31 تموز, 2007
بانتظار القول الفصل
محمود الريماوي
رأى البعض في استقالة الوزيرين على خلفية أزمة مياه المنشية ووقوع ألف إصابة ، بأنها جاءت متأخرة بعض الشيء . بينما رآها آخرون وهم كثر في واقع الأمر ، أنها خطوة جيدة في حد ذاتها كما في مدلولاتها. جيدة للوزيرين في شجاعتهما بتحمل "المسؤولية الأدبية والمعنوية " ، وهي خطوة صائبة من أجل إرساء تقليد تحمل أصحاب المراكز العالية المسؤوليات ، وعدم تحميل صغار الموظفين التبعات لمجرد أنهم يقومون بالعمل التنفيذي بصورة مباشرة . وعلاوة على ذلك فالخطوة جيدة ، لأنها تنعش الآمال بالمضي على طريق الإصلاح ، وتطوير أداء القطاع العام . فيما رأى بعض ثالث ممن لم تصب توقعاته ، بأن الإجراء مُفاجىء ولم يكن في الحسبان ، إذ توقع هؤلاء أن يبقى كل شيء على حاله ، وكأن شيئاً لم يكن ! .
وإذ رددت وكالات الأنباء والفضائيات في اليومين الماضيين الخبر ، بمقدماته وتداعياته ونقلت أصداءه ، فليس في ذلك ما يضير الأردن من قريب أو بعيد .بل على العكس من ذلك فإن هذا التطور أثبت في حدوده هذه ، أن ثمة حياة سياسية طبيعية في الأردن ، حياة حية وناطقة ليست بكماء ولا مكتومة ، تثير الاهتمام بل تستحق الإعجاب . وأن المسؤول بصفته هذه وبمسماه هذا ، يتحمل المسؤولية علناً وأمام الملأ، لا يتهرب منها ولا يلقي بها على كاهل غيره وخاصة الضعفاء منهم . علماً أنه في مسألة متشابكة الاختصاصات ومتعددة الأطراف ، كمسألة تلوث المياه وما واكبها وما تلاها ، فإن المسؤوليات تقع وتتوزع حُكماً وبدرجات مختلفة على أكثر من طرف . يقول المرء بذلك من زاوية تشخيص الأمور لا من باب الحكم والإفتاء ! .
الأحكام والتقديرات النهائية بل القول الفصل ، هو بيد اللجنة المولجة بهذا الأمر ، التي سوف تستمع إلى من ترتأي ضرورة الاستماع إليه ، إضافة إلى معاينة التقارير الفنية وربما شهادات أشخاص . وهي لجنة محايدة إن شاء الله ، والأردنيون يتطلعون إلى تقريرها المرتقب ، ليس لا سمح الله تربصاً بأحد أيا كان ، خاصة ممن سجلهم زاخر بالعطاء والجدية والكفاءة ، وإنما إحقاقاً للحق وكشفاً لواقع الحال ، ومن أجل تحديد درجة ومستوى المسؤوليات بصورة أمينة موضوعية ، بغير افتئات أو محاباة بطبيعة الحال . مع الأخذ في الاعتبار ، أن المسألة لم تكن ربما بنت ساعتها ، وإن تفاقمت في الآونة الأخيرة ووصلت إلى ما وصلت إليه ، مما استهوله كل أردني بما في ذلك من يتحملون المسؤوليات .
الزميل مجيد عصفور تحدث إلى محطة " العربية " بالمناسبة ، وقال ضمن ما قاله تعقيباً على المسألة ورداً على أسئلة مذيعة المحطة ، " إن الوزارة تكليف لا مجرد تشريف ". والمقصود واضح : إن من يكلف بالموقع الرفيع لا بد له من تحمل المسؤولية ، ووضع ذلك في الاعتبار مسبقاً . عسى أن يشكل هذا التطور مناسبة للبعض للكف عن التزاحم على المواقع العليا ، وأن يضعوا في الحسبان تبعات التكليف إلى جانب مزايا التشريف . وبذلك يتم كما هو مأمول وضع ضوابط وكوابح ذاتية ، للحد من ظاهرة الاستيزار التي ميزت وطبعت حياتنا السياسية والعامة ، طيلة حقب ماضية .
30 تموز, 2007
وقفة مع د.عزمي بشارة
محمود الريماوي
بين الآراء المتميزة التي حاولت استخلاص الدروس من فوز حزب العدالة والتنمية ،للإفادة منها في الحياة السياسية العربية ، ذلك الرأي الذي ساقه المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة وذلك في مقال نشره الخميس الماضي 26 تموز الجاري في جريدتي "الحياة" و"الخليج" بعنوان : " أسئلة على العلمانيين العرب مع انتصار الإسلام المعتدل في تركيا " .
في رأي الكاتب أن الحزب التركي نجح رغم مناوأة علمانيين وقوميين ويساريين له . ورغم أن حزب العدالة لا يطرح نفسه لبيراليا وديمقراطيا ، إلا أن تركيا لم تشهد مرحلة ليبرالية وديمقراطية مثل حقبة حزب اردوغان وغول . ويود د.بشارة من العلمانيين العرب استخلاص الدرس من هذه التجربة ، بأن يتم الشروع في حوار مع قوى الإسلام السياسي الواسعة ، وأن تميز بينها وبين القوى التكفيرية التي لا تؤمن بالعملية الديمقراطية .ويصف د. بشارة الحركات الدينية مثل حزب الله وحركة حماس والإخوان المسلمين في مصر بأنها حركات "عميقة الخبرة وكثيفة التجربة ولا تحتاج إلى أوصياء بل إلى محاورين متواضعين" .
هذه الملاحظات تأتي بمناسبة فوز الحزب التركي .لكن الكاتب لا يعقد مقارنة ولا يتلمس أوجه شبه واختلاف ، بين حزب العدالة وبين الحركات الدينية الواسعة كما يسميها ، وهذا مأخذ رئيس على أطروحته . إذ أن سياق المقال يوحي بأن الحالتين على تشابه كبير إن لم يكونا متماثلتين .وهو ما حدا بالكاتب إلى أن يدعو العلمانيين العرب لعدم تكرار أخطاء نظرائهم الأتراك . .
لا يعقل والحالة هذه الأخذ بهذا المنطق الذي يذهب د.بشارة . فحزب العدالة لا يصف نفسه كحزب ديني بل يعتبر نفسه حزب المحافظين المعتدلين في بلده ، وعلى غرار المحافظين الأوربيين .بينما الحركات الدينية عندنا تضع الطابع الديني متقدماً على المضمون السياسي . وجمهورها الملتزم بها هو الملتزم دينياً .ونشاطها السياسي يختلط بنشاطها الدعوي ، ومفهومها للمواطنة ذو اساس ديني .
لقد أثار صعود حزب العدالة انتباه مراقبين كثر في العالم ، لمحاولة تلمس الفروق بينه وبين حركات دينية أخرى . مقال د.بشارة يكاد يفيد أن لا فرق يذكر ! . وليس هناك على الإسلاميين العرب ما يتعلمونه من التجربة التركية . الأسئلة ملقاة فقط على العلمانيين .ولدواعٍ منها أن الحركات الإسلامية مثل حماس وحزب الله ن قد تغيرت فأصبحت "عميقة الخبرة وكثيفة التجربة" ..
بأي اتجاه تغير حزب الله مثلا ؟ .لم يعد يستهدف المثقفين الشيعة اليساريين كما كان الحال في الثمانينات على قول د.بشارة . علماً بأن الحزب لم يقدم نقداً ذاتياً لتلك الحالة رغم عمق خبرته وكثافته تجربته.والحال أن الحزب أخذ في السنوات الأخيرة يغلب الطابع الطائفي على طابعه الوطني ، وهو ما يفسر سيطرته الكاملة على مناطق الشيعة وفرض نموذج حياة شبيه بالنمط الإيراني لا النمط اللبناني المختلط ، والذي ما زال قائماً في المناطق الأخرى .
كما تغير الحزب باتجاه الاندراج العضوي في حلف إقليمي . وفيما يدعو د.بشارة الآخرين الى الحوار مع الحركات الدينية فإن حزب الله قطع الحوار مع الأطراف الأخرى ، وقد ارتأى بدلاً من ذلك الاستيلاء على قلب العاصمة ومنع الحياة الطبيعية فيها . وقد دأب على تكرار التلويح بأقامة حكومة ثانية توازي حكومة الأكثرية .
حركة حماس أوقفت الحوار مع السلطة الشرعية وقامت بانقلاب صريح .لو كان حزب العدالة في تركيا تورط بمحاولة انقلاب وهذا مستحيل ، لكان خرج من الحياة السياسية . كيف تكون حماس قد تغيرت وقد انقلبت حكومة الوحدة الوطنية التي كان يقودها هنية على الشرعية ؟ لا شك أنها تغيرت باتجاه احتكار الحياة السياسية بالسطوة المسلحة وبالإعدامات بدم بارد ، وبالأمس فقط كان خالد مشعل يقول في حديث صحفي "نعتذر الى الله عن أخطاء حماس " وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحاسب البشر على ذنوبهم يوم يبعثون ، فإن البشر يحاسبون بعضهم بعضاً في الحياة الدنيا . غير أنه رغم "عمق خبرة حماس وتجربتها الواسعة " فإنها ترفض أن تخضع لمحاسبة شعبها . أي وجه شبه مفترض يبقى بين حركة مثل حماس وحزب العدالة التركي ؟.
