31 آب, 2007
عن التكتم حول "مؤتمر الخريف"
محمود الريماوي
قد يفاجأ كثيرون بأن التحضيرات المتكتمة لمؤتمر الخريف "الدولي " هي تحضيرات جدية ، وقد تنبثق عنها صيغ حلول تأخذ طريقها ولو تدريجياً نحو التنفيذ .لقد حدث مثل ذلك قبل أربعة عشر عاما حين تم التوصل إلى اتفاق إعلان المبادىء ( اتفاق أوسلو ) بينما كانت تجري مفاوضات علنية أخرى في واشنطن ! .والمهم أن ذلك الاتفاق وأيا كان الرأي فيه ، قد شكل تحولاً في مسار القضية الفلسطينية . فحتى معارضو الاتفاق فإنهم تعاملوا مع تداعياته ، بل استثمروها ابتداء من "الجبهة الديمقراطية" التي شاركت في الحكومة السابقة للسلطة برئاسة اسماعيل هنية ، مروراً بالجبهة الشعبية التي خاضت الانتخابات الأخيرة وأوصلت نائبين يمثلانها للمجلس التشريعي ، وانتهاء بحماس التي شاركت في الانتخابات وشكلت حكومتين ، ثم في سيطرتها على قطاع غزة .
من الواضح أن صيغة السلطة وخاصة بعد تشظيها وازدواجيتها ، تبدو وقد استنفذت أغراضها كصيغة مؤقتة ، تعتمد الدعم الخارجي وإدارة الحياة المحلية . فقد تكاثرت مشكلاتها البنيوية والذاتية ، فضلاً عن استهداف الاحتلال لقدراتها ، وتعطل المجلس التشريعي المنتخب ، ولم تعد هذه الصيغة توفر حلولاً تذكر باستثناء توفير الرواتب وإبقاء دورة الحياة الاقتصادية عند الحد الأدنى من الحركة ، مع فترات تقصر أو تطول من الشلل .
من هنا تتجه الأنظار نحو حل آخر ، يسهم في إقامة دولة أو كيان مع بسط الولاية التامة على السكان ، والمقيدة على الأرض ، بما يسمح بتفريغ العمق النفسي للقضية بعد وضعها على طريق الحل .ذلك هو مضمون رؤية "الدولتين " ، التي طرحها بوش قبل أكثر من خمس سنوات . وهو ما تتمسك به المجموعة الأوروبية ومعها روسيا ، دون معارضة الصين . وإذا ما أذن لهذا الحل بالمضي إلى الأمام ، فمن شأنه تفكيك اشتباك القضية الفلسطينية بتعقيدات المنطفة ، وتغذيتها لعوامل المواجهة هنا وهناك مع الولايات المتحدة الحليفة الدائمة لتل أبيب .
التسريبات لا تنقطع عن اتصالات فلسطينية مع أولمرت وحكومته . وعن تنسيق فلسطيني مع مصر والسعودية تحضيراً لمؤتمر الخريف ، والذي يفترض أن أسابيع معدودة تفصلنا عنه .
ومن آخر هذه التسريبات ما نشرته هارتس عن مباحثات تجري خول مبدأ دولة مؤقتة .وفيما قالت الصحيفة ان الجانب الفلسطيني ، وافق على المبدأ شريطة توفر ضمانات دولية بأن لا تتحول الحدود المؤقتة إلى حدود دائمة ، فقد سارعت رئاسة السلطة إلى نفي هذا الخير ، والتشديد على المطالبة بحل دائم .
يذكر هنا ان خريطة الطريق قد تضمنت بالفعل خل الدولة المؤقتة . غير أن الزمن قد تجاوز تلك الخريطة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ .
هناك إلى ذلك ما سربه وزراء مثل حاييم رامون وكذلك "الرئيس" شيمون بيريز ، عن حل يقوم على تبادل للأراضي . وهو ما سبقت إثارته في مفاوضات كامب ديفيد قبل نحو سبع سنوات ومعنى ذلك أن المفاوضات ، باتت تتناول أمورا جوهرية ذات صلة وثيقة بالوضع الدائم . ولا يعود مستبعداً في ضوء ذلك أن تُنضج الأسابيع القليلة المقبلة تصورات لحل .وهو ما سماه أولمرت في وقت سابق ب"إعلان مبادىء جديد " .وبعيدا عن التسميات فهناك مصالح متقاطعة وباستهدافات متعارضة ، تملي التقدم إلى الأمام نحو اجتراح حل . وهو ما تضغط باتجاهه الأطراف العربية والأوروبية والروسية وذلك في سياق التمسك بمبادرة السلام الجماعية وضرورة تفعيلها.
يقال الآن بين ما يقال عن هذه التحضيرات أنها تتم في ظل انقسام فلسطيني ، وأن من الأفضل تبعاً لذلك وقفها . والصحيح أنه يتعين وقف الانقسام وإزالة الأسباب ولظروف التي أدت إليه ، لا إدارة الظهر للتفاعلات والمستجدات الدولية .وقف الانقسام وذلك من أجل بلورة المشروع الوطني بأكبر قدر من الجهد الجماعي ، وبوضع المصالح والحقوق الوطنية قبل وفوق أي اعتبار .
من المهم رؤية الوقائع وممكناتها كما هي عليه . حماس ليست شريكة فقط في السلطة ، بل هي استحوذت على شطر منها .لكن مشروع أو صيغة السلطة ، هو في الأساس مشروع دولي وإقليمي ، علاوة على أنه ثمرة لكفاح وطني مديد وإن كانت هذه الحصيلة منقوصة . ولا يمكن في ضوء ذلك انتقاء التعامل مع النتائج واستثمارها ، مع تجاهل المقدمات بل المحددات . لا يعني ذلك ويجب أن لا يعني الخضوع للإرادة الدولية ، لكنه يعني أنه من غير الممكن التغاضي ، عن التبني والرعاية الدولية لهذا المشروع والقفز عنها ، والمطالبة بعدئذ بدعم العالم ومساندته .
من واجب الطرف الفلسطيني الإفادة القصوى من عثرات اتفاق أوسلو لتداركها ، وعدم الركون لأية نصوص مبهمة أو قابلة للتأويل، حتى لو اقترنت ب"ضمانات دولية ".فالطرف الآخر متخصص في ازدراء تلك الضمانات ، إذا ما تعارضت مع مصالحه التوسعية .وعليه أيضاً اعتبار ما تم التوقف عنده في مفاوضات كامب ديفيد وطابا ( آخر مفاوضات تمت في عهد الراحل ياسر عرفات ) نقطة تصلح للانطلاق منها .على أن يقترن هذا الجهد التفاوضي التحضيري ، بأوسع مشاركة ممكنة وفعلية من القوى السياسية في هذا الجهد ، وما يليه من مفاوضات"رسمية " فذلك هو الضمان لوحدة الموقف ولتحمل مسؤولية المصير.
30 آب, 2007
العلمانية مشروع سلام اجتماعي
محمود الريماوي
" العلمانية مشروع سلام اجتماعي ضروري لكل المجتمعات ، بما فيها المتدينة " . القائل ليس أكاديمياً أو رجل سياسي غربي ، ولا هو مفكر ليبرالي من العالم الثالث ، أو أحد قادة المؤسسة العسكرية في أنقرة .. بل الرئيس التركي الجديد عبدالله غول ، الذي أعلن عقب فوزه مساء الثلاثاء الأول من أمس ، أنه سوف يسارع لقطع صلته الحزبية بحزب العدالة والتنمية ، حيث ينص دستور بلاده على عدم حزبية رئيس البلاد .
وصف كثيرون علمانية حزب العدالة بأنه علمانية مؤمنة ، وهو وصف لا يجانبه الصواب .
والمقصود به الفصل بين الفضاء السياسي والانتماء الديني ، بحيث لا يتم تسييس الدين ولا تديين السياسة .ويتم خلال ذلك الاعتراف بخصوصية المجتمع المسلم ، وحقوق وواجبات سائر المواطنين ، على أساس المواطنة وليس على أية قاعدة أخرى ، وعلى مدنية الدولة ، وعلى احترام الأديان . وهو ما يفسر حيوية المجتمع الديني في دول علمانية ، ولكن مع تحريم المساس بالعقائد والمؤمنين وأماكن العبادة وتحت طائلة العقوبات ، ومع التفاوت في تطبيق أو طريقة تطبيق هذه المعايير بين دولة وأخرى .
