مدونة محمود الريماوي

بشرى لقاء ثنائي جديد !

                   بشرى لقاء ثنائي جديد !

                                                      محمود الريماوي

هناك ما يستحق أن يقال بصدد الوضع الفلسطيني المريع : اللقاءات الدورية بين محمود عباس وايهود اولمرت  ، تتم على الإيقاع المتسارع لتصفية ما تبقى من مؤسسات السلطة ، مع تصاعد حملة التنكيل بوتيرة أسرع مما كانت عليه قبل قيام السلطة  ، وكذلك الأمر في الغزو الاستيطاني الزاحف .

لقد بشر عباس بلقاء جديد يجمعه بأولمرت بعد أيام . من حق الرازحين تحت الاحتلال أن يتطيروا من تكرار اللقاءات ، التي تستخدم من طرف الحكومة الإسرائيلية وبصورة مكشوفة للتغطية على الحملة المسعورة لتدمير مقومات الحياة في الأراضي المحتلة ، ولرفض استئناف المفاوضات .

يقول عباس ومعه أعضاء وفده ما يقولونه في هذه الاجتماعات ، لكن النهج الإسرائيلي خارج غرفة الاجتماع لا يتغير قيد أنملة . هذا ما يستحق ملاحظته والتوقف عنده . فهذه اللقاءات وبعيداً عن نوايا الجانب الفلسطيني ليست عبثية فقط بل ضارة .خاصة أن الجانب الفلسطيني لا يصرح بعد الاجتماعات ، بما هو مفيد  ومطلوب على طريق كسر الدائرة الجهنمية . ذلك أن الرئيس عباس يكتفي على الدوام بالإدلاء بأحد تصريحين اثنين : الأول يدعو فيه أجنحة المقاومة للتهدئة والكف عن إطلاق الصواريخ . والثاني يعرب فيه عن الأمل باستئناف التفاوض ، مع أرجحية لتكرار التصريح الأول ولا شيء غير ذلك .  حتى بعد اجتماعاته المتكررة مع أولمرت وما بسبقها وما يعقبها من حفلات تدمير وتنكيل ، فإنها لا تدفع نحو التعبير عن أية مواقف .

معروف أن الحكومة لا تجتمع في رام الله إذ تنعقد في غزة فحسب ، وذلك لتكريس الفصل بين الضفة والقطاع .أما المجلس التشريعي فهناك 45 نائباً معتقلاً بما حال بين المجلس  والانعقاد ووضعه في حالة شلل تام . المؤسسة الأمنية معطلة في الضفة بعد أن تلقت مئات الضربات ودمرت مقارها واغتيل العديد من أفرادها . والخطة تتسارع وبوحشية متمادية ،مع انسداد تام في الأفق السياسي ، بما في ذلك الموقف الإسرائيلي من مبادرة السلام العربية ، التي يريد أولمرت منها التطبيع مع العرب وإدامة الاحتلال ولا شيء سواه  . ومع هذا تستمر لقاءات عباس  بأولمرت المبتسم وللأخير الحق في الانشراح ، فالخطة التدميرية تمضي على قدم وساق ، لا شيء يوقفها ولا من يدعو لوقفها.

الأغرب من ذلك هو عدم مخاطبة العالم بما يجري من فظائع ، والاكتفاء بالإعراب فقط عن التطلع لاستئناف التفاوض والمسيرة السلمية !.

وعليه فهناك انكفاء سياسي ، يسهم في صرف أنظار العالم عما يجري وإطفاء الاهتمام بالقضية . هناك قوى دولية تطالب برفع الحصار الجائر ، لكن الصوت الرسمي للسلطة قلما يرتفع بمثل هذه المطالبة . وهناك أطراف أجنبية تدعو لنشر قوات دولية ، ولا يتمسك أصحاب الشأن بهذا المطلب . لا أحد يطالب بفتح كوة في الجدار ، أو يطرح مطالب محددة ذات قيمة تتم متابعتها ، والأسوأ أنه عبر هذا اللقاء الثنائي الرتيب ، فإنه يتم تظهير وتسويق صورة أولمرت كشريك في السلام ، لا كما هو عليه : كعدو أول للسلام وللبشر .

المشكلة ليست في مجرد حدوث مثل هذه اللقاءات  ، بل بالبيئة السياسية التي تكتنفها : احتلال متعاظم يزداد توحشاً وجذرية  ولا يتراجع أبداً بل يتقدم باستمرار ، وطرف آخر يُمنى بأفدح الأضرار ،  وليس لديه ما يقوله أو يفعله ، سوى الاعتصام بالهدوء والتهذيب ، وانتظار الفرج من مكان ما في يوم ما .

Mdrimawi@yahoo.com

 

مصر :الجديد في جدل قديم

مصر والجديد في جدل قديم !

                                                      محمود الريماوي

أين يقوم منتجو مسلسلات أسامة أنور عكاشة بتسويق أعماله ؟ .وأية خسارة ستمنى بها هذه الأعمال الدرامية لو تم حصر عرضها وتسويقها داخل مصر ؟ .

قد لا تكون هذه التساؤلات هي الاهم في معرض الرد على طروحات السيناريست المصري البارز عكاشة والداعية إلى الانكفاء ، وإنكار أي نسب بالعروبة  بالزعم أن العرب يقتصرون على أبناء دول الخليج واليمن فحسب . غير أن التساؤلات تتعلق بنطاق عمل عكاشة ، لتبيان أن العروبة دائرة ثقافية واسعة وأصيلة ،وهي مجال حيوي له ولغيره ، وتتعدى بالطبع أن تكون سوقاً رغم أن السوق مكون من مكونات نشوء القوميات .

الحديث المتجدد في مصر عن هويتها الوطنية والقومية ، يعكس للحق حيوية فكرية طالما اتسم بها هذا البلد ، فقلما تكون هناك قضايا مكتومة ومسكوتاً عنها خلافا لدول أخرى . وإلى ذلك فإن السجال المنبعث يعكس أزمة الدور المصري في المنطقة العربية ، وذلك في ظل الطموح المتواضع لتعظيم هذا الدور أو حتى الإبقاء على حدوده  وحجمه. وهناك "نظريات" بأن معنى الدور قد تغير ، ليس ثمة طموح "توسعي " لتقرير مصير دول أخرى ، وهناك نأي عن الأسلوب التدخلي، لمصلحة عمل جماعي وتحفيز دور الجامعة العربية ، وتعاون ثنائي وثلاثي لتنفيذ مشاريع اقتصادية واجتذاب مستثمرين عرب ، وتنشيط السباحة العربية تجاه أرض الكنانة ،ورفع مستوى التواصل الثقافي مع الدول العربية ، والتعاون الجماعي في المحافل الدولية . وهو ما يحتسب أحيانا كتراجع في الدور بينما يرى أصحاب الشأن اأن هناك مراجعة لمفهوم الدور الريادي .

المتاعب الاقتصادية ومشكلات داخلية أخرى دفعت نحو إيلاء اهتمام أكبر لوضع 75 مليون مصري يعيش خُمس هؤلاء في العاصمة القاهرة . غير أن نحو خمسة ملايين على الأقل من المجموع يعملون ويقيمون في دول الخليج الست . إضافة إلى نحو مليون نسمة يقيمون في ليبيا والجزائر والأردن . لا يسع هؤلاء ان يعملوا في سلك التعليم مثلا في تايلند أو الهند .مكوناتهم الثقافية واللغوية دفعتهم لاحتيار الدول التي تمثل العروبة الأولى ( والأخيرة ! ) حسب تعبير عكاشة . وبهذا فإن الأمر يتعدى مجرد اختيار سوق عمل على الأهمية الحاسمة لهذا الاعتبار .

ما يبدو من تراجع في الدور السياسي لمصر في المنطقة هو ما يثير هذا الجدل ،لكنه لا يقدم تسويغاً كافيا لإعادة اختيار لون الجلد .

ومن المفارقات أن هذا التراجع الذي يقترن بغياب الزعيم جمال عبد الناصر ، قد اتسم بحالة من التواصل والتفاعل البشري قل مثيلها من قبل بين المصريين وعموم العرب ، نتيجة السفر والإقامة في الخارج ، مع استمرار توفير مصر فرص التعليم والسياحة والاستثمار والتطبيب للعرب . ومعنى ذلك أن هناك تواصلاً حسياً وواقعياً بدأ منذ نحو ثلاثة عقود ، وما زال قائماً بل يتسع على مستويات مختلفة ، مما أسهم في حالات من التقارب والتفاعل لم تكن قائمة في ذروة صعود الناصرية . وللأمر علاقة لا شك بالثروة النفطية المتفجرة ، لكن له علاقة أيضا برفع القيود عن السفر والانفتاح على فضاء المتطقة .