يعرف الجميع أن فوز حزب العدالة يلقي أولاً تحدياً على الحركات الإسلاموية العربية ، على الأقل من باب "الشيء بالشيء يذكر " . الخشية أن د. بشارة يود إعفاء هذه الحركات من تجربة المراجعة ، فيمطرها بوابل من الثناء ، ويلقي الأسئلة فقط على من يسميهم العلمانيين .علما أن قوميين ويساريين أتراك نزلوا على قوائم حزب العدالة ، ليس لأنهم تخلوا عن قناعاتهم ولكن لأن حزب العدالة مرن وعصري وديمقراطي حقا ، لا يبطن العنف ولا يظهره .
mdrimawi@yahoo.com
29 تموز, 2007
من وراء فوز حزب العدالة ؟
محمود الريماوي
الحدث التركي ممثلاً بفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، أثار أصداء واسعة في العالم ومنه العالم العربي والإسلامي . ومع تباين الآراء والاجتهادات حيال هذا الحدث ، فقد التقت آراء عدة حول أهمية النموذج الجديد والعصري ، الذي يمثله حزب أردوغان وعبدالله غول ، وذلك بالاحترام التام للتعددية الثقافية والفكرية في المجتمع، والالتزام بأسس الدولة العلمانية بما لا يضع أي قيد على الحريات الدينية ، وبما يكفل استمرار التداول السلمي للسلطة ، وتكريس مبدأ المواطنة بصرف النظر عن الدين والعرق والجنس ، وبما يضمن عدم استغلال الدين كأماكن العبادة والرموز الدينية لأغراض سياسية ، في ادعاء واحتكار الصواب ، وإدارة التنافس مع الآخرين على غير الاعتبارات السياسية .
بين فيض الآراء الاجتهادات التي طرحت ، يستوقف المرء رأيان جرى سوقهما في الأيام القليلة الماضية . الرأي الأول طرحه قائد الحرس الثوري في ايران ، والذي يعتبر أن إيران كانت ضمناً وراء انتصار الحزب ذي الجذور الإسلامية في بلاد الأناضول . والمقصود أن إشعاع الثورة الإسلامية قد أسهم في توفير ، بيئة أدت إلى تغيير المعادلات السياسية في البلد المجاور .
يجد المرء نفسه يتفق جزئياً مع هذا الطرح . فقد كان لثورة الإمام الخميني تأثيرها لا شك ، في انتشار الإسلام السياسي أو الصحوة الإسلامية في غير مكان . وهو أشبه بتأثير المناخ على سلوك أفراد وجماعات .وقد أدت هذه الصحوة إلى مشاركة فئات اجتماعية في الشأن السياسي والعام ، كلما أتيح لها ذلك في البلدان التي تنعم بحالة ديمقراطية نسبية . غير أن تأثير الثورة الإسلامية لم يتوقف عند ذلك ، فقد أدى لإشاعة أجواء طائفية وتقسيم الدين الحنيف على أيدي بعض رموزه أتباعه إلى "دينين " ، فانتشرت هنا وهناك مفردات مثل الروافض و"الدين الوهابي " وهي تسميات أريد بها تعظيم وتأبيد الخصائص والفروق بين أتباع الدين السماوي الواحد .
علاوة على ذلك ومقابل حالات من الإسلام السياسي المعتدل فقد انتشرت في هذه الأجواء نفسها ، مجموعات متطرفة تكفيرية تناصب مجتمعاتها العداء وتسوغ العنف بمختلف أشكاله، وتبشر بالقطيعة مع العالم مع الإفادة القصوى من منجزاته ، وتعتبر الديمقراطية بدعة أو فرصة ينبغي اهتبالها لمرة واحدة ، من أجل الانقضاض على السلطات واحتكارها بصورة مطلقة ، وإغاظة من يمنون أنفسهم بأوهام ديمقراطية دائمة "مزعومة " ! .
حزب العدالة في تركيا وقف على هذه التجربة واستفاد من أخطاء الزعيم الإسلامي السابق اربكان ، وكذلك من مجمل حصاد تجربة الإسلام السياسي ، وأبدى وفاء منقطع النظير للتجربة الوطنية ولخصائص النظام وخصوصية المجتمع السياسي وبالذات درجة تطوره ، وهو ما جعل هذا الحزب في النتيجة مفترقاً بصورة نوعية ، عما عداه من تجارب "شبيهة " في الداخل والخارج .
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنأى الحركات الإسلاموية عن هذه التجربة المميزة تجربة حزب العدالة ، وتقيم معها علاقة قطيعة ! . خاصة أن التجربة التركية نبرهن على مدى بعد تلك الحركات ، عن حياة عصرنا وعن حقوق الإنسان ، والمعايير الكونية الضامنة للحريات ودولة القانون والتعددية في مختلف مظاهرها .
واقع الأمر أن تجربة حزب العدالة قامت بين ما قامت عليه على تفادي أخطاء الثورة الإسلامية في الداخل والخارج ، ولم تقم باستلهامها كما ذهب إلى ذلك قائد الحرس الثوري الإيراني يحيى الصفوي .
غداً مناقشة رأي آخر .
27 تموز, 2007
غسان كنفاني : حياة ممتلئة وسحر شخصي
محمود الريماوي
مع الذكرى الخامسة والثلاثين لغيابه والتي حلت قبل أيام ، بلغ غسان كنفاني الواحدة والسبعين .. وها هو يتوفرعلى نضارة باقية وألق باهر، بأكثر مما يتمتع بهما شبان ومكتهلون .
عرفت غسان في بيروت وكنت في العشرين من عمري . وكان هو في ربيعه الثاني والثلاثين ، وبيننا جبل من الفوارق في التجربة . ولم يمنعه ذلك من المبادرة بمد خيط إخاء ومودة نحوي ودون سابق معرفة شخصية . فاجأني ذلك ومنحني ما يحتاجه الشاب اليافع من ثقة بالنفس ومن اعتراف به . فتح لي صفحات ملحق "الأنوار" الثقافي ، الذي كان يرأس تحريره ، وبتسهيل من مدير تحرير ذلك الملحق الشاعر روبير غانم ، ثم اصطحبني معه إلى "الهدف" محرراً ثقافياً للمجلة الأسبوعية التي أدارها ، وبقيت فيها لنحو سنتين .
لا أنتوي التحدث عن شخصي الضعيف . غير أني أجد صعوبة في الحديث بموضوعية فحسب .. تائقاً في ذلك لمخاطبة غسان والسلام عليه ، لا مخاطبة القارىء فقط .
في الوقت الذي بدأت فيه تشيع آنذاك ، بعد عام على هزيمة حزيران ومع صعود العمل الفدائي ، صورة نمطية للفلسطيني : المقاتل الجهم ، القروي ، ابن المخيم ، والفقير ، فقد فوجئت بغسان كنفاني ابناً لمدينة .على درجة ملحوظة من الدفء الشخصي ومن الأناقة الطبيعية والذوق الرفيع. ليست له تلك اللهجة الريفية ( غير المعيبة بالطبع ! ) . حتى أن هناك بُعداً لبنانياً جلياً في شخصيته وقيافته ونبرته !.وهو ما أورثني دهشة ظلت مكتومة . كنت أعرف أن الفلسطينيين وأنا في الأصل منهم وأحدهم ، ينتمون لمدن وبلدات وقرى ، وكثير منهم يقبعون في مخيمات وبعضهم بدو . غير أن التنميط النضالي رفع من نموذج واحد لسيماء الفلسطيني المناضل ، كما تمت الإشارة إليه قبل أسطر . ولأن غسان مناضل ينشط في صفوف "يسار جذري" ، فقد أدهشني الأمر ومع دهشة الشاب اليافع فقد سرني هذا التركيب أو ما يبدوغامضاً محيراً في شخصيته . وأذكر أني تداولت فيه في حينه ، مع صديقي الشاعر الراحل محمد القيسي . أما غسان نفسه فلم أفاتحه بملاحظتي وانطباعي ، فقد خجلت من ذلك . وهو ما يستحق الخجل بالفعل : فغسان مديني ابن عكا ، سليل أسرة متوسطة الحال إن لم تكن ميسورة ، ووالده كان محامياً ناجحاً ، وقد انتقل من عكا إلى دمشق فالكويت فبيروت .أي أنه عاش سحابة عمره في حواضر . فلم يكن غريباً أن لا يحمل شيئاً من سيماء الريفيين ولهجتهم وإيقاعهم . ولعل عامين أو ثلاثة أعوام فقط من الضنك عاشهما مع الأسرة في دمشق ، هي ما أمدته بفرصة الاقتراب والتفاعل النفسي والذهني ، مع عالم البؤس الاجتماعي ومع خصوصية التشرد واللجوء ، إضافة إلى تجرعه التجربة بنفسه فقد غادر مدينته عكا ، فتى في الثانية عشرة من عمره .