لقد كان لافتاً أن أصداء فوز غول كانت ايجابية ، ولم يتم حتى كتابة هذا التعليق رصد رد فعل سلبي لدى جهات وهيئات وشخصيات "معتبرة " . غير أن مثل هذه الردود ظهرت في تركيا نفسها ، حيث قاطعت المؤسسة العسكرية حفل انتقال رئاسة الدولة من الرئيس السابق نجدت سيزار إلى الرئيس الجديد عبدالله غول .وفعل ذلك أيضاً حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة (فاز مرشحه للرئاسة بسبعين صوتاً ) .وهو ما أثار مشاعر الحذر إزاء صعوبات محتملة أمام التعاون بين مؤسسات الدولة . غير أن التزامات غول السابقة وتعهداته العلنية بتكريس الديمقراطية وتوسيعها والوقوف على الحياد بين الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية ، تثير الاطمئنان بأن تغيرا دراماتيكياً لن يحدث ، ما دامت هناك تعهدات معلنة بالحفاظ على محددات الجمهورية والنظام ، وفي القلب منها السلام الاجتماعي واستقرار الدولة وحفظ المصالح العليا لوطن .
ولا شك الآن أن التفاعلات بين المؤسسات المتعددة : المحكمة الدستورية والقضاء عموما ، وقيادة الجيش والحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية ، هذه التفاعلات المرتقبة سوف تظل تثير فضول المراقبين ، علاوة على ملايين الأتراك . فهذه التجربة غير مسبوقة فيما تعتبره المؤسسة العسكرية تباعداً أيديولوجياً ، رغم التزامات الرئيس الجديد بأيديولوجية الدولة الأتاتوركية ( نسبة إلى المؤسس قبل ثمانين عاماً كمال أتاتورك ، الذي أنهى نظام الخلافة العثمانية ) .
الواضح أن استقرار هذا البد وتطوره يشكل مصلحة للمنطقة ، ولأوروبا وبقية الدول في عالمنا . وهو ما يدركه خير إدراك أصحاب القرار في أنقرة . نحن كعرب يعنينا نجاح هذه التجربة ، من أجل المضي على طريق البناء الديمقراطي ، وترشيد الأنظمة والمعارضات على السواء ، ومن أجل الإعلاء من قيمة السلم الاجتماعي ومعايير المواطنة . وفي سبيل صيرورة تركيا الجار الجغرافي والسياسي والحضاري ، نموذجاً إلى جانب دول العالم المتقدم يصلح لاستلهامه مع للجار من خصوصية مذكورة .
أما دور تركيا في ضمان السلم والعدل في منطقتنا فهو يستحق حديثاً مستقلاً ، خاصة أن هذه التطورات الداخلية فيها تتم في الوقت الذي تعصف في المنطقة المخاوف من استشراء التوترات ، بفضل جموح السياسة الأميركية الخارجية ، والعنف الأعمى لدى جماعات أصولية وغير أصولية .
mdrimawi@yahoo.com
29 آب, 2007
إنسوا أن القدس محتلة ! محمود الريماوي
اكتشف الاسرائيليون أن مدينة القدس وبالذات الشطر الشرقي منها هي مدينة أديان ، وهي كذلك بالفعل ، لكنهم يريدون بتغليب الطابع الديني على ما عداه ، طمس الجانب السياسي المتعلق باحتلال ذلك الجزء من بيت المقدس ، ووجوب إعادته إلى أصحابه في أية تسوية . ويريدون كذلك صرف الأنظار عن التهويد القسري للمدينة ، بإحلال مستوطنين والتضييق على أبناء المدينة من مسلمين ومسيحيين ، لدفعهم دفعاً نحو المغادرة وهو ما تم بالفعل خلال العقود الأربعة ، وخاصة في الفترة التي تولى فيها إيهود اولمرت عمدة المدينة المحتلة .
هناك مسودة لإعلان مبادىء جرى تسريبها تمهيداً لمؤتمر الخريف "الدولي " ، ويفيد الإعلان أن الإسرائيليين يرغبون في النظر إلى القدس كمدينة أديان فحسب . أما السيادة عليها فليست معلومة ، لكن واقع الحال على الأرض يفيد أن المحتلين يبدون إعجاباً بالغاً بالمدينة ويريدون جعلها عاصمة لكيانهم اليهودي ، وتشديد الخناق على كل ما هو غير يهودي فيها من بشر وحجر ومؤسسات ومعالم .
وحتى في الإطار الديني المحض مع صعوبة فصله عن المحتوى السياسي ، فإن سلطة الاحتلال ماضية في الحفر حول أساسات المسجد الأقصى . وبالنسبة لهم فإن المسجد غير موجود .الموجود فقط هو "الهيكل الضائع" منذ قرون تحت الأساسات ، ولا يعنيهم مدى الأضرار التي تلحق بالمسجد في مدينة الأديان !.
لقد تأسرلت المدينة المقدسة بالسطو والسطوة المسلحة ، وبإرهاب السلطة وقطعان المستوطنين الوافدين من وراء البحار إلى أرض تنكر وجودهم الغريب . ترمي المسودة الإسرائيلية لإدامة الاستيلاء وشرعنته ، باسم الحرص المفاجىء على الأديان ، فيما يقوم الخطاب الصهيوني السياسي والعقائدي ، على ازدراء كل ما هو غير يهودي ولدرجة إنكار وجوده .
من المهم بطبيعة الحال رفض هذا الطرح المقيت ، والتشديد على أن القدس جزء لا يتجزأ من الأرض المحتلة في العام 1967، وأن خصوصية المدينة المقدسة لا تجيز التلاعب بالعقول والحقائق ، بل على العكس فإن هذه الخصوصية تملي بصورة أكبر احترام العدالة والقانون ، وشمولهما لواقع المدينة ومستقبلها .
إن المؤدى الفعلي لما ورد في هذه المسودة ، هو أن تتمتع سلطة الاحتلال ب"حق " منع ابناء المدينة من المسلمين والمسيحيين ، أو السماح لهم بالصلاة في دور عبادتهم ، وفق الاشتراطات التي تراها مناسبة للوصول إلى مدينة الأديان وأداء الشعائر الدينية فيها . أما السلطة والسيطرة والسيادة فتبقى ، بأيدي من قاموا باحتلال المدينة في السابع من حزيران عام 1967 .. بهذه الطريقة يكافىء المعتدون أنفسهم ، ويطلبون من المعتدى عليهم التسليم بهذا المنطق "الروحاني" السديد .
ولعلها المرة الأولى التي يعمد فيها اسرائيليون ، لطرح مشروع سياسي للحل يتضمن دوام الاستيلاء على الشطر الشرقي من المدينة وإقصاء أصحابها، عنها ، بما يشكل تتويجاً بل استئنافاً لحرب غير مقدسة ، تواصلت ضد المدينة وأهلها ومقدساتها على مدى أربعة عقود ، وعلى مرأى من العالم الإسلامي والمسيحي .
من المحظور فلسطينياً التعاطي مع هذا الطرح المتعلق ببيت المقدس . أما الدول والهيئات الإسلامية والمسيحية ، فيتعين عليها أن تجد ما تقوله وتفعله ، إزاء ما تطرحه الأصولية اليهودية التوسعية ممثلة بحكومة أولمرت . أو تعترف بأنه ليس لديها ما تقوله وتفعله .
mdrimawi@yahoo.com
28 آب, 2007
أشهر وزير داخلية عربي !
محمود الريماوي
ظل إدريس البصري على مدى ربع قرن يتمتع عملياً بنفوذ الرجل الثاني في المملكة المغربية ، وذلك خلال الفترة من 1974 إلى 1999 حيث أقاله الملك محمد السادس من منصبه ، وكثيراً ما حمل البصري إلى جانبه منصبه وزيراً للداخلية حقيبة الإعلام ، وكان العاهل المغربي قد تقلد عرش بلاده منذ أشهر فقط بعد وفاة والده الملك الحسن الثاني ، حين اتخذ هذا القرار الذي شمل عدداً من كبار معاوني البصري .
بالأمس توفي الرجل في منفاه الاختياري في باريس عن 69 عاماً ، والذي يستحق وصفه بأنه أشهر وزير داخلية عربي. وتشاء المصادفات بعد إرادة المولى ، أن يغادر الرجل دنيانا عشية الانتخابات البرلمانية في بلاده المقررة في السابع من أيلول المقبل ، وهو الذي كان يشرف على كل كبيرة وصغيرة في هذا الاستحقاق ، والذي ناصبته المعارضة العداء لشدة التضييقات التي تعرضت لها أحزابها في عهده . ولولا إرادة الملك الراحل الحسن الثاني ، لما قيض لتجربة التداول على السلطة أن تجد طريقها للتنفيذ قبل نحو عقد من الزمن ، حين عاد عبدالرحمن اليوسفي المعارض البارز وأحد قادة "الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية " من منفاه لكي يتسنم بعد فوزه في الانتخابات ، منصب الوزير الأول ( رئيس الحكومة ) .
