من سلام فياض ووزير الإعلام رياض المالكي . ويبدو أن الرجلين تفاديا إحراج المضيفة بعدم الاستجابة للدعوة ، رغم أنه صودف أن اليوم نفسه شهد استشهاد ثلاثة فلسطينيين واعتقال 13 . هكذا تكون الخطوات الرمزية وإلا فلا : الإفطار مع ليفني بدلاً من مواساة أسر الشهداء )..
وبعيداً عن هذه الشطارة المقيتة ، فالمرجو أن يتماسك ويثبت الموقف ، بعدم الانسياق وراء مؤتمر هو في أجود الأحوال وحتى الآن غامض الأهداف . ذلك أن حكومة الاحتلال تتصرف باعتبار أنه ليس من الصعوبة بمكان التغرير بالسلطة الفلسطينية ، وان الرئيس عباس ضعيف لدرجة أنه لا يميز بين الأوهام والوقائع . من المهم تفنيد هذه الانطباعات عملياً وباعتماد موقف مبدئي حازم يجري الاتفاق عليه وصياغته ، بين محتلف مكونات منظمة التحرير وكذلك الشخصيات المستقلة .
يسترعي الانتباه الآن أن التلويح بمقاطعة لقاء الخريف ، هو الموقف الثاني من نوعه . فقد سبق للأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي ، أن عبر عن موقف مماثل باسم بلاده في الأسبوع الماضي ، بما يقطع على عملية بروباغندا محتملة ، يراد بها تمكين الاحتلال من إدامة وجوده في ظروف مريحة ، وعبر الإيحاء بأن الأطراف العربية المعنية تقبل بلقاء يقتصر على إطلاق الوعود والتغني بالسلام ، ولا يلزم الإسرائيليين بشيء ! .
ومع ملاحظة المواقف المبدئية التي عبرت عنها وشددت عليها ، كل من الأردن ومصر في الأسابيع القليلة الماضية ، حول وجوب أن يتمتع المؤتمر بالجدية الكافية ، والتوصل إلى نتائج ملموسة والتحذير من مغبة إفشاله ، فإن حصيلة ذلك هي ارتسام موقف عربي واضح يتصدى مسبقا للمناورات الإسرائيلية ، ويجمع هذا الموقف بين التعاطي الإيجابي مع الدعوة ، وبين رفض إفراغ اللقاء المنتظر من فحواه ومن محتواه السياسي ، والإصرار على إنجاحه بجعله بوابة لعملية سياسية جدية .
mdrimawi@yahoo.com
18 ايلول, 2007
باريس وطهران وتل أبيب
محمود الريماوي
على الأغلب أن وزير الخارجية الفرنسي كوشنير ، سوف "يصحح " كلامه الذي نسب إليه أمس الأول الأحد ، ودعا فيه ل " الاستعداد للأسوأ ..للحرب مع إيران " بسبب برنامجها النووي .
فإذا كان رئيس الدبلوماسية الفرنسية يرى في التصريح نفسه ، أن الهزيمة قد تحققت للولايات المتحدة في العراق ، فهل تراه يرى أن النصر بات محتماً ومؤكداً في حرب مع إيران ؟ .
السجال مع إيران لن يثمر ما دام يلتزم المقاربة الأميركية للملف النووي . فهذا البلد يقع في إقليم آسيوي تضم بعض دوله وهي الهند وباكستان منشات نووية .إضافة لانتماء إيران لمنطقة الشرق الأوسط حيث تملك الدولة الإسرائيلية العظيمة مثات الرؤوس النووية . إذا كان الساسة الغربيون يرغبون متعمدين تجاهل هذه الوقائع ، فالرأي العام يضع هذه الوقائع نصب أعينه . الطريقة الأميركية لا تفيد بل إنها تنذر بكوارث لا غير .حتى أن وكالة الطاقة الذرية برئاسة البرادعي استهولت التصعيد .