كان عروبياً شديد القرب والثقة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، كما هو حال حركة القوميين العرب آنذاك وكان نجماً صاعداً فيها ، قبل التحول إلى اليسار والخصومة الأيديولوجية مع "البورجوازية الصغيرة " المنسوب عبدالناصر إليها وفقاً لأدبيات ماركسية ، وكان إلى ذلك يبدو كواحد من اللبنانيين بانشغاله في السياسة الداخلية لذلك البلد ، وبحكم كتابته للعمود الرئيس على الصفحة الأولى من "الأنوار" ، وكانت تُحتسب الجريدة الثانية في لبنان. ولم يكن بعيداً عن نمط الحياة البيروتية إنما بغير إسراف أو مبالغة . وهو ما أورث الشاب الذي كنته الدهشة ، وذلك قياساً إلى محورية القضية الفلسطينية في إبداعه القصصي والروائي .
في واقع الأمر أن انتقال غسان من الصحيفة اللبنانية الثانية ، إلى مجلة أسبوعية مستحدثة شكل تضحية مهنية كبيرة منه .خاصة أن المجلة وهي "الهدف " كانت لسان حال تنظيم هو الجبهة الشعبية ، مما يرتب على هذه المطبوعة قدراً غير يسير من التقيد بالاعتبارات السياسية والتنظيمية ، والتضحية بالكثير من اعتبارات المهنة ، كالتركيز على المقالات والدراسات بدلاً من الأخبار والتحقيقات . وكالاضطرار إلى نشر مواد مطولة : تقارير وبيانات ، أو حتى القبول بقرارات التنظيم في فرز هذا "الكادر" أو ذاك للعمل في المجلة ، دون كفاءة مهنية بالضرورة .و كان ينشط في التعويض عن ذلك بكتابة بعض الأخبار "المثيرة " وتحويل بعض المواد إلى تحقيقات ، وحتى تصميم الغلاف بنفسه ، والإشراف على عملية الإخراج الفني التي كانت تتم آنذاك بصورة يدوية : القص واللصق ، وإعادة طباعة مادة أو أكثر أحياناً لغايات تغيير حجم ولون البنط ، أو تعديل عرض السطر المطبوع . وقد اصطحبني ذات مرة بسيارته لإيصال عدد صدر تواً من المجلة ولم يوزع بعد ، لزملاء له في وكالة رويتر في بيروت . ولما سألته لماذا يفعل ذلك ؟ لماذا لا ينتظر كي يحصلوا هم على العدد في الغد من المكتبات ؟ .فقد أجابني بأنه بهذه الطريقة يفسح لهم في المجال ، لأن يبثوا إذا شاؤوا خبراً في وقت مبكر ، منقول عن المجلة ومنسوب لها قبل صدورها .وهكذا عرفت لأول مرة السر الكامن وراء تلك الأخبار "الغربية المصدر" التي تبثها وكالات أنباء وتقول فيها : إن مجلة كذا ذكرت في عددها الذي يصدر يوم غد أن.. ! .وكان ذلك "اللغز المهني عن كيف يعرفون " يؤرقني من قبل ! .
لم أتابع في اليوم التالي إن كانت الوكالة نقلت خبراً عن المجلة أم لا . لعلي نسيت ! وفي الأصل لم يكن هناك جهاز للوكالة في المجلة ، فلكونها أسبوعية فلا حاجة بها لالتقاط البث اليومي لوكالات الأنباء . كانت اهتمامي بالأدب أكثر . وأكثر منه التسكع في بيروت مع أصدقاء عراقيين من الموجة الأولى التي وصلت بيروت مطلع السبعينات ومنهم فوزي كريم ، قاسم حول ، جمعة اللامي ، المرحوم شريف الربيعي ، مؤيد الراوي وسواهم . وأدباء وصحفيين لبنانيين وعرب أمثال عصام محفوظ وسمير الصايغ وفاروق البقيلي ومنى السعودي ونبيل أبو حمد وياسين رفاعية . وكذلك الشاعر أدونيس الذي خص الصفحات الأدبية التي اشرف عليها في "الهدف" بمقال له ، وجعلني عضواً في هيئة تحرير "مواقف" الصادرة حديثاً آنذاك . . وسواهم . لم يكن غسان رئيس التحرير يتدخل في مسار عملي ، رغم حداثة سني وخبرتي .وهو أمر استحق الإكبار في حينه . كان هناك جو شائع أشاعه هو من المثاليات ، من الرومانسية الثورية ، من الروح الجماعي الرفاقي ، من ترقب انبثاق فجر جديد يتطلب الاستعداد للبذل الذي لا يساوي شيئا مهما عظم مقارنة بتضحيات الفدائيين ، وكذلك التواطؤ المشترك بأننا جئنا إلى السياسة من باب الأدب . وكان غسان يصنفني من طرف خفي بأني "حداثي" .واعترف أني كنت كذلك ، وليس بالمعنى الإيجابي بالضرورة للحداثة. فللإبداع وتنظيراته ، شعاراته وادعاءاته كما في السياسة . لقد أدركت من بعد أن القولبة والشكلانية المتعمدة ، ليست دائماً من الحداثة في شيء ، بل قد تكون سلفية مقلوبة . وكان يحترم هذا "الاختلاف" بصورة كلية لا لبس فيها . وللمفارقة فذلك كان يحدث داخل أروقة مجلة ملتزمة التزاماً شبه حديدي .
من عرفوه يدركون مدى حيويته ونضارته وذكائه وحضور بديهته ، وتفانيه الطوعي في العمل .. الذي يجد فيه نفسه كما لو أنه في بيته وأكثر . فما أن يحل في مكتبه حتى يبدو أنه لن يفارقه . ويسارع إلى تشغيل ورشته مع أول فنجان قهوة . في المجلة يكتب ما لا يقل عن عشر صفحات ، نصفها أو أكثر بغير توقيع . ويقابل أعداداً هائلة من الناس بمن فيهم أجانب . من صحفيين ومن أنصار اليسار الجديد في أرجاء المعمورة ، وربما بعض الجواسيس المتخفين ، من يدري. لم تكن هناك من سكرتيرة أبداً . ولا مقسم يستقبل ويوزع الاتصالات الهاتفية ، وإن كانت هناك بالطبع أجهزة هاتف . الأوقات القليلة التي كان يتمتع فيها بالوحدة ينكب فيها على الكتابة ، الأدبية أو الصحفية . لا يعيد كتابة ما يكتبه بقلم سائل ملون لعله أحمر ، وبخط منمنم رشيق وصغير الحجم .وكان يُقرأني بعض ما يكتب ومنها فصول من أحد أعماله الأخيرة "الأعمى والأطرش" .. وكان يستغل فترة هدوء ما بعد الظهر ليقصد مجلة "الحوادث" التي لم يكن مقرها على مبعدة من مكاتب "الهدف" . كان يمدح و"يشتم " عن محبة سليم اللوزي صاحب "الحوادث" ، ومن الواضح أنه كان معجباً به كطاقة صحفية جبارة وصاحب قلم سيال .كل ذلك في عام السبعين وليس بعد . وقد عرفت أنه يكتب في "الحوادث" آنذاك بغير توقيع . والأرجح أنه كان يفعل ذلك من أجل التواصل مع مطبوعة مميزة غير حزبية ، وربما في سبيل الحصول على مكافأة مالية ، تعوض بعض ما فقده حين غادر دار الصياد التي تصدر عنها "الأنوار" وكان الكاتب الأبرز فيها ، إلى مجلة ملتزمة يتقاضى العاملون فيها بمن فيهم رئيس التحرير كفاف يومهم .
لم يكن ثرياً . لم تكن هناك مصادر مالية مساعدة للكتاب والأدباء ، كما حدث بعد فورة النفط . لا أحد يدفع مكافآت ، لا المجلات ولا الإذاعات ولا التلفزيونات المحدودة الانتشار آنذاك ، ولم تكن هناك من جوائز ، وترجمة أعماله نشطت بعد غيابه لا في حياته القصيرة العريضة .وسيارته دائما صغيرة متوسطة العمر، ولم أكن آنذاك أميز بين موديلاتها .غير أنه غني النفس ، وقيافته بسيطة لائقة وجذابة. يرتدي الكرافتة (رباط العنق ) في المناسبات فقط ، ولا يتحدث عن المال أبداً . لا يشكو ولا يشكر . بل هو مولع بالسخرية ، لتنشيط طاقته على العمل وتعبيرا عن نزوع شخصي ، مع قدرة لافتة على التدفق في الحديث واللعب بالألفاظ وتداعياتها ، وتوليد تعبيرات جديدة . وبالطبع فالعلاقات النسائية هي من أفضل مجالات السخرية . لاحظ مرة أن أحد العاملين يسعى وراء صحفية أجنبية كانت تتردد على مكتبه (مكتب غسان) . أما الدون جوان الذي يسعى في مطاردتها ، فكان أصلع مقدمة الرأس وأعلى الجمجمة معاً ، رغم أنه كان شاباً في أوائل الثلاثينات. فقال له ضاحكاً : من له صلعة في مقدمة رأسه يكون "سكسي" . ومن له صلعة في وسط الرأس فهو مفكر . أما من يكون على صلع هنا وهناك مثلك ، فهو يفكر أنه سكسي ! .