الآن يفخر المغاربة بأن انتخاباتهم جرت قبل خمس سنوات ، دون تدخل يذكر من الإدارة وإنما بشوائب أخرى ،وسوف تجري الانتخابات بعد عشرة أيام بوجود مراقبين ( ملاحظين حسب التعبير المغربي) من مندوبي آلاف المرشحين والهيئات الاجتماعية المحلية وهيئات دولية ، والهيئات الأخيرة واكبت العملية فبل بدئها .
من المفارقات أن البصري بعدما أمضى سحابة عمره المهني ، متابعاً لنشاطات ورموز المعارضة على اختلاف تشكيلاتها ، قد تحول في منفاه إلى صوت معارض ! . فقد اعتبر إنشاء هيئة للعدالة والإنصاف تفتح ملف المظالم وخاصة في المعتقلات ، بأنه يراد بها الدعاية للدولة ليس إلا ! . كما اعتبر قيام أية تظاهرة في مدينة العيون الصحراوية أو في أي مكان آخر دليلاً على " ما يكتنف وضع الحريات " ، كما صرح بذلك لصحف فرنسية واسبانية وجزائرية .
ومنها أيضا تصريحاته خلال العام الجاري ، بأن الحل الوحيد لمشكلة الصحراء الغربية يكمن في إجراء استفتاء للسكان ، وذلك في الوقت الذي كانت فيه حكومة بلاده تطرح في مجلس الأمن وخارجه ، مقترحها لحكم ذاتي موسع للصحراء والصحراويين ، وهو المقترح الذي بدأ يستقطب تأييداً دوليا .يذكر هنا أن البصري الراحل كان يحوز على ملف الصحراء في إدارة بلاده ، وكان يوصف بأنه الأكثر تشدداً إزاء هذا الملف بين بقية المسؤولين .
هذه المواقف أدت لتوتير علاقاته بسلطات بلاده ، فحرم لبعض الوقت من تجديد جواز سفره ، وهو الذي كان يمنح ويمنع مثل هذه الوثائق الرسمية ، كما تأخر صرف مستحقاته المالية عن انتهاء خدمته الطويلة في أرفع المواقع ، قبل أن يأمر الملك محمد السادس بتسوية أوضاعه .
لقد انقضت حياته السياسية والمهنية منذ ثماني سنوات شمسية ، وقبل أن تمتد إليه يد المنون بالأمس . على أن اسمه سوف يظل لصيقاً بذاكرة ملايين المغاربة ، وكذلك صورته التي ظلت تحضر لربع قرن على شاشة التلفزة الوطنية ، فقد كان أكثر من وزير ورجل دولة ، إنه رمز لعهد طويل ولسلطة شبه مطلقة كانت تنازع اتجاه بلاده ، في مضيها على طريق البناء الديمقراطي .
mdrimawi@yahoo.com
27 آب, 2007
حزب العدالة "يستأثر" بالحكم !
محمود الريماوي
حتى لو لم ينل وزير الخارجية التركي عبدالله غول الأصوات المطلوبة للفوز في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية التي تجري في الثامن العشرين من الشهر الجاري ، فالثابت انه هو الفائز دون سواه ، فقد حقق منافس له من حزب الشعب الجمهوري سبعين صوتاً ، بنما نال مرشح آخر لليسار 14 صوتاً .
لا منافس لغول ، إذن فإن النجاح حليفه . يدلل ذلك بين ما يدلل عليه ، على أن النخب السياسية والحزبية وبالذات رموزها "التاريخية " ، غير مؤهلة لا للفوز بل لمجرد التنافس . وهو ما أفسح الطريق ومهدها أمام صعود حزب العدالة والتنمية منذ خمس سنوات . ولحسن الطالع فإن الحزب ذو الجذور الإسلامية هو حزب عصري يحترم علمانية الدولة وتعددية المجتمع ، ويتطلع لانضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي ، أحد أكثر الصيغ الاتحادية تقدما في عالمنا ، وأغناها في النهوض السياسي والاقتصادي والثقافي .
ومع اقتراب غول من الرئاسة ، فإن واقعاً سياسياً غير مسبوق ينشأ في بلاد الأناضول .فثمة حزب واحد هو حزب العدالة ، على وشك تسنم ثلاثة من أعلى أربعة مواقع الدولة : رئاسة الجمهورية ، رئاسة الحكومة ، رئاسة البرلمان . أما الموقع الرابع فهو لقيادة الجيش .
كان القوميون والعلمانيون يستحوذون من قبل على هذه المواقع ، غير أنهم كانوا ينتمون لتيارات سياسية وحزبية شتى .ولو لم يكن في مخيلة أو مخيال أحد أن حزباً واحداً حديث النشأة ، سوف يحقق مثل هذا الصعود وهذا "الاحتكار" ، لأعلى المناصب في جمهورية أتاتورك . مع ملاحظة أن صلاحيات رئيس الدولة قابلة للزيادة وخاصة مع تمتع حزب العدالة بأغلبية مريحة في البرلمان . وسوف تشمل هذه الزيادة تعيين الرئيس لرؤساء الجامعات ، وقد بدأ الآن الحديث عن تغييرات تسمح لطالبات الجامعات باستخدام أية ملابس ملائمة ، والمقصود السماح بارتداء الحجاب .
وربما يروق البعض اعتبار أن هذا التطور المرتقب هو الأهم ، في عهد رجب طيب أردوغان وعبدالله غول !. غير أن الأكثر أهمية بالفعل هو أن حزباً واحداً ، سيقود السلطتين التنفيذية والتشريعية ، إضافة للرئاسة الأعلى . وهي نتائج حققها هذا الحزب برصيد شعبي وبسلوك سياسي رصين ، دون أن تتملكه شهوة انقلاب أو تبدو على زعاماته مخايل محدثي النعمة ، كما هو حال انقلابيين إسلاميين جدد في منطقتنا .
والخشية الآن وحتى قبل فوز غول دستورياً ورسمياً ، أن ينوء هذا الحزب بانتصاره ، وأن يقضم بوعي أو دون وعي من رصيده . فالمشكلة البنيوية الماثلة ، أن التعددية السياسية والحزبية باتت شبه مطموسة ، مع واقع التمثيل الأحادي لحزب العدالة . ومن اقترح على غول وحزبه أن يتم اختيار رئيس توافقي غير حزبي ، لم يجانبه الصواب . فالهدف هو الحفاظ على الصيغة التعددية والإعلاء من شأنها ، باعتبارها من القسمات الراسخة للدولة الديمقراطية . ويعلم غول أن النخب والفاعلين السياسيين والاقتصاديين هم ذو أغلبية علمانية وقومية ، ناهيك عن المنظمات والهيئات الاجتماعية ، وعن الناشطين في حقول الجامعات والإعلام والثقافة والفنون .
غير أن أحداً لا يماري بعدئذ أن الآليات الديمقراطية والدستورية ، قد جرى اعتمادها واحترامها في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه . يبقى أن يغالب حزب العدالة أي هوى أو ضغوط داخلية من أجل الاحتكار ، وادعاء النطق الأحادي باسم أكثر من سبعين مليون تركي ، متعددي المذاهب والمشارب والأعراق ولكنهم يستظلون بمرجعيات دستورية مشتركة .
27 آب, 2007
حكمة الرجل الثمانيني !
محمود الريماوي
يزعم شيمون بيريز رئيس دولة الاحتلال ، أن زعماء عرباً لا تقيم بلادهم علاقات مع تل أبيب ، قد اتصلوا به مهنئين باختياره رئيسا للدولة . قد يكون في الأمر بعض صحة وقد لا يكون . لكن وبالنظر إلى ذمة بيريز الواسعة ، فإن المرء يميل لترجيح الإحتمال الثاني .والواقعة المزعومة التي رواها للجزيرة ( وهي القناة العربية المفضلة لبيريز ) تعيد إلى الأذهان تلك الحكاية المأثورة ، التي تقول إن خبيثاً صادف اثنين من العميان ، يقفان متجاورين على قارعة طريق . وقد تقدم من أحدهما وخاطبه بصوت مرتفع قائلاُ : هاك عشرة دنانير ، ولتقسمها بينك وبين رفيقك . وقد غادر سريعاً وبالطبع دون أن يمنح مخاطبه شيئاً . لكنه أشغل الرجلين في التشاحن ، حول النقود المزعومة التي لم تجر قسمتهما بينهما .
يتمتع الزعماء العرب بنظر حاد ، ويغدقون على غيرهم . لكن بيريز يريد بروايته هذه ، إثارة شكوك كل زعيم عربي تجاه الزعيم الآخر بأنه من اتصل . ورغم صعوبة التأكد من الواقعة المزعومة ، فإنه يكفي الرجل الدمث بيريز إثارة الشكوك والريبة بين من يتحدث عنهم . ثم التشجيع من طرف خفي على التطبيع ، فما دام هناك زعماء آخرون يمضون في هذا الطريق ، فماذا يمنع سلوك الطريق نفسه ؟ .