أجل إن إيران سائرة على طريق تطوير قدراتها النووية . من الأفضل التفاوض معها ليس حول هذا الملف فقط ، بل حول تعزيز الفرص السلمية في المنطقة ، والعمل على إخلائها من أسلحة الدمار الشامل . ومهما برع ساسة غربيون في الكلام فإنهم لا يفلحون في التغطية على الوقائع : لقد سمحت الولايات المتحدة عملياً ومنذ عقود بسباق نووي . فلماذا الانتقائية بقصر الاحتجاج على دولة بعينها دون سواها ؟ . هذا سؤال يردده الجميع في منطقتنا . ألأن إيران محكومة بمجموعة متشددة ؟ ومن قال إن دولة الاحتلال الاسرائيلي غير محكومة بمتطرفين دمويين .. لو كان الأمر غير ذلك ، لما استمر احتلالهم لأراضي الغير لأربعين عاماً متصلة ، كيف يتم غض النظر عن امتلاك دولة تمارس احتلالاً وحشياً لأسلحة نووية ؟ هذا لا يبرر لإيران امتلاك هذه الأسلحة .. حسناً ما الذي يبرر لتل أبيب أن تدخل خلسة إلى النادي النووي نادي الكبار ، سوى الابتزاز الإسرائيلي ، والتواطؤ أو الخضوع الغربي لهذا الابتزاز ؟ .
منشآت إيران تحمل تهديداً لدول الخليج القريبة . ذلك صحيح . وبناء عليه يتعين الالتفات إلى تهديد المنشآت النووية الإسرائيلية للدول القريبة من الدولة العبرية .
ما سبق ليس خارج الموضوع ، بل في قلبه وفي صميمه . ليست هناك أسلحة نووية طيبة ومفيدة ، حتى لو كانت في أيدي عقلاء طيبين ، فكيف إذا كانت في أيدي أصوليين يناصبون العالم العداء ، إذا ما تمت دعوتهم لاحترام الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي أو لمجرد الدعوة لوقف جرائم القتل اليومي ، كما هو الحال مع السادة في تل أبيب ؟ .
ليس ما تقدم دفاعا أو تبريراً عن امتلاك محتمل لهذه الأسلحة من طرف الجمهورية الإسلامية ، ولكنه ببساطة دعوة لشمول الهند وباكستان ، والدولة اليهودية ( كما يروق لزعمائها أن يعرفوا دولتهم ) بالسعي الدولي لنزع أسلحة الدمار الشامل . سوى ذلك فلسوف يتم تكرار الأخطاء ذاتها التي ارتكبت في الحملة على الإرهاب ، وذلك بفصل الإرهاب عن البيئة السياسية ، والتمييز بين إرهاب وآخر بمكافحة أحدهما وغض النظر عن الآخر .
الراجح أن كلام كوشنير عن "الأسوأ " يراد به ممارسة مزيد من الضغوط على طهران، وليس بالضرورة قرع طبول الحرب بالمعنى الحرفي للتعبير . الأفضل السعي لدى واشنطن لوضع استراتيجية خروج من العراق ، استجابة لمطالب سبعين بالمئة من الأميركيين ،مع ضمان أن يملأ العراقيون وحدهم "الفراغ " ، والتجند بغير تأخير إضافي لوضع وتطبيق استراتيجية سلام في فلسطين ، وذلك هو وحده الكفيل بتغيير المعادلات والأولويات ، والإنطلاق نحو إخلاء المنطقة من الأسلحة الفتاكة . فمن حق شعوبنا أن تنعم بالسلام الذي يتمتع به الفرنسيون .
mdrimawi@yahoo.com
17 ايلول, 2007
رؤساء تحرير إلى السجن !
محمود الريماوي
الحكم بسجن أربعة رؤساء تحرير صحف مستقلة في مصر أثار ضجة متوقعة وكبيرة : فالحكم بسجن صحفيين لأسباب تتعلق بمهنتهم أمر قليل الحدوث بل نادر ، في العالم المتقدم الذي نطمح للحاق به . وفي العادة يتعرض صحفيون للسجن إذا تعرضوا ، لأسباب أخرى لا تتعلق بالمهنة ، وحيث التعويض المالي هو المتبع والمعهود في الحالة الأخيرة .
الزملاء الأربعة هم من الجيل القيادي الشاب ( نسبياً ..) وهم : ابراهيم عيسى (الدستور ) وعادل حمودة ( الفجر ) وعبدالحليم قنديل (الكرامة ) ووائل الأبراشي (صوت الأمة ) .
الحكم يقضي بالسجن على الأربعة لمدة عام ، مع غرامة قدرها عشرون ألف جنيه لكل منهم، ولا داع لذكر المبلغ محولاً إلى الدولار فالجنيه جنيه في بلده .
هذه القضية المقلقة تثير الملاحظات التالية .
