مدونة محمود الريماوي

« | »

"رغبات ذلك الخريف": مجتمع يبحث عن روحه

"رغبات ذلك الخريف": مجتمع يبحث عن "روحه"محمود الريماويفي الصفحة  179 من الرواية الجديدة لليلى الاطرش "رغبات ذلك الخريف" تصف الكاتبة مرةً  بلسان الراوي "العليم " ومرة بلسان البطل غيث موسم تساقط أوراق الشجر المسمى "فول" التساقط حيث تصير المدينة الأميركية  ايوا  التي يحل فيها للبطل للدراسة الجامعية العليا " لوحة جميلة رسمها الخالق. تمر فرشاة الخالق على الأشجار فتلونها بسحر الأصفر والأحمر والبني والبرتقالي".البطل الشاب في تلك الأثناء مفعم بالأمل وبروح وثابة. يلتقي زميلته في الدراسة هبة التي سبقته الى هناك  وكانا تواعدا على إكمال دراستهما والزواج بعدئذ وبمعرفة الأهل، وتسير أمورهما هناك سيراً حسنا ولكن الى حين. زميلته هذه مع خالٍ لها مقيم هناك منذ أربعة عقود، ييسرا له سُبل الالتحاق بالجامعة والسكن وحل مشكلات الإقامة في بلد جديد. غيث ليس بطلا ًمطلقا في الرواية، التي تقوم على التعددية والتناظر بين جملة شخوص يعيشون ظروفاً متباينة في عمان وانطلاقا ًمنها وعودة اليها من بلدان أخرى، وتحركهم دوافع مختلفة  وتقوم بينهم صلات القربى والزمالة والجيرة، ويتعرضون جميعا  لامتحان واحد في خريف آخر في عمان. ليس هناك وصف في الرواية للخريف العماني حيث "الحجر يطغى على الشجر" في المدينة. مصائر الشخصيات على عتبة ذلك الحدث، تجمع بين ما تنبىء به رغبات شخصية، ووعود جمالية وذهبية للخريف( استناداً الى فيروز والرحابنة في ذهب أيلول..أوراق الشجر الذهبية) وبين الترقب والقلق أمام تحولات على وشك الوقوع، فإذا بها تقع في اتجاه آخر. خلا ذلك الذهاب الى المجاز الذي منح الرواية عنوانها، والذي لا يفيض عن الاستعارة ولا يبلغ مبلغ الرمز، فإن الرواية ( 320 صفحة من القطع المتوسط) تقوم على تسمية الأشياء بأسمائها: غالبية الشخصيات والأماكن والتواريخ. وعليه وإذ تتخذ الرواية من عمان مسرحاً لها، فإن المؤلفة ترصد التبدلات التي عاشتها المدينة وأهلها في السنوات الخمس الأولى من الألفية الثالثة، منظوراً اليها  عبر تقلبات حياة جملة شخوص  وعائلات. تبدأ الرواية برحلة الشاب غيث الى مطار الملكة علياء  متجهاً الى الولايات المتحدة للدراسة بصحبة مودعيه: أمه وعمته وأبيه "الاشتراكي" .في المطار يتعرف الى الشاب موسى المتجه الى باريس للعمل في صالون تجميل. يفترقان لكنهما لا يلبثا أن يلتقيا في مشروع عقاري بعيدا ًعن تخصص ومهنة كل منهما. عائلة أحمد ونوال من قاطني مخيم الحسين. الشاب الذي لم يكمل تعليمه يكدح لتحسين مستواه الثقافي  والمهني، ليتمكن من العمل نادلاً في فندق خمسة نجوم. شقيقته  نوال تعمل في صالون تجميل في عبدون، تتزوج ووتطلق بعد سنة واحدة لسوء معاملة زوجها الذي يدعي التدين. طليقها شقيق الشاب موسى. في مكان عملها تزاملها خديجة السودانية التي حلت في عمان بصحبة زوجها عثمان لغايات الحصول على تخصيب صناعي.أحمد يتعرف عبر الشات على الشابة لطيفة وهو اسم مستعار لرجاء التي تنتسب لعائلة الطيراوي وسبق للعائلة أن اقامت في السلط بعد نكبة العام 1948، وكانت العائلة تستقبل  من قبل اشخاصا ًمن السلط يفرون من العسف العثماني. تغادر العائلة الى الكويت ولا تلبث في العام 1991 بعد احتلال الكويت أن تعود لمنزل ابتنته في الكمالية على مشارف السلط. رجاء ابنة احدى البنات محاسن، وقد تلقت رجاء تعليمها في الجامعة الأميركية في القاهرة وعملت في شركة لوالدها اسسها بعد عودته الى عمان. وتغادر الى بيروت لحضور مؤتمر وترتبط هناك بعلاقة حب مع رجل اعمال لبناني زياد البستاني وتعمل في شركته خلافاً لرغبة ودون موافقة العائلة. لم يرغب زياد في بادى ء الأمر بتتويج علاقته بالزواج  ثم يميل الى هذا الخيار لاحقاً بعد عودة رجاء الى عمان. وقبل ذلك تواجه رجاء مشكلة طلاق أمها وأبيها بعد أن