هذه هي رسالة السلام التي يحملها هذا الرجل ، المتخصص في التلاعب بالحقائق والألفاظ . إنه ركن بارز من أركان الدولة ، التي ما زالت تحتل أراضي الغير منذ أربعين عاماً ، وتنكر على شعب كامل حقه في الحرية والاستقلال على أرضه المحتلة عام 1967 ، وتقوم بالتنكيل به ليل نهار وعلى مدار الساعة .
وبدلاً من المضي على الطريق المؤدي للسلام الفعلي ، بتطبيق القرارات الدولية وإنهاء الاحتلال الاستيطاني والعسكري البغيض وضمان الأمن للجميع ، بدلاً من ذلك فإنه يطلق الأعيبه اللفظية ، عن اندفاع زعماء عرب للتطبيع مع دولة الاحتلال وقبل أن تنهي احتلالها لأراضي الغير .
ولا يكتفي صاحب المشروع النووي الإسرائيلي بذلك فهو يطلق في مقابلته عبر "الجزيرة"، دعوة للأردن للتخلي عن السعوديين على حد تعبيره ! والمقصود البترول السعودي .وذلك بالعمل على الإفادة من الخبرة الإسرائيلية ، في مجال استثمار الطاقة الشمسية . فإذا كانت هذه الطاقة تغني عن طاقة البترول ، فلماذا تستورد تل أبيب نفطاً وغازاً من مصر و من دول أخرى ؟ .
المقصود مرة أخرى هو محاولة طمس الطابع التوسعي للدولة ، التي يقف هذا الرجل الثمانيني على رأسها . فلدى هذه الدولة ما تعطيه من أمور خارقة ، ومن الأفضل نسيان نشأة هذه الدولة وأين نشأت ، وما هو سلوكها الذي لم تنقطع عنه. وقد شبه موشي دايان ذات مرة السلوك المطلوب اتباعه من الدولة العبرية ، بسلوك " كلب مسعور يحرص الجميع على تجنبه" " . وللأسف فقد تم التقيد بهذه الوصية حتى قبل أن يطلقها صاحبها . وفي هذه الأثناء ينثر صاحب مجزرة قانا ، الوعود الوردية حول آفاق السلام . السلام الذي يحتفظ فيه اللصوص بالمسروقات ، وينكرون على الشعب الآخر حقه في بعض أرضه التاريخية ، بل حقه في الحياة .
لقد كان بيريز أحد عرابي اتفاق أوسلو . وبينما دفع رابين حياته ثمناً لتمسكه بهذا الاتفاق ، فقد سارع شريكه بيريز للتنصل من الاتفاق وأيد شارون ثم أولمرت في تقويض الاتفاق ، وهو أول مشروع سلمي بين الأعداء التاريخيين . لكن الرجل بارع للحق وكما وصفه مرة أحد الزعماء العرب ، بإشاعة انطباع بأنه صادق في كذبه ..
mdrimawi@yahoo.com
26 آب, 2007
"لتأخذ المخيلة مداها" ! محمود الريماوي
تبشر المعارضة اللبنانية بحكومة ثانية وربما برئيس ثانٍ للبلد . ليس ذلك على شذوذه ، بأمر مستغرب . فحزب الله يدير مناطق خاصة به في الجنوب وفي العاصمة بل في قلب العاصمة ، ويقال إن من لا يريد دفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء في تلك المناطق ، فبوسعه الامتناع عن الدفع و"تحت حماية المقاومة" .
تجد الأزمة في لبنان أحد جذورها في إنكار الشرعية البرلمانية والدستورية . وهم لذلك يسخرون من الأكثرية النيابية (التي استهدف أفراد منها بالاغتيال )، وقد بلغت السخرية مداها في قيام رئيس المجلس النيابي بإغلاق المجلس النيابي ، حتى لا "يتذرع "أحد بأكثرية وأقلية ! . ما تفعله حماس في غزة شديد الشبه بأطروحات المعارضة اللبنانية . إنهم لا يعترفون بشرعية سابقة عليهم . خالد مشعل يقول في واحد من أحدث تصريحاته إنهم لم يأحذوا غزة فهي لهم في الأصل ( وفي ذلك خطوة متقدمة على طريق تقسيم الناس بعد الأرض بين غزاويين وغيرهم ) وهو يأخذ على السلطة أنها انقلابية ! .فقد كان يتعين على الشعب أن لا يحرك ساكناً منذ العام 1965 بانتظار انبلاج فجر حماس في العام 1987 ،وإلى أن يشتد عود سامي أبو زهري . وبما أن الشعب أطلق حركة وطنية عارمة أدت لقيام منظمة التحرير ، فذلك لا شك أنه بمثابة انقلاب مسبق على الحركة التي لم تكن قد رأت النور ، وكان الجماعة في الأثناء ينكرون على الشهداء شهادتهم . فازت حماس في الانتخابات ، لكن ذلك لم يشف غليلها ، فعمدت الى تضميخ فوزها بالدم ، وأردفت المنافسة السلمية بانقلاب يستعيد مأثور الانقلابات العربية ، وهو ما كان "ينقص " الشعب في كفاحه لإنهاء الاحتلال.
يُراد في لبنان أن تكون هناك حكومتان تقوضان وحدة البلد والشعب والكيان ، وتعرض الحكومة الثانية الحوار وربما التفاوض مع الحكومة الأولى الشرعية ، تماماً كما فعلت حماس في حركتها "المباركة ". ففي غزة الحكومة السابقة المقالة "تمارس مهامها " بعد أن غادرها الوزراء السابقون ممن لا ينتمون لحماس . ينكر هنية على عباس أن يكون للأخير الحق في إقالته ، بينما بارك هنية من قبل لعباس نفسه ، تكليفه له لهنية بتشكيل حكومة . إنها الذرائعية في أحد أكثر أشكالها تجريبية وفجاجة .
قبل أيام كانت تعقد ندوة لجماعة الإخوان في الكرك ، تحدث فيها زميلان إضافة الى "صقر من صقور حماس " من غزة على الهاتف ، على حد تعبير مقدم الندوة .كان المقدم يسأل عن استهداف حماس وعما إذا كان ما حدث في غزة قابلاً للتكرار في الضفة الغربية . الهواجس الفئوية تطبق على المقدم ، فليس الشعب هو من يستحق الانشغال بواقعه وحقوقه ومصيره ، ولا الأرض المأسورة بل الحركة المباركة حصراً ، مع تمنيات مكتومة ومنتشية وتكاد تكون غير مضمرة ، بتكرار ما حدث فتكون الحركة قد أتمت قسطها للعلى ، بتكريس مبدأ الاقتتال واعتماد النهج الانقلابي طريقاً ، لكي يتحرر الشعب من حصيلة كفاحه الطويل .
في لبنان يهددون بعصيان مدني أو بسواه ، وحيث يجب أن " تأخذ المخيلة مداها " ، كما قال "صقر من صقور المعارضة " هو العماد ميشال عون ، الذي يرى بتواضع جم أنه الوحيد المؤهل بين ملايين اللبنانيين ، للوصول إلى سدة الرئاسة والذي يجب أن يبلغها ، وإلا فلتأخذ المخيلة مداها في توقع ما يمكن أن يحدث !.
كل ذلك يتم تحت راية المقاومة ، ومقاومة المحتل لا شك براء من هذه المطامح الجشعة للسلطة في لبنان كما في غزة ، والتي تهدد السلم الأهلي في الصميم ، وتقوض السنن الشرعية والدستورية .
mdrimawi@yahoo.com
25 آب, 2007
استهداف أقليات و..أكثريات!
محمود الريماوي
من حسن الطالع والتدبير أن المذبحة التي تعرض لها الأزيديون في العراق الثلاثاء الماضي 14 آب الجاري ، قد لاقت استنكارا من جهات عراقية عدة منها هيئة علماء السنة ، إضافة ألى هيئات عربية ودولية مثل هيئة الامم المتحدة وجامعة الدول العربية .لن تؤدي مواقف الشجب هذه الى محو آثار هذه المذبحة التي سقط فيها خمسمائة قتيل ، غير أنها ترفع الغطاء على الأقل عن هذه الارتكابات الفظيعة التي لا سابق لها ، في تاريخ العراق والعالم العربي ، والتي هي أقرب ما تكون الى حملة إبادة سوداء .