ـ الحكم ما زال في درجته الأولى وهناك فسحة لاستئنافه . والصحفيون الأربعة طلقاء حتى تاريخه ، وبكفالة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه مصري.
ـ حيثيات الدعوى تعود لنشر بعض هذه الصحف أخباراً تتعلق بصحة الرئيس مبارك ، وقد ذهبت إحدى الصحف ، إلى آخر حدود التكهنات في هذا المجال فتحدثت عن نفاذ قضاء الله ، مما يدخل في باب الأخبار غير الصحيحة ، بينما وصفت صحيفة أخرى الحزب الوطني الحاكم بأنه ديكتاتوري ، مما يندرج في باب الرأي .
ـ الأحكام صدرت وفق قانون المطبوعات المصري الصادر في العام الماضي . وإذا كانت هناك تحفظات وهناك منها الكثير، فينبغي أن تتجه للقانون الذي احتكم إليه القضاة ، لا إلى الأحكام التي أصدروها وفق القانون، وقد نال الزملاء أقصى عقوبة يتضمنها القانون .
ـ مبدأ التقاضي هو ما يطمح إليه الإعلاميون وغير الإعلاميين لإرسائه والاحتكام في دولة الحق والقانون ، للبت في النزاعات . في دول أخرى بلا حصر يتم تجاهل هذا المبدأ ، فتتولى السلطة التنفيذية منفردة الإجراءات وإصدار الأحكام وتنفيذها .
ـ في مصر لا يتردد قضاة المحاكم حين الاقتضاء ، في إصدار قرارات وأحكام لغير صالح السلطة التنفيذية .
ـ مصر هي في مقدم البلدان العربية ، التي تشهد حرية تعبير واسعة وراسخة تثير الإعجاب حقاً ، والتي تشمل سائر المطبوعات ، وعلى سبيل المثال فإن إصدار الكتب لا يقتضي موافقة إدارية مسبقة .من باب الإنصاف والموضوعية والدعوة للاستلهام ، أن يشهد المرء بهذا ، وذلك في مقابل الإشارة إلى تقييدات أخرى على إنشاء الأحزاب مثلاً .
في ضوء هذه الملاحظات ، فإن لكل امرىء أن يستخلص ما يشاء من انطباعات وأحكام ، حول هذه القضية المثيرة التي ما زالت تتوالى فصولاً. من الأفضل أخذ العلم بما سبق من حيثيات وأية حيثيات مكملة قبل إصدار التقديرات ، وبما يسمح بتفادي الأحكام المسبقة والمتعجلة.
وفي المحصلة فإن كفالة حرية التعبير والارتقاء بالمهنة الإعلامية ، يشكل رصيداً معنوياً وحضارياً لا غنى عنه ، لكل بلد ينشد التقدم . كما أن الاحتكام للقوانين والسعي لتطويرها وفق القنوات الدستورية ، هو ضمانة لنفاذ العدالة للإعلاميين وللمجتمع بأسره .
mdrimawi@yahoo.com
16 ايلول, 2007
إطلالة الفاتيكان
محمود الريماوي
زار مسؤولان عربيان في غضون أسبوع واحد ،مقر الفاتيكان بالقرب من روما والتقيا بابا الكاثوليك بندكيت السادس عشر . الأول كان نائب الرئيس السوري السيد فاروق الشرع ، والثاني كان الرئيس السوداني الفريق عمر البشير . هاتان الزيارتان تعكسان اعترافاً بالموقع المعنوي ، الذي يتمتع به بابا الفاتيكان رغم أنه أقل اهتماما بالشأن السياسي من سابقه . كما تمثل هاتان الزيارتان إقراراً بأن الأزمة الني نشبت في العام الماضي ، إثر محاضرة ألقاها البابا وتناولت علاقة المسيحية والإسلام بالعقل قد طويت . وتزداد دلالة هذا الأمر مع وقوع الزيارتين عشية شهر رمضان ، ثم في اليوم الثاني لشهر الصيام على التوالي للمسؤولين العربيين .
وإذا كانت زيارة نائب الرئيس السوري قد رمت إلى التخاطب مع مرجعية روحية غربية رفيعة المستوى ، بما يحد من تأثيرات التباعد السوري الأوروبي ، فإن زيارة الرئيس البشير رمت إلى تدشين أول زيارة يقوم بها رئيس سوداني لحاضرة الفاتيكان . علماً بأن زيارات البشير للعواصم الغربية عموماً محدودة .وقد بات واضحا أن القضية المثارة تتعلق بوضع إقليم دارفور في غرب البلاد .
