30 حزيران, 2007
أشرف مروان :الغموض لم يعد بناء
محمود الريماوي
يفترض بالسلطات المصرية أن تميط اللثام (تكشف ) في أقرب وقت ممكن عن ملف أشرف مروان ، الشخصية المحيرة والمميزة ، وذلك بعد وفاته في ظروف مريبة في لندن قبل أيام عن 63 عاماً . ليس من الحكمة أن يبقى الغموض يحيط بسيرة هذا الرجل ، إذ هناك من يتربصون لاستغلال هذا الغموض ، لتشويه الوقائع والحقائق والتلاعب بها وتوجيها وجهة معينة خدمة لأغراضهم ، بما يلحق ضرراً بالدولة المصرية ، وبالرجل وأسرته الصغيرة وأصدقائه .
كان الراحل قريباً في شبابه من أسرة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وقد تزوج من كبرى بناته منى. وقد أفاد من ذلك في ما بعد ، فاقترب من خليفته السادات وبات رئيساً لهيئة التصنيع الحربي استنادا لدراسته في مجال الكيمياء ، قبل أن ينتقل إلى لندن ويعمل هناك في مجال توريد السلاح للقوات المسلحة المصرية .
أوساط إسرائيلية سربت أن أشرف مروان ، كان على صلة بالموساد ، قبل حرب العبور عام 1973 وربما بعدها ، فيما تؤكد أوساط أخرى أن الرجل ، استغل هذه الصلة بالاستخبارات الإسرائيلية ، لخدمة بلده وتضليل تل أبيب ..
مات الرجل بصورة مفاجئة ، فيما كان منسحباً من الحياة العامة ، وعاكفاً على كتابة مذكراته .وهو ما يثير شبهات قوية بأن طرفاً أو أكثر ، كان يرغب على الأقل في حجب فصول ومحطات من سيرة أشرف مروان ، وربما كان هناك من يريد معاقبته والانتقام منه ، لأمرٍ ما يتعلق إما باتصالاته الاستخبارية أو بصفقات أسلحة ، وهو ما يرجحه مستشار سابق للسادات (محمود جامع ). مع أن وفاة طبيعية ليست مستبعدة كلياً ، كونه عانى في السنوات الأخيرة من متاعب في القلب . والأمل أن تعمل أسرته على حفظ مذكراته في حرز حريز ، وأن تعمد بالتنسيق مع السلطات إلى نشر ما أنجزه منها .فهذه المذكرات ملك لمصر والمصريين ، إلى كونها ملكاً للأسرة المفجوعة .
ليس المقصود في ما سبق من سطور ، لا تنزيه الرجل عن ارتكاب أخطاء أو ما هو أكبر منها ، ولا وضعه في دائرة اشتباه . بل التأشير إلى التباس اكتنف حياته ومماته ،مما يستحق أن يغري الروائيين والسينمائيين لاستلهام وتجسيد سيرته. والآن وبعد انقضاء أجله في ظروف مريبة ، فمن الواجب وفاء وانتصاراً للحقيقة وضع حد لهذا الغموض ، وأيا كانت النتائج والخلاصات ، بعدما أصبح الرجل في ذمة الرحمن .
في هذه المناسبة لا بد أن المصريين يستذكرون راحلين كبارا قضوا في ظروف مريبة في الحارج ابتداء من الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد السادات الذي وافاه الاجل في العاصمة البريطانية في نهاية السبعينيات والعلم في الفيزياياء المهندس يحيى المشد في باريس ، مروراً بعشرات من العمال المصريين قتلوا في العراق قبل أعوام وخلال العهد السابق ، وبعدئذ الفنانة سعاد حسني .
ولعل هذه الميتات المأساوية تستثير ما يشبه ميثولوجيا مصرية ، تقوم على التعلق الشديد بتراب الوطن إلى درجة الاتحاد و"الفناء" فيه ، واعتبار مصر ليست مجرد بلد في الدنيا بل "أم الدنيا" ، والتطير من الابتعاد عنه .وهو ما يفسر بين عوامل أخرى ضعف الهجرات المصرية إلى الخارج قبل عقد السبعينات من القرن الماضي ، رغم كثافة عدد السكان والحاجة لالتماس الرزق في بلاد الله الواسعة ،وهو ما عمدت إليه شعوب أخرى في المنطقة ، عاشت ظروفاً مشابهة كالأتراك والإيرانيين .
mdrimawi@yahoo.com
28 حزيران, 2007
خطوة واسعة نحو دولة غزة
محمود الريماوي
لا شك أن حركة حماس قد اجترحت جديداً في قطاع غزة ، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ، التي يجري فيها انقلاب عسكري سافر ، للاستيلاء بالقوة على سلطة القرار وعلى المؤسسات القائمة . وبذلك فإن فوز حماس في الانتخابات مطلع العام الماضي لم يكف الحركة ، ولم يشبع الرغبة لديها كما هو بادٍ في الانفراد بالحكم ، فعمدت الى تأجيج الاقتتال ورفضت صراحة ، الدعوات إلى وقف إطلاق النار وبالذات يومي الأربعاء والخميس الماضيين .
يكتب المرء هذه السطور الجمعة الخامس عشر من حزيران يونيو الجاري ، وذلك في غمرة تطورات متسارعة ، كان آخرها إقالة حكومة اسماعيل هنية ، وفرض حالة الطوارىء والتهيؤ لتشكيل حكومة مؤقتة .وليس معلوماً أين سيتجه الوضع بالتحديد ، غير أن بوسع المرء رسم بعض ملامح هذه المرحلة .
وابتداء فقد تم لا ريب نشوء أمر واقع جديد لكنه شاذ في قطاع غزة ، مع السيطرة المسلحة لحماس على القطاع . ترفض الحركة قرارات رئيس السلطة ، وتعتبر أن "لا قيمة عملية للقرارات " كما قال الناطق سامي أبو زهري . يعني ذلك استمرار حكومة هنية ( الذي نفى قبل يوم واحد من إقالته ، أن يكون وافق على إطلاق النار ) وبالطبع مع خروج وزراء فتح وعلى الأرجح غالبية الكتل الأخرى ، مقابل نشوء حكومة انتقالية في رام الله .
قبل أشهر كان وزير من حماس يتساءل : لماذا يحضر محمود عباس إلى غزة ؟ .زلة اللسان الفرويدية ،هذه كشفت منذ وقت مبكر عن المستور .فالحركة ترغب في السيطرة على القطاع ، وإقصاء الفصيل الأكبر وتالياً بقية المنظمات ، إذ يسهل إقصاء منظمات "صغيرة " بعد إقصاء الكبيرة منها ، وبالأسلوب الذي شوهد على شاشات التلفزة .
يمكن الآن فهم دوافع ومرامي مسلسل الاقتتال قبل اتفاق مكة وبعده .ثقة حماس بالذات تجيز بالنسبة لبعض القائمين عليها فعل ما لا يفعل . والمفارقة الكبرى أن تلك الثقة تأتت عن الفوز بالانتخابات ، فجرى استثمار هذا الحدث الذي تحقق بوسائل ديمقراطية ، من أجل تقويض الديمقراطية والقانون ، ويبدو أن هذه وتلك "لا قيمة عمليا لهما" في نهاية المطاف ، مقارنة بمفاعيل فرض السطوة وقتل 110 ضحايا وجرح المئات ، في الحلقة الأخيرة فقط من هذا المسلسل .
ستجد الحركة أن ما بدا لها من قوة مسلحة سيكون مؤداه العزلة ، وتجريع الشعب المزيد من المعاناة . فقد عادت الحركة بفضل التيار الانقلابي المستحوذ داخلها ،إلى المربع الأول بعد الفوز في الانتخابات ، حين رفضت الالتقاء مع جميع مكونات الحركة الوطنية على برنامج ائتلافي مشترك ، وقامت بتشكيل حكومة ذات لون واحد وبفصيل واحد ، مما شدد من حالة العزلة والحصار على الشعب الرازح تحت الاحتلال ، مما اضطر الحركة إلى تراجع جزئي أدى لتشكيل حكومة وحدة وطنية ، لكن القاصي والداني يدرك أن القرار بالاستيلاء على السلطة هو قرار فصيل واحد ، وبالتالي فإن هذا الفصيل هو من وضع فعلياً نهاية لحكومة الوحدة الوطنية ، إذ لا يمكن لهذه الحكومة الائتلافية أن ترتضي باستباحة الدماء والانقلاب السافر على الشرعية .
ما سعى إليه الاحتلال بفصل غزة عن الضفة الغربية ، في سبيله إلى التحقق التام مع إقامة حماس لدولتها أو إمارتها في القطاع . ومع الرفض المنتظر وشبه المؤكد ، العربي والاقليمي والدولي لهذه الدويلة ، فإنه يسترعي الانتباه تصريحات اسرائيلية بعضها لوزير الحرب عمير بيريتس ، أفادت أن حركة فتح ماتت ، وقبل ذلك كانت هناك تصريحات لتسيبي ليفني تفيد أن محمود عباس "ضعيف جداً وميت سياسياً " ، وأنه مع سيطرة حماس على القطاع وعلى جميع معابره ، لا يعود أمام تل أبيب سوى التفاوض مع هذه الحركة .