لأن هذا النوع من النكات الذكية اللاذعة يستهويني ، فقد اختزنتها في ذاكرتي وليس لأي سبب آخر . فيكاد الرجل أن يكون نبيلاً مثالياً يُقبل على مهمته باستغراق صوفي ولكن بحرفية عالية ، وتنتظم حياته بصورة توحي أنه يتحمل طواعية ووحيداً تقريباً عبء القضية الفلسطينية . وهو ما حمله على إصدار أول كتاب عن الأدب الصهيوني وأول كتاب عن أدب المقاومة في الداخل:0فلسطين 1948 . وقد ساهم في أواسط الستينات في إيصال القصائد الأولى لمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ، لسهيل إدريس الذي نشرها في مجلته "الآداب ". وأحدثت حينها ضجة كبرى .
ورغم الإرهاق الذي كان يشعر به فلم يكن يتأفف . وقد تمكن من التخلص من التدخين ..من تلك "المجرمة" كما كان يسمي السيجارة ، وإن ظل يحتفظ بين آن وآخر بسيجارة غير مشتعلة بين أصابعه . وكان يحقن نفسه بنفسه كما بدا في الفيلم الذي أنجزه ماجد عبدالهادي ل"الجزيرة "، لمقاومة السكري والنقرس . وإذ يشيع أجواء من الود الطبيعي والكامل والاحترام المتبادل مع العاملين ، فقد كان يتوتر إذا ما شهد مشادة بين اثنين فيوبخهما بالقول : ألا تعرفان أن صاروخاً إسرائيلياً قد يخترق المكاتب ، ويضع حداً لحياتكما وحياتنا جميعاً ؟ . وهو ما كان يثير خجلهما فيلوذان بالصمت ويتصالحان .
أجل كان يهجس بالموت اغتيالاً . رغم أن الإسرائيليين كانوا آنذاك بالكاد بدأوا مسلسل اغتيالات الناشطين والرموز .ومع ذلك كان يسير في حياته برضا مفعم بالثقة بالنفس ومع قدر ملحوظ من الزهو أيضاً . ولم يكن يعرف التزود بمرافق حارس . لم تكن تلك المظاهر موجودة آنذاك ، فالمهم أن الفلسطينيين قرعوا الجدار أخيراً . وكان منهمكاً في محاولة الإجابة لماذا ابتدأت حركة فتح الكفاح المسلح قبل حركة القوميين العرب ، مع التنويه أنه كان للقوميين مبادراتهم آنذاك التي واكبت إنطلاقة فتح إن لم تسبقها ؟ كما كان منشغلاً في الرد على حملات الفريق المنشق حديثاً (الجبهة الديمقراطية ) وعلى مجلتهم "الحرية" وكان هو من قبل أحد أركانها البارزين .لا أعرف لماذا أتذكر الأمور الصغيرة الدقيقة أكثر من سواها : حين كان في "الحرية" وعلى ما روى ، طلب منه محسن ابراهيم رئيس التحرير ذات مرة ، كتابة خبر نعي لأحد الأشخاص قائلا : أكتب الخبر يا غسان فأنا لا أعرف كيف أكتبه . فأجابه : من قال لك أني أعرف كتابة خبر نعي ؟ . .كان يروي ذلك ضاحكاً وهو الذي بوسعه تسويد صفحة كاملة في جريدة ، وكان يفعل ذلك حقاً في "الأنوار" أسبوعياً ، وسبق له أن ترأس تحرير جريدة "المحرر" وهو في الثامنة والعشرين من عمره ، ساخراً من نفسه أمامنا لعجزه عن كتابة خبر تقليدي ببضعة أسطر . ومع ذلك احتفظ بصداقات شخصية مع أصدقائه من ذلك الفريق ، وبالذات بلال الحسن الذي كان يكثر التردد على مكتبه ، حيث يشتد النقاش بينهما أمامي في كل مرة ، فأغادر بعدما يبدو الحديث لي على شيء من الإملال ، إذ يجنح النقاش نحو مسائل تنظيمية داخلية (عائلية كما كنت أصفها لنفسي ساخراً ) في الجبهة قبل أن تنشق .وكنت أتساءل : لماذا يأتي بلال ولماذا يرحب به غسان دائماً ،وهما يدركان مسبقاً أن الخلاف سوف يدب بينهما ، قبل أن يبرد فنجان القهوة أمام كل منهما. إنها رياضة السياسيين المفضلة كما يبدو . وهو التوتر الخاص بمن تتباعد السبل بين من هم في منزلة الإخوة .
حملت له مرة سلاماً من زكريا تامر الذي زرته في دمشق ، وأجريت معه مقابلة صحفية .ونقلت له ملاحظة من زكريا أذن لي بنقلها ، قال فيها إن غسان كاتب موهوب وجيد ، لكن بعض قصصه كانت تحتاج لكتابة ثانية من مؤلفها . فاجأته الملاحظة وغمغم لنفسه بحديث لم أسمعه . لم يكن يريد ليبدو سلبياً حيال صديقه . الآن أسأل نفسي : لماذا كان التجارؤ مني بنقل هذه الملاحظة وفيها ظلال من السلبية ، أما كنت في غنى عن نقلها ؟ . إنه طيش الحداثة ..حداثة السن والتجربة .
يذكر فاروق غندور ابن خالة غسان في فيلم ماجد عبدالهادي ، أن غسان لم يكن ينام الليل . في واقع الأمر أنه قبل العاشرة صباحاً كل يوم، يكون قد التحق بعمله نشيطاً مقداماً وفي كامل يقظته . هذا ما لاحظته في مرات نادرة وصلت فيها مكان العمل مبكراً . إذ كنت أشرع في عملي في الثانية عشرة أو الواحدة ظهراً بعد سهر الليالي طلباً للعلى. لم يوجه لي مرة ملاحظة على ذلك ، بيد أنه وبضحكة مكتومة لفت انتباهي وكنا في مطعم أم فريد في الطبقة الأرضية من المبنى ، إلى أن "الثورات والتحولات الكبرى والأحداث الهامة تقع في الأغلب الأعم قبل الظهر" كما قال . كانت ملاحظة بالغة الذكاء ، فما حاجتي لأن استيقظ بعدئذ ، وبعدما يكون العالم قد أعيد ترتيبه في غيبتي ؟! . وتنسجم الملاحظة مع طبيعة العمل ضمن مشروع ثوري تحرري ، ولكن دون حاجة منه لخطابة أو تبشير .
يشعر المرء بالتقدم المطرد في السن ! . وغسان رقمياً بلغ الواحدة والسبعين . على أن الموتى وبالذات الشهداء لا يكبرون . لا يكبر غسان الذي غادر بيته ودنيانا ، في أوج تفتحه وهو في السادسة والثلاثين ربيعاً . وقد ملأ الدنيا وشغل الناس حياً وشهيداً ، حيث تتوارث وتتعارف أجيال وشعوب ما بينها ، عبر قراءة إبداعه الدائم الإشعاع .
26 تموز, 2007
ليبيا بعد لبنان
محمود الريماوي
النجاح الذي حققته فرنسا في حل مسألة الممرضات البلغاريات ومتعلقاتها ، لفت الأنظار إلى العهد الساركوزي . لقد فشلت من قبل جهود أطراف عديدة لحل هذه المسألة ، والتي لا تنحصر بحياة ممرضات وطبيب ، بل كذلك بحياة مئات الأطفال الليبيين . وها هي الدبلوماسية بشقيها التقليدي والناعم (مهمة السيدة الأولى الفرنسية سيسيليا غلى طرابلس الغرب ) تنجح في ما اخفق به كثيرون ، وخلال فترة قصيرة قياسية ، وذلك بالنظر إلى حداثة عهد الرئيس الجديد .
لم يكم ممكنا توقع حل افضل مما جرى : ترحيل الممرضات الخمس ومعهن الطبيب الفلسطيني ( تم منحه الجنسية البلغارية ) .إنشاء مستشفى خاص في بنغازي لرعاية الأطفال المصابين . والشروع في تطبيع كامل للعلاقات ليس فقط بين فرنسا والجماهيرية ، بل كذلك بين طرابلس وعموم الاتحاد الأوروبي ، ومعنى ذلك أن فرنسا كانت تتفاوض باسمها وباسم بلغاريا ، وعن الاتحاد القاري برمته . ومما يحتسب في الوقت نفسه نجاحاً للدبلوماسية الليبية ،التي تمكنت من كسر ما تبقى من حلقات "الحصار " . والشروع في تطبيع كامل مع المجموعة الأوروبية بما ينهي العزلة المفروضة على هذا البلد .