يود السودان أن يحظى بدعم أوروبي ، انطلاقاً من إيطاليا لمبادراته السلمية إزاء متمردي الإقليم . خصوصاً أن اجتماعاً سوف تشهده طرابلس الغرب في السابع والعشرين من الشهر الجاري وبمشاركة الأمم المتحدة ، وسيكون الاجتماع بمثابة تفاوض مع المجموعات التي لم توقع اتفاقية سلام مع الخرطوم في أبوجا (نيجيريا) العام الماضي . ترغب السودان إذن بدعم أوروبي وبتعليق عقوبات اقتصادية عليها ، بعدما وافقت الخرطوم على قرار لمجلس الأمن في يوليو تموز الماضي ، يقضي بتشكيل قوة إفريقية دولية لحفظ السلام في الإقليم ، وذلك كبديل لقوات الاتحاد الإفريقي ، رغم أن جزء من هذه القوات سوف يشارك في القوة المختلطة .
السودان متفائل بأن تنفرج مشكلة هذا الإقليم عبر القوات "الهجينة" ولقاء طرابلس. وقد تعرض لحملة قاسية في الغرب طيلة السنوات الأربع الماضية ، وبعض هذه الحملات قادتها منظمات دينية ، وهو ما يفسر الحرص على زيارة الفاتيكان . وفي واقع الأمر أن المشكلة تركت تتفاقم وتتفاعل ، وجرى التقليل من شأن جوانبها الإنسانية وتداعياتها السياسية ، حتى أصبح التدخل الخارجي مفروغاً منه ، بل مرغوباً به في نهاية المطاف وذلك اتقاء للأسوأ .
ليس معلوماً ما الذي يسع البابا فعله ، لكن مجرد حدوث اللقاء يغير من الجو النفسي الذي يكتنف الأزمة ، خاصة مع الإعلان عن استعداد الخرطوم ، لوقف إطلاق نار فوري مع المتمردين لتسهيل نجاح اجتماع طرابلس .
وفي نهاية الأمر فإن مشكلة دارفور هي من المشكلات التي كان يفترض أنها "نافلة " ، غير أنها سرعان ما تفاقمت حتى باتت في صدارة المشكلات الإفريقية ، وحرمت السودانيين من التركيز على شؤون التنمية في الداخل ، وممارسة التأثير في الخارج ( مع العلم أن جهوداً سودانية بذلت وما زالت ، لتطويق الأزمتين اللبنانية والفلسطينية..) .
يستحق التنويه بعدئذ وبعيداً عن هذه المشكلة السياسية وسواها ، بمدلولات الالتفات السياسي من طرف مسؤولين عرب من العالم الإسلامي ، إلى مكانة الفاتيكان والتماس لقاء بابا الكاثوليك . من شأن ذلك وضع حد لخرافة صراع بين الأديان ، وبالذات بين الديانتين التوحيديتين الأكبر في عالمنا . فالجماعات المتطرفة وحدها في الغرب و في العالم الإسلامي على السواء ، هي من تسعر خلافات مزعومة وتسيس الدين ، وتعمل على تديين السياسة . ومن المؤسف أن ينساق من يفترض أنهم عقلاء وراء تلك الترهات .
mdrimawi@yahoo.com
15 ايلول, 2007
ظاهرة الغلاء والثقافة السائدة
محمود الريماوي
يخيل للمرء أنه إلى جانب أسباب أخرى مهمة ، فإن انفلات الأسعار يعكس "ثقافة" أو عقلية باتت تطغى على مجتمعنا . لنلاحظ مثلاً كيف تحولت خدمة التكسي الأصفر إلى وسيلة لابتزاز المواطنين ، بعدما كانت من قبل خدمة منظمة ومحترمة . أصبح السائقون بقدرة قادر أحراراً في انتقاء الركاب وفي عدم التوقف ، وفي الزعم أن العداد "خربان " أو أنهم نسوا تشغيله .
أصبحت هذه المهنة في العديد من الحالات ليس لكسب الرزق الحلال ، بل للتصيد واقتناص الفرص . هذا هو المقصود بعقلية بات تطغى . وهي عقلية يؤمن أصحابها وهو كثرة كاثرة ، بالسعي للربح السريع والكبير ، وليس بإتقان المهنة والتقيد بأصولها وقبول أجورها .وما يحدث مع المواطنين يحدث أسوأ منه مع الزائرين الضيوف ، حيث يتم استغلالهم واستغفالهم لمجرد أنهم لا يعرفون جيداً شوارع العاصمة ، وبعضهم يخطىء في احتساب العملة الأردنية ، وكأي زائر يقصد أي مكان في العالم .