لقد تغير معنى العروبة البونابارتية ، دون ان تفقد العروبة وهجها وحضورها ، ويكاد المرء يراهن بأن بلداً كمصر قد تعرب في جوانب عديدة خلال ثلاثة عقود ، بأكثر مما حدث ربما خلال ثلاثة قرون . والأمر في النهاية لا يتعلق بسلالات بل بتحولات تاريخية واقتصادية وثقافية ، وبدليل أن الثقافة السائدة والمنتجة في مصر ، هي ثقافة عربية لا غربية ولا فرعونية ..

mdrimawi@yahoo.com

 

 

 

صاحب الشأن ليس شاهداً أو مراقباً

صاحب الشأن ليس شاهدا ومراقباً   

                                                      محمود الريماوي

اللقاء الذي لم يتم في شرم الشيخ بين ممثلين إيرانيين وأميركيين ، عقد بالأمس في بغداد وذلك في واحد من الاجتماعات النادرة بن الجانبين، منذ قيام الثورة الإسلامية . موضوع اللقاء ليس العلاقات الثنائية بل الوضع العراقي وهنا تكمن المفارقة الكبرى .، خاصة أنه يجري على أرض عراقية في عاصمة الرشيد .

من الواضح أن كل طرف ينظر إلى الآخر ، باعتباره أن نفوذه قد زاد عن الحد ، ولا بد من تقليصه ووضع حد له ، وأن هذا النفوذ المتطاول ينعكس سلباً عليه  ، أي على إيران والولايات المتحدة ، لا على العراق والعراقيين ! .أما نفوذ من يتحفظ فلا غبار عليه ولا تشوبه شائبة ن وهو بمثابة حق مكتسب .

رئيس الوزراء نوري المالكي الذي حضر اللقاء ، استبقه بإطلاق تصريح جيد قال فيه إن تنظيم هذا اللقاء " يأتي في إطار خطة عراقية لإزالة أي نفوذ خارجي "  . وهي من المرات القليلة التي يلامس فيها المالكي مسألة استعادة السيادة . ويتمنى المرء أن تكون هناك خطة بالفعل لهذا الغرض ، وأن تتم مفاتحة العراقيين بشأنها ، فذلك يسهم إلى حد كبير في التقريب بين المكونات السياسية والاجتماعية المختلفة ، وينزع دافعا أساسيا من دوافع وذرائع العنف. لكن وزير الخارجية هوشار زيباري ، عمد من جهته إلى خفض هذه التوقعات ، حين قال إن دور الجانب العراقي في اللقاء  ، سوف يقتصر على الوساطة وتقريب وجهات النظر وشرح بعض المسائل ..وربما وقفت الدواعي الدبلوماسية وراء الإدلاء بهذا التصريح ، وذلك بغية إنجاح اللقاء ،غير أنه يتعذر الربط بين تصريح رئيس الحكومة ووزير خارجيته . بين موقف يستشرف إنجاز السيادة واستعادة الاستقلال ، وموقف يمنح فيه قائله للجانب المعني ، دوراً حيادياً وفنياً وفي أجود الأحوال دور المراقب ، وحيال ماذا ؟ حيال تقرير مصير البلد و مستقبل شعبه  .

من السابق لأوانه  القول إن هذا اللقاء بين القوتين المتنازعين على العراق ، سيؤدي إلى تقاسم النفوذ وإلى توزيع أدوار  بينهما . وكذلك القول إن التنافس الشديد بينهما سيؤدي عملياً إلى تقليص نفوذ كل منهما ، وتقديم "تنازلات مؤلمة " من كل طرف الى الآخر يستفيد منها العراقيون وذلك تجسيداً للمثل القائل : في اختلافهم رحمة . فهذا اللقاء الذي يعقد على مستوى السفيرين المقيمين في بغداد ، وهو بمثابة لقاء تمهيدي وتحضيري ، وقد يمكن وصفه بأنه استكشافي ولغايات التعارف .

على أنه يبقى بعدئذ  ، أن النجاح المأمول والمطلوب يحب أن لا يذهب إلى أحد الفريقين ولا  إلى كليهما ، بل للجانب العراقي ، الذي يتطلع شعبه إلى إنهاء الاحتلال والعنف ، والإمساك بمقدراته وثرواته وتقرير مصيره . ليس سيئا أن يرفع الجانب الإيراني السقف مطالباً بجدولة انسحاب القوات الأميركية ، فذلك يفتح الباب أمام المطالبة أيضاً وجنباً إلى جنب ، بوضع حد لوجود القاعدة والنفوذ الإيراني ، وكل وجود  غير عراقي  . وتلك هي كلمة السر ومفتاح الخروج من المحنة ووضع حد لاستباحة بلد وشعب .

ذلك مرهون بالخطة التي أومأ اليها المالكي ، ومواجهة الأميركيين والإيرانيين بها . فلا يعيب حكومة بلد ما بل يشرفها ، أن تطالب ببرمجة غير طويلة لإزالة النفوذ الخارجي أيا كان ، وانتزاع اعتراف أميركي وإيراني بحق البلد في الحرية والاستقلال ، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية أسوة ببلدان العالم الأخرى .

mdrimawi@yahoo.com

 

 

حرب جارية لا يتم التحذير منها!

            حرب جارية لا يتم التحذير منها!

                                                      محمود الريماوي 

يحذر الرئيس الإيراني من حرب جديدة على لبنان صيف هذا العام . حسناً إن هذا التحذير جيد ، فالدولة العبرية تستحق أن تجد من يحذرها من نزعتها العدوانية الجامحة . وقد يكون عدم إنجاز عملية تبادل الأسرى بين بيروت وتل أبيب ، ذريعة بين ذرائع أخرى لشن عدوان جديد . غير أن المرء لا يسعه نسيان ، أن حرب تموز الماضي لم تجد أحداً يوقفها  . فقد كان هناك انشغال في طهران آنذاك ، بمؤتمر لتفنيد وقوع محرقة بحق أوروبيين يهود ، على يد أوربيين وعلى أرض أوروبية  ، وبإطلاق تصريحات نارية لإزالة الدولة العبرية .

هل سيتغير الوضع هذا العام في حال وقوع اعتداء جديد ؟ .لا أحد يملك التكهن . غير أن لبنان يحتاج  في الأثناء ،علاوة على التحذير من وقوع عدوان إسرائيلي آخر ،  يحتاج إلى تعزيز استقراره وتفعيل المؤسسات الدستورية وآلية عملها ، واستئناف الحوار بين الفرقاء . وسبق لطهران أن تعاونت مع الرياض لنزع فتيل الأزمة الداخلية المحتقنة ، وهو ما يستحق مواصلته لعبور الفترة الانتقالية من حياة هذا البلد بسلام ، وعلى أساس احترام سيادته واستقلاله ، وهو المبدأ الذي تتشبث به سائر الدول  ، بما لا يُعد  مبالغة  وتزيداً في حالة لبنان ! .

وتملك طهران أن تفعل الكثير على هذا الطريق ، مما لا يتطلب مزيد بيان ، وذلك بالنظر إلى علاقات وثيقة وخاصة تجمع طهران  بفرقاء بعينهم دون سواهم ، فيما يقتضي الأمر تعزيز العلاقات أولاً إن لم يكن حصراً بين الدولتين .

هناك الآن ما ينبىء عن مشروع لإشاعة فوضى مدمرة في ذلك البلد "الصغير " ،الذي عانى الكثير على مدى عقود من الاحتراب الداخلي والتدخلات الخارجية . ولا شك أن هذا البلد يحتاج الى معاونة أصدقائه الأقربين والأبعدين ، لتوطيد ركائز الدولة وتعزيز الوفاق الوطني فيه ، وإطفاء بؤر التوتر فيه  ، وعدم اعتبار التدخلات من تقاليد هذا البلد أو من الحقوق المكتسبة للآخرين .

وبعيداً عما يجري في "لبنان الأخضر "  ، فتحذيرات محمود احمدي أنجاد لتل أبيب من شن الحروب ، كانت لتبدو أفضل ، لو أنها أخذت في الاعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكف ليل نهار ، عن شن حرب يومية ضد الشعب الرازح تحت الاحتلال .فعدوانية هذه الدولة هي أكثر شمولية وانتظاماً ، من حرب سابقة وأخرى قد تحدث ضد حزب الله ولبنان . وفي واقع الأمر أن كسر النهج التوسعي والعدواني في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وحمل دولة الاحتلال على الإقرار بحق الطرف الآخر في إقامة دولته المستقلة  ، على الأرض المحتلة منذ عام  1967 هو المعيار الأول والأكثر أهمية لقياس السلوك والرؤى ، ولفحص ما تنطوي عليه الجعبة الإسرائيلية ، خاصة جعبة اليمين كالفريق الحاكم منذ  أكثر من ست سنوات .