لم يعرف عن أبناء تلك الطائفة التعرض للنظام العام ، أو لغيرهم من الجماعات والأفراد ، بما ذلك أتباع الطوائف والديانات الأخرى . ولم يعرف عنهم أنهم شكلوا ميليشيا خاصة بهم وحملوا سلاحاً بوجه أحد ، أو حتى أنهم نظموا أنفسهم في حزب كبقية الطوائف والجماعات الأهلية . ورغم ذلك فقد تم استهدافهم وتشديد النكير عليهم ، بغير تمييز بين رجال ونساء وأطفال ، وذلك من طرف من يوزعون صكوك الإيمان والتكفير ، ومن يناصبون العداء أبناء دينهم الحنيف ، بالقدر الذي يستهدفون فيه أتباع الديات الأخرى ، ومن يقرنون ادعاءاتهم تلك باقتراف شتى أنواع الجرائم ضد الأبرياء .
ومع مواقف الإدانة التي سبقت الإشارة إليها ، فلا شك أن هذه الواقعة المروعة تستحق أن تفتح الأعين والمدارك ،على مدى الكارثة التي تحيق بالعراق والعراقيين ، وعلى حجم الخطر الذي يتهدد مجتمعات ودول المنطقة في حال استشرى وجود مثل تلك الجماعات أو جرى استخدامهم من قبل أطراف أخرى لغايات سياسية ضيقة . فجملة والإبادة والتطهير جاوزت كل حد ، ولم تعد تتغطى بمزاعم سياسية ووطنية أو إيمانية وما شاكلها .
لقد عاشت الأقلية المذكورة بأمن وسلام في مختلف الحقب والعهود الإسلامية ، وفي بلد أكثرية أهله مسلمون ، وقد لحقهم ما أصاب غيرهم في مراحل العسف ، غير أنه لم يتم من قبل استهدافهم كطائفة أو أقلية . ولا ريب أن الفعلة ومن وراءهم بجريمتهم هذه قد حققوا قصب السبق ، وتبوؤا موقع الريادة في إطلاق هذا الصراع الدموي المقيت ، الذي يستلهم صفحات سوداء من قرون غابرة في تاريخ البشرية ، ويستهدف طوائف وأقوام بعينها ، بما يهدد مكتسبات المجتمعات وأهمها الروابط الإنسانية والعيش المشترك والإخاء الوطني ، واحترام حرمة الحياة البشرية والاحتكام إلى قانون عام ، حتى لو لم يكن عادلاً العدل كله .
لقد بلغ وضع بلاد الرافدين من السوء ، بحيث باتت جريمة جماعية نكراء كهذه ، تمر كحدث إعلامي يتصدر المنابر ويستحق الاهتمام به ليوم واحد ، بانتظار المزيد من كوارث أخرى . وهو " إنجاز " اجترحه القتلة الذين رفعوا الجرائم إلى مصاف التطورات الروتينية ، وتم فيه تصنيف البشر من مختلف الملل والنحل ، كأرقام من القتلى أو المصابين والمشردين على لوائح المشفيات وغيرها من الهيئات ، أو كمرشحين للاستهداف الأعمى في دورة جهنمية .
ومن الواضح أن هذه الممارسات الشائنة ، ترمي بعدئذ الى إغلاق كل السبل أمام أية حلول ومخارج من أي نوع للمعضلة القائمة ، ويرمي مرتكبوها ومخططوها إلى إحكام طوق العزلة على العراقيين في وطنهم المدمى ، وذلك بالإيحاء أن لا حلولاً داخلية ولا خارجية ، ما دامت هناك رمال ملتهبة متحركة لا يصمد عليها بشر ولا حجر .
ومن اللافت أن هذه التطورات المأساوية تحدث ، وحكومة المالكي منشغلة بمهام "جسام" من قبيل إعلان التحالف بين من هم متحالفون في الأصل ، وهم حزبا الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والحزبان الكرديان ! . وكأن هذا "الخبر" يستحق اسمه وصفته هذه . فواقع الحال أن هذه الحكومة ، عجزت عن إقامة شراكة سياسية مع بقية المكونات ، فلم تجد من جديد تأتي به سوى تجديد التحالف الرباعي ، والذي وصل في ظله ومع آليات عمله ، ما وصل إليه الوضع في العراق العزيز .
ويعلم القاصي والداني أن لا معالجات أمنية في هذا البلد ، بغير حلول سياسية وطنية وجامعة. هذه الحلول الغائبة حتى الآن ، هي التي ترفع في حال ارسائها ، الغطاء نهائياً عن القتلة .. كل القتلة . وهي التي تضع حداً لحكم الميليشيات، وقوى الأمر الواقع على اختلافها وتضاربها. وهي التي يتعين أن تكفل خلال ذلك استعادة السيادة والاستقلال ، ورؤية نهاية لوجود قوات الاحتلال والمرتزقة الأجانب وتنظيم القاعدة .غير أن الحكومة منشغلة عن ذلك في رص صفوفها وإدامة وجودها، أمام بقية الكتل والتيارات السياسية : ابتداء بالتيار الصدري مروراً بالكتلة العراقية ( إياد علاوي ) وحزب الفضيلة ، وليس انتهاء بجبهة التوافق والحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين ، ناهيك بالأحزاب اليسارية والقومية والعلمانية .
هذا التقلص المتزايد في التمثيل والتعبير السياسي ، هو الذي بفضي إلى جانب عوامل ودوافع أخرى ، إلى الإنفلاش الأمني وتكاثر الجماعات المسلحة بل الجيوش ، على مختلف مسمياتها واختلاط راياتها . وهو ما يعكس هذه الصورة الكئيبة والتعيسة للواقع العراقي ، من قبيل الانغماس في تطهير عرقي وديني ، والمضي في وضع حد للتعدد الاجتماعي والتقافي باستهداف الأقليات في هذا البلد ، جنباً إلى جنب مع استهداف أكثريات ، وكل ذلك لمصلحة "فرقة ناجية " واحدة .. وكل منهم يزعم الانتساب دون غيره لتلك الفرقة !. والحصيلة هي تناحر أفقي لا حدود لعقابيله .
23 آب, 2007
بغداد وواشنطن : غرام وخصام
محمود الريماوي
في مؤتمر صحفي عقده في ختام زيارته لدمشق ، رد نوري المالكي على الحملة الأميركية عليه بالقول : نستطيع إيجاد أصدقاء جدد ..وهو أول تصريح من نوعه لمسؤول أميركي رفيع بخصوص العلاقة مع الولايات المتحدة التي أسقطت النظام العراقي السابق والتي ترفض حتى الآن وضع جدول لانسحاب قواتها من بلاد الرافدين ، وإن كانت ظهرت مؤخرا إيماءات في واشنطن ، بالاستعداد لخفض تدريجي للقوات المتواجدة هناك وذلك تحت ضغط مطالبات الديمقراطيين في الكونغرس .
لكن حتى لو قررت واشنطن سحب قواتها في الغد ، فإن الموقف الرسمي الذي ظل يعبر عنه رئيس الحكومة المالكي ، يرفض ذلك ! ويتمسك ببقاء القوات إلى حين استكمال بناء قوات عراقية . وهذا في واقع الأمر أحد موضوعات الخلاف الجوهري بين حكومة المالكي ، وغالبية القوى السياسية المعارضة لها . ومع ذلك فإن السيد المالكي لم يتردد في القول إنه بصدد توفير أصدقاء جدد وأنه يستطيع ذلك ، بعدما عنً له الاستغناء عن خدمات الأصدقاء الأميركيين ! .
هذا التخبط هو أحد أوجه ضعف هذه الحكومة ، وهو ما حمل القوى السياسية الأخرى للانسحاب منها أو تجميد العضوية فيها ، والتي باتت تقتصر عملياً على الحلف الرباعي الذهبي : الحزبان الكرديان وحزبا الدعوة والمجلس الأعلى .
وبالعودة الى الخلاف الأميركي مع هذه الحكومة ن فقد أخذت واشنطن توجه سهام النقد لها في الآون الأخيرة بعد انسحاب جبهة التوافق ، وتجميد كل من التيار الصدري وكتلة إياد علاوي العضوية فيها . وبذلك بدأت تترسخ وتتنامى معارضة نشطة للحكومة ، من داخل الائتلاف السياسي المشارك في الانتخابات وفي مجمل العملية السياسية .وهو ما ينعكس في النتيجة على النفوذ الاميركي في هذا البلد ، فما دام حليف الداخل على هذه الدرجة من التخبط والعجز عن طمأنة الشركاء الداخليين ، فلماذا التشبث به أميركياً ؟.
غير أن واشنطن تغالط نفسها .فمثل هذه التحفظات على حكومة المالكي ، سبق أن سيقت ضد حكومة ابراهيم الجعفري السابقة . وما يحدث هو تكرار للأخطاء السابقة ولكن مع إضافة آلاف الضحايا الجدد من مختلف المكونات . وواقع الحال أن السلطة والقرار هي للقوى المتنفذة قوى الأمر الواقع . فالمالكي عاجز حتى لو أراد عن تغيير الوضع ، وسبق له أن دشن عهده بإعلان الالتزام بحل الميليشيات ، وهو ما عجز عن تنفيذه باستثناء استهداف ميليشيا جيش المهدي ، لمصلحة الميليشيات الكبيرة الخاصة بحزبي الدعوة والمجلس الأعلى ، ولو فكر بما هو أيعد من ذلك فلن يتم حل الميليشيات .. بل حل حكومته هو ، من طرف من نصبوه في هذا الموقع .