بالطبع ليس كل السائقين .غير أن سعيد الحظ هو من يكون صعوده مع سائق ملتزم ، وحيث نتميز عن غيرنا بعدم توفر المواصلات العامة إلا في بعض المناطق ، ولم يحدث طيلة عقدين مضيا أن كان من مهمة الحكومات ، وضع خطط لإنشاء شبكة مواصلات عصرية ومنظمة وشاملة . والنتيجة ها هي : اختناق الشوارع بالمركبات الخصوصية وسيارات التكسي ،والاضطرار لتشييد الجسور وشق الطرق ومضاعفة عدد رجال المرور والاعتراف بالتلوث البيئي . ذلك يدل على طريقة تفكير معينة يترك المرء الحكم عليها للقراء .
الجميع يتحدث عن الغلاء هذه الأيام بما في ذلك الأغنياء . فئات عديدة من التجار مسؤولة عن هذه الظاهرة ، حين يجتهد أفرادها في وضع لائحة الأسعار التي يشاؤون ، وأحيانا تغييرها حسب مظهر الزبون . ذلك من إفراز عقلية الشطارة والتشاطر والنزوع للثراء السريع وهي ثقافة سائدة . غير أن تجاراً آخرين يتساءلون ما إذا كانت المبالغة في فرض الرسوم المختلفة ، والضرائب على التجار فضلاً عن الإيجارات والنفقات الأخرى ، ذات علاقة بارتفاع الأسعار أم لا ؟ .
هناك شعور بالحيرة إزاء هذه التطورات ، فالحكومات تبحث عن وسائل لسد العجز في الميزانيات ، بفرض رسوم وضرائب ، من أجل أن تتمكن من مواصلة تقديم خدماتها الهائلة والمتشعبة ، والناس تبحث عن وسيلة لسد احتياجاتها فيقع التضارب الذي نشهده .
سمعت تاجراً يتحدث بأنه ما أن ترتفع أسعار سلع ما ، حتى يزداد الإقبال عليها من الناس . "الغالي سعره فيه" حتى لو ارتفع السعر قبل أيام فقط ! . ألا يعكس نمط الاستهلاك الهستيري ثقافة معينة وثقافة محددة ، هي من بعض أسباب لتفاقم الأزمة ؟ .
يجري الحديث عن فرض رقابة معينة على المواد التموينية . هذا أمر حين ولا مناص منه . فلا يمكن القبول بتهديد لقمة العيش . ولكن ماذا عن المواد الأخرى : من الملابس والأحذية الى الأدوية وأجهزة الكمبيوتر والمواصلات الغائبة وسواها من سلع أساسية ؟ . ليس مطلوباً التدخل الحكومي على طريقة الاقتصاد الموجه ، بل أشكال من الرقابة الفاعلة والأمينة التي تشمل سائر المواد والخدمات الأساسية ولا تقتصر على المواد التموينية على الأهمية الاستثنائية للأخيرة . مطلوب من الدولة حقا أن تحمي مواطنيها كما دعا جلالة الملك وفق سياسة شاملة يتقاسم فيها الجميع الأعباء كما يتقاسمون الثمرات. وعلى المواطن من الطبقة الوسطى أيضاً أن يحمي نفسه، بعدم الاستسلام لحمى الاستهلاك .
mdrimawi@yahoo.com
13 ايلول, 2007
رابحون وخاسرون في "المسلسل"
محمود الريماوي
احتفل الأميركيون بذكرى كارثة الحادي عشر من سبتمبر وبالإخفاقات في العراق في الوقت نفسه . هناك رابط بين الأمرين ، فالحملة على العراق اريد بها الرد على ما جرى في حي منهاتن النيويوركي .أدى ذلك الى تموضع القاعدة في بلاد الرافدين . إلى جانب استمرار وحدها عبر طالبان في جبال أفغانستان . وفي النتيجة خسر الأميركيون نحو خمسة الآف جندي في البلدين وعشرات الآلاف من الجرحى ، بينما لحقت كارثة مروعة بالعراقيين وبلادهم .