كذلك الأمر فإن الموقف من إزالة الاحتلال ووقف جرائمه ، هو الفيصل في التعامل مع الدولة العبرية والنظر إليها ، فما جرى ضد لبنان هو بمثابة فائض للعدوانية التي يعتنقها الإسرائيليون ويزاولونها ، وكمكون أساس لعقيدة أهل اليمين فيهم وما أكثر هؤلاء  . والحكمة تقتضي النظر إلى الأصل لا إلى الفرع فحسب ، كاعتداء يحدث هنا أو هناك خارج الحدود .ولا يتطلب الأمر إطلاق تصريحات نارية ، بل معاينة السلوك الإسرائيلي المتوحش الذي يتجاوز كل المواثيق والأعراف ، واتخاذ موقف منه . والأفضل في جميع الأحوال التركيز على تطرفهم ، لا منحهم ذرائع ومستمسكات للتغطية على ذلك التطرف ، وصرف الأنظار عنه .

mdrimawi@yahoo.com

                

 

جواب صحيح على سؤال خاطىء جواب صحيح على سؤال خاطىء

            جواب صحيح على سؤال خاطىء

                                                      محمود الريماوي                        

سوف يكون متعذراً وبعيد المنال رؤية نهاية للوضع المأساوي في العراق ،وإلزام تل أبيب بمبادرة السلام العربية ، إذا أجيز للفوضى غير الخلاقة أن تستشري في لبنان . وهناك للأسف مؤشرات سلبية تزكي خيار الفوضى المدمرة ، وتتمثل هذه المؤشرات أساساً في التباس موقف المعارضة اللبنانية  من ظاهرة "فتح الإسلام " .فهذه المعارضة تؤيد الجيش اللبناني وتثني عليه كسياج للوطن والوحدة الوطنية ، لكنها تسعى لوضع عراقيل في طريقه ،للتعامل مع تلك المنظمة وذلك بداعي الحرص على الجيش ، وعلى المدنيين في مخيم نهر البارد  .

خطاب الأمين العام ل"حزب الله " في الذكرى السابعة لتحرير الجنوب ، يحمل وبصرف النظر عن النوايا مثل هذه المؤشرات المقلقة . فقد تساءل السيد حسن نصرالله ، إذا كان المفصود من الحسم العسكري هو جعل لبنان ساحة لمواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة ، مجيباً عن سؤاله بأن ليس للبلد مصلحة في ذلك . والمشكلة في هذا الرأي أنه يحمل جواباً صائباً  ولكن عن سؤال خاطىء ، بما يجعل الجواب خاطئاً رغم صحته الظاهرية . فالسؤال الصحيح هو : هل من المصلحة والمنطق فتح الباب ، أمام تسلل عناصر ذات صلة أو على تقارب مع القاعدة وهم في هذه الحالة عناصر وقيادة "فتح الإسلام " ، أم لا ؟ .

إن التغاضي عن وجود هذه الجماعة والتعامل معها كأمر واقع ، أو حالة سياسية وجهادية مزعومة ، هو الذي يفتح الباب لاستدراج مواجهة أميركية مع القاعدة .ناهيك عن أن وجودها يشكل مساساً بسيادة البلدان ، وتهديداً لنسيجها الاجتماعي ، بما يسبق ويتعدى المواجهة بينها وبين الغرب . فالمواجهة الدائرة منذ أكثر من أسبوع ، تدور بين عناصر هذه الظاهرة المسلحة والقوى الأمنية وليس من المنطق التغاضي عن ذلك ، وتحوير الوقائع وإلباسها لبوساً آخر .

لقد عمد أطراف في المعارضة اللبنانية إلى استغلال انكشاف هذا التنظيم ومدى خطورته ، لتصفية حسابات داخلية وتسجيل نقاط على الحكومة ، بدلاً من أن يشكل هذا التحدي مناسبة للتلاقي الوطني الداخلي ، والالتفاف حول الجيش ونزع بؤر التفجير ، وحماية سائر المدنيين من لبنانيين وفلسطينيين .

لبنان مهدد بالفوضى غير الخلاقة  التي تنذر بالامتداد إلى خارجه، إذا ما تم التعامل مع هذا الظرف الحساس على أنه مناسبة لتسجيل أهداف ضد فريق محلي آخر ، وللتقليل من خطورة هذه الظاهرة ، علما بأن الأبواب يجب أن تظل مفتوحة أمام حلول قضائية ، في حال سلم عناصر هذا التنظيم غير المشروع أنفسهم إلى العدالة  ، ووضعوا حداً لوجودهم التنظيمي ، بما يمكن في النهاية من حماية كل المدنيين ، والحؤول دون أي سفك للدماء ، علاوة على حماية الدولة وجيشها .

التهويل بالقاعدة والمواجهة بينها وبين الأميركيين ، يجب أن لا يستخدم ذريعة لتوطين هذه الظاهرة الغريبة ، ولتقييد فرض سيادة القانون ، والسماح تالياً ب"تفقيس " ما لا نهاية له من تنظيمات ، متعددة الأوجه والألسنة والمصادر والأجندات ، تدخل على المعادلات والحساسيات الداخلية ، تغذيها وتغتذي منها ، وتشكل صاعق تفجير حين تقتضي الحاجة ، وحين تتسيد الحسابات الفئوية والآنية لهذا الفريق أو ذاك ، على المصلحة الوطنية الجامعة .

لقد ظهرت في لبنان وحدة وطنية ضد هذه الظاهرة المقلقة .من المطلوب صيانة هذه الوحدة والبناء عليها ، لا الإسهام في تشقيقها عبر التحذير من مخاوف كبيرة ، فيما يتم السماح الواقعي بنمو المخاوف الصغيرة على الأرض ، وإفساح المجال لها لتكبر وتنمو .

                                                                                       mdrimawi@yahoo.com

 

 

لعبة التلويح بالتفاوض

                    لعبة التلويح بالتفاوض     محمود الريماوي

وعود بالتفاوض .هذا ما يطلقه اليمين الإسرائيلي الحاكم بين آونة وأخرى ، كبديل عن استئناف المفاوضات المتوقفة . ينشغل مراقبون هنا وهناك ، بتقليب هذه الوعود والتسريبات على أوجهها المختلفة ، وتشيع الانطباعات بأن هناك أجواء تفاوضية ، تعترضها بعض العقبات ، لكن "الاتجاه واضح نحو الخيار التفاوضي " .

حكومة أولمرت تخوض في هذه اللعبة . وزيرة الخارجية تؤيد التفاوض مع دمشق ، ورئيسها يتحفظ بدرجة ما دون أن يصل التحفظ إلى إنكار هذا الخيار . البيت الأبيض يتحفظ  أيضاً لكنه خرج مؤخراً عن تحفظه ، كما تقول "معاربف " الاسرائيلية وأيد التفاوض شريطة أن لا يتم تناول السياسة الأميركية في المنطقة أو الوضع في لبنان ، كما ورد في الخبر الذي نقله زئيف شئيف المعلق العسكري البارز . غير أن مكتب أولمرت  "ديوان رئيس الحكومة" نفى الخبر ، دون أن تنفيه الخارجية الإسرائيلية أو الأميركية .

تسريبات كهذه تتكرر بين وقت وآخر ، دون أن تجد لها نتيجة ملموسة تذكر . فالتلويح بالتفاوض يتم كوسيلة إغراء وعنصر جذب ، وأحيانا كفكرة مجرد فكرة أو كتمرين ذهني ، ولا يتم التعبير عنه كخيار ثابت .وتحتفظ الوزيرة ليفني بهذه الفكرة فتطلقها مرة ثم تنساها مرات .ربما للتدليل أن رئيسة الدبلوماسية هي دبلوماسية بالفعل ، وتؤمن بالحلول الدبلوماسية خلافاً لرئيسها الذي يعتنق الحلول الأمنية والاستيطانية .

ولو كان الأمر على درجة من الجدية ، لجرى استغلال زيارة رجل الأعمال الأميركي من أصل سوري ابراهيم سليمان ، إلى تل أبيب في نيسان الماضي ، للتجاوب مع خيار التفاوض الذي ما زالت دمشق تتمسك به ، حتى لو أدى الأمر للقيام باتصالات سرية تمهيدية لهذه الغاية  ، شريطة أن لا تكون المفاوضات نفسها سرية ، كما أوضح مسؤولون سوريون في الآونة الأخيرة .

 لم تحقق زيارة سليمان اختراقاً يذكر . فلا محل حتى الآن لخيار التفاوض على أجندة الحكومة الإسرائيلية . دون أن يمنع ذلك من إطلاق التسريبات عن وعود مبهمة وغير ملزمة ، وكذلك إشاعة انطباعات وتكريسها بأن هناك خلافات جدية في أوساط الفريق الحاكم (حزب كاديما حول هذه المسألة ) .