فإذا ما ربط المرء هذه التصريحات التي تكاد تكون مرحبة بما جرى ويجري ، بالرؤية الصهيونية القائمة على تقسيم الأرض المحتلة في العام 1967 ، والقبول بإقامة دولة غزة (بعيداً عن "يهودا والسامرة " ) مقابل دوام الاحتلال في الضفة الغربية ، فإن للمرء أن يبدي حذراً شديداً من المآل السياسي لهذه التطورات ، وبصرف النظر عن النوايا .فمن المقدر أن تستغل تل أبيب هذه التطورات لتطبيق برنامجها الجذري المومأ اليه ، وعبر إبداء استعداد ما للتعامل مع الواقع الجديد ، أي الاعتراف الواقعي بدولة حماس في غزة ، والتلويح بمفاوضات وقد تم التلويح بذلك بالفعل بعد ساعات من " انتصار حماس" ، وذلك لإرساء معادلة جيوسياسية جديدة ، تطيح بمرجعيات العملية السلمية المتوقفة ، ومبدأ الأرض مقابل السلام لصالح أرض غزة لقاء السلام . مع الاستعداد لوقف متبادل لإطلاق النار لتمكين الدولة الجديدة من استكمال سطوتها .
بطبيعة الحال هناك عوائق شتى أمام مثل هذه السنياريو ، غبر أن تل أبيب سوف تستثمر إلى الحد الأقصى ، تأسيساً على هذه التطورات ، واقع انقسام وثنائية السلطة لتبشر بانطفاء الحركة الوطنية الفلسطينية التاريخية ، وتكريس تنصلها من أية التزامات سابقة ، مع أخذ "القوة الصاعدة " في الاعتبار ضمن شروط ومتطلبات معينة ، ومحاولة فرض هذه الأجندة على المجتمع الدولي ، والتي يراد منها في الأساس الفصل بين الأراضي المحتلة ، وتوجيه الأنظار فقط إلى الأرض "المحررة من المستوطنين ومن فتح في قطاع غزة " على حد تعبير سامي أبو زهري ، وهي التي تستحق من وجهة نظر تل أبيب أن تكون مداراً للتفاوض .
28 حزيران, 2007
معنى انفتاح موسكو على حماس..
محمود الريماوي
في الوقت الذي انعقد فيه (الثلاثاء) لقاء للجنة الرباعية الدولية في القدس ، كان وزير الخارجية الروسي المتواجد هناك ، والذي تشارك بلاده في اللجنة يستعد لمباحثات مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. في واقع الأمر أن الموقف الروسي حيال التطورات الأخيرة وبالذات انقلاب حماس في غزة قد استوقف كثيرين . فقد واصلت موسكو تبنيها لفكرة استعادة الوحدة الفلسطينية ، وفي رأي الوزير الزائر سيرغي لافروف ، فإن هذا الأمر يعتبر أساسيا لإحراز تسوية .
انفتحت موسكو وما زالت على حركة حماس ، وكانت في طليعة الدول التي استقبلت وفداً للحركة بعد فوزها في الانتخابات العام الماضي . هذا النهج يجد تفسيره في إدراك موسكو لأهمية العلاقة مع إيران ، والمعلوم أن طهران هي حليف علني لحماس ،وقدمت لها وما زالت شتى المعونات ووسائل الدعم و ..النصح. هناك أيضا حرص موسكو على توفير تغطية إسلامية لحربها الطويلة على الانفصاليين الشيشان ، وحركة مثل حماس بوسعها المساهمة في هذه التغطية . مع التذكير بمسعى موسكو للانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي .
لم يقم لافروف بزيارة إمارة حماس في غزة ، ولا يخاله المرء يفعل بذلك ، فروسيا حريصة على علاقتها مع هذه الحركة في إطار المصالح الروسية ، وكذلك في إطار سعي موسكو لاجتذاب الحركة إلى الحلول السياسية ، وإلى التوحد مع اطر الشرعية الفلسطينية . وواقع الحال أن حهد موسكو ، منذ مطلع العام الماضي في هذا الاتجاه لم يثمر ، فالحركة وإن أظهرت غير مرة استعداداً ضمنياً ، للقبول بحلول سياسية للصراع مع الاحتلال ، إلا أنها اختارت أسلوب العنف ولجأت إلى الانقلاب ، في "حوارها " مع شركائها من مؤسسي السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية .. وهي ترغب الآن ببراءة تامة في معاودة الحوار ! .
ومع ذلك فإن موسكو تواصل جهودها مع حكومة الاحتلال من جهة ، ومع حماس من جهة ثانية . وجهد موسكو هو ثنائي مع الأطراف المعنية ، وجماعي في إطار اللجنة الرباعية الدولية . ولموسكو بالذات الفضل ، في رفع المنسوب المنخفض لمواقف اللجنة الدولية ، وهي تنجح في ذلك حيناً وتخفق أحياناً . وهي قلما تفلح مع الطرف الإسرائيلي ، الذي يتشبث برفض أي مبادرة سلمية من أي مصدر أتت ، حتى لو من الحليف الأميركي فما بالك بالروسي ، غير أن موسكو تنجح في الحفاظ على وتيرة علاقتها الجيدة مع الرئاسة الفلسطينية ، وهي علاقة تاريخية ترجع إلى سنوات العهد السوفياتي .
وقد سعى الوزير لافروف في تحركه هذا ، لحمل تل أبيب على الموافقة على خطة روسية ليست جديدة لتزويد السلطة الفلسطينية بستين مدرعة ناقلة للجند . وليس معلوماً ما إذا كان تل أبيب وافقت أخيراً على الطلب أم لا .. برغم المزاعم الإسرائيلية عن الحاجة إلى دعم محمود عباس .
بهذا تتخذ موسكو موقفاً مركباً ، فهي الطرف الدولي الوحيد الذي يحتفظ بخطوط مفتوحة مع سائر الأطراف ، كما أنها ما زالت متمسكة باقتراح قديم لها بعقد مؤتمر دولي خاص بالشرق الأوسط ، غير أن موسكو تدرك أن المقترح فقد بعضاً من واقعيته في الظروف الحالية ، فالمطلوب هو حمل تل أبيب على أن تتوقف عن خططها التوسعية والدموية ،حتى يكون لأي مؤتمر معنى ، وكذلك إقناع حماس بأنها لا تملك الانقلاب على كل شيء ، فضلاً عن أن الأسلوب الانقلابي يدمر صدقيتها .
mdrimawi@yahoo.com
27 حزيران, 2007
بلير حلال مشاكل : من يصدق ؟
محمود الريماوي
ليس معلوماً لماذا يقبل توني بلير منصب مبعوث للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط ، هل لأنه خسر تسميته رئيسا للبنك الدولي ، أم لأنه يبحث عن وسيلة ل"استمرار العرض" أي لبقائه في دائرة الضوء ، بعد أن أقصاه حزب العمال عن قيادة الحزب وعن رئاسة الوزراء ؟ .
أياً يكن الأمر فلم تتفق أطراف اللجنة الرباعية بعد على تزكيته لهذا المنصب ، والبادي أن روسيا هي الطرف المتحفظ .علماً بأن هذه الوظيفة ليست ذات قيمة سياسية تذكر ، فما دامت اللجنة الرباعية نفسها غير فاعلة ، ولا تضع المرجعية الدولية دائما نصب أعينها ، فهل ينتظر أن يكون الممثل لها فاعلاً ؟ .
أما بلير نفسه فلئن كان عارفاً بشؤون منطقتنا وقد زارها غير مرة ، إلا أنه ليس من الأشخاص الذين يتمتعون بقدرة موصوفة على اجتراح حلول . فاسمه يرتبط بنشوء المشكلات ابتداء من التورط في العراق ، إلى العجز عن اتخاذ موقف مستقل عن إدارة الرئيس بوش في قضايا فلسطين ودارفور , وإذ يحسب له التوصل لحلول في ايرلندا ، فإنه ذلك قد يمنحه فرصة للانشغال بهموم الإتحاد الأوروبي ووضع أفكار بشأنها ، لا في الشرق الأوسط . ذلك أن التصاقه بواشنطن ألقى ظلالاً على استقلاليته وصدقيته ، بصرف النظر عن أفكاره ورؤاه الخاصة . فقد سبق له في مناسبات مختلفة ، أن عبر عن قناعات تبدو مختلفة عما يبشر به البيت الأبيض ، لكنه سرعان ما كان ينتقل إلى التقيد برؤى الإدارة الجمهورية ، مما جعله في سياسته الخارجية أشد محافظة من المحافظين في بلده ، رغم أنه كان يقود حزباً "يسارياً " عريقاً.