وواقع الحال أن هذا التطور يعتبر الأفضل بين أحداث هذا الأسبوع في منطقتنا . ومن حسن طالع فرنسا أن لها يد في وصول الأمور إلى هذه النهاية السعيدة . وهذا هو الاختراق الثاني الذي تحققه الدبلوماسية الفرنسية ، بعد نجاحها في جمع الفرقاء اللبنانيين على أراضيها في ضاحية سان كلو .لم يحقق ذلك اللقاء النتائج المرتجاة .غير أنه كسر الحاجز النفسي بين الفرقاء المتصارعين ، وأعاد الإعتبار لخيار الحوار وإمكانيته المتاحة ، ويفترض ان مائدة الحوار التي جمعتهم (جمعت الصف الثاني في واقع الأمر ) ومعهم لأول مرة مثلين للمجتمع المدني وبين هؤلاء الشخصية المرموقة د. غسان سلامة ..يفترض ان هذه المناسبة قد سببت حرجا ايجابيا للمتنازعين إذا جاز التعبير . فإذا كان أمكن جمع الفرقاء على أرض فرنسية فما الذي يمنع التئامهم في ديارهم ؟ .
لقد لوحظ ان باريس استقبلت ممثلين لحزب الله ، في بادرة أوروبية قل مثيلها .علماً بأن فرنسا الشيراكية ثم الساركوزية ، رفضت احتساب هذا الحزب منظمة إرهابية . وما زالت الدبلوماسية الفرنسية تنشط في دفع الملف اللبناني نحو الحل ، وقد تمكنت من اجتذاب دعم إيراني وسوري وسعودي إضافة إلى دعم الجامعة العربية لهذه المهمة . حتى أن الموفد الفرنسي كوسروان زار دمشق قبل أيام ،وبعد سنوات من القطيعة بين البلدين .
والمهم أنه بينما كانت المعارضة اللبنانية تعتبر فرنسا حليفاً للأكثرية الحكومية والنيابية ، فقد بات هذه المعارضة تقر أن الفرنسيين هم جزء من الحل إن لم يكونوا مرجعية للحل . وهو تطور هام ، ما كان يمكن توقع حدوثه قبل شهرين من الآن . والمأمول أن يتلقى الجهد الفرنسي دعما موصولا خلال الأسابيع العشرة المقبلة ، وهي الفترة التي تفصلنا عن استحقاق انتخاب رئيس لبناني جديد خلفاً للرئيس لحود الممدد له .
بات العالم يتبادل التأثير بين أنحائه ومكوناته .وبينما يبدو التأثير العربي في الخارج معدوما ، فإنه من الملاحظ تقلص فرص التأثير العربي في الداخل . وهو ما يجعل المواطن العربي يتخير هذا "التدخل " الخارجي أو ذاك ،كما هو حال فرنسا التي لم يجرب عهدها الجديد بعد ، حظه في التدخل في الصراع العربي الإسرائيلي . والمأمول أن ينجح الرئيس ساركوزي في اقرب الآجال بأن يخلع عنه صورة صديق إسرائيل ( الاحتلال الإسرائيلي ) ، لمصلحة احترام الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي دون سواهما .
mdrimawi@yahoo.com
25 تموز, 2007
من المنشية الى طرابلس الغرب !
محمود الريماوي
ليس هناك وجه شبه بين المحنة الصحية لأبناء منشية بني حسن ، وأزمة الممرضات البلغاريات والأطفال المرضى في ليبيا ! ، باستثناء أن الأزمتين صحيتان في الأساس ، والقرار السياسي بشأنهما واجب.
يتمنى المرء نهاية سعيدة للمحنة التي فاجأت الجميع وأشاعت أجواء من التأثر الشديد . إنها محنة أكثر من سبعمائة مواطن ، والنهاية المرتجاة والمطلوبة تقوم أولاً على بذل أقصى الجهود ، للرعاية الصحية لهم حتى ضمان شفائهم بإذن الله ، وبما بشكل تحدياً للنظام الطبي والإداري تتطلب الاستجابة العاجلة ، وهو ما تم الشروع به بالفعل . وتحديث وضمان سلامة شبكات المياه ، ومراقبة الآبار ، والعمل على رفع مستوى الخدمات الطبية ، وزيادة الوعي الصحي في تلك المنطقة في محافظة المفرق ، وتحديد المسؤوليات عن التقصير الذي حدث ، وهو لا شك لم يكن ابن ساعته ، وإجراء المقتضى بذلك . ثم استخلاص الدروس الصائبة مما حدث ، بالتدارك الفعلي والسريع لأوجه القصور والتقصير ، أينما وكلما وجدت وفي سائر المرافق . وبعدما تبين أنه يمكن لأخطاء إدارية أو ضعف في الأداء ، أن يؤدي إلى كوارث لا سمح الله ، إذا ما تم تغليب الاعتبارات البيروقراطية مثلاً ، على دواعي تطوير القطاع العام ورفع مستوى خدماته ومراقبتها، خاصة تلك المتعلقة بصحة المواطن والسلامة العامة .
في ليبيا انتهت مسألة الممرضات البلغاريات الخمس اللواتي احتجزن لثماني سنوات ، ومعهم طبيب فلسطيني ، بنهاية سعيدة لهذا الفريق الطبي ، بانتظار بلوغ نتيجة مماثلة للأطفال . ومن بنود الاتفاق المعلنة تقديم دعم طبي أوروبي للمراكز الصحية في الجماهيرية ، والسهر على الأطفال المرضى ، بما ذلك متابعة معالجتهم من طرف السلطات الصحية للاتحاد الأوروبي.
اتهمت الممرضات بالتسبب بإصابة نحو أربعمائة طفل بالإيدز ، وصدرت أحكام ضدهن ومعهن الطبيب بالإعدام ، ولم تلبث الأحكام أن جرى تخفيفها من " المجلس القضائي العالي " إلى المؤبد ، قبل التوصل إلى اتفاق شامل .
وأياً كان المسؤول المباشر في النهاية عن تلك المأساة ، فإن المهم هو العمل على منع تكرارها ، وتطوير القطاع الطبي بمختلف جوانبه بما في ذلك أساليب المراقبة والمتابعة الصحية ، ومن المعروف أن مرضى ليبيين بحالات صحية شتى وبعضهم ليسوا من الموسرين ، يقصدون العديد من دول العالم طلباً للعلاج .
ذلك أنه أيا كان حجم مسؤولية ذلك الفريق الطبي ( والذي ينكر أفراده أية مسؤولية لهم ) عما حدث ، فالأصل أن لا يسمح نظام الخدمة الصحية والرعاية الطبية بما فيه المراقبة ، بوقوع مثل هذه المأساة التي ترددت أصداؤها الأليمة في الخارج .
وفي القناعة أن السهر على حقوق المواطنين الأساسية ، وفي مقدمها الحق في السلامة وفي الرعاية الصحية ، هو بعض ما يميز الدول والمجتمعات المتقدمة ، رغم تفاوت الإمكانيات هنا وهناك . وحين يتحدث المرء عن الطابع أو المستوى الحضاري لبلد من البلدان ، فإن الأنظار تتجه لمعاينة مستوى الخدمات الطبية ومدى فاعليتها شموليتها .
عندنا فإن ما حدث في بلدة منشية بني حسن ، أثار مشاعر وانطباعات بضرورة الاقتصاد في التغني بمستوى الخدمات والرضا عن الذات ، باتجاه تقصي أوجه النقص ومواطن القصور والعمل السريع على تفاديها . ، والتوجه إلى تعميم الخدمات الأساسية بالمستوى اللائق ذاته هنا هناك ، فلا يكون هناك محظوظون ومن هم اقل حظاً ، وهو ما يتمناه المرء لكل بلد عربي شقيق .
mdrimawi@yahoo.com
24 تموز, 2007
كيمياء التغيير
محمود الريماوي
قضي الأمر في تركيا . ثبت أن التغيير الذي عبر عنه حزب العدالة والتنمية ، على درجة من العمق والقبول ، وليس سطحياً أو عابراً .نجحت كيمياء التغيير في تكريس المزاوجة بين علمانية الدولة والمجتمع المسلم في شرائحه العريضة . للعلمانيين قوتهم الماثلة في المجتمع أيضا ، وبالحسبة العددية او النسبية يشكلون النصف ، ويضمون أساساً النخب .
شارك الأتراك بكثافة لا مثيل لها في الانتخابات إذ بلغت نسبة المشاركة تسعين بالمئة . بما يدلل أن الأطراف المتنافسة خاضت معركة بكل قواها وليس أقل من ذلك . صحت توقعات قادة الحزب ، وبالأخص ثنائي اردوغان وعبدالله غول بفوز الحزب فوزاً كاسحاً . غير أن الثنائي نفسه لم تأخذه نشوة النصر ولم يكشف عن نوايا انقلابية : سنتعاون مع الحميع ولن يأخذنا الغرور . سنواصل الكفاح من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي . لن نمس أسس الدولة العلمانية . وعلى الأرجح فإنها ليست باطنية أو أسلوباً في التقية ، كما قد يرغب البعض من إسلاميين وعلمانيين هنا وهناك في هذا الاعتقاد . فتجربة السنوات الخمس الماضية في الحكم ، برهنت على صحة هذا التوجه .
أما نزعة التربص والجنوح للانقلاب على الدولة والمجتمع ، فإن حزب العدالة يترك هذا الذخر ، لحركات اسلامية مشرقية ومغاربية . آخرها حركة حماس التي شعر قادتها أن فوزهم في الانتحابات منقوص ، إذا لم "يضمخ " بالدم والغلبة على الشركاء وعلى عامة الناس ، وإذا لم تُقطع الطريق على أية انتخابات أخرى .