والراجح أن هذه اللعبة سوف تستمر لبعض الوقت ، رغم الرياح التي تعصف بالمنطقة .فحكومة أولمرت بحاجة لأن تقدم نفسها للجمهور بأنها تسعى لإحلال الأمن بمختلف الوسائل ، وأنها منفتحة على الحلول والبدائل السياسية مع الحد من مصادر التهديد ، بما قد يرفع من شعبيتها المنهارة .

كما أن الثرثرة حول إمكانية التفاوض مع سوريا تسمح بصرف الأنظار ، عن تغول الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإغلاق كل أفق سياسي ، والمضي في الاستيطان المتسارع هناك ، وخاصة بمواصلة بناء جدار شارون .

ومن وجهة نظر فريق في الحكومة ، فإن التلويح بفرص التفاوض لا بد أن يسهم في امتصاص الزخم الذي ولدته مبادرة السلام العربية ، وبما يمكن من الالتفاف على المبادرة عبر الإدعاء بأن ثمة أجندة تفاوضية ، تعكف دوائر إسرائيلية على تطويرها ، فلا حاجة للمبادرة العربية ، وإن كانت هناك حاجة لتطوير وتوسيع الاتصالات العربية الإسرائيلية ! .

هكذا تتم الاستعاضة عن الالتزام باستئناف المفاوضات المتوقفة بإطلاق وعود مبهمة وغير ملزمة نحو دمشق ، فيما يتم استبدال التفاوض مع الجانب الفلسطيني ، بإجراء لقاءات واتصالات بين أولمرت ومحمود عباس  تعقبها وتليها اجتياحات وأعمال خطف وما لا يحصى من إغلاقات ومظاهر التنكيل الجماعي  .

                                                                                    mdrimawi@yahoo.com

 

 

حتى لا تذوي روح العاصمة

                 حتى لا تذوى روح العاصمة

                                                محمود الريماوي                

الذين يرغبون في معاينة خطة تشجير العاصمة ، عليهم أن يقصدوا قلب المدينة (البلد ) ليلاحظوا اختلاط البنايات الحديثة بالقديمة ، واكتظاظ وسائل النقل مع جموع الناس فلا يستطيع العابر أن يرفع رأسه وسط هذا الاختناق مخافة الاصطدام بأحد .أما إذا توفرت بضع شجيرات فلا أحد يلحظ وجودها .

قلب العاصمة في سائر العواصم هو أول معيار للحكم على المدينة أية مدينة ، وبناء علاقة معها . ففيه يكمن تاريخها وتتبدى روحها وهويتها ، و تتكشف إمكانيات تطويرها . الكثير من الناس في شمال وغرب وجنوب عمان ، يتفادون النزول إلى قلب العاصمة للأسباب المذكورة آنفاً ، ويتحسرون على أوقات طيبة كانوا يمضونها هناك . وبعض الأجيال الشابة لا تعرف طريقها إلى المدينة القديمة .

من يقصد قلب لعاصمة لا بد أن يؤرقه مستقبل المدينة ، وذلك للخشية أن يكون هذا هو النموذج لتطور المدينة .

الأمين العام الأسبق للعاصمة ممدوح العبادي ، سوف يظل يسجل له تخصيص مساحات خضراء وبناء مركز ثقافي هناك في موقع كان منذورا لأن يبقى مكرهة صحية . وهناك الآن خطة لبناء دارة للفنون في الموقع المقابل للأمانة مع تخصيص مساحات خضراء ، لتمكين القاطنين المجاورين في ثلاث جهات ، من التمتع بخدمات ترفيهية رفيعة بالمجان أو بأسعار رمزية ، وذلك للحد من حالة البؤس الجمالي لتلك المناطق ، ومن انسداد أفق الرؤية فيها أمام الناظر .

والمطلوب التقدم الى الداخل نحو قلب العاصمة ، بالحد من اكتظاظ المركبات بقصر التنقل مثلا على وسائل النقل العامة ، والتشجير الكثيف لكل الجزر الداخلية لامتصاص التلوث والضوضاء , والتفكير في حال المثلث الذي يحجب الرؤية ويمنع الهواء ويشوه وجه المدينة، وذلك في الخط المائل الممتد بين الجامع الحسيني ومحال المجوهرات .

في مقاله الهام الذي نشره الأمير علي بن الحسين في "الرأي" يوم أمس الثلاثاء ، إشارة ذات مغزى إلى عمليات قطع الأشجار سواء من طرف مواطنين أو من جهات رسمية (الأمانة ) .فكيف يمكن للمرء أن يقتنع بجدوى بل بمنطق قطع أشجار،  بينما الطموح المعلن يتمثل في توسيع خطط التشجير . لقد تم التراجع عن قطع أشجار الزيتون وبقيت هناك بقايا لجذوع الأشجار . لم يتم استبدالها بأشجار أخرى حتى ولو نفقة الساكنين . وكان يمكن في البدء تنبيه المواطنين لإزالة أغصان الشجر الممتدة إلى الشوارع ، أو تقوم الأمانة بذلك وعلى حساب أصحاب الأشجار . ذلك أفضل بكثير من الهجمة الشرسة على الأشجار، وطرحها في الشوارع ثم التخلي عن هذه الخطة غير المقنعة .

تتحول عمان بالفعل وبصورة مطردة إلى غابة من الحجارة ، والى مرآب شاسع للمركبات من كل صنف وحجم .بينما شرق عمان ينتظر إحياءه وتجميله وربطه بأجزاء العاصمة الأخرى . للأمانة إنجازاتها لا شك غير قابلة للنكران ، غير أنها بحاجة للتخفف من أعبائها بمداومة التنسيق على مستوى التخطيط مع الجهات الرسمية الأخرى : دائرة السير ووزارات الزراعة والبيئة والأشغال وسواها . والتفكير بخطة وطنية وطموحة لتعميم وسائل المواصلات العامة ، والحد من اللجوء إلى المركبات الخصوصية ، وفي حال وضعها والشروع بها فسوف تشكل خطة استثمارية وتشغيلية هائلة ، لا أن نتميز عن غيرنا بثمانية عشر ألف تكسي أصفر ، وهي خدمة فوق طاقة العمال والطلبة وصغار الموظفين . شبكة مواصلات منظمة وشاملة كما هو حال العديد من عواصم عالمنا ، والتي يهنأ أبناؤها بالتنقل السلس بين جنباتها .

والمطلوب في النهاية تطوير متوازن ومتكامل ، لا يغفل جانباً أساسياً لحساب آخر في حياة المدينة ، والاحتياجات المختلفة لأبنائها من دافعي الرسوم والضرائب. .

mdrimawi@yahoo.com

                                             

 

ما الجديد لدى "كبير الحواة " ؟

ما الجديد لدى "كبير الحواة " ؟       محمود الريماوي                                                   

على وقع القصف الوحشي لقطاع غزة ، أعلن شيمون بيريز عن استعداد حكومته ، لإطلاق ما أسماه مبادرة عربية اسرائيلية ، وذلك كبديل للمبادرة العربية " أحادية الجانب " .

هذه الفكرة هي بمثابة صيغة جديدة ، للالتفاف على المبادرة  التي جددت قمة الرياض الالتزام  الجماعي بها . علماً أن هذه المبادرة هي دولية في الأساس وفي المضمون ، إذ تعتبر ثمرة لقرارات مجلس الأمن ولمبدأ الأرض مقابل السلام ، الذي قامت عليه المسيرة السلمية ابتداء من مؤتمر مدريد قبل ستة عشر عاماً . وعليه فإن هذه لمبادرة ليست أحادية كما يزعم كبير الحواة الاسرائيليين ، فهي تتويج وتكريس للشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي ، ولهذا حظيت بموافقة واسعة في العالم بما في ذلك لدى الإدارة الأميركية . ولمطلوب من دولة الاحتلال هو ببساطة هو الاستجابة للإردة الدولية ، وكما هو الحال مع أية دولة اخرى في عالمنا .

منذ الإطاحة باتفاق أوسلو مع مقتل اسحق رابين على يد اليمين الإسرائيلي ، فقد دأبت تل أبيب على رفض كل مبادرة سلمية ومن أي طرف أتت ، مستخدمة كل أساليب المناورات  والتسويف واختراع الاشتراطات وإملاء الأولويات ، لتسويغ رفضها هذا ، ولكي يتمكن زعماؤها من كسب الوقت للمضي في خططهم التوسعية ، وتدمير ظروف الحياة في الأراضي المحتلة ، وبهدف المنع الفعلي لإقامة دولة للفلسطينيين ، على أرضهم التي احتلت في عدوان العام 1967 .