ومع ذلك إذا نجحت واشنطن في حمل موسكو على القبول به في هذا الموقع ، فلن يغير ذلك في الأمر شيئاً : لن يقدم ولن يؤخر . فقد اجتمعت اللجنة الرباعية يوم أمس في القدس ، وتوصلت الى قرارات بدعم السلطة الفلسطينية ، غير أن الوظيفة المفترضة للجنة تتعدى ذلك ، الى تفعيل قرارات الشرعية الدولية لإرساء تسوية عادلة ونهائية ، وهو ما دأبت على التلكؤ به وحتى تجاهله .
لقد تزامن إنشاء اللجنة قبل حمس سنوات ، مع إطلاق رؤية بوش لدولتين فلسطينية واسرائيلية . ولا شك أن اللجنة عاجزة عن الإدعاء ، بأنها فعلت الكثير على هذا الطريق . فقد كانت معنية على الدوام بمراقبة السلوك الفلسطيني ، وتسجيل الملاحظات عليه وتحديد ما هو مطلوب من أصحابه . وباستثناء دعوات روتينية للاحتلال الاسرائيلي بوقف الاستيطان ، فإن اللجنة لم تقل حتى الآن كلمة في الخطة الاسرائيلية المتوالية الحلقات ، للإجهاز عملياً على مشروع التسوية . ولم يحظ قرار محكمة العدل في لاهاي ،بإزالة جدار شارون بدعم يذكر من هذه اللجنة ، رغم أن القرار حظي بتأييد الجمعية العامة للام المتحدة .
والخشية أن يكون تعيين بلير في هذا الموقع ، بمثابة تمديد لحالة الجمود التي يستفيد منها الاحتلال الإسرائيلي حصراً ، وبما يؤدي حُكماً لازدهار أصوليات متقابلة في تل أبيب وغزة . وبحث ينتهي الأمر لقبول قيام دولة فلسطينية في القطاع ، تصفق لها تل أبيب وتعتبرها خاتمة سعيدة للصراع .
وإذا كان السيد توني بلير هانئاً بحل مشكلته الشخصية ، والتمتع بتعويض معنوي ومالي عبر هذه الوظيفة، فإنه من الواضح أن هذا اللون من الاستثمار في الأزمات هو أحد عوامل استمرارها .
mdrimawi@yahoo.com
26 حزيران, 2007
قمة الظرف الصعب
محمود الريماوي
قبل أيام من وصوله المقرر بعد غد الأربعاء ، يستعد الأردنيون لاستقبال العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز ، بأصدق مظاهر الحفاوة والترحيب . ولا تخفى الأسباب وراء هذه العواطف الجياشة والتقدير العالي لضيف جلالة الملك . فالرياض إلى صداقتها الأخوية والوثيقة لعمان ، وهي الصداقة التي صمدت وترسخت في أصعب الظروف ، فقد باتت الرياض تمثل محور العمل العربي ، ومركز الثقل في الحياة السياسية العربية ، علاوة على ما تتمتع به من مكانة مرموقة وقيادية في العالم الإسلامي ، وفي إقليم منطقة الخليج .
وعليه لا يعود مستغرباً أن تتطلع الأنظار إلى الرياض ،كلما اشتدت الأزمات وضاقت المنافذ . حدث ذلك في أثناء أزمة الاقتتال الفلسطيني حيث نجحت الرياض في توفير أساس للوفاق ، قبل أن ينقلب من أقسموا الإيمان في الديار المقدسة ، على ما تم الاتفاق عليه في مكة المكرمة . وحدث ويحدث ذلك في لبنان حيث لم تتوقف الجهود السعودية ، للتقريب بين الأكثرية والمعارضة ، رغم الصعوبات الجمة التي تعترض هذا المسعى .
كما عملت الرياض على توفير لقاء للزعامات الدينية العراقية في مطلع هذا العام ، وقد انتهى اللقاء باتفاق على حقن الدماء ، لكن زعامات الأمر الواقع في بلاد الرافدين أفشلت اتفاق كبار رجال الدين .. وهم جميعا مسلمون أتباع دين واحد حنيف ، ولا يعتنقون أدياناً مختلفة .
هنا وهناك تصطدم الجهود السعودية التي تحظى بأكبر دعم عربي وإسلامي ، بممانعة أطراف محلية وخارجية ، وما يسمى ب"الفوضى الخلاقة " التي تتردد على ألسنة ساسة ومعلقين كثر ..هذه الفوضى باتت تنتجها أطراف محلية وإقليمية جنباً إلى جنب مع جهات خارجية ، متمثلة على الخصوص بالحلف غير المقدس بين واشنطن وتل أبيب ، دون التقليل من اثر بعض التدخلات الإيرانية .
وإذا أضاف المرء إلى ذلك تسلل جماعات متطرفة ، ذات صلة أو نسب عقيدي ب "القاعدة" إلى العراق ولبنان وفلسطين ، فضلاً عن تسللها لعديد من الدول العربية والإسلامية بينها المملكة العربية السعودية ، وسعي هذه الجماعات للدخول على خط الأزمات الداخلية في البلدان الثلاث على الخصوص ، فإنه يتضح مدى حجم التحديات والصعوبات المتشابكة التي تكتنف المنطقة ، والتي تلقي أعباء متزايدة على كاهل دولها وشعوبها .
ومن المؤسف أن لا تحظى هذه التحديات بوقفة عربية جماعية . لقد أطلقت قمة الرياض قبل ثلاثة أشهر فقط حالة من الزخم وإحياء الآمال ، غير أن الغرق في المشكلات الناشئة ، وافتقاد الدينامية الكافية للعمل المنهجي الموصول ، ألقت بظلالها على تلك الحالة الإيجابية وكادت تبددها . فهناك فينا بيننا نحن العرب ، من لا ينفع أشقاءه ولا يفيد حتى ذات نفسه ! .
ولا شك أن الصورة العامة ليست جيدة ، ولا هي في الوضع الحالي مبشرة .مما يجعل الأنظار تتجه مجدداً إلى الرياض ، التي تقود القمة العربية للعام الجاري . فقد كنا نشكو من قبل حالة الجمود ، وها هي المنطقة تتعرض بدلاً من ذلك لسيولة مختلطة ضارة ، يسهم فيها غير طرف وضمن أجندات فئوية وأنانية ، حيث تقوم القاعدة عبر قناة "الجزيرة " بإعلان الدعم لحركة حماس ، فيما يزعم الطرف الإسرائيلي أنه يريد دعم الشرعية الفلسطينية ، ولكن دون أن يتخلى عن احتلاله وتغوله على المقدسات وعموم الأرض وأصحابها .
وبهذا فإن القمة لسعودية الأردنية المرتقبة تأتي في ظرف دقيق شديد الحساسية ،مما يجعل الأنظار مشدودة إليها .
Mdrimawi@yahoo.com
25 حزيران, 2007
أجندة يُفترض أنها مفهومة
محمود الريماوي
الأجندة الإسرائيلية لتوجيه وتطويع الوقائع الجديدة لمصلحة الاحتلال ،تستحق كشفها والتحذير منها ، صبيحة انعقاد اللقاء الرباعي في شرم الشيخ كما في أوقات لاحقة .
تقوم هذه الأجندة على محاولة طمس المعضلة القائمة المتمثلة بوجود الاحتلال واستمراره وتعاظمه ، ووجوب احترام المرجعية الدولية لإحراز تسوية عادلة ، والتركيز بدلاً من ذلك على حماس أولاً . حقاً إن انقلاب حماس زاد الوضع مأساوية وتعقيداُ ، غير أن الأمور كانت قبل ذلك بالغة السوء .
تسعى تل أبيب في مجمل سياستها الراهنة ، إلى الظهور بمظهر من يدعم السلطة الفلسطينية ، ولو صح ذلك وهو غير صحيح فهو دعم مسموم . فليس مطلوباً من تل أبيب دعم أية حكومة بل إنهاء احتلالها لأراضي الغير .
يتحدثون منذ أيام عن الإفراج عن أموال الجمارك الفلسطينية . إعادة الأموال المحتجزة ليست مكرمة بل واجب . ومع ذلك يريدون إعادة نصفها فقط وعلى مراحل .وهي تبلغ نحو 700مليون دولار ، دأبت تل أبيب على احتجازها منذ وصول شارون للحكم . مع ملاحظة أنهم مستعدون للبحث في الإفراج عن أموال ، ودون الإفراج عن أكثر من عشرة آلاف أسير.