المتشددون العلمانيون في تركيا يجدون أنفسهم الآن وجهاً لوجه أمام الحقيقة .فالاستقرار مرهون بالحفاظ على أسس الدولة والنظام من جهة ، وعلى الاعتراف التام بسائر مكونات المجتمع والحياة السياسية من جهة ثانية وبالتلازم مع الأولى .وخاصة بعد أن نجح حزب العدالة في التفاعل مع قوى ورموز يسارية وحتى قومية ، وفي جذبها نحوه والترشح على قوائمه ، ضمن برنامج وطني مرن فلا تتم مصادرة خيارات القوى الأخرى باسم الائتلاف ، ولا تتم إدارة الظهر لحقائق عالمنا وعصرنا ، أو الميراث الدستوري الحي للبلاد والجمهورية ، ولا تتم مناوأة السياحة مثلاً أو حق الناس في البهجة .
لقد تمت الدعوة للانتخابات وجرى تنظيمها وإعلان نتائجها ، خلال وقت قياسي يناهز عشرة أسابيع فقط ، وبغير تجييش وتهييج للشارع والغرائز، تحت داعي الوطنية أو نصرة الدين الحنيف ، ودون إلحاق أذى يذكر بالنسيج الاجتماعي والنظام العام . ألم تجر الحملة الانتخابات نفسها في ذروة الموسم السياحي ؟ بلى ، وقد نجحت كل الترتيبات نجاحا باهرا ، دون أن تُضار دورة الحياة الطبيعية .
ولن يمضي وقت طويل قبل العودة إلى الاستحقاق الرئاسي ، وهو ما يتطلب حسم ما إذا كان مجلس النواب سيختار الرئيس أم يتم ذلك عبر استفتاء شعبي . والتحدي أمام حزب العدالة يكمن في الحفاظ على الروح الوفاقية وأخذ التعددية القائمة في الاعتبار . فهناك نصف الشعب على الأقل يقف مع الخيار الآخر ، ما يتطلب تعاوناً فعلياً مع حزب الشعب الجمهوري ثاني الأحزاب الفائزة ، وأحد أعرق الأحزاب التركية ، وكذلك مع الحزب القومي الناشىء الذي حل في المرتبة الثالثة . فإذا اتخذ حزب العدالة موقفا غير منفرد وتوافق مع غيره على مرشح مقبول من الجميع ، فسوف يحقق نجاحاً سياسياً معنوياً ، يضاف إلى ما أحرزه بجدارة عبر صناديق الاقتراع .
23 تموز, 2007
الملك في واشنطن :المؤتمر والمبادرة
محمود الريماوي
الزيارة الملكية يوم غد الثلاثاء إلى واشنطن ، تمثل الحدث الأبرز في منطقتنا الغارقة بالجمود والمهددة بالمزيد من التوترات الخطيرة . كان رأي جلالة الملك منذ البداية ، أن نزع الذرائع عن التطرف والإرهاب ، يبدأ ويمر وجوباً بإحراز تسوية عادلة شاملة وفق المرجعية الدولية .لقد قطعت واشنطن منذ ست سنوات وستة أشهر ، طريقاً طويلاً ومتعرجاً زاخراً بالإخفاقات ومفعماً بالمكابرة ، قبل أن تبدأ في تلمس هذه الحقيقة ، والمأمول أن تكون قد بدأت بذلك بالفعل ولو متأخرة .
لقد أدى استفحال النزعة التوسعية الإسرائيلية الى جانب عوامل أخرى أقل أهمية ، إلى ازدهار موجة التطرف وإلى عودة المتشددين إلى الحكم في طهران وإلى صعود حركة حماس . لقد صحت للمرة الألف مقولة أن التطرف يغذي ويسوغ بعضه بعضاً . وأنه من قصر النظر وسوء النية أيضاً ، التركيز على مصدر واحد للتطرف وإغفال مصدر آخر ، إن لم يكن تزيين ذلك المصدر الآخر واحتسابه اعتدالاً مزعوماً كما هو الحال في الموقف من الاحتلال الإسرائيلي المتطاول ، والذي يمني أصحابه أنفسهم بأن يكون أبدياً .
لقد دعا الرئيس بوش الشهر الجاري يوليو تموز الى مؤتمر دولي لسلام الشرق الاوسط . وقد فاجأت الدعوة كثيرين ، وذلك لفرط تنصل الإدارة من العمل الجدي والملموس لدفع المسيرة السلمية المتوقفة ، واكتفائها بنثر الوعود الخلابة والحديث في العموميات والاستغراق في التعامل مع مشكلات فرعية وناشئة ، بدلاً من الذهاب الى جوهر الصراع والتسوية .
رحب الأردن كما بقية العالم بهذه الدعوة ، غير أن الإدارة كتمت بعدئذ ومنذ نحو أسبوعين موقفها من آليات عقد هذا المؤتمر وأهدافه المباشرة والمتوسطة ، والأطراف المدعوة إليه وجدول أعماله ومكان انعقاده في الخريف أي بعد نحو شهرين .
ليس معلوماً الآن سر هذا التكتم في واشنطن ، هذا إذا كان وصف التكتم ينطبق على ما يجري . حتى أن هناك من المعلقين من أبدى الخشية ، بأن تكون تلك الدعوة التي أطلقها الرئيس مجرد زلة لسان ، يجري تصحيحها بتجاهلها وبعدم التطرق إليها ثانيةً ! . ولعل في هذا الرأي مبالغة ، تستند إلى ما يعترف به الرئيس نفسه ، من سهولة وتكرار وقوعه في زلات اللسان ..
ولا شك أن الوضع في الشرق الأوسط هو أشد خطورة من هذه المداعبات اللفظية . والخطر لا يكمن في هفوة لفظية تصدر من هنا أو هناك ، بل يتجسد هذا الخطر في سياسات تجانب الصواب ، وتلقي زيتاً بدلاً من الماء على حرائق كبيرة ، أو يقوم أصحابها بإرجاء عملية الإطفاء وإدارة الظهر للنيران ، بدعوى أن أفضل وسيلة للإطفاء هي ترك النيران تشتعل ، حتى تنطفىء من تلقائها وذلك لتوفير كلفة الإطفاء !.
يتحدث المرء بصورة مجازية ، لعل المجاز يكون أوضح في وصف أمور واقعية جرى إنكارها لأمد طويل . وبالعودة للسرد الواقعي ، فإن المؤتمر الذي دعا إليه مؤخراً الرئيس بوش ، سبق أن دعت إليه فرنسا وروسيا وبريطانيا منذ سنوات عدة وتؤيده الصين . أما العرب فقد اشتقوا من الشرعية الدولية مبادرتهم الجماعية لإحلال سلام شامل . وسبق لواشنطن أن أيدت هذه المبادرة ، لكنها لم تلتزم بشيء لوضعها موضع التطبيق .
الآن فإن العرب يترقبون ما سيقوله الرئيس بوش في القمة الأردنية الأميركية لممثل العرب جلالة الملك ، وما سوف يفعله الرئيس عقب القمة .
mdrimawi@yahoo.com
22 تموز, 2007
من المسؤول عن مأساة معبر رفح ؟
محمود الريماوي
من المسؤول عن مأساة العالقين على معبر رفح ؟ .الجواب هو الاحتلال الذي أغلق هذا المعبر ، ومنع أكثر من مائة عائلة من العودة إلى قطاع غزة . ومن المؤسف أنه في ظل الانشغال بالتطورات المتسارعة منذ الانقلاب الذي نفذته حركة حماس فقد تم اهمال قضية هؤلاء ,وقد استغلت تل أبيب الوضع الناشىء وقامت من طرف واحد بإغلاق المعبر . وبعدما قامت حماس بإقصاء القوى الأمنية عن المعبر، وحاولت إحلال ميليشيا القوة التنفيذية بدلاً منها . وفي غمرة ذلك انسحب المراقبون الأوربيون من المكان ، وسارع الإسرائيليون لإعادة احتلاله . وقد وضعوا خياراً بفتح معبر آخر يخضع لسيطرتهم الكاملة ، هو معبر كرم أبو سالم ، لكن حماس رفضت ذلك .
يُذكر هنا أن مفاوضات شاقة وطويلة أثمرت عن تخصيص هذا المعبر ، لانتقال أبناء قطاع غزة منه الى مصر وبالعكس ، وذلك بعد إخلاء المستوطنات الإسرائيلية من القطاع . وقد جرى استغلال استيلاء حماس على القطاع لإغلاق المعبر ، ويبدو أنه لم يدر في أذهان زعامات حماس أن انفراد فصيلهم بالسيطرة على القطاع ، والانقلاب على السلطة الشرعية ستكون له تبعات من هذا النوع . غير أن هذا ما حدث . وفي النتيجة وقعت هذه المأساة وأخذ ضحايا ، يتساقطون تحت ضغط الإعياء وصهد الصيف والمتاعب الصحية ونقص الطعام والشراب والدواء.