يراد الآن السعي الى تخفيض ملموس لعدد القوات مع منتصف العام المقبل . الهدف واضح هنا وهو التمتع بفرصة تسعة أشهر لاستمرار الوجود الأميركي وبالسياسة القاصرة نفسها ، مع السعي لأن يكون نصف السنة الأخير من ولاية الرئيس بوش موعداً ل"الحلول " ، والاستجابة لضغوط الرأي العام في الداخل ، بما يحسن حظوظ الجمهوريين بالفوز في انتخابات الرئاسة . ليس هناك بالطبع حديث عن انسحاب من العراق ، أو عن حق هذا البلد في انجاز استقلاله واستعادة سيادته بإجلاء كل القوى الأجنبية عن أراضيه بما في ذلك المرتزقة الأجانب وأفراد القاعدة .
لقد باتت الإدارة تتحدث عن إقامة قواعد على الحدود مع ايران ،بداعي مكافحة التسلل ، ويمكن لها استخدام ذرائع مشابهة لإقامة قواعد على حدود أخرى ، أو داخل الأراضي العراقية . فيما تتحدث طهران عن الاستعداد ل"ملء الفراغ " في حال انسحاب أميركي ، وفي المحصلة فإن استقلال هذا البلد يغدو أمراً خارج الحسابات الأميركية وخارج التنافس المكشوف مع إيران للسيطرة عليه .
الرأي العام الأميركي هو وحده ما يحظى باهتمام نسبي من الإدارة ،بما تصح معه تقديرات ساسة عراقيين حول طبيعة ووجهة المناقشات الدائرة منذ ثلاثة أيام في الكونغرس ، والتي تتلخص بالمنافسة مع الديمقراطيين في الكونغرس الحالي وعلى انتخابات الرئاسة ، ومحاولة البرهنة على صوابية عسكرة السياسة الخارجية .
لذلك لا يبدو غريباً أن المشاعر حيال ذكرى الحادي عشر من أيلول ، تتراوح بين حدي نسيان الكارثة وبين الشعور بأنها متواصلة من ناحية أخرى . العراقيون والأميركيون والفلسطينيون واللبنانيون يخسرون ، فيما قطف الإسرائيليون والإيرانيون الثمرات على مدار السنوات الخمس الماضية .وهم مرشحون لمزيد من الكسب إذا استمرت السياسة الأميركية العمياء في إطلاق أيدي الاحتلال الاسرائيلي تحت مسمى مكافحة الإرهاب ( علما بأن عمر الاحتلال أكثر من أربعة عقود ) وبداعي الانشغال في العراق فيتعاظم العداء للسياسة الخارجية الأميركية، فيما تنظر طهران بعين الرضى للوضع القائم كما لما بعده :فالأميركيون يخسرون مع استمرار تواجدهم ، وطهران تكسب في حال خفض كبير للقوات ووقوع "فراغ أمني " .
واستمرار الصراعات في هذه الحالة وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً يسهم في توطيد التنافس بين الأصوليات الإيرانية والإسرائيلية مع تشعبات كل منهما ، وهو أمر جرى شق الطريق نحوه بفضل اللجوء الى الأدبيات الأصولية للمحافظين الأميركيين ، في الصراع مع أصولية القاعدة وابن لادن وبسبب التحالف المشين مع مشعوذي اليمين الإسرائيلي ، ومنهم من هو في حكومة أولمرت ومن هو على رأس هذه الحكومة ..
والقصد أن القليل هو ما تحقق خلال خمسة أعوام مقابل الكثير من الخسائر . والآن فإنهم في واشنطن يبحث عن حلول تقنية وإجرائية لمعضلة الوجود العسكري في العراق ،مع إبقاء الأفق السياسي على حاله وانغلاقه ، ومع الاستمرار في إدارة الأزمات الأخرى في المنطقة بدلاً من التقدم بشجاعة لحلها .
mdrimawi@yahoo.com
12 ايلول, 2007
التلويح بمقاطعة "الخريف" ! محمود الريماوي
تتزايد أصوات مسؤولين عرب وفلسطينيين ، يحذرون فيها من فشل اجتماع الخريف ويشكون من الغموض الذي يكتنف هذا الاجتماع ، لجهة جدول أعماله والهدف الحقيقي لعقده والأطراف المدعوة له والمشرفة عليه .فضلاً عن التحذير الصريح من مغبة فشل هذا الاجتماع .