وبما يوحون أنه "دعم مالي" ، فهم يرغبون في إشاعة انطباع بدعم الحكومة وربما الدولة في رام الله . ويريدون خلال ذلك إقامة علاقات حسنة مع هذه "الدولة " ! وما يقتضيه ذلك من تناسي وجود احتلال عسكري واستيطاني وسرقة للأرض ونهب للمياه .بل إنهم تحدثوا بالأمس عن وجوب قيام السلطة بمحاربة الفصائل لا حماس فقط . أي أنه مطلوب من السلطة في رام الله ، مناوأة الفصائل التي تشكل منظمة التحرير وهي المنظمة التي وقعت مع تل أبيب اتفاقية أوسلو . وعليه فالسلطة في رام الله مطالبة بتحقيق أهداف وتنفيذ أجندة إسرائيلية وليس الكفاح لاستعادة الأرض والحقوق .
هذه المطاليب هي الثمن الذي يرفعه السيد أولمرت ، لقاء إعادة أموال إلى أصحابها . ومن المنتظر وتطبيقاً للسيناريو الذي وضعه شارون ، أن يتم التقدم لاحقاً وباستمرار بمطالب إضافية ، وذلك لوضع الجانب الفلسطيني تحت رحمة مطالب لا تنتهي بحيث ينهمك في محاولة الرد عليها من جهة ، مع دفعه ودفع العالم من جهة ثانية لتناسي الجريمة الكبرى المتوالية فصولاً، والمتمثلة بوجود الاحتلال البغيض واستمراره منذ وطيلة أربعين سنة شمسية .
في الأشهر القليلة الماضية جرى تداول تعبير: محادثات ذات أفق سياسي ، والمقصود المباحثات بين عباس وأولمرت . وهو تعبير لا وظيفة له سوى التمويه على رفض تل أبيب، استئناف المفاوضات التي توقفت قبل أكثر من ست سنوات في طابا ، وذلك عبر الإيحاء بل الإيهام من طرف تل أبيب أنهم لا يمانعون هناك في التطرق بصورة ما الى القضية الجوهرية .
الآن لم يعودوا يتحدثون عن أفق سياسي مزعوم ، بل عن "إيماءات " سياسية ، كما نسب الى "ديوان رئيس الوزراء " قبل أيام ، ولعل المقصود بالإيماءات هو تداول أحاديث ، قد تسمح لمن يرغب ويتمنى ، بأن يفهمها على أنها تلامس بصورة ما الوضع السياسي !.
يفترض أن الجانب الفلسطيني يدرك ذلك كله ، والمهم أن يعمل بمقتضى هذا الفهم ، وأن يجهر في شرم الشيخ وسواها ، بالمطالبة بإنهاء الاحتلال وليس أقل من ذلك ، ووقف اللعبة المقيتة التي طال العهد عليها .
mdrimawi@yahoo.com
24 حزيران, 2007
رأي عربي
محطات في مسيرة فقيد كبير
محمود الريماوي
غاب جمال الشاعر عن محبيه الكثر بخفر وهدوء ، وهو ما طبع شخصية الراحل الكبير في حياته العريضة ، إلى جانب خصاله الأخرى كصاحب تفكير ثاقب وثقافة موسوعية ، والتزام وطني وقومي راسخين ، وألفة شخصية دافئة .
يصعب قراءة تاريخ الحياة السياسية والحركة الوطنية الأردنية ، بمعزل عن موقع جمال الشاعر فيهما ، كناشط سياسي ومسؤول وحزبي وبرلماني وكاتب ، إضافة إلى مهنتنه كطبيب وتأسيسه لمشفى رائد .
غير أن ثمة أموراً تستوقف المرء في المحطات الأخيرة من حياة الفقيد الكبير . الأولى إيمانه بالحياة الحزبية كركن ركين للديمقراطية ، وهو ما دفعه لتأسيس حزب قومي وحدوي قبل انقضاء مرحلة الأحكام العرفية ، وذلك قبل عشرين عاماً من الآن إذا لم تخن المرء الذاكرة . وقد استثمر الرجل موقعه المعنوي والاعتباري فأقدم على هذه الخطوة ، والتي كانت إيذانا بعودة الحياة الحزبية ووقف تحريمها .
الأمر الثاني هو تعلقه بالخيار الديمقراطي ، واستخلاصه بذلك لأبرز الدروس الصائبة لإخفاق المشاريع القومية ، مما جعل له موقعاً متميزاً بين مجايليه وسواهم من قوميين ، حيث بقي شطر غير يسير منهم يطالب ويرطن بها في الأردن ، ويغض النظر عن غيابها المروع في دول أخرى ، علاوة على ضعفها في مؤسسات حزبية قومية النزعة .
الأمر الثالث هو أنه في حين تخلى عن الانغماس الشخصي في مواقع قيادية حزبية ، فقد حافظ على نزوعه إلى تشجيع النزعات الإئتلافية والوحدوية ، بين المكونات المتقاربة والمتشابهة من المؤسسات الحزبية .وقد كانت هذه القضية تشغله بل تؤرقه ، وذلك مع ملاحظة ضعف الأداء الحزبي ، وتكاثر وتناسل هذه المشاريع ، وميل بعضها الى الشخصنة وسوى ذلك من مظاهر الضعف ، وما يتصل بذلك من الحاجة الى تفعيل الحياة الحزبية و "رد الاعتبار " لها من طرف الجمهور ، وقد ناله في ذلك بعض الأذى (سوء الفهم ) ، رغم أنه لم تكن له من مصلحة خاصة في هذه الجهود ، بعد أن زهد بهذه الدنيا وما فيها ، وحقق ما شاءه من تطلعات ذاتية ، وكانت آخر جهوده في هذا المجال سعيه إلى التقريب بين جناحي حزب البعث ، كخطوة نحو توحيدهما وهو من البعثيين الرواد في البلد والوطن العربي .
وهناك ما يعز على الحصر من محطات في حياة ومسيرة جمال الشاعر ، الذي شكل نقطة التقاء وجسراً ، يصل بين مختلف مكونات الحياة السياسية والاجتماعية وكذلك بين الأجيال ، وهو ما يستحق أن ينتدب دارسون أنفسهم للوفاء بمهمة إلقاء الضوء عليها ..على هذه المحطات ،ووضعها في دائرة اهتمام سائر المعنيين ، وخاصة من الأجيال الجديدة التي لا بد لأبنائها من الوقوف على المفاصل الرئيسة والتحولات السياسية في تاريخ الدولة والمجتمع الأردني، وحيث كان جمال الشاعر من أبرز الفاعلين فيها على مدى أكثر من نصف قرن ، قبل أن ينتقل إلى موقع الشاهد الأمين والمراقب المعني في العقد الأخير .
يفتقد المرء سماحة ورحابة رؤية جمال الشاعر في هذه الأيام الحالكة ، وحضوره العذب والسابغ في زمن يبتعد فيه الناس عن بعضهم بعضاً ،وهو الذي دأب على جمع الأشتات كما الأصدقاء في بيته كما في المنتديات والأماكن العامة.
ليشمله المولى بشآبيب رحمته .
23 حزيران, 2007
حتى لا تقع المنطقة رهينة للأصوليات
محمود الريماوي
سوف يشهد لقاء شرم الشيخ بعد غد الإثنين ، كما انعقاد لقاء الرباعية الدولية في القدس في اليوم الذي يليه ، استغلالاً اسرائيلياً مكشوفاً لانقلاب حماس ، من أجل فرض أولويات وأجندة جديدة غير تلك التي يمليها واقع الحال منذ العام 1967 . من قبيل تجنيد الجهد لمحاصرة حماس والدعم المالي لرئاسة السلطة وحكومة سلام فياض .فيما المطلوب ببساطة هو تقديم دعم سياسي نزيه لاستئناف المفاوضات ، على طريق انهاء الاحتلال البغيض ، بما يحاصر موجة التطرف في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني ، وفي دول ومجتمعات أخرى في الشرق الأوسط وخارجه .
تل أبيب سعيدة بالطبع بالانفصال الذي أرساه الانقلابيون للقطاع عن الضفة الغربية المحتلة .غير أن الاحتلال هو من فرض من قبل هذا الواقع الشاذ ، وبذل كل ما تملك يمينه لبلوغ هذه الغاية . ما فعلته حماس هو تزكية هذا الواقع القائم من قبل وتكريسه ، لكي تتسلطن في غزة ، وهي التي طالما أشاع بعض قادتها أنهم زاهدون بالسلطة ، كما أقسم هؤلاء في الديار المقدسة على تحريم الاقتتال وعلى عدم اللجوء اليه .
غير أن ذلك كله على فداحته يشكل تداعيات لحالة الاحتلال ، فقد ظهرت حماس بعد عشرين عاما على الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة والقطاع .وأنفقت في ذلك ردحاً طويلا في هجاء الكفاح تحت الاحتلال ، قبل أن تنغمس في لعبة التشكل كقوة بديلة لمنظمة التحرير . وقد اندفعت تل أبيب منذ عهد شارون في مناوأة الاعتدال الفلسطيني وفي تدمير ركائز الحياة ، وهو بالمناسبة الخط نفسه الذي اختطته حماس مع اختلاف المقاصد هنا وهناك .