المبادرة المشتركة المزعومة التي يطرحها بيريز بين العرب والإسرائيليين ، لا تعدو أن تكون ترجمة لمواقف سابقة . فيتم وفق هذه الرؤية أجراء مفاوضات عربية إسرائيلية ، والشروع خلال ذلك بحكم هذا الواقع في عدة خطوات تطبيعية ، وفي النهاية التي لا يعلم إلا الله مداها ، قد تتفق الأطراف المتفاوضة أو تختلف كما هو الحال في أية مفاوضات ، فتكسب دولة الاحتلال بذلك المزيد من الوقت في بناء الجدار وتقويض ركائز الحياة في الأراضي المحتلة ، ويتم التطلع بعدئذ إلى خوض جولات أخرى من التفاوض لبحث أوجه للتعاون مثلاً ! ، فيما يبقى كل شيء على حاله على الأرض بل يسوء .

عقب انفضاض اللقاء الثلاثي ، الذي جمع وزيري خارجية مصر والأردن والوزيرة تسيبي ليفي فقد تم الاتفاق على عقد اجتماع آخر بعد انتهاء الاجتماع الأول ، دون أن تتطرق الوزيرة الإسرائيلية إلى المبادرة العربية . حتى الآن لم يحدد موعد علني لعقد الاجتماع الثاني ، والأهم أن جدول أعماله لم يعلن أيضاً . وفي الوقت المتاح المتبقي وقد لا يكون قصيراً فإنه في الوسع بلورة رؤية تقوم على أن المبادرة العربية ليست خياراً بين خيارات أخرى ، فهي بمثابة تجديد للالتزامات الدولية الجوهرية بإحلال سلام شامل عادل ، فهي لا تزاحم "خريطة الطريق " مثلاً رغم أن تل أبيب رفضت تلك الخطة في حينه ، بل تحدد أفقاً استراتيجياً لحل الصراع ، وشمولية هذا الحل يجب أن لا تعني منح فرصة للمماطلة ، وأن أي بديل لهذا الحل أو محاولة تعطيله سوف تحمل مردوداً سيئاً .علما بأن الأمم المتحدة لا بد أن يعهد لها حمل الأطراف على الموافقة عليه ، ومواكبة تطبيقه .

ليس هناك في الأداء الإسرائيلي سوى المضي في التوسع والتنكيل . و"الأفكار " التي يتم طرحها في تل أبيب ترمي إلى الإلهاء وكسب الوقت وذر الرماد في العيون ،ولم  يتغير شيء في هذا السلوك بعد الإعلان العربي في قمة الرياض . وهو ما يستحق التأمل والتوقف عنده ، وخاصة في سياق طرح المبادرة عليهم .

                                                                                                 mdrimawi@yahoo.com

 

 

انتحال راية القضية والدين

انتحال راية القضية والدين

                                                محمود الريماوي

التنظيم الذي أشعل نار الاشتباكات في أحد مخيمات لبنان ويدعى فتح الإسلام ، يجمع "المجد" من طرفيه . فهو ينتحل اسم الدين الحنيف لإثارة الفتن داخل مخيم نهر البارد ، ولتوتير الأمن مع القوى الأمنية ومع السلطة اللبنانية . ومن جهة ثانية  فإنه ينتحل اسم فلسطين ، بينما هناك أقل من خمسة بالمئة من الفلسطينيين في صفوفه .

بالأمس تفاخر فتح الإسلام ، الذي انبثق فجأة ونتيجة "انشقاق مكتوم" عن تنظيم فتح الإنتفاضة  ، تفاخر بأنه أوقع قتلى في صفوف الجيش اللبناني (11 قتيلاً ) ويهدد إلى ذلك بأنه سيفجر براكين على امتداد الأرض اللبنانية . اما لماذا ذلك كله ، فلأن التنظيم انتدب نفسه لقتال الكفار ، وهو ما يجمعه بتنظيم القاعدة كما يقوا أحد مسؤوليه .

السلطات اللبنانية تدرك أن عدداً من التنظيمات الأصولية كهذا التنظيم  ، وأخرى غير أصولية مثل "جند الشام " قد فرضت على المخيمات ، وهي خارج كل شرعية وبالذات خارج الجسم السياسي الفلسطيني . وأنها تشكل عبئاً جسيماً على المخيمات كما على الوضع اللبناني .

ومن المعلوم كذلك أنه مع وجود القوات الدولية اليونفيل في جنوب لبنان ، فإنه ليس ثمة نشاط مسلح لأي من التنظيمات بما في ذلك لحزب الله . وحتى قبل انتشار تلك القوات ، فقد كان حزب الله ينفرد بأعمال المقاومة ، ولا يتيح لأي تنظيم فلسطيني وحتى لبناني فرصة مقاتلة الاحتلال ، الذي كان جاثماً آنذاك على أرض الجنوب .

ومعنى ذلك كله أنه لا محل لادعاء بعض التنظيمات أن مبرر جودها هو مقاتلة العدو ، فالواضح والثابت أن الهدف هو الدخول على خط المعادلات الداخلية والتأثير فيها .بينما يقتصر النشاط المسلح لقوى منظمة التحرير ، على حفظ الأمن داخل المخيمات بالتنسيق مع السلطات اللبنانية ، مع تفادي أي استقطاب نحو هذه الفئة ، أو تلك من الفئات السياسية اللبنانية المتنافسة .

أبعد من ذلك فإن السلطات اللبنانية ترى أن تحركات منظمات ك "فتح الإسلام "، تهدف بين ما تهدف ، إليه إلى نشر الفوضى على الأراضي اللبنانية ، والقيام بعمليات ضد القوات الدولية أملاً بتغيير المعادلات وحمل تلك القوات على مغادرة لبنان ، وإعادة أرض الجنوب كمسرح عمليات ، وفق أجندة خارجية لتحسين حظوظ قوى إقليمية في التفاوض مع أطراف دولية .

تحدث هذه التطورات المقيتة في لبنان الذي يسعى لعبور مرحلة حساسة وهي انتخاب رئيس جديد للبلاد ، وبالتوازي مع إشعال نار الفتنة في غزة ، ومع استغلال الاحتلال الإسرائيلي لتلك الأجواء المسمومة لممارسة هوايته الدائمة في التقتيل والتدمير ، وبحيث ينشأ انطباع ويجري تعميمه ، بأن على العرب ومن بينهم الفلسطينيون واجب إحلال السلام أولاً ما بينهم ، قبل طرح مبادرة سلام جماعية مع تل أبيب !.

ويبدو أن من يضرمون الحرائق هنا وهناك ، ناهيك عما يجري على أرض العراق ، لا يعبأون  بهذه الحصيلة البائسة لتغيير المعادلات في هذا البلد أو ذاك ، ومدى إفادة الطرف الإسرائيلي منها ، فالمهم هو جمع أوراق واللعب بها ، بصرف النظر عن الدماء البريئة التي تسيل هنا وهناك ، وعن العبث الخطير بأمن المواطن اللبناني والفلسطيني بل بالأمن الوطني، لكيانات تجهد في توطيد أمنها واستقرارها كما في الحالة اللبنانية ،أو تكافح للتخلص من نير الاحتلال والفوضى الداخلية كما في الوضع الفلسطيني .

                                                                                               mdrimawi@yahoo.com

 

انتخابات على صفيخ ساخن

انتخابات على صفيح ساخن!          

                                                محمود الريماوي

انتهت انتخابات الجزائر بفوز وطنيين : جبهة التحرير رغم تراجع نتائجها ، وإسلاميين : حركة مجتمع السلم ، ويساريين :حزب العمال بقيادة لويزا حنون ، وليبراليين :التجمع الوطني الديمقراطي . والانطباع الأول الذي يخرج به المراقب هو  تجدد حضور الإسلاميين في المجلس الجديد ، وهو الثالث في ظل النظام التعددي ، وأبرز من يمثل هؤلاء حركة مجتمع السلم .

 لقد دعت منظمة "القاعدة للمغرب الإسلامي " لمقاطعة الانتخابات وهو موقف مفهوم وعادي ، حتى أنه من المفهوم أن تقترن مقاطعة سلفيين تكفييرين بتفجيرات دموية . غير أن قيادات بارزة في جبهة الإنقاذ وعلى رأسها كل من عباس مدتي وعلي بلحاج ، دعت إلى مقاطعة هذا الاستحقاق ، بينما أيد المشاركة فيها قادة آخرون من "التائبين " من قادة العمل العسكري . أما الإسلاميون الآخرون المعتدلون ، فلم ترشح عنهم مقاطعة الانتخابات ، وبالذات حركة مجتمع السلم (حمس ) التي نالت نتيجة جيدة : اثنان وخمسون مقعداً.