لا تملك حماس الحاكمة سعيداً في القطاع فرصة التحدث مع أحد . فقد غادرت البعثاث الدبلوماسية والممثليات الخارجية القطاع بعد الغزوة الظافرة. وفي الأصل فقد اكتفت هذه الحركة منذ فوزها بالانتخابات ، بإقامة علاقات مع ثلاث أو أربع دول العالم وكفى الله المؤمنين شر بناء علاقات مع العالم الفسيح الأرجاء . بما يذكر بحركة طالبان التي كانت تكتفي باعتراف دولة واحدة بها بحكمها لأفغانستان ، هي الباكستان . وفي النتيجة فإنه في الوقت الذي ينعم فيه الزاهدون في الحركة بنشوة الاستئثار بالسلطة ، فإن الناس يكابدون المحنة وبالذات اولئك العالقون على معبر رفح .
من الواجب بطبيعة الحال أن تتحرك القاهرة لفك هذه المحنة ، ذلك أن المسافرين الذين علقوا في طريق عودتهم يقيمون الآن على أرض مصرية . وما يحدث يمثل صورة من صور الترانسفير (الترحيل) ، التي تقدم عليها سلطات الاحتلال متذرعة بالتطورات الجارية ، إذ كان بوسع هذه السلطات تمكين العائدين من الدخول ، ثم إغلاق المعبر مثلا لفترة مؤقتة ، وذلك لو كان هناك حد أدنى من سلامة النوايا .
وفي النهاية فإنه لا بديل من تحرك مصري باتجاه سلطات الاحتلال ونحو حركة حماس ، لوضع حل لهذه المأساة بالتحديد ، والتي تدلل ان البشر يذهبون ضحايا سياسات ومصالح متضاربة . ذلك أن مصر معنية مباشرة بهذه القضية ، كون العالقين وعددهم نحو ستمائة شخص يقيمون مكرهين على أراضيها . ومن المؤلم أن يسقط منهم ضحايا (28 ) نتيجة الإعياء الشديد ، وأن يتعرضوا لبعض العسف في التعامل معهم ، وكما لو أن هذا الوضع الشاذ هو من صنع أيديهم ، أو أنهم يرغبون في استمراره .
وإذا لم يحدث ذلك والأمل و"العشم " أن يحدث من طرف الشقيقة القاهرة ، فإنه لا يبقى سوى التطلع لأن تلعب الهيئات الدولية دورها في وضع حد لهذه المأساة المتطاولة .
mdrimawi@yahoo.com
21 تموز, 2007
شجون العسكر والإسلام السياسي
محمود الريماوي
مم تشكو باكستان ؟ في واقع الأمر أنها تشكو من الحكم العسكري ، دون أن يكون هذا الحكم سبباً في تعطيل آليات دستورية ما زالت معمولاً بها . من المعروف ان برويز مشرف جاء بانقلاب عسكري ،وقد تعرض لحملة غربية عليه لهذا السبب ، إلا أن أحداث سبتمبر أيلول الأميركية ، وما انبرى به مشرف من مشاركة في" الحملة على الإرهاب" ، أدت إلى غض النظر عن الجنرال وحكمه .
أحداث المسجد الأحمر التي وقعت خلال الأسبوعين الماضيين ، لم تكن ترمي إلى استعادة الديمقراطية ، بقدر ما كانت محاولة لتكريس أسلمة المؤسسات . ولدرجة استخدم فيه مكان عبادة وليس أي مكان آخر ل"الاحتجاج السياسي " .رغم أن باكستان تزخر بآلاف المدارس الدينية ، مما يقل مثيله في بلد آخر . بل إن الهوية الإسلامية هي جزء من الهوية الوطنية للبلاد ، وقد تم الحفاظ على هذه الهوية في سائر العهود ، كما أن التشبث بهذه الهوية كان في أساس انفصال باكستان عن الهند أواخر الأربعينيات . ومع ذلك فقد ارتأت مجموعات من الطلبة بأنه لا بد من تحويل البلد إلى دولة إسلامية ..! .
انتهت هذه الأحداث إلى مأساة كما كان متوقعا ، وكما تنبىء الصراعات عندما تفرغ من طابعها السياسي ، وتتحول إلى صراع بين "الحق والباطل والخير والشر" .وبالنظر إلى الصلات القبلية بين باكستان وأفغانستان وبالذات في مناطق الحدود ، وما أقامه سابقا حكام طالبان من علاقات بإسلام أباد ، وحيث كانت باكستان هي الدولة شبه الوحيدة التي تعترف بهم ، فإنه يسهل في ضوء ذلك فهم "الجهاد من أجل مزيد من الأسلمة لدولة إسلامية " .أما الحكم الذي يدافع عن وجوده ، فلا يملك إلا الخيار العسكري في مواجهة هذا التمرد ، وذلك مع عزلته السياسية في الداخل .
من الملاحظ في هذا السياق أن تمرد المتمردين في المسجد الأحمر ، جاء بعد أزمة إقالة رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار تشودري . وهذا هو أسلوب حركات إسلامية عديدة في استثمار أزمات سياسية والتذرع بها ، من اجل التسلل لفرض أجنداتهم الخاصة على الدولة والمجتمع ، وليس لتحقيق إصلاح سياسي مزعوم . وما فعلته حماس في غزة ليس بعيداً عن هذا النموذج ، بل هو شديد الالتصاق به .
بالأمس حدث تطور مهم على هذا الصعيد . المحكمة العليا التي كان تشودري يرأسها ، قضت بأن الإجراء الذي اتخذه برويز مشرف غير قانوني وقررت إعادته إلى موقعه ، بعد أن رفضت "أدلة" تقدم بها محامو الحكومة جرى تصويرها خلسة في بيت كبير قضاة البلد ، وقد اعتبرها محامو الدفاع مشينة .
ناطق باسم الحكومة ، أبدى احترامه للقرار قائلاً إن الحكم ليس انتصاراً أو هزيمة لأحد ، بل هو انتصار للقانون . وهو أفضل ما يمكن يصرح به مصدر رسمي في هذا المعرض . علاوة على أهمية المحافظة على استقلالية السلطة القضائية ضمن نظام يحكم العسكر فيه البلاد ، بدل أن تكون المؤسسة العسكرية خاضعة للمستوى السياسي !! .
ومن الواضح أن القرار والقبول به يشكل مكسباً للنظام خلافاً لأي انطباع فوري ، بأن الحكومة هزمت واضطرت للتراجع عن قرارها غير القانوني ، بإزاحة تشودري وهو معارض من موقعه القضائي وليس بصفة سياسية . فالنظام باحترامه لهذا القرار يكسب مزيداً من الحصانة ، ولعله لا يستخلص من ذلك أن الحكم العسكري ، قابل للبقاء دون إعادة الحكم للمدنيين . فالاستخلاص الأصح هو بالرجوع إلى الفصل بين السلطات ، وعودة الجنرالات إلى ثكناتهم .
mdrimawi@yahoo.com
20 تموز, 2007
جائزة غالب والجائزة التشجيعية !
محمود الريماوي
من حسن الطالع والتدبير أن يستعيد الأردن مجدداً ، قامة إبداعية وثقافية عالية مثل غالب هلسا ، وذلك عبر منحه (منح اسمه ) جائزة الدولة التقديرية .لقد تأخر هذا التكريم لعقد ونصف العقد من السنوات إن لم يكن أكثر . وكما تحدث بعض الأمور على وجه السرعة ، يحدث بعضها الآخر بوتيرة بطيئة كما هو الحال مع استعادة غالب ، الذي رحل .. تم ترحيله في الواقع في حقبة السادات من القاهرة ، ليمكث بضع سنوات في بيروت ثم في بغداد ، ولينتقل منها إلى دمشق حيث عاش سنواته الأخيرة هناك على مقربة منا ، دون أن يناديه أحد من أصحاب الشأن ، للعودة إلى عمان والكرك . لقد كان يقترب ب"غريزته " من موطنه ، من أرض الآباء والأجداد وملاعب الطفولة والصبا ، فأخذ يطوف على تخومه ويمكث هنا وهناك في تلك الأثناء موزعا بين حنينه لوطنه الأول وطنه الأم ، وبين تعلقه بمصر وطنه الثاني .
من المعلوم الىن ان غالب مثقف نقدي وللمرء أن يرافقه أو يخالف في بعض ما يذهب إليه ، خاصة في آرائه السياسية . غير أن أهميته تكمن في عطائه الثقافي كتابة وترجمة ، ما جعله من الوجوه التقافية البارزة في مصر في الستينيات والسبعينيات ، حيث كان له اتصال عضوي بالحياة الثقافية والفكرية والإبداعية فهو على سبيل المثال من منظري حركة جيل الستينيات في مصر .
الإعلاء من شأن مثقف أردني نقدي ، أمر يحسب للمؤسسة الثقافية الرسمية . فالمهم هو الاعتراف بالقيمة ، لا بما يذهب اليها صاحبها في هذا الموضع أو ذاك . علماً بان قيمة غالب الاساسية تكمن والباقية تكمن في ابداعه الروائي والقصصي ، بما يضعه في صدارة النهضة الإبداعية التي تفجرت مع منتصف الخمسنيات في بغداد وبيروت والقاهرة ودمشق . وهذه القيمة لغالب موضع اعتراف وتزكية بل محل إجماع من النقاد والدارسين العرب ، ومن الأولى أن تتم ترجمة هذه التزكية في موطنه عبر منحه التقدير اللائق ، ووضع آثاره بين أيدي الأجيال الأردنية الجديدة وفي كل مكتبة عامة .