لم يعد جائزاً الآن الالتفاف على الخلل الجوهري العميق المتمثل باستمرار الاحتلال ، والذي تسبب وما زال يتسبب بالكوارث . السلام العادل هو وحده ما يضع حداً للتعقيدات . لقد تحدث اولمرت بأنه يريد بناء علاقات جديدة مع الفلسطينيين . هذا يتطلب الخروج من منهج اللصوصية والاحتيال وجرائم القتل اليومية ،وإعادة الأراضي والحقوق لأصحابها ، تتويجاً لمفاوضات جدية ما فتىء أولمرت يتهرب منها جرياً على نهج أستاذه كبير أعداء السلام شارون .
على الجانب الفلسطيني أن يتسلح برؤية واضحة ، فلا تطغى الأحداث الأخيرة رغم خطورتها على جذور المسألة .حماس مستفيدة استفادة كبرى من غياب حل سلمي ناجز، لكي تسوغ نزعتها الانقلابية الجامحة . المتطرفون الاسرائيليون الكثر ، وأولمرت أبرز قادتهم مستفيدون استفادة قصوى ، من غياب الحلول الجدية للإطباق على الأراضي المسروقة بما فيها بيت المقدس .
تطورات الأسبوع الجاري تشكل فرصة ، لكي يرتفع صوت الاعتدال بالدعوة لمعالجة جذرية للمعضلات ، ومواجهة السياسة الاسرائيلية المقيتة القائمة على استغلال الذرائع ، ومحاولة التمويه على المعضلة الكبرى الدائمة ، والمتمثلة في حرمان شعب كامل من حقه في الحياة والحرية ، والاستيلاء على أرضه ومقدراته .
هذا هو المدخل الصالح والوحيد ، لتطويق التطرف من أي مصدر أتى ، وأياً كان لبوسه وشعاراته وأحابيله، ولوضع حد لتلك البيئة المريضة التي يزدهر فيها ، والإنصاف يقتضي القول إن اليمين الإسرائيلي ، هو صاحب السبق في إرساء هذه التشوهات البنيوية الخطيرة .فقد أذن صعود هذا اليمين ببروز ما لا يحصى من الجماعات الصهيونية العنصرية ، وهي تشكل الرديف والاحتياط الاستراتيجي لحزبي كاديما والليكود على السواء .
لم يعد الوقت يتسع لإطلاق المزيد من الألاعيب والأكاذيب . فإما أن تكون المنطقة رهينة لأصوليات متقابلة يغذي ويسوغ بعضها بعضاً ، أو أن يتم التقدم بشجاعة على طريق سلام عادل .
mdrimawi@yahoo.com
21 حزيران, 2007
آن الأوان لوقف الخلط والاختلاط !
محمود الريماوي
من المفارقات أن "جبهة العمل الإسلامي" تستكثر أن تعبر تيارات يسارية وقومية تنضوي معها في "تنسيقية المعارضة " عن موقف مناهض للاقتتال الفلسطيني وللنزعة الانقلابية الجامحة في قطاع غزة . وللجبهة أن تقول بأن الخلاف يدور حول عدم جواز التعبير الذي تم عن مجمل موقف المعارضة وباسمها مجتمعة ، بينما هو في الأصل موقف لأحزاب بعينها . حسناً ماذا كان سيكون عليه الموقف لو عبرت تلك التيارات عن موقف مطابق ، لما تتخذه جبهة العمل من تأييد ضمني وبصوت خافت لما جرى ؟ . كانت الجبهة سترحب آنذاك بذلك وتحتسبه تعبيراً أصيلاً عن وحدة مواقف المعارضة ! .
آن لأحزاب يسارية وقومية ووطنية ، أن تمضي خطوة الى الامام ، بوقف الاختلاط الضار والفادح بين مواقفها وسياساتها ، و وموقف من يراهنون على "صحوة " هنا وهناك ، تضع حدا للآمال بالذهاب على طريق التعددية وبناء دول الحق والقانون ، لمصلحة تيارات منغمسة بامتداح الذات وامتلاك الصواب واحتكار النطق باسم الأمة ، بما لا يترك هامشاً لحياة سياسية طبيعية .
ولا يعقل أن يكون الرفض مثلا هو الجامع الوحيد بين قوى حزبية ذات تباين بين ، في الرؤى السياسية والأيديولوجية ، وأن تتم المراهنة على هذا المشترك وحده ، فحتى الرفض فإن دواعيه وبواعثه مختلفة ، والبدائل أيضا على درجة كبيرة من التباعد .
لقد جاء انقلاب غزة امتحاناً كاشفاً للمستور وللباطنية السياسية ، وللازدواجية بين الخطاب الإعلامية والقناعات الفعلية ، وذلك لدى العديد من جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي ، التي اعتصم معظمها بالصمت ، وهو في المحصلة من قبيل صمت الرضى عما يحدث .
لقد ارتكبت العديد من الدول أخطاء ، في التضييق غير المبرر على قوى إسلامية وديمقراطية ، غير أن هذه الأخطاء وبعضها جسيم ، لا يسوغ الانتقال إلى العنف العاري وتهديد الكيانات والشروع في تمزيق المجتمعات ، ومعلوم أن العديد من تلك الجماعات تناصب مجتمعاتها العداء (قطاع النساء مثلاً ) بأكثر مما تناهض الأعادي .
ليس مطلوباً إثارة خصام تناحري بين قوى مدنية ديمقراطية وبين تيارات إسلاموية ، بيد أنه مطلوب على الأقل تظهير أوجه الخلاف والاختلاف ، وعدم التذيل واستتباع جماعات سلفية ،
وعدم التضحية بخيارات ديمقراطية ، تقوم على التعددية التي تعكس التعدد الاجتماعي والثقافي الداخلي في كل بلد ، وهو ما تنكره تلك الجماعات .
ولو شاء المرء أن بتحدث بأفق سياسي ، فإنه مطلوب حقاً بلا مراء وبلا تردد معارضة الحلف الأميركي الإسرائيلي ، وتهديده لدول وشعوب المنطقة ورفضه لإحلال سلام عادل ، غير أن هذه المعارضة والمناهضة يتعين أن لا تذهب ، لتسهيل الطريق أمام مشروع إيراني يرى في العراق وفلسطين ولبنان واليمن ، مجرد ساحات لا أوطاناً لشعوبها ، ويتم استخدام هذه "الساحات " لمراكمة نقاط لمصلحة الجانب الإيراني في الصراع على مد النفوذ في المنطقة ، ولو تطلب الأمر إشعال فتن عمياء وتدبير انقلابات في ليل ، وتهديد المجتمعات والشرعيات .
إن المطلوب باختصار هو امتلاك رؤى وطنية ديمقراطية سلمية داخلية ، لا ترتهن للخارج أياً كان هذا الخارج ، وتنشد التنمية الشاملة وبناء الأوطان ، والدفاع الصلب عن حقوق الشعوب والأمة .
بقيت الإشارة إلى أن من يرتضي ، الانجراف في اقتتال واللجوء إلى انقلاب في بلد ما ، تحت ذرائع شتى ومسميات مضللة ، فإنه في النتيجة بوعي أو بدونه بقصد أو بغيره ، يسوغ اللجوء إلى مثل هذه الخيارات المريضة في بلده .
mdrimawi@yahoo.com
20 حزيران, 2007
أزمة الصحراء نضجت :
بانتظار نضح الحل..
محمود الريماوي
المفاوضات بين المملكة المغربية والجبهة الصحراوية "البوليساريو" في نيويورك ، هي حدث بحد ذاته ، بصرف النظر عن التوقعات بشأنها وهي ليست توقعات عالية . فرغم أن هذه ليست هي المرة الأولى التي تنعقد فيها مفاوضات بين الجانبين ، فقد سبق أن استقبل العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني عدداً من قيادات البوليساريو ، كما أن اتصالات مباشرة قد جرت من قبل بين الجانبين آخرها في برلين عام ،2000 ، إلا أن تلك اللقاءات لم ترتق إلى مستوى التفاوض .
تتم المفاوضات هذه المرة برعاية الأمم المتحدة ، ويشارك فيها بصفة مراقب كل من الجزائر وموريتانيا واسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا (0يلاحظ هنا غياب الجامعة العربية رغم أن النزاع يدور بين أطراف عربية حول ارض عربية ). أي بمشاركة إقليمية ودولية ذات شأن . ولعل الطرف المغربي كان راغباً بالذات بحضور جارته الجزائر ، الجولة الأولى من المفاوضات ، وطالما طالبت الرباط بتفاوض مباشر مع الجزائر حول الصحراء الغربية ، التي تعتبرها حاضنة البوليساريو ومرجعية هذه الجبهة . دون أن يقلل ذلك من كون الجزائر قد كسبت نقطة في سجالها مع المغرب حول هذه المسألة بالذات : مسألة أن الصراع يدور بين المغرب والجبهة الصحراوية والتفاوض المباشر لا بد أن يتم بينهما .