 لقد وضعت لجنة وطنية لمراقبة الانتخابات ، تحفظات شديدة على مجرى العملية الانتخابية ، ومع ملاحظة انخفاض نسبة الاقتراع ، التي تراوحت وفق تقديرات رسمية مختلفة حول نسبة ثلاثين بالمئة  وذلك باحتساب الأوراق الباطلة .إلا أن رسوخ تمثيل إسلاميين وتجاورهم مع شركاء ليبراليين ويساريين ، يشكل حدثاً بحد ذاته ، ويفترض بخصومهم ومنافسيهم أن لا يبتئسوا لهذه النتيجة . فالمجتمع الجزائري لم يتحول إلى مجتمع علماني بالكامل ، ولدرجة تفوق ما هو عليه المجتمع التركي مثلاً  .والشرائح العريضة التي تتخوف من اتخاذ القاعدة لبلادهم مسرحاً رئيساً لنشاطها المدمر ، بما يهدد بعودة مسلسل الإرهاب الأعمى ، هذه الشرائح تجد من مصلحتها حضور إسلاميين ديمقراطيين ومعتدلين في التمثيل النيابي ، وحتى في السلطة التنفيذية أيضاً ، وبما يعكس المكونات الاجتماعية والفكرية للبلد ، وحيث للإسلاميين نصيب وحظ محفوظ في المعادلة الداخلية .

هذا دون إغفال ما حققه يسار راديكالي ممثلاً بحزب العمال من نتيجة ملفتة وذلك بالفوز ب: 26 مقعداً ، وهي نسبة قلما يحققها تنظيم يساري في دول المشرق والمغرب  باستثناء المملكة المغربية. رغم أن زعيمة الحزب لويزا حنون ، تطلعت إلى احتلال حزبها المركز الثالث .

ووفق مراقبين كثر فإن هذه النتائج لا تغير كثيرًا من توازنات الخريطة الداخلية . فجبهة التحرير ما زالت في الصدارة إذ تحتل 136 مقعدا من أصل 389 مقعداً . وهذا أفضل بكثير من أن يكتسح الحزب الحاكم النتائج بأغلبية  كاسحة .

ولعل إجراء الانتخابات بكل ما اعتورها  ، هي أفضل نتيجة أسفر عنها هذا الاستحقاق .فتهديدات الجماعات المسلحة المتطرفة ، وتبادل السلبية بين جبهة الإنقاذ المحلولة والسلطات لم تفلح سوى بالمضي في هذه العملية ، رغم أنها أسهمت في تخفيض نسبة الاقتراع . ويغدو لهذه الانتخابات أهمية أكبر ومردود أعمق ، إذا ما تم النظر بتجرد في تحفظات اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات ، ومعالجة هذه الملاحظات بصورة قانونية نزيهة ، وإذا ما جرى اجتذاب قاعدة أكبر من الإسلاميين ، وبالذات من زعامات جبهة الإنقاذ للعملية السياسية ، وذلك من أجل تعامل ناجع مع استحقاقات الأمن والسلام الاجتماعي وتوسيع المشاركة ، وضمان قيام المجتمع بنفسه وبمختلف مكوناته بعزل المتطرفين القتلة ، ووقف أية انتهاكات لحقوق المواطن من أي مصدر أتت .

mdrimawi@yahoo.com

 

                                                                   

 

اقتصاد وسياسة ومنحة إماراتية

اقتصاد وسياسة ومنحة إماراتية  

                                               محمود الريماوي                                     

دافوس تقع على البحر الميت . هذا هو الانطباع الذي الأول الذي يخلفه عقد المنتدى الاقتصادي العالمي ، بصورة دورية شبه سنوية على شاطىء البحر الميت ، بعدما ارتبط اسمه في الأصل بمنتجع سويسري . ولا شك أن هذه التوأمة الواقعية تحمل بشارة خير ، بأن يتحول شاطىء هذا البحر إلى منتجع شتوي عالمي دون الإضرار بالبيئة ،ودون أن يكون موقعاً معزولاً عما حوله ، أو نقيضا لما يحيطه حتى لو كان متميزاً .

غير أن الطموح أن يمتد تأثير أبعد من منطقة الأغوار مع الاعتراف بالحاجة لتطوير هذه المنطقة . سواء بجذب الاستثمارات الإنتاجة والتشغيلية لا السياحية والخدمية فقط ,أو تنشيط حركة السياحة إلى عموم المملكة ، أو تسويق الأردن في الخارج .وهي نتائج في طور التحقق وبعضها تحقق .

وخلافاً لطابعه الاقتصادي البحت فقد نجح الأردن ، في إضفاء مضمون سياسي موازٍ على هذا المنتدى العالمي . والكلمات الافتتاحية لجلالة الملك على مدار السنوات القليلة الماضية تشهد على ذلك ، بما في ذلك الدورة الخالية  للمنتدى ، حيث ربط الخطاب الملكي ربطا وثيقا بين البعدين الاقتصادي والسياسي ، وذلك في رسالة قوية لأصحاب الشأن . فلا يمكن تحيل شيوع الازدهار مع استمرار متوالية الدمار ، وقد أدى "غياب السلام واستمرار ظروف الاحتلال إلى تمزيق أوصال الحياة الفلسطينية " مثلاً .وليست هذه هي الظروف المأمولة لتحقيق أي ازدهار .

وعليه لا يكون خروجاً على" النص " أن ترتفع مداخلات من هنا وهناك ، تعيد التذكير بالربط الذي لا فكاك منه بين الشأنين الاقتصادي والسياسي .  بينما سعى البعض الى الفصل بينهما بصورة متعسفة إن لم تكن ملتوية ، وذلك من اجل إبقاء الحال على ما هو عليه ، والتمويه على هذا الوضع ، والإدعاء خلال ذلك أنه يمكن توقع الازدهار والسعي اليه مع شيوع الدمار والخراب ، على أحد جانبي الصراع ، وبفعل فاعل لا كضربة من ضربات القدر . وهو ما ذهب اليه رجل أعمال اسرائيلي ، وذلك في معرض حديثه عن أهمية نشوء مجلس لرجال الأعمال من الجانبين . وقد نشأ هذا المجلس بالفعل ، ولكن مع رؤيتين مختلفتين لجناحيه حيث يرى الجانب الفلسطيني أن الآمال الاقتصادية تملي الإسهام في إنهاء الاحتلال وإحلال السلام ، بينما تقود رؤية الجانب الإسرائيلي إلى ربط اقتصاديات الضفة الغربية وقطاع غزة ، بالقوة الاقتصادية لدولة الاحتلال ، وبما يؤدي عملياً إلى إبقاء الأمور كما هي عليه ، وربما مع بعض التحسينات الشكلية لتشوه جوهري .

يبقى أن تسجل على هامش المنتدى بل في متنه ، المبادرة التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتخصيص منحة مالية كبيرة قيمتها عشرة ملايين دولار لدعم البحث العلمي في العالم العربي ، وذلك تجاوباً مع الرؤية الملكية للمكانة التي يتعين أن يتبوأها العلم في حياتنا وعلى طريق تنفيذ الطموحات . علماً بأن رئيس الوزراء الإماراتي يقود مؤسسة خاصة للبحث العلمي في بلاده .

ولعل هذه المنحة السخية تسهم في التعويض عن الفقر بل التقتير الشديد ، في ميزانيات البحث العلمي لسائر الدول العربية ، وتعيد الاعتبار لقيمة البحث العلمي وهو ما كان في أساس نهضة الدول والأمم كحال اليابان وغيرها  ، والتي كانت  تدرج في عداد الدول المتخلفة قبل ستة عقود فقط من الزمن .

Mdrimawi@yahoo.com

   

                                    

لماذا يتم تجهيل الفاعلين ؟

                   لماذا يتم تجهيل الفاعلين ؟   محمود الريماوي                                 

ينجح الاقتتال بين حماس وفتح في شوارع غزة ليس فقط في صرف أنظار العالم عن القضية الفلسطينية  ، بل في إقصاء الرأي العام العربي وحتى الفلسطيني عن القضية ، ولا تسعف المتابعات الإعلامية المكثفة ، سوى في تحقيق هذه النتيجة البائسة علاوة على" إنجازات " أخرى من قبيل تشويه صورة أبناء القضية  ،والتشكك في المسار السياسي والديمقراطي وبخاصة في طوره الأخير .

يصر القادة في حماس وفتح على أن لا شأن لهم بما يجري من تناحر ، وأن هدفهم الوحيد هو حقن الدماء والتفرغ لمهمة التخلص من الاحتلال . إذا وضع المرء معيار الصدق والكذب جانباً ، إزاء هذه الأقوال المكرورة ، فإنه يبقى الاستخلاص بأن هؤلاء يتحملون مسؤولية سياسية مباشرة عما يجري  ، حتى لو قال المسؤول بأنه غير مسؤول !، وأن جهده ينصب على تأليف القلوب وإيقاظ الضمائر وتهدئة الخواطر .فليس ثمة موقع قيادي دون مسؤوليات وتبعات على صاحبه . وفي الحصيلة فإن التنصل لا يفيد على أي وجه ، بل إنه يلحق ضرراً بالغاً إذ يوفر أرضية لاستشراء الوضع الشاذ ، الذي ينكر الجميع مسؤوليتهم عنه وهو ما لا يصدقه عاقل .