والغالب أن النزاع سوف يتواصل بين واشنطن وحكومة المالكي ، ومن وراء هذه الحكومة ممن باتوا على وشك استنفاذ لعبة الاستفادة من خدمات إيران وأميركا معاً. طهران باتت ترى أنها أقوى من أن يزاحمها على النفوذ ، خصمها اللدود بعدما تمكنت من النفاذ الى مفاصل الدولة . والولايات المتحدة استنفذت بدورها لعبة استهداف القاعدة على هذا النحو ، حيث تسارع طهران لملء الفراغ هنا وهناك .
توزيع الولاء هنا وهناك بين" الشيطان الأكبر " ومحور الشر" ، بات يصطدم بممانعة إيرانية وأميركية ، يفاقم منها العجز الداخلي السياسي والأمني .وبعد أن تخلت حكومة المالكي عن أقرب الشركاء الداخليين ، ها هي تندفع للخصومة مع ولاة الأمر وأولياء النعمة في واشنطن .
أما الشعب العراقي فقلما يخطب أحد وده من السياسيين الجدد .
mdrimawi@yahoo.com
23 آب, 2007
نموذج لتداول السلطة
محمود الريماوي
الى جانب لبنان تعتبر المغرب في طليعة الدول العربية ، التي تؤدي فيها الانتخابات إلى تداول السلطة . مع ملاحظة ان قانون الانتخاب المغربي متقدم على القانون اللبناني ، فالأول يجمع بين نظام القائمة النسبية والترشيح الفردي ، أما في لبنان فلا تمثيل نسبي . وهو ما يفسر أن 26 حزباً خاضت الانتخابات في العام 2002 .وقد حافظ كل من الحزبين التاريحين الاستفلال والاتحاد الاشتراكي على المركز الأوليين فيما صعد حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية إلى المركز الثالث .
في السابع من سبتمبر المقبل تجري انتخابات جديدة يتوجه فيها نصف عدد السكان : 15مليون ناحب من أصل 30 مليون نسمة .وقد جرت العادة أن يكلف الملك الحزب الفائز بتشكيل حكومة ، إلا انه عهد بها إلى شخصية مستقلة : إدريس جطو ، وذلك لتقارب نسبة وعدد ممثلي الحزبين الكبيرين .ومع ذلك فقد تم تشكيل حكومة مختلطة من حزبيين ومستقلين . وبالتالي بقي للحزبين نفوذهما في تقرير مصير الحكومة وتحديد وجهتها .
انتخابات هذه السنة تتميز بتخصيص ثلاثين مقعداً للنساء كوتا مقررة ، يجري ملؤها بالتنافس إضافة الى النساء اللواتي يفزن خارج الكوتا .( في الانتخابات التركية الأخيرة فازت خمسون سيدة ) . وليست هذه هي الميزة الوحيدة لهذا الاستحقاق ، فقد وافقت السلطات على تواجد مراقبين أجانب ، وهي المرة الاولى التي تشهد فبها الانتخابات المغربية هذه الظاهرة . وقد تم الشروع في "المراقبة " منذ وقت مبكر .
تشرف وزارة الداخلية لا الجهاز القضائي على عمليات الاقتراع والفرز ، لكن مع تواجد كثيف لممثلي المرشحين ووسائل الإعلام وممثلي جمعيات حقوقية واجتماعية .فإذا أضف اليهم المراقبون الأجانب ، فإنه يتبين بأن هناك مراقبة من كل جانب لهذه العملية ! .
من معطيات هذه الانتخابات أيضا أنها تشمل أقاليم الصحراء الغربية التي تنازع البوليساريو المغرب عليها . وبهذا يمكن للرباط إذا شاءت أن تعهد لممثلي الصحراء في البرلمان ، التفاوض مع الجبهة الصحراوية (البوليساريو ) ! .وقد جرت العادة أن تجري الانتخابات في هذه الأقاليم هذه ليست هي المرة الأولى . معلوم أن جولتين من المفاوضات جرت بين الحكومة وممثلي الجبهة على مدار العام الجاري ، ومن المقرر إجراء جولة ثالثة قبل نهاية هذا العام وذلك دون أن يتأثر مجرى الحياة في هذه المنطقة باعتبارها تحت ولاية الرباط .
الى ذلك فإن الأنظار تتجه هذه العام لمعاينة النتيجة التي سيحققها حزب العدالة والتنمية بزعامة سعد الدين العثماني . والراجح أنه سيحتل موقعاً متقدماً لسبب أساس وهو اعتدال وعصرية هذا الحزب ، في بلد مسلم يتبع سواد أبنائه الإسلام (باستثناء أعداد لا نسبة لها من مسيحيين ويهود ) وتكتسب الشرعية فيها طابعاً دينياً ، إضافة الى تمثيله للشرائح الأكثر تديناً والأقل تسيساً ! مقارنة بجماعة "العدل والإحسان" التي تناوىء النظام ، وتجتذب فئات هامشية، وتقاطع انتخابات غير مؤهلة للمشاركة فيها !.
ويتخذ هذا الحزب موقفا مناوئا للجوء إلى العنف ولما بات يعرف بظاهرة الإرهاب ، ويؤيد التداول السلمي على السلطة ، ولا يقيم علاقات مع أية أطراف خارجية من إخوان مسلمين وجهاديين وسواهم ، ويقيم علاقات جيدة مع بقية الاحزاب . وفي واقع الأمر أن حزب العدالة والتنمية يشكل في المقام الأول تحدياً سياسياً وأيديولوجياً لأحزاب اليسار وعددها ستة ، بأكثر مما يمثل تحدياً لبقية الأحزاب . ليس لأن اليسار هو الأكثر علمانية فحسب بل لان حزب العثماني اخترق جمهور اليسار من الشرائح العاملة والفقيرة .
mdrimawi@yahoo.com
21 آب, 2007
هل الغلاء قدر لا راد له ؟
محمود الريماوي
لعل أكبر ما يجمع الأردنيين هذه الأيام هو الشكوى من الغلاء . فحتى الميسورون يشكون من ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يستخدمونها . غير أن الاهتمام ينبغي أن يتجه إلى الشرائح العريضة الضعيفة أو من متوسطي الحال .فهناك انعكاس مباشر لهذه الحالة ليس فقط على توفير المتطلبات والحاجات الأساسية ، بل كذلك على السلوك الفردي ومنظومة القيم كالروابط العائلية والنظرة إلى العمل والحاجة لزيادة الدخل من أي الطرق .
لا بد في النهاية من التدخل الحكومي لأجل حماية النسيج الاجتماعي ،بالربط بين سلم الأجور والرواتب وتكاليف المعيشة .حتى لا يتحول الغلاء إلى قدر لا راد له ، وتتوطن تبعاً لذلك قيم تدبير الحال والشاطر بشطارته ومقولات غضب السماء على الناس وسواها .
فلئن كانت موارد الحكومة مهما اتسعت فإنها تظل محدودة ، قياساً إلى حجم الإنفاق من مشاريع وخدمات ورواتب وأجور وزيادة السكان ، كذلك فإنه يتعين الأخذ في الاعتبار أن موارد الناس محدودة أيضاً ، وأن من لا يتمكن من الوفاء باحتياجاته قد يتعرض لما لا يحمد عقباه ( كما في حالة العجز عن سداد قرض بنكي مثلاً مهما كانت قيمة القرض ) .
ولئن كان الغلاء عالمياً كما يردد الخاصة والعامة وكما في ارتفاع أسعار البترول ، فإنه لا بد تبعا لذلك من الأخذ بما تعمد اليه الدول الأخرى خاصة المتقدمة منها ، في تطويق الغلاء وحتى لا ينذر هذا الواقع بأزمات اجتماعية حادة . وللإنصاف فإن الدولة اتخذت خطوات عديدة في هذا الاتجاه بدءا من صندوق المعونة الوطنية إلى إنشاء المؤسسات التي تدعم المشاريع الصغيرة إلى بناء المساكن بشروط ميسرة لذوي الدخل المحدود . علما بأنه لا يمكن التشبه في هذا المجال بالدول الغنية كالدول الخليجية وسواها .غير أنه يمكن الإفادة من تجارب الدول الأخرى بحيث لا يدفع الفقراء أكثر من غيرهم ـ وهم بالكاد يملكون شيئا ـ تبعات التحول المتزايد الى السوق الرأسمالي الكامل الذي يشمل مختلف الخدمات . ومن أوجه الإفادة الاقتداء بما تفعله بعض الدول بربط سلم الأجور والرواتب بمتغيرات تكاليف المعيشة .