من المفيد تبصير الرأي العام بما يحدث .. والأحرى بما لا يحدث ، فمن حق الناس أن تكون على بينة من طبيعة الأمور، وسط الغموض الذي يكاد يكون متعمداً ، من الجهة الداعية وهي الإدارة الأميركية .غير أنه من الملاحظ خلال ذلك ، أن الترتيبات جارية على قدم وساق وإن كان ذلك وسط تكتم شديد .تشهد على ذلك تحركات نشطة لمسؤولين أميركيين وأوروبيين باتجاه عواصم المنطقة ، ولا شك أن هؤلاء المبعوثين يستمعون إلى استفسارات جدية ، وربما ملاحظات نقدية من المسؤولين العرب الذين يلتقونهم ، بشان هذا الاجتماع الذي تضفي واشنطن عليه طابع اجتماع شبه "كهنوتي " ومجمع للأسرار ! .
يسع الجانب العربي المفترض مشاركته في الاجتماع ومنذ الآن ، العمل على تصحيح المسار وتظهيره أي توضيحه وإجلاءه . .وعدم ترك الأمر لواشنطن أو لغيرها .فهذا الاجتماع يتناول مصير القصية العربية المحورية ، ذات التداعيات المتشعبة التي لا تتوقف . فليس مطلوباً تقديم "لفتات" سياسية وإنسانية من طرف الاحتلال ، بل تفعيل المرجعية الدولية وأحكام القانون الدولي والاتفاقات السابقة المبرمة . من المحظور انتظار مكرمات من المحتلين ، فعلى هؤلاء إنهاء احتلالهم الاستيطاني والعسكري ، والتعويض عن أربعة عقود من الاستيلاء على الأراضي والمياه واستثمارها ، مقابل تعطيل دورة الحياة الطبيعية للضحايا ، والتنكيل الإجرامي بثلاثة ملايين من البشر .
ليس مطلوبا إبداء السلبية ولا التشكيك المسبق ، غير أنه مطلوب في المقابل حرمان حكومة الاحتلال من الظهور بمظهر من يساعد على إقامة دولة للفلسطينيين . في ظروف أخرى كان يتعين محاكمة هؤلاء ، الآن المطلوب فقط هو دعوة هؤلاؤ للالتزام بالمرجعية الدولية ، والتوقف عن أساليب المناورات والتضليل لإدامة احتلالهم البغيض فإذا لم تسر الأمور سيراً موضوعياً سليماً ، فبوسع الجانب العربي والفلسطيني عدم الاستجابة لحضور الاجتماع يراد منه إطالة أمد الصراع ، وتقديم مكافآت معنوية وغير معنوية للمحتلين ، وخداع العالم بأن شيئا قد تم وأنجز خلافاً لواقع الحال .
لدى الجانب العربي خبرة طويلة وغنية في المناورات الإسرائيلية .من المهم الإفادة من هذه الخبرة برفض الحلول الجزئية والمؤقتة ، ورفض التعهدات العائمة والفضفاضة وغير الملزمة في النتيجة ،. ومطالبة الجانب الآخر بالكف عن أعمال التنكيل واللصوصية في بيت المقدس ، وفي كل مكان من الأراضي المحتلة بما في ذلك بالطبع في الجولان ومزارع شبعا اللبنانية ، وذلك كبرهان على الجدية ومقدمة للشروع في وضع حلول عادلة موضع التنفيذ . والقبول بآلية لتنفيذ ما يتفق عليه مع مراقبة دولية .
التلويح بالمقاطعة يستحق أخذه كخيار جدي بين خيارات أخرى ، ليس من باب السلبية ولكن من زاوية حمل الأطراف الدوليين ، على التحضير الجدي والنزيه للاجتماع لضمان نجاحه ، ولوقف الاستخفاف بذكاء العرب ، ولكي تنطلق ربما لأول مرة مسيرة السلم والعدل إلى غاياتها المرجوة .فلا يكون لقاء الخريف المزمع ، بمثابة خريف سياسي ينشر المزيد من الحبوط والاكتئاب ! .
mdrimawi@yahoo.com
11 ايلول, 2007
انتخابات المغرب والأردن محمود الريماوي
يتمنى المرء أن تتم الانتخابات عندنا بمثل ما تمت فيه في بلد عربي هو المملكة المغربية ، من حيث الشفافية والمهنية كما أجمع على ذلك مراقبون أجانب ، تابعوا العملية الانتخابية قبل وأثناء إجرائها هناك، على أن لا تكون نسبة التصويت عندنا كما انتهت اليه في البلد الشقيق : 37 بالمئة فقط .