أيا كان الأمر فالموقف المغربي يأتي هنا استجابة لقرار دولي ، صدر عن مجلس الأمن قبل شهرين ، والاحتكام إلى الشرعية الدولية يسجل لصالح من يعمد إلى ذلك . التحق الطرفان بالمفاوضات وكل منهما يجهر بالتمسك بموقفه : الرباط بمشروعها لحكم ذاتي موسع في الصحراء ، والجبهة الصحراوية بمشروعها لإنفاذ حق تقرير المصير للصحراويين . ومع إبداء الطرفين لحسن النوايا ، والاستعداد للتفاوض بعقل مفتوح ، والرغبة في إنجاح المفاوضات .
تحقق هذه الفرصة اتصالا مباشراً مفيداً ، ومن شأنها "تطبيع العلاقات " ولو على مستوى شخصي ، مع إمكانية تداول بعض القضايا الإنسانية مثل لم شمل عائلات ، وإخلاء سبيل من تبقى من أسرى لدى الجانبين ، وذلك بعد ستة عشر عاماً على وقف إطلاق النار . كما من شان المفاوضات أن تؤدي لتجديد وجود بعثة الأمم المتحدة في الصحراء .مع العلم أن مدن ومناطق الصحراء لا تشهد أية اشتباكات أو احتكاكات ، بل تشهد خلاف ذلك حياة طبيعية نشطة ومزدهرة ، وهو ما يفسر ضعف الاهتمام الإعلامي .. العربي خاصة بهذه القضية ، ولا شك أن ضعف الاهتمام هذا يظل أفضل ألف مرة ، من اهتمام مشروط بسوء الأوضاع في تلك المناطق ! .
والآن من المفترض أن تقوم الأمم المتحدة ، بالتقريب والتجسير بين الجانبين . وسبق للمنظمة الدولية أن اقترحت عبر مبعوثها جيمس بيكر ، خطة تقوم على إحلال حكم ذاتي لفترة محددة يليها إجراء استفتاء للسكان . وهي مقاربة تجمع بالفعل بين رؤى الطرفين ، رغم صعوبة إجراء استفتاء كانت الرباط قد طالبت به قبل نحو عشرين عاماً ، إلى أن تبنته الجبهة الصحراوية . وصعوبة هذا الأمر تكمن في تحديد هوية الصحراويين ، خاصة أولئك الذين لا يقيمون في الصحراء . وسبق أن أخفق الطرفان في تحديد معايير للهوية .وبينما يقيم في الصحراء نحو 260 الف نسمة ، فإن هناك بضع عشرات لآلاف يقيمون في مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية على الحدود مع المغرب . وتشكك الرباط في هوية بعض هؤلاء .
وفي جميع الأحوال فالبادي أن هذه القضية قد طال العهد عليها ، وذلك منذ الانسحاب الأسباني من الصحراء منتصف خمسينيات القرن الماضي ، وأن ثمة ضجراً من استمرارها ، وحاجة شديدة لوضع حل لها أو البدء في حلول تغير المناخ النفسي والذهني، حتى لو لم تُرض هذه الحلول مائة بالمائة هذا الطرف أو ذاك . وهو ما يفسر حشد الأطراف التي تشهد على التفاوض من مقعد المراقب .
mdrimawi@yahoo.com
19 حزيران, 2007
أسئلة لن يجيب عنها الإخوان !
محمود الريماوي
من يقرأ بيان جماعة الإخوان المسلمين ، الذي نشرت الصحف مقاطع واسعة منه أمس الاثنين ، يخيل له أن أكثر من كاتب كتب البيان الذي تناول أحداث قطاع غزة ، ودون أن يطلع الكاتبون على ما كتبه سواهم . من المفهوم أن يتم التعبير عن مواقف الأحزاب بصورة جماعية ، غير أن التنسيق مطلوب في هذه الحالة .
لقد تأخر الإخوان المسلمون في التعبير عن الموقف حيال ما جرى ، وهو ما احتسبه البعض ارتباكاً وحرجاً ، ومن دواعي الأسف أن البيان جاء ليزكي ولو إلى حد ما هذه التقديرات .
فدعا البيان إلى استئناف الحوار بين أطراف المعادلة الفلسطينية وهذه دعوة جيدة ، لكن البيان لم يقل كيف سيتم الحوار بعدما تم إيقافه ، واللجوء من طرف من أوقفوه إلى السلاح ؟ .يدعو البيان إلى العودة إلى العمل المؤسسي ، دون أن يفصح عن الحكم على من استولى على المؤسسات بالقوة ، تحت جنح الظلام وفي واضحة النهار سواء بسواء .
يطالب البيان بموقف عربي متوازن ، والمقصود مراعاة السلطة وفصيل واحد هو حماس وجنباً الى جنب وبالمقدار والمستوى ذاتهما . ليكن ذلك مقبولاً ، فهل يعني التوازن غض النظر عما جرى ، من أجل انتحال صفة الموضوعية ؟ وهل نقد الأخطاء ووضعها في دائرة الضوء ، هو في رأي من كتبوا البيان افتقاد للتوازن وجنوح للانحياز ؟ . .
يتحدث البيان عن "إقالة رئيس حكومة الوحدة الوطنية" ، ألم يقم هذا الرئيس بإقالة نفسه بنفسه حين تمرد على الشرعية وهو جزء منها وثمرة لها ؟ وهل يحق لحكومة منتخبة ولمجرد أنها منتخبة ، أن تعمد إلى إجراءات انقلابية سافرة ؟ ألم تنصب الجهود طيلة الأشهر الماضية من طرف الرئيس عباس ودول شقيقة وصديقة ، على فك الحصار عن الشعب والحكومة ، وتسويق حكومة الوحدة الوطنية في العالم ، مع العلم أنها كانت ذات أغلبية لحماس ، وبرئاسة حمساوي كان الانطباع السائد أنه معتدل ومتعقل ، فإذا به أي السيد اسماعيل هنية يبادر ويكذب هذا الانطباع ، بانغماسه في الانقلاب ؟ .
الأجزاء الأخيرة من بيان الإخوان هي بمثابة إعادة صياغة لمواقف حماس المعلنة ،عن منح حماس للميليشيا الخاصة بها اسم القوة التنفيذية ، وعن ما يسميه البيان التمرد على الحكومة الشرعية .
لقد تمسك الإخوان المسلمون بمواقف حماس ، و خاصة بفحوى البيان الموجز العبقري للسيد خالد مشعل ، وسعوا لإعادة صياغتها ، وخاصة لجهة الموقف المداهن والمضلل من الاعتراف بشرعية محمود عباس ، وبالطبع مع " تفهم وتسويغ " الانقلاب على هذه الشرعية .
هناك اعتبارات هامة تتعدى الموقف من تطورات داخلية فلسطينية ، تستحق أن تؤخذ في الحسبان . وفي مقدم هذه الاعتبارات التحديد المطلوب للموقف ، من اللجوء إلى العنف السافر لتحقيق غايات سياسية في أي مكان . وكذلك الموقف من الخيار الانقلابي كأسلوب للنضال والجهاد السياسي . وإذا كانت الجماعة تعلن دوماً رفض هذا الخيار ، فلماذا أحجمت عن التعبير عن هذا "الموقف النظري" حيال ما جرى في القطاع ، بل عبرت خلاف ذلك عن موقف مختلف ؟ وما مغزى هذا الاختلاف البين ؟.
هناك إسلاميون في تركيا يتمتعون بأغلبية ، وينشطون ينضج ورصانة تحت سقف الدستور والقانون . بمثل هؤلاء يجدر الاستلهام والإقتداء ، وليس بإرخاء الأذن والعواطف لنموذج الجماعات الأصولية والتكفيرية ، التي تضع نصب أعينها تمزيق الدول والمجتمعات وإشعال فتن عمياء ، تحت شعارات جهادية . فالمسألة لا تتعلق بشطارة لغوية في صياغة بيانات ، بل بأهمية اعتناق مبدئي وراسخ لرؤى سلمية ودستورية ، فلا تصبح الديمقراطية مادة للاستخدام لمرة واحدة من أجل القفز عليها وتقويضها ، كما تم بالضبط في غزة الجريحة .
mdrimawi@yahoo.com
18 حزيران, 2007
نهاية تحد محمود الريماوي
في غمرة الأخبار السيئة التي تعصف بنا ،هناك خبر جيد من اليمن ، فقد أعلن المتمردون الحوثيون استجابتهم لنداء الرئيس على عبدالله صالح بالعفو العام لمن يلقي السلاح من المتمردين . ويُكنى هؤلاء بالحوثيين ، نسبة الى قبيلة الحوثي التي ينتمى اليها قادة التمرد وبعضهم قتل في المعارك ، وقد تولى القائد الميداني الأخير للجماعة وهو عبد الملك الحوثي إصدار بيان السبت الأول من أمس ، أعلن فيه استجابته لدعوة الرئيس اليمني إلى وقف العنف والاقتتال ، مع التزامه بالنظام الجمهوري القائم ودستور البلاد .