وقد لاحظ من لاحظ أن غالب قد كتب روايات "مصرية " إلى جانب قصصه الأردنية وروايته "سلطانة" . هذا يضاعف من أهميته . فأن يكون هناك بعد عربي وتفاعل مع الخارج ، هو من مميزات آثار روائية إنسانية عابرة للحدود , ولم يكن غالب ليخفي البعد المصري في أدبه بل في شخصيته وكامتداد لهويته الأولى . وبهذا فغن الاجيال الجديدة القارئة سوف تقع على إضاءات ثرية للمجتمعين المصري والأردني كما للمجتمع العراقي 0( كما في رواية ثلاث وجه لبغداد ) وفي حقب مختلفة في إبداع غالب وهو أمر حيوي وجذاب ، يكسر الانطباع بالتصاق الأردنيين التام بالبيئة المحلية ورفض مبارحتها .
وبما أن الحديث يدور هنا حول جوائز الدولة التي تم إعلانها مؤخراً ، ومن باب الشيء بالشيء يذكر ، فقد كان من المنتظر منح جائزة الدولة التشجيعية في مجال القصة القصيرة لمن يقع عليه الاختيار من طرف لجنة التحكيم . بيد أن الذي حدث هو حجب هذه الجائزة ، بما يحمل رسالة قاسية مفادها أنه ليس هناك بين القاصين الساردين الشبان ، من يستحق حتى التشجيع ! . وهذا ، أي التحفيز إلى جانب التنويه بالموهبة وآثار صاحبها ، هو الغرض من تخصيص هذه الجائزة التي تم حجبها ، بما شكل مفاجأة مثيرة .
الأمل أن يتم تدارك ذلك في اقرب الآجال .
mdrimawi@yahoo.com
19 تموز, 2007
حتى لا تتبدد دروس حرب كبرى
محمود الريماوي
بعد عام على وقوعها تبدو حرب تموز ، وكأنها باتت وراء ظهر قطاع كبير من السياسيين اللبنانيين ، رغم أن الشواهد عليها ما زالت قائمة في مظاهر الخراب والتدمير الوحشي ، وكذلك في مفاعيلها السياسية التي ما زالت جارية وخاصة بما يتعلق بالوضع في الجنوب وانتشار قوات دولية فيه .
لماذا تبدو تلك الحرب الهائلة في وحشيتها ، وفي صمود المقاومين البواسل أمام أعتى آلة عسكرية في الشرق الأوسط وكأنها تغيب عن الأذهان رغم فرب العهد بها ؟ .
جواب المراقب على ذلك ، أن ما تلا تلك الحرب من تطورات على الوضع الداخلي ، يكاد يؤدي إلى صرف النظر عنها . وقد تكفي الإشارة هنا إلى التزامن بين حلول الذكرى الأولى لها ، وبين اندلاع حرب موضعية قد تكون صغيرة في الاعتبارات العسكرية المحضة ، ونعني بها حرب عصابة "فتح الإسلام " في مخيم نهر البارد ، لكن مخاطرها " الاستراتيجية" الكامنة والظاهرة كبيرة لو لم يجر التصدي الحازم لها . وهي حرب لم تكن متوقعة بهذا الحجم وبما استغرقته من وقت تجاوز الشهرين حتى تاريخه ، فيما سقط للجيش اللبناني ما لايقل عن ثمانين شهيداً ، ولا حاجة للقول إن الشهداء ينتمون لجميع الطوائف .، إذ يكفي التأكيد على أنهم ينتمون للجيش الوطني ، الذي كان في تلك الأثناء لحظة الاعتداء عليه ، يحهد في إعادة بناء قدراته ، بعد أن بدا مدى انكشافه أمام العدوان الإسرائيلي .
كان من المفترض والمؤمل أن تشكل المواجهة مع هذه العصابة البالغة الخطورة ، فرصة لتجديد الوحدة الوطنية واكتشاف عوامل ودواعي الوفاق والتحرك باتجاهها ومقتضاها . لكن ذلك لم يحدث للأسف الشديد ، فقد جرى إعلان مواقف الالتفاف حول الجيش ، مع الإحتفاظ بعوامل التباعد بين الفرقاء على ما هي عليه .وهو أمر غير مفهوم . فما دام تم التلاقي على المؤسسة العسكرية قد تم ، فقد كان الواجب يقضي بالالتقاء على بقية مؤسسات الدولة والوطن والالتفاف حولها .
وهذه هي الفرصة الثانية من هذا النوع التي يجرى تبديدها . ففي الحرب نفسها قبل عام شاعت أجواء نادرة من الوحدة الوطنية ، وتلاقت سائر القوى والأطراف على ضرورة تعزيز الصمود الداخلي وحرمان العدو من تحقيق أهدافه. وسرعان ما تم توظيف تلك الأجواء لغايات تعزيز التباعد .
ومن المؤسف مرة أخرى أن الطرف الآخر ، عمد بعد أن وضعت الحرب أوزارها ليس فقط إلى استخلاص الدروس والعبر ، وهي عبارة يكثرون من استخدامها ، بل نحو الالتفاف حول مؤسساتهم ، ومنع حدوث أي شرخ داخلي والاعتراف بما يعتبرونه أخطاء وتقصيراً ، دون توظيف ما جرى في تلك الحرب لتأجيج نزاعاتهم الداخلية . يقول المرء : من المؤسف ، لأن شيئا من ذلك لم يتحقق على الجبهة الداخلية في لبنان ، فقد تم توظيف تلك الحرب بكل ما اشتملت عليه ، لتعميق التباعد ورعاية بذور التشكيك . فاندلعت منذ ذلك الوقت حروب سياسية صغيرة ، طغت على ملامح الصمود البطولي التي أبداها المقاومون والمدنيون ، وكادت تطمس ما عاناه الناس من الاستهداف المنهجي والمسعور لهم .
يضاف الى ما تقدم من عوامل ، أن الوضع الأمني اعتراه المزيد من التوتر والاحتقان الذي سبق مواجهات نهر البارد وواكبها . ففيما كان يجب توجيه الاهتمام مثلا لنزع ما لا يحصى من قنابل عنقودية بذرها العدو قبل تقهقره ، وبالمناسبة فإن تل أبيب لم تسلم حتى تاريخه خرائط تكشف مواضع زرع تلك القنابل ، فإن الأنظار أخذت تتجه لاتقاء شر تفجيرات وقنابل مزروعة في الداخل أي بعيداً عن منطقة الجنوب . وهو ما أدى إلى تشتت الاهتمام ،حيث انشغل المواطن بيومه وغده ، ولم يعد يجد متسعاً للالتفات إلى الوراء .. إلى فصول الكارثة والبطولة التي اتسمت بها حرب تموز .
ولم يكن الوضع السياسي بأفضل ،فالتخندق والاستقطاب ارتفعت وتيرته طيلة العام الذي مضى ، ولم تفلح وساطات سعودية وإيرانية وكذلك جهود الجامعة العربية في برمجة الأولويات والاتفاق عليها .والأنظار الآن تتجه إلى باريس لعلها تفلح ، في إزالة العوائق التي اعترضت طريق أطراف أخرى .
هذا الوضع البالغ التوتر أرخى ظلاله الثقيلة ، وحال دون استخلاص الدروس ودون تعظيم ما تحقق ، بمطاردة العدو وحمله على أداء ثمن عدوانه .لقد جرى حديث رسمي إبان الحرب ، عن الاستعداد للتحرك لإلزام تل أبيب بدفع تعويضات عن الآثار المدمرة لعدوانها . لكن تحركاً موصولاً بهذا الاتجاه لم يتم . وهو ما كان سيشكل سابقة إيجابية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ، فالعرب دأبوا على "التعفف " عن مطالبة عدوهم بدفع تعويضات عن جرائمه ، بما يشتمل عليه مبدأ التعويض من قيمة سياسية وقانونية وأخلاقية تتعدى المطالبة المالية ، وكان الأمل أن تنجح الحكومة اللبنانية بإثارة هذه المسألة ، ووضعها في دائرة الضوء والاهتمام ، حتى لو لم يكون النجاح فيها مضموناً . غير أنها طويت حتى الآن ، رغم أن جرائم الحروب لا تسقط بالتقادم .
لا يكفي استذكار تلك الحرب والتأسي على أرواح الشهداء والضحايا ، والفخر بآيات الصمود والبطولة ، مع ما لذلك من قيمة وجدانية أكيدة ولا جدال فيها ، فالأهم هو حرمان العدو ما أمكن من المكاسب ، وتثمير المكاسب الداخلية والبناء عليها ، لا إهدارها وتبديدها في استنزاف داخلي لا يتوقف .
18 تموز, 2007
المؤتمر الدولي المقترح :
ما هي الخطوة المقبلة؟
محمو