الراجح أن الانتخابات البرلمانية بعد عشرة أسابيع ، سوف تحظى بنسبة تصويت معقولة وربما عالية نسبياً وبتغطية إعلامية كبيرة في الداخل والخارج ، فثمة قناعة متزايدة لدى الناس بأهمية المشاركة للخروج بمجلس تمثيلي ، على أفضل وجه ممكن .وحتى البنى الاجتماعية التقليدية من عائلات وعشائر ، فقد أخذ أفرادها يتسيسون أكثر فأكثر ، فيخرج منهم أكثر من مرشح يعكس كل منهم صورة لقناعات ومصالح شريحة معينة ، أما في حال الإجماع على مرشح بعينه ، فإن ذلك يتم بعد مخاض طويل من التشاور والأخذ والرد .
فيما تنشط وجوه جديدة من مختلف القطاعات المهنية وفي مختلف المناطق ، لتجريب حظوظها في تجديد النخب السياسية والالتحاق بها ، ومحاولة إقناع الجمهور بجدارتها .وعلى الخط نفسه يسعى حزبيون ونقابيون لاكتساب ثقة جمهور عريض أوسع من جمهورهم النقابي والحزبي . فالنقابيون الذين يؤمنون بتسييس نشاط مؤسساتهم ، على خطأ ذلك ،يجدون ويتعين أن يجدوا الفرصة سانحة ، لممارسة العمل السياسي في موقع طبيعي له وهو العمل النيابي ، إذا قيض لهم الفوز بثقة الناخبين .
أما الحزبيون فهم أمام فرصة للكف عن التغني بالجماهير والنطق باسمها ، الى التماس ثقتها في مناسبة وطنية كبيرة كهذه . إنها فرصة لمغادرة حالة البطالة التي تعيشها غالبية الأحزاب ، شريطة أن يثبت هؤلاء قناعتهم الفعلية بالحياة الحزبية ، فيتقدمون بترشيحهم دون إخفاء أسماء أحزابهم كما كان يحدث من قبل . ولهم أن يطالبوا مثلاً في حملاتهم الانتخابية ، باعتماد التمثيل النسبي ولو جزئياً من إجل إغناء الحياة العامة وتفعيل المشاركة المنظمة ، ورفع الوعي السياسي الفعلي بامتحان القوى السياسية المنظمة في البرلمان ثم في السلطة التنفيذية كما هو المأمول ، ووضع الناخب خلال ذلك أمام خيارات حقيقية مبنية على التجربة الملموسة ، لا على الإعجاب أو النفور من شعارات مرفوعة .
لقد لاحظ من لاحظ في الانتخابات المغربية ، أنه لم تظهر على قائمة النتائج أسماء أشخاص فائزين ، بل ظهرت أسماء أحزاب "الاستقلال" و"العدالة والتنمية" و"الحركة الشعبية" و"تجمع الأحرار" و"الاتحاد الاشتراكي" . هذا ما يحدث في الدول المتقدمة أيضاً ، وهو ما نطمح إليه بعد تجربة برلمانية في الأردن الحديث تمتد لخمسة عقود ونصف العقد . ليس ذلك ممكناً دفعة واحدة بل ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى وبالتدريج . حسناً ، أين هي الخطوة الأولى على الطريق الطويل المتدرج ؟ .
هناك نواب سابقون يتحدثون عن المجلس الرابع عشر بأنه كان ضعيفاُ . وهناك بين النواب السابقين من عزف عن الترشيح لمثل هذا السبب ، مع أن لديهم فرص كبيرة في الفوز . هذا الحراك مفيد ، ولو بدا أنه يدخل في دائرة النقد المر وإصدار أحكام سلبية .فمن المفيد مراجعة التجربة في كل حلقة من حلقاتها ، سعياً نحو الأفضل وتحميل المرشحين والناخبين مسبقاً المسؤولية ، فالتمثيل النيابي تمثيل قبل التشريف ، والخطابات المسبوكة لم تعد هي ما يستوقف الناس ، بل وضع الحلول والسهر على المراقبة ، وإصدار تشريعات مناسبة ومراعاة وتنمية المصالح العليا وتوطيد الوحدة الوطنية .
mdrimawi@yahoo.com