لا شك أنه خبر جيد .فقد أودى الاقتتال الذي دار منذ أكثر من ثلاث سنوات بالمئات وجرح أعداداً أكبر وشرد أعداداً إضافية من مناطق القتال في محافظة صعدة .ولم تنجح جهود شتى قامت بها سائر القوى اليمنية السياسية والاجتماعية في حمل المتمردين ، على وقف القتال والجنوح الى السلم ، وممارسة المعارضة السياسية إذا شاؤوا ، علماً بان هذه الجماعة كانت تشكل من قبل حزباً باسم "حزب الحق" ثم عصبة باسم "الشباب المؤمن" .
وإلى مخاطر الاقتتال الذي فجره هؤلاء والذي استنزف الأرواح والثروات ، فقد عمدوا الى إثارة انقسام طائفي كونهم ينتمون الى الطائفة اليزيدية وقد انتحلوا النطق باسمها ، رغم ما عرف عن هذه الطائفة من اعتدال وحرص على السلم الاجتماعي .كما أنكروا شرعية النظام القائم ، ودعوا الى عودة نظام الإمامة ، وناهضوا الدستور .اي أنهم رغبوا في عودة البلد عقوداً الى الوراء ، دون الحاجة لسؤال القوى السياسية عن رأيها في هذه الدعوة النكوصية التي تتوسل التمرد المسلح ، ومحاولة إحداث شقاقات قبلية ومناطقية وطائفية .
وقد اجتذب تمردهم دعم قوى خارجية وبالذات من إيران ، كما أكد ذلك غير مسؤول يمني في الأشهر القليلة الماضية . وقد لوحظ أن طهران لم ترد على هذه الاتهامات . بينما تبددت مخاوف يمنية من دعم ليبي مفترض لهؤلاء ، وقد أمكن صنعاء وطرابلس التفاهم ما بينهما ، بل تحسين العلاقة الثنائية بعد تحرك ليبي نشط في هذا المجال باتجاه صنعاء .
شقيق لقائد المتمردين هو يحيى الحوثي ، أعرب عن رغبته ورغبة جماعته بعدما تم التوصل لهذا الاتفاق ، بمزاولة النشاط السياسي .وللسلطات في صنعاء أن تقرر موقفها إزاء هذه الرغبة المعلنة ، غير أن التساؤل يبقى : لماذا تم هجر العمل السياسي الشرعي ، واللجوء الى التمرد غير الشرعي . وهل ممارسة العنف وعلى هذه الطريقة البالغة الخطورة ، هو من الحقوق التي يمنحها فيض الخواطر لصاحبه ؟.
اللجوء الى العنف ليس خياراً بل خروجا على القانون ، وحتى السلطات في أي مكان وهي صاحبة الحق العصري في استخدام العنف عند الاقتضاء ، فإن هذا الاستخدام مقيد ومقنن بالاضطرار اليه وضمن ضوابط معينة ، وبتحقيقه لمصلحة عامة .
العنف المطلق السراح ليس خياراً للجماعات السياسية والعقائدية ، ولا هو كذلك من حيث هو عنف مرسل ، خيار لأية سلطات . فالفيصل هو الاحتكام لضوابط دولة الحق والقانون . والأساس هو حماية الوطن والدولة والمواطن ، من أية تعديات ومخاطر خارجية أو داخلية .
ومن حسن الطالع والتدبير أنه أمكن وقف هذا التمرد ، الذي بدا كما لو أنه يتناغم مع النشاطات المحمومة ، لتفكيك دول ومجتمعات في الشرق العربي ، سواء عبر مخططات خارجية أو بأيدي أشاوس من أبناء هذه الديار . ولعل العدوى تسري بالتخلي عن منطق الانقلابات ، أو الجنوح للعنف المريض لتحقيق غايات سياسية .
mdrimawi@yahoo.com
17 حزيران, 2007
مقترح آخر لقانون الانتحاب
محمود الريماوي
موعد الانتخابات لم يحدد بعد ، ومع ذلك فإن حمى الانتخابات تشيع في الأجواء وتعكس الصحافة بعضها ، وتلك علامة طيبة ومؤشر جيد على الآمال المعقودة ، على الحراك الانتخابي والمنافسة المفتوحة .
ولا يقتصر الأمر على المبادرة إلى الترشيح ، قبل فتح هذا الباب بصورة رسمية ، بل هناك مبادرات تقترح مشاريع قوانين جديدة للانتخاب ، رغم أن المجلس الحالي في سبيله للانفضاض والحل ، استعداداً لبدء الموسم الانتخابي الجديد .
من هذه المقترحات ما طرحه الكاتب الزميل جميل النمري ، في الندوة التي نظمها يوم أمس السبت "مركز البديل للبحوث والدراسات " ، وهو النشاط الثاني الذي ينظمه هذا المركز الناشىء . يشير الكاتب إلى أن "هناك انطباع بأن الحكومة ستجري الانتخابات وفق القانون القديم" ، وهو انطباع شائع ويتمنى المرء أن يكون مجرد انطباع ،فقد سبق أن صدرت تصريحات حكومية تفيد بالانفتاح على فكرة ومبدأ نظام انتخابي مختلط ، يجمع بين نظامي الدوائر والقوائم ، وليت الجهات الرسمية تفاجىء الناس بمفاجأة سارة ولو عبر قانون مؤقت ، بإصدار قانون انتخابي جديد يتم فيه زحزحة النظام القديم والساري ، الذي يستند إلى الترشيح الفردي فحسب ، عبر منح صوت لمرشح واحد حتى لو كان عدد مقاعد الدائرة أربعة أو خمسة مقاعد .
ينطلق النمري في مشروعه الذي تمت مناقشته أمس ، مما ورد في مقترحات الأجندة الوطنية وهما مقترحان في واقع الأمر . الأول يدعو إلى اعتماد مبدأ صوتين لكل ناخب : صوت لمرشح الدائرة وصوت للقائمة الوطنية (على مستوى المملكة )، بينما يدعو المقترح الثاني المواطن للاختيار بين مرشح الدائرة والقائمة الوطنية . وينتقل الكاتب من ذلك إلى محاولة الدمج بين المقترحين ،"فيتقدم المرشح عن دائرته وفي الوقت نفسه يكون جزءاً من قائمة وطنية ،فيحق للناخب صوت واحد مزدوج يذهب للمرشح في الدائرة ولقائمته الوطنية " . ومن الواضح ان المقترح توفيقي فهو يثبت نظام الدوائر والصوت الواحد والقائمة الوطنية ، بما يعنيه ذلك من تفعيل مبدأ التمثيل النسبي .
علما بان ما اقترحته الأجندة الوطنية أكثر بساطة ، غير أن المقترح الجديد يحاول أن يطرح خيارا ثالثا في حال عدم اعتماد مقترحي الأجندة . رغم ان المقترحات الثلاثة تصب في الانفتاح على فكرة القوائم والأخذ بها ، دون التخلي عن أسس القانون القديم ، وهو ليس قديماً تماماً فهو سار ومعمول به ..
وهناك جوانب أخرى في المقترح ،تتعلق بزيادة عدد مقاعد الكوتا النسائية إلى 12 مقعداً بحد أدنى مقعد لكل محافظة . وتعويم مقاعد الأقليات لتمكين المرشح من اختيار الدائرة التي يرغب التنافس فيها ، و"تحويل دوائر البدو إلى دوائر جغرافية وإلغاء الحظر المفروض على ترشيحهم في بقية الدوائر" .
وفي جميع الأحوال فإن غالبية المواطنين يتطلعون لإعادة النظر في قانون الانتخاب ، وليس عسيراً اكتشاف ما هو مشترك في الرؤى المتعددة والمتباينة ، فضلاً عما تتضمنه كتب التكليف الملكية بهذا الاتجاه . ولا يستقيم على أي حال إبقاء القديم على قدمه ، مع سيادة القناعة الشعبية والرسمية بأهمية الإصلاح السياسي . لقد تم تقبل قانون الأحزاب الجديد ولو على مضض لدى بعض الأحزاب ، كما تم اعتماد قانون جديد للمطبوعات ، وقد آن الأوان لأن ينال قانون الانتخاب حظه من المراجعة ، دون المزيد من التأخير .
mdrimawi@yahoo.com
16 حزيران, 2007
الأنظار تتجه إلى القاهرة
محمود الريماوي
مع الأخذ في الاعتبار أن القاهرة سوف تحتكم إلى مقررات الإجماع العربي ، في مؤتمر وزراء الخارجية الذي انعقد يوم أمس الجمعة في رحاب الجامعة العربية ، لصوغ سياستها تجاه دويلة حماس في قطاع غزة ، فإنه يستحق أن يؤخذ في الحسبان أيضاً أن ثمة خصوصية للعلاقة المصرية بالقطاع .إذ سبق أن كان الحكم للإدارة المصرية في القطاع ، طيلة أكثر من عشر سنوات :بين عامي 1956 و1967 . وحدود القطاع مع الجزء الفلسطيني من رفح هي الحدود البرية المصرية مع فلسطين . وهو ما يفسر الجهد المصري الموصول منذ مطلع العام الماضي ، على الأقل لوقف الاقتتال في القطاع ، وهي جهود اصطدمت بجشع حركة حماس للاستيلاء على السلطة . وقد فسر السيد اسماعيل هنية هذا المسعى بأن حكومته المقالة منتخبة ، وما دامت منتخبة فيحق لها تبعاً لذلك القيام بانقلاب على الشرعية ! ووصم الحركة الوطنية التاريخية ب"العمالة " ! .
الخصوصية الثانية لعلاقة مصر بالقطاع ، تتمثل في التهديد الذي تتعرض له الدولة المصرية والمجتمع المصري ، من منظمات أصولية إلى جانب تحديات أخرى . وقد لوحظ أن صعود حماس قد واكبه ظهور جماعات أصولية متعددة في قطاع غزة ، إحداها تختطف الصحفي البريطاني ألان جونستون ، مما يشكل مصدر قلق جدي للسلطات المصرية .
أما الخصيصة الثالثة فهي أن هذه التطورات تشكل طعنة نجلاء للمشروع الوطني الفلسطيني ،وتقسيماً للأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، مما يشكل ذريعة قوية لطي الملف الفلسطيني وإقصائه عن الأجندة الإقليمية والدولية ، مع انفتاح شهية الاحتلال الإسرائيلي على طرح حلول عرجاء تديم السطو على الضفة وبيت المقدس ، وتعد ثمانية ملايين فلسطيني ب "دولة" لهم في قطاع غزة ، تحت حكم حماس والمنظمات الأصولية الرديفة ، باستثناء "الجهاد الإسلامي" التي اعتمدت حتى تاريخه ، موقفاً نزيهاً ومسؤولاً من انقلاب حماس .
وعليه فإن الموقف الذي ستتخذه القاهرة من الدويلة الناشئة ، والتي لا تربطها بالعالم الخارجي حدود برية سوى الحدود مع مصر ، سوف يحدد إلى حد بعيد وجهة الأحداث في الشهور المقبلة . وبهذا فإن الأنظار تتجه هذه الأيام إلى القاهرة ، ترقباً للسياسة التي سوف تتبعها إزاء هذا الانعطاف القسري والحاد في المسيرة الفلسطينية ، والذي جعل من استهداف الشريك الكبير والسيطرة على القطاع حتى في ظل حصار إسرائيلي محكم ، هو لب القضية ومنتهى الإرب وغاية المنى ، والنصر المؤزر المبين الذي تهفو له أفئدة قادة ومسلحين من هذه الحركة .
معلوم بالمناسبة أن حركة حماس لا تربطها علاقة تذكر بقوى سياسية مصرية رئيسة ، فحتى جماعة الإخوان المسلمين المصرية ، فإنها قد نأت بنفسها عن تطرف حماس ، وإنكار هذه الحركة لتضحيات شعبها ، مما مكن الحركة في النتيجة من المشاركة في الانتخابات ، وهو ما أصرت عليه بالمناسبة رئاسة السلطة الفلسطينية ، رغم اعتراضات غربية شديدة .
أما العلاقة المصرية الرسمية مع حماس ، فهي حديثة العهد وتعود لنحو أربع سنوات ،وكان مدارها السعي للهدنة وتجنيب أبناء القطاع مخاطر الاستباحة الاسرائيلية ، ووقف الاقتتال الداخلي ، قبل أن يتكشف التوجه الفعلي للحركة ، مع رفض الالتقاء بالمبعوث المصري الثلاثاء الماضي ، ورفض إجراء حوار مشترك مع بقية القوى الوطنية بدعوى الاعتبارات الأمنية ، علماً أن التدهور الأمني المريع كان من صنيع الحركة وبقيادتها .
لقد تغير الوضع حقاً وازداد تعقيداً وسوءاً ، وهو ما سيضع مصر كما الأردن ودول عربية أخرى ، أمام مسؤولية التعامل مع الوضع الناشىء ، وما يحف به راهناً ومستقبلاً من محاذير شتى .
mdrimawi@yahoo.com
13 حزيران, 2007
من ينقل النموذج العراقي إلى غزة ؟
محمود الريماوي
تبدو الحروب الصغيرة بخطاياها الكبيرة في غزة عصية على التعليل ، وهو شعور يساور أهل القضية وأشقاءهم والمراقب البعيد سواء بسواء . فهذا الاقتتال يستهدف البقية الباقية من عوامل التماسك والصمود ، وهو بذلك يصيب المدنيين أولاً ممن يتغنى تنظيما حماس وفتح بهم . وبالطبع فإن هذا الاحتراب ، يتضافر موضوعياً وعملياً مع التعديات الإسرائيلية .
والبادي أن التنظيمين أو تيارات بذاتها في صفوفهما ، تراهن ابتداء على ضياع المسؤولية عما يجري ، وبالتالي انتفاء التبعة عن هذه الجرائم ، وهو ما يفسر الشهية المسعورة على ارتكاب هذه الفظائع دون وازع من خلق أو من ضمير . ويحلو للطرفين الحديث عن حقن الدماء والمصالح العليا ، مع الغفلة بان آخر ما يستحق السماع هو التصريحات المعسولة التي تتسربل بالدين الحنيف أو الشعارات الوطنية .
سقط حتى الآن المئات من الضحايا والمصابين ، ولحقت خسائر وأضرار جسيمة المرافق والممتلكات ، في حروب الإخوة الأعداء . ويعرف المرء أن ثقة الرأي العام باتت مهزوزة إن لم تكن قد سحبت من التنظيمين الكبيرين ، وأحدهما اقتحم الساحة بعد ادعاءات سابقة بالزهد ، رافعاً شعار التغيير والإصلاح ، فإذا بهذا الشعار يطبق باستباحة بيوت وقتل عائلات آمنة ، أو قذف شقيق لهما في العشرين من عمره عن سطح طابق خامس عاشر ، في تشبه بل في مزايدة مشينة على سلوك الأعداء .، وليس معلوما إذا كان القتلة فد تشدقوا بالتكبير وهم يقترفون فعلتهم هذه أم لا .
لا ينزه المرء حركة فتح عما يجري ، فقد ذاع صيت الحركة في عدم انضباط بعض أعضائها ومسلحيها ، وتعدد مراكز القرار فيها ، وحتى الصراع بين بعض أجنحتها ، وعدم تقبل نتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوز حماس ، غير أن الحركة الأخيرة اختطت بالفعل نهجاً انقلابياً منذ فوزها ، ابتداء من إنكار التاريخ الوطني ، والسعي للقفز عن المؤسسات وبالذات منظمة التحرير ، او تشكيل ميليشيا خاصة بها تسمى قوة تنفيذية ، أو الاستئثار بالسلطة ، والاستخفاف بأهمية الاحتكام لبرنامج ائتلافي ليس مع حركة فتح وحدها، بل مع مجموع القوى الوطنية والاجتماعية .
والأخطر في الأمر هو المحاولات الواعية أو غير الواعية ، في انتهاج نهج القاعدة في العراق ، وهو نهج يقوم على مقاومة الاحتلال واستهداف المدنيين والقوى السياسية الأخرى جنباً إلى جنب وبالحمية نفسها .
فإذا أضاف المرء الى ذلك ظاهرة بروز جماعات أصولية وتكفيرية بالتزامن مع وصول حماس إلى الحكم ، توفرت لها بيئة مواتية ، وقيام هذه الجماعات بترويع المجتمع وتهديد القوى الوطنية ، فإنه يمكن الاستخلاص بأن ثمة إعجاباً مكتوما بالنموذج العراقي ، ومحاولة حثيثة ومطردة الحلقات لنقل هذا النموذج التدميري الى قطاع غزة ، وكل ذلك في سبيل أن يتسلطن الزاهدون .. على السلطة ، وليس مهماً بعدئذ دفع المشروع الوطني إلى الانتحار والاحتضار ، ما دامت تنعقد تحالفات همايونية عابرة للحدود ، ترفع لفظياً من شأن الإسلام وتجهز على المسلمين ، وتمسخ صورة الكفاح التي تعمدت على مدار 42 عاماً بدماء الآلاف من الشهداء ، وما لا يحصى من الجرحى والأسرى .
هذا هو الخطر الداهم الذي من شأنه أن يضاعف من حالة الاحتلال ، والمطلوب أن تتجند القوى الاجتماعية الحية لتسمية القتلة أياً كانوا ، قبل أن يفوز هؤلاء من وراء ستار ، بآيات التكريم والتبجيل من تنظيماتهم .
mdrimawi@yahoo.com