لو كان هناك قدر من النزاهة لقام المسؤولون غير المسؤولين .. بتقديم استقالاتهم ، على الأقل من أجل رفع الغطاء السياسي عن السفهاء ، وكي يواجه هؤلاء شعبهم وجهاً لوجه بغير أقنعة ودون تلثم وبلا شعارات جوفاء . وكي تتم محاسبتهم على رعونتهم القاتلة ، والكشف عمن وراءهم من ذوات سنية ، ومن زعامات تبني مستقبلها  وأمجادها الشخصية على حساب أمن وكرامة الأيتام والأرامل ، وتستعبد أسوأ الصفحات في تاريخ قضيتهم من اقتتال وتنازع وتناحر ، بدل أن تلتمس الأمثولات الناصعة والصفحات المشرقة وهي عديدة بلا حصر. وعاجلا أم آجلا فسوف ترتفع أصوات وتتحرك إرادات ذاتية ، لإنقاذ الوضع من المراوحة البائسة لدى المستويات القيادية ، بين العجز المتمادي وبين الرعونة المستشرية ، وفي الحالتين فإن التواطؤ حاصل سواء بالسلبية التامة لدى هذه الفئة  ،أو التغطية على الأشقياء لدى فريق آخر ، أو الضلوع المباشر والضمني في استباحة الدماء .

يهجو كثيرون في الصف الفلسطيني مفهوم "الفوضى الخلاقة " المنسوبة لكونداليزا رايس ، بيدون يقظتهم لقطع الطريق على هذه الفوضى تماشيا مع مسؤولياتهم التاريخية في التصدي للمؤامرات المعادية ، ولكن ما الذي يفعلونه حقاً في غزة منذ أسابيع وشهور عجاف ، إن لم يكن واحداً من أبشع صور الفوضى الوطنية ، أملاً بتصعيد هذا الفريق وتنزيل فئة أخرى والتنازع المقيت على سلطة يزعمون التنزه عن الوقوع في شهوتها ، فيما هم والغون في ارتكاب المحرمات والكبائر من أجل التشبث والالتصاق بها ، ولو أسالوا الدم أنهاراً في الشوارع ، ولو انعقد أمر السلطة على الأرض لحفنة من السفهاء والأشقياء ،ممن يتلفظون بكلام طيب وعبارات مداهنة محفوظة ، ويقترفون في الوقت نفسه أبشع الممارسات بحق إخوة لهم ، وما تيسر من أبرياء مغلوبين على أمرهم أمام قوى الأمر الواقع ، وحيث لا يعرف المرء لماذا يعاقبون شعبهم ،  ومن أين تأتت لهم كل هذه الأحقاد المريضة  ؟ .

هنا وهناك في أرجاء المشهد الفلسطيني يتم التمويه على الفاعلين ، بداعي درء المزيد من المخاطر ووقف التأجيج ، وأحيانا لدواعٍ أخرى ليست نزيهة بالضرورة ، غير أن أيناء شعبهم يعرفونهم فالناس تعرف بعضها بعضاً  ، والشعارات الطنانة الرنانة هي آخر ما يصغي له الناس فالشمس لا تغطى بغربال ، والخبرة الطويلة أمام التحديات تدلل أن أفعال المرء هي ما يعتد به ، لا ما ينطق به من معسول الكلام ومن امتداحه لنفسه ..

شيء ما يكتنف علاقات عمان بتل أبيب

                 شيء ما يكتنف علاقات عمان بتل أبيب

                                                محمود الريماوي                                                                    

يدرك كل من تابع تأجيل زيارة جلالة الملك إلى رام الله ، أن ثمة غيوماً تكتنف سماء العلاقة الإسرائيلية ، وأن الأمر يتعدى طبيعة الأحوال الجوية . وقد بدأت تلك "الغيوم "تتجمع منذ اتخذ الأردن موقفاً حازماً ضد بناء جدار شارون جدار الضم والتوسع قبل نحو ثلاث سنوات ، حيث شارك الأردن في مرافعات محكمة لاهاي ، ضد بناء الجدار مما أسهم في إصدار قرار قوي يقضي بإزالة الجدار عن أعلى هيئة قضائية في العالم .

وخلال تلك الفترة لم تتم تلبية دعوات إسرائيلية للأردن لزيارة تل أبيب . كما أن قضية الأسرى الأردنيين ظلت تفعل فعلها ، تحت سطح العلاقات الثائية وإن بصورة مكتومة ، خاصة مع رفض تل أبيب الوفاء بمقتضيات السلام بإخلاء سبيل الأسرى .وقد جاء وصول حزب كاديما وزعيمه أولمرت للحكم مخيباً للآمال ، فقد أثبت هذا الحزب إفتقاده لأي برنامج سلمي واندفاعه في الخطط التوسعية والتنكيل بالشعب الرازح تحت الاحتلال ، مما يملي الاستخلاص بأنه ليس ثمة شريك إسرائيلي للتفاوض ، خاصة أن أولمرت سعى وما زال يسعى ، لجعل لقاءاته بالرئيس محمود عباس وسيلة للتمويه ، على تنصله من استحقاق التفاوض ، وقد ازداد الموقف الرسمي المناوىء للسلام انكشافاً بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه الملك أمام الكونغرس الأميركي بجناحيه . فقد عملت حكومة أولمرت على الالتفاف على مضمون الخطاب ، بإطلاق مزاعم حول مخاطر تهدد الأردن ، في حال انسحبت القوات الأميركية من العراق ! وكأن الوضع في الأردن كان مزعزعاً قبل احتلال بلاد الرافدين .

وقد انعطف الموقف الإسرائيلي وازداد توتراً ، مع إعادة إحياء مبادرة السلام العربية في قمة الرياض ، بموافقة عربية جماعية تضم الجانب الفلسطيني وحكومة اسماعيل هنية ، وحيث  أيد الأردن بقوة هذه المبادرة ، ويعمل على وضعها على رأس الاهتمامات الدولية . فلم يكن لتل أبيب ما تقوله رداً على دعوات السلام العادل الشامل .

الآن فإن الاحتلال الإسرائيلي يسابق الزمن لتفريغ المبادرة من مضمونها ، وتطويق الجهد الأردني بمخاطبة قطاعات مختلفة من الرأي العام الإسرائيلي ، بالإطباق على الأراضي المحتلة وسلب المزيد منها بالسطوة المسلحة . ففيما كانت الأنظار متجهة قبل أيام إلى اللقاء الثلاثي ، الذي جمع الوزيرة تسيبني ليفني في القاهرة بوزيري خارجية مصر والأردن ، كانت سلطات الاحتلال تعلن عن الاستعداد لبناء عشرين ألف وحدة سكنية ، للغزاة المستوطنين في القدس المحتلة . وبالأمس الإثنين كان أولمرت يبدي تطلعه كما قال ل "اعتراف دولي بالسيادة الإسرائيلية على القدس " أي التسليم بنتائج الاستيلاء على المدينة المقدسة ، والتهويد القسري لها . وبالتالي إبطال المبادرة العربية الجماعية ، القاضية بانسحاب شامل يواكبه سلام كامل .

في مثل هذه الأجواء لا يعود مستغرباً ، أن يستشعر المراقبون أن هناك "شيئاً ما " يكتنف علاقات الأردن بتل أبيب وحيث يسود هناك توتر داخلي ، مرده العجز عن تسويغ التنصل المتمادي من الوفاء باستحقاق السلام ، متزامناً مع الاندفاع المشين في تنفيذ خطط توسعية ،  كحال عصابات الجريمة التي تسارع في أعمال اللصوصية ، قبل وصول رجال البوليس إلى الموقع المستهدف .

وفي القناعة أن هذه الأجواء قد تزداد تجهماً في حال استمرت حكومة الاحتلال في نهجها الملتوي وغير المشروع ، وبما يضعها كطرف أول وأكبر في العداء للسلام في المنطقة ن وبما يهيء أرضاً خصبة لازدهار التطرف على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ، علماً بأن نهج التوسع هو العنوان والبرهان الأول ، على التطرف بأسوأ معانيه وأشدها خطورة  .

mdrimawi@yahoo.com

 

نجاد في زيارة "تاريخية ط

             أنجاد في "زيارة تاريخية "    محمود الريماوي                           

للمرة الأولى منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران ، وكذلك للمرة الأولى منذ استقلال دولة الإمارات في العام 1971 ، يقوم رئيس إيراني هو محمود أحمدي نجاد بزيارة الإمارات . الزيارة تتم في وقت تقع فيه الجمهورية الإسلامية لا الدولة الخليجية المضيفة في قلب دائرة الاهتمامات الإقليمية ، وهناك من يراها في عين العاصفة بعد نبرة تهديدية ضد إيران  ، تحدث بها ديك تشيني في عرض البحر وعلى متن حاملة طائرات أميركية .