لقد أقرت الحكومات المتعاقبة بهذا المنطق مع وضع حد أدنى للأجور ، ومراجعة هذا الحد بين فترة وأخرى , المطلوب هو التمسك بهذا المنطق ابتداء ، ثم الشروع في وضع آليات لهذا الربط المطلوب حتى لا تسود قناعات بأنه لا سقف ولا نهاية لمسلسل الغلاء ، الذي تنتشر حلقاته كما ينتشر الوباء بالعدوى أو بمجرد السمع به .
يكاد لسان حال الأردنيين جميعا ينطق بأن الدنيا قد تغيرت، فبات الفقير يكافح للبقاء على قيد الحياة ، مع اتساع دائرة الفقراء .وهذا الانطباع صحيح مع الاستدراك بأن حاجات الناس تنوعت وازدادت ، وفي الحصيلة ارتفع مستوى الحياة حتى بالنسبة للشرائح الضعيفة .في زمن مضى بل وقبل عقدين فقط ،كان اقتناء التلفزيون يحتسب من الكماليات لدى الفقراء فبات أساسياً في كل بيت ، وكذلك الموبايل وحتى الانترنت الذي يتم استخدامه خارج البيت ، وقس على ذلك السلع والأدوات التي تكثر حيازتها ويكثر استخدامها طردياً ، مع تحسن مستوى الدخل .
الإحساس بالفقر وهو واقع حقيقي لا متوهم ، يرتبط أيضا بارتفاع مستوى الوعي ، والاطلاع على ما يجري في العالم من حولنا وعقد المقارنات ، وخاصة لدى الشبان ومن هم في سن العمل ، فإما أنهم لا يتابعون تطوير قدراتهم الذاتية من أجل الحصول على فرص عمل إضافية أو مختلفة ، أو أنهم لا يتوفرون على فرص العمل رغم تحسن إمكانياتهم ، وهم ممن يقيمون على أطراف العاصمة وخارج المدن الكبيرة ، مما يملي أخذ واقع الشرائح الضعيفة في الاعتبار أولاً قبل أية فئة أخرى .
mdrimawi@yahoo.com
21 آب, 2007
موسم ينادي المشتاقين إليه!
محمود الريماوي
صدور الإرادة الملكية السامية بحل مجلس النواب الرابع عشر ، يفتح الباب رسميا وعملياً أمام بدء الموسم الانتخابي . سيكون هذا الموسم حيوياً وساخناً ويزدهر معه "اقتصاد الانتخابات " وكذلك الإعلام المتعلق بهذه المناسبة والمقصود اقتناص بعض الوقائع والحالات في بعض المنابر ، وخاصة عبر الفضائيات .،غير أنه سيتم بإذن الله عبور هذا الاستحقاق بانتظام وسلاسة .فالأردن الحديث يشهد انتخابات منذ 55 عاماً ، رغم الفترة الطويلة التي توقفت فيها الحياة النيابية (1957_1989 ) والتي شهدت خلال ذك تجربة شبه نيابية : الاتحاد الوطني والمجلس الاستشاري . وفي قناعة الجميع رغم كل الاختلافات ، أن الحياة النيابية هي عنوان للتجربة الأردنية وعنوان الدولة والمطامح الشعبية . من هنا سيكون الحرص على نجاح هذا الاستحقاق .وكان المرء يتمنى أن تجري انتخابات المجلس الخامس عشر وفق قانون جديد ، يتماشى مع التطلعات المعلنة منذ عقد على الأقل . غير أن ذلك لا يقلل من أهمية هذه المناسبة حتى مع القانون الساري .
فمع زيادة عدد المواطنين ومع اتساع وتعدد مرافق البلد ، ومع ظهور تحديات جديدة تتعلق بالأجيال الشابة وضرورة مشاركتها وتمثيلها ،وكذلك مع ازدياد وعي النساء بأهمية مشاركتهن وهو ما وفرته الكوتا التي فتحت الباب للتنافس من جهة وضمنت تمثيل "نصف" المجتمع من جهة ثانية . في ظل ذلك فإن هذه المناسبة ترتدي أهمية متزايدة .وإذا كانت الانتخابات البلدية قد لقيت ما لقيته ، من اهتمام ونسبة مشاركة وحملات انتخابية حيوية فكيف بالانتخابات النيابية ، التي من المقرر أن تتم وفق منطوق الإرادة الملكية قبل نهاية العام الجاري ، وفي ظل تحديات داخلية وخارجية متسارعة .
يكاد المرء يتوقع مبكرا أن يكون الإقبال على الترشيح كبيراً ، فهناك وعي متزايد بأهمية المجلس النيابي ، وهناك حاجة ملموسة وتطلع ملحوظ لفئات اجتماعية ، داخل بُنى حديثة وتقليدية على السواء لأن تمثل "نفسها بنفسها " ، والمقصود محاولة تجديد الوجوه والرموز .
وهناك الى ذلك توق لتمثيل سياسي وهو ما استشعرته أحزاب وشخصيات مستقلة ، في خوضها للانتخابات البلدية .
وفي واقع الأمر أن قانون الأحزاب الجديد أيا كان الرأي فيه ، وخاصة في بنده المتعلق برفع الحد الأدنى للعضوية إلى خمسمائة عضو ، فقد أيقظ الأحزاب على ضرورة أن لا تبقى ذات وجود رمزي شديد التواضع . الآن فإن الموسم الانتخابي الذي بدأ يشكل تحدياً جدياً للأحزاب بأن تثبت ليس وجودها بل مبرر هذا الوجود ، لا أن تظل تكتفي بدور المراقب وتسجيل الملاحظات على هذه المناسبة الوطنية المفصلية . والراجح أن الأحزاب التي نعتزم إدامة وجودها والتكيف مع القانون ، سوف تكون مدعوة أمام أعضائها كما أمام الجمهور للتعامل مع هذا الاستحقاق بالجدية والايجابية الكافيتين ، فإن لم يترشح أحد من حزب ما فعلى الأقل أن تكون للحزب كلمة في المرشحين ، وأن تكون له خياراته في من يدعمه ، ليس في العاصمة فقط بل على امتداد الوطن .
المأمول أن تكتسب هذه المناسبة طابعا سياسيا وتنموياً ، وأن يجري تنظيم حملات انتحابية حيوية مع ما يقتضيه ذلك من ايجابية ورصانة ، واحترام عقول الناس لا محاولة إثارة الغرائز والتهييج ، وإطلاق برامج قابلة للتنفيذ لا تُضار فيها فئة من فئات المجتمع ، وخاصة الفئات الضعيفة على أطراف العاصمة وخارجها .
الموسم بدأ . ولعل كثيرين من مرشحين ومناصرين ومعنيين ، لا يبددون طاقاتهم وطاقات غيرهم في الانفعالات الزائدة ، والاستعراضات الذاتية والفئوية ، وينهمكوا في ما ينفع الناس.
20 آب, 2007
عن التباعد بين الرياض ودمشق
محمود الريماوي
الفتور الذي "تطور" الى تباعد متزايد بين الرياض ودمشق ، يؤشر إلى ما يشبه التحول في الحياة السياسية العربية والنظام العربي . ليس الفتور جديدا بل يعود لأكثر من سنتين .وقد نشأ على خلفية الوضع في لبنان . وليس سراً أن الرياض هي التي أقنعت المسؤولين السوريين بسحب القوات السورية من لبنان ،بعد تواجد دام لنحو ثلاثة عقود .
وفي واقع الأمر أن دمشق انتظرت بعدئذ تطورا لعلاقاتها مع الرياض ، وهذه العلاقات لم تكن سيئة بل جيدة . أما الرياض فكانت تتوقع انحسار النفوذ السوري في لبنان .وكلا الأمرين لم يحدثا فدب الفتور في العلاقات ، التي شهدت أفضل حالاتها بعد اجتياح النظام العراقي السابق للكويت والمشاركة معا في الحرب ثم توقيع" إعلان دمشق" الذي ضم دول الخليج زائد مصر وسوريا .فيما كانت دمشق تتحدث باستمرار آنذاك ، عن مثلث مصري سعودي سوري .
غير أنه في تلك الفترة بل في مرحلة سابقة ، وعلى إيقاع الحرب العراقية الإيرانية كانت تنمو باستمرار علاقة خاصة ومتشعبة بين دمشق وطهران .وهي العلاقة التي دأب المسؤولون في العاصمتين ، في السنوات القليلة الماضية على وصفها بالاستراتيجية . وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى الرياض وخاصة مع صعود جناح المتشددين في طهران وفوز الرئيس أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية ( بالمناسبة محافظون متشددون في إيران ، يطالبون هذه الأيام بمحاكمة الرئيس السابق خاتمي ) .
يلاحظ خلال ذلك أن علاقات الرياض بطهران قد تحسنت ، وقد تم التغلب على مشكلات مهمة خاصة تلك التي تنشأ في موسم الحج . ومنذ أكثر من عام تتعاون الرياض مع طهران لتطويق الأزمة اللبنانية . والرسالة السعودية في هذا المجال واضحة : لا بأس بل لا بد من إقامة علاقات حسنة مع الجار الإيراني ، شريطة أن لا تتقدم العلاقات مع الجار على العلاقات والالتزامات العربية .
هذا وجه رئيس بل محوري ، في الخلاف الذي بات علنياً بين الرياض ودمشق . الأخيرة من جانبها تتحدث عن ضغوط غربية متواصلة : أميركية أساساً عليها ، وأن العالم العربي لا يفعل الكثير أو حتى القليل لرفع هذه الضغوط . أما الرياض فترى كما تنبىء مواقف مسؤوليها أنه لا بد من تحسين علاقات بدمشق بالأطراف العربية ، كيما يكون ممكنا مواجهة الضغوط على هذا البد العربي أو ذاك . وفي رأي الرياض كما اومأ المصدر الرسمي السعودي في تعقيبه على نائب الرئيس السوري ، أنه لا بد وقف محاولات النفوذ على الأطراف اللبنانية والفلسطينية والعراقية ، كيما يمكن إعادة بناء العلاقات مع دمشق ، وقد صيغ هذا الموقف بعبارة أقسى في الرد السعودي .
وفي النتيجة فقد تكرست وإلى إشعار آخر حالة التباعد .وهو ما سيكون له انعكاساته التي تتعدى حدود العاصمتين .فللملكة العربية السعودية كلمة مسموعة داخل مجلس التعاون الخليجي بدوله الست ، وقد دأب هذا المجلس على اتخاذ مواقف جماعية حيال القضايا ذات الأهمية .. كما تتمتع الرياض بعلاقات وثيقة مع سائر الدول العربية والإسلامية . بينما تحظى دمشق بعلاقات وثيقة مع طهران ، وجيدة مع السودان واليمن وليبيا ، وبعلاقات خاصة مع حزب الله ( وأطراف لبنانية عدة ) ومع حركة حماس .
لن يكون مقدوراً في الأمد القريب التجسير بين البلدين ، وذلك لتباعد الرؤى بينهما والذي يكاد يلامس الاختلاف في الاستراتيجيات .والراجح أن التطورات السياسية في المنطقة من هنا حتى نهاية العام الجاري ، والمواقف العملية التي ستتخذ بشأن هذه التطورات والنتائج التي ستسفر عنها : مؤتمر السلام المزمع في الخريف ، جنباً إلى جنب مع احتمالات المواجهة ، وانتخابات الرئاسة اللبنانية ونتائج التحقيق في مقتل الحريري ، هي ما سيؤثر أولاً على العلاقات بين الجانبين إيجاباً أو سلباً .
19 آب, 2007
احترام حق العودة دليل اعتدال
محمود الريماوي
تعود قضية اللاجئين مجددا الى الواجهة مع تواتر الأنباء عن اتصالات فلسطينية إسرائيلية "سرية "تمهد لاستئناف التفاوض . محاولة ممارسة ضغوط تتجدد بدورها على السنة ساسة ومعلقين كثر في تل أبيب ، الجامع المشترك في ما يتناولونه : إن إثارة هذه القضية والتمسك بحلها في إطار الشرعية الدولية ، هو تطرف وليس أقل من ذلك . والمتطرف في هذه الحالة هو محمود عباس . أما الاعتدال فيقضي بالنسبة لهؤلاء التنازل عن حق عودة مشردين إلى ديارهم .
المسوغات التي تساق لطي هذا الملف أن الدولة الموعودة هي دولة الفلسطينيين ، والمشردون من هؤلاء يعودون إذا أتيحت لهم العودة إلى أراضي تلك الدولة ،لا إلى الدولة الإسرائيلية . إنه منطق شكلي يبدو مقبولا للوهلة الأولى .غير ان نظرة ثانية تكشف عن فساد هذا المنطق .فالتسوية المطروحة يفترض أنها تاريخية تعالج جميع جوانب الصراع ، بما في ذلك جذوره ومقدماته الأولى ، والتي تعود كما يروق لإسرائيليين القول إلى مائة عام على الأقل .ما دام الأمر كذلك وبما أن التسوية المطروحة تعيد للفلسطينيين 22 بالمئة فقط من فلسطين الانتدابية ،وما دامت هذه التسوية تقفز عن قرار التقسيم لعام 1947 الذي قضى بدولتين عربية ويهودية متقاربتي المساحة ، عليه فإنه لا بد من تدارك ذلك بعودة مشردين إلى ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم ، علماً أنهم يعودون في هذه الحالة إلى الدولة الاسرائيلية .وثمة قرار بعودتهم وتعويضهم هو القرار 181 .
وأكثر من ذلك فإن مبادرة السلام العربية تتحدث عن حل عادل وواقعي كما كان الحال في وثقة جنيف ، فيتم بذلك أخذ المحاذير وحتى المبالغات الإسرائيلية بالاعتبار لجهة الوضع الديموغرافي ، ولكن مع التسليم بمنطوق الشرعية الدولية وإقرار حق العودة كمبدأ .بهذا وحده يمكن أن يرتسم حل تاريخي .
الخشية من تفعيل هذا الحق تعود في الأساس إلى الخوف من افتضاح الرواية الإسرائيلية القائمة على التزوير والتضليل بما يتعلق بقيام دولتهم على حساب مشردين تم اقتلاعهم من وطنهم الأم بما في ذلك تنظيم المجازر لأعداد كبيرة منهم وهدم مئات القرى . هذه الخطيئة الأخلاقية هي ما يقض مضاجع اسرائيليين ، يرغبون في دفع العالم لإغماض الأعين عن الحقيقة والتواطؤ معهم على طمس الجريمة الكبرى . ومن ذلك الكذب الصفيق بتصوير تواطؤ الانتداب البريطاني مع العصابات الصهيونية على أنه حرب تحرير للإسرائيليين ، وذلك بتحرير الأرض من أصحابها وإحلال مستوطنين من وراء البحار محلهم .
ترغب تل أبيب في لي عنق الحقائق ودعوة الجانب الفلسطيني "المتطرف " للتخلي عن حق العودة ، أو منحه مضمونا جديدا بحيث يسري هذا الحق على العودة الى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة . وفي حال التوصل إلى ذلك يتم وضع اشتراطات وما لا يحصى من عقبات أمام عودة هؤلاء إلى الدولة العتيدة .
على الجميع أن يستذكروا انه جرت مباحثات طويلة في أواسط التسعينيات بشان عودة النازحين وكان شيمون بيريز يقود المباحثات عن الجانب الإسرائيلي مقابل وفد عربي ضم مصر والأردن وفلسطين . وقد أوقف بيريز المباحثات بعد مواعيد متباعدة لعقد الاجتماعات ، ولم يعد أحد من النازحين إلا بموجب اتفاقيات أوسلو ، بالإضافة إلى أعداد محدودة في إطار ما كان يسمى بلم الشمل .
الآن يراد تكرار الأمر : العودة محصورة إلى الضفة والقطاع ، ثم تصبح هذه العودة بعدئذ مقيدة باشتراطات إسرائيلية ، بينما يظل حق أبناء الأمم من اليهود مطلقاً في التخلي عن دولهم ومجتمعاتهم ، والذهاب إلى فلسطين الانتدابية .
حق العودة شرط لنجاح المفاوضات ، وبرهان على الاعتدال ، ودليل على حسن النوايا .
mdrimawi@yahoo.com
18 آب, 2007
يوم منسي في حياة حمورابي
محمود الريماوي
حين تأخر وصول حمورابي للمشاركة في أعمال اللجنة القانونية ، فإنه لم يدر في خلد المجتمعين أنه ضل طريقه إلى الفندق ، واتجه بدلاً منه إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ، وذلك لتشابه هيئة المبنيين الحديثين . وما أن بلغ مدخل المؤسسة حتى صادفته سيدة ذات إثارة طاغية ، وقد تعلقت أنظاره بها على غير إرادة أو قرار منه ، مما أربكه وأشعره بالخجل من نفسه ، على أن الأمر أثلج الصدر العامر لتلك السيدة التي بادرت بالكلام بلهفة.
- لا تقل إنك لم تعرفني.
لم يكن السيد حمورابي على معرفة بها ، وقد خمن بفراسته برغم ضعف بصره أنها مذيعة ربط ، وربما تقدم برنامجاً جماهيرياً ، حتى أسعفته ذاكرته المنهكة وفتح الله عليه بالقول :
-