الإمارات التي استقبلت تشيني قبل يومين تتخذ شأنها شأن بقية دول المنطقة ، موقفاً يناوىء الحلول العسكرية وحتى التصعيد العسكري ، وتشدد على حل سلمي للملف النووي الإيراني .وهذا ما لا شك أن نائب الرئيس الأميركي سمعه من مستقبليه في أبو ظبي . رغم أن تشيني منح نفسه حق الحديث باسم "الأصدقاء في المنطقة " حين لجأ إلى التلويح بالتصعيد.

 ورغم عدم ورود أنباء عن اعتذار إيراني فقد أفرجت أبو ظبي عشية زيارة نجاد ، عن 12 غطاساً إيرانياً عبروا المنطقة الاقتصادية للمياه الإقليمية الإماراتية ، قبالة جزيرة أبو موسى التي استولت عليها إيران قبل ستة وثلاثين عاماً في عهد الشاه ، ورفضت الجمهورية الإسلامية إعادتها مع جزيرتين أخريين .

ليس معلوماً إذا ما كان سوف يتم التطرق ، لمسألة الجزر الثلاث خلال القمة الإيرانية الإماراتية ، غير أن هذه القضية ظلت وما زالت تلقي بظلالها على علاقات طهران مع دول مجلس التعاون الخليجي . ذلك أن الوعود والتطلعات الإيرانية  لتعاون مشترك في سائر المجالات بما في ذلك ما يخص أمن المنطقة ، ظلت تصطدم برفض طهران التفاوض حول الجزر ، أو اللجوء للتحكيم الدولي بشأنها ، علماً بأن  دولتين خليجيتين هما البحرين وقطر، سبق أن لجأتا إلى التحكيم لحل نزاع حدودي بينهما ، وارتضتا نتائجه وأقفلتا بصورة نهائية هذا الملف                                                                                  .

ومع ذلك حرصت أبو ظبي على تفادي اللجوء لأي تصعيد حول هذه القضية، سواء كان سياسياً أو دبلوماسياً أو إعلامياً . بل إن العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية ازدادت وتوسعت في العقود الثلاثة الماضية ، وظلت الجالية الإيرانية النشطة تشكل إحدى أكبر الجاليات في ذلك البلد : زهاء 400 ألف نسمة ، بما يعادل أكثر من عشرة بالمئة من إجمالي عدد السكان.                                                                               

والراجح وفي ظل الظروف الحساسة السائدة أن التهديدات الأميركية ، هي ما يشغل المسؤولين الإيرانيين في هذه المرحلة ،وهو ما يفسر إبداء الاستعداد للتباحث مع واشنطن بخصوص الملف العراقي ، وكانت طهران تشترط من قبل أن لا تقتصر أية مباحثات مع واشنطن على الوضع العراقي، بل أن تشمل سائر القضايا الخلافية ، وذلك في إشارة مفهومة إلى ملفها النووي .وهو ملف لا يثير كثيراً من الارتياح في دول الجوار الخليجي والعالم العربي ، فما زالت هناك حاجة لتطمينات فعلية ، ولأسباب تختلف عن دواعي النقمة الأميركية ، حول سلمية هذا الملف وحول آثاره البيئية ، وخاصة مع استمرار لهجة التحدي الإيرانية ، والتبشير بأن هذا الملف هو " قطار بلا كوابح " كما نسب لأحد المسؤولين الإيرانيين .                                                                                  

من المفيد والضروري أن ينشأ حوار عربي مع طهران ،في أجواء من الصراحة والرغبة في بناء ثقة متبادلة . وهو ما يستلزم  إقراراً بحق الدول العربية في حماية سلامتها واستقلالها  ،وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ، أو النظر إليها  كمجال حيوي لهذه الدولة أو تلك  ، واتخاذ أجوائها ومياهها ميداناً ومسرحاً لصراع  إقليمي ودولي .عسى أن يحقق استقبال الرئيس الإيراني  في أبو ظبي مثل هذه التطلعات  التي تخدم مصالح الجميع.                                         

MDRIMAWI@YAHOO.COM

                                                                             

                                                                                .

 

                                                                               

 

حرب جديدة ..يا للبشرى!

             حرب جديدة ..يا للبشرى!          محمود الريماوي

                               

يوحي ديك تشيني أن الوسائل السلمية قد استنفذت مع إيران  ،حول ملفها النووي وأنه لم يتبق غير اللجوء إلى القوة . ويريد الرجل أن يجعل من هذا الملف عنوانا لجولته، إلى جانب الملف العراقي حيث استهل جولته بزيارة بغداد .

وهكذا يتحدث نائب الرئيس الأميركي عما يعتبره اضطراراً لا خياراً . وذلك غير صحيح .إذ أن الإدارة الجمهورية الحالية  ، لجأت إلى الحرب كخيار أول في العراق  ، وقبل ذلك في أفغانستان ، وخلال ذلك دعمت الحرب على لبنان ، وعملت على إطالتها وتوسيع نطاق تدميرها للبنى التحتية بما فيها المدنية ، وقبل ذلك دعمت حرب شارون الطويلة لتدمير السلطة والمجتمع الفلسطيني ، وتقويض فرص السلام .

الإدارة في واشنطن حربجية ، وتبحث عن أسباب وذرائع لشن المزيد من الحروب . دون أن يعني ذلك خلو عالمنا ومنطقتنا من المشكلات ، ودون إعفاء الآخرين من قسط من المسؤولية كما في حالة إيران .

ولأن هذه الإدارة حربجية وغير نزيهة ، فهي ترفض التعامل مع الأزمة النووية الإيرانية ، من منظور إخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل . فهي معنية بمنع إيران من امتلاك قدرات نووية ، لا من باب الحرص على الأمن والسلام ، بل لتمكين الدولة العبرية من الانفراد بامتلاك هذه الأسلحة . وهذا هو العطب الجوهري في الموقف الأميركي ، الذي ينزع عنه أية صدقية . طهران من جهتها تقع في الخطيئة نفسها فلا تدعو لإخلاء منطقتنا من الأسلحة الفتاكة ، بل تطلب من الغير التعامل مع هذا الملف كأمر واقع  والتكيف معه ، شأنها في هذا الموقف بالذات شأن تل أبيب .

والآن يحاول السيد تشيني استغلال خلافات عربية مع طهران ، لانتزاع موقف عربي مؤيد للتصعيد العسكري . مع تجاهل تأكيدات عربية عديدة منفردة ومجتمعة كما في قمة الرياض الأخيرة ، بأن العرب لا يؤيدون استخدام القوة ، ولن يفسحوا في المجال أمام استخدام أراضيهم ، لشن هجمات أميركية على إيران .

لقد استبعد كثيرون من قبل هذا التصعيد ، فواشنطن بحاجة الى وسيلة للخروج من مأزقها في العراق ، لا أن تخوض صراعاً آخر يكبدها المزيد من الخسائر المعنوية والأضرار المادية ، ويعمق من مأزقها في بلاد الرافدين .غير أن المحافظين الذين لم يعودوا جدداً ، يفكرون كما يبدو بغير الطريقة التي يفكر بها بقية العالم ، بمن في ذلك الأميركيون أنفسهم . ففيما تشير سائر الاستطلاعات إلى انخفاض مطرد في شعبية البيت الأبيض ، وأساساً بسبب الحرب على العراق ، فإن الطاقم المتنفذ هناك ، لم يعد يكتم شهوته لخوض حرب جديدة . ولا يجد هذا الطاقم من يؤيده في قرع طبول الحرب ، سوى العنصريين التوسعيين في دولة الاحتلال الإسرائيلي .

والآن ونظراً للوضع العربي المعروف ، فإن أمام العرب فرصة لأن ينأوا بدولهم وشعوبهم عن هذا الخيار العسكري ، وأن يتمسكوا بمواقفهم المعلنة الرافضة له ، ولاستخدام أراضيهم ومياههم وأجوائهم كمعبر لحرب أخرى ، قد يخطط أصحابها لأن تكون حرباً تدميرية خاطفة ، لكن من يبدأ الحرب ليس هو بالضرورة من يضع نهاية لها .

لأميركا حقاً أصدقاء وحلفاء في المنطقة ، غير أن هذه العلاقة لا تعني في جميع الحالات الانسياق وراء غريزة الحرب التي تستحوذ على بعض صانعي القرار في واشنطن . فمنطقتنا أشد ما تكون حاجة إلى السلام ، لا إلى تأجيج حرب مدمرة أخرى .

mdrimawi@yahoo.com

 

 

                    

 
A service provided by Al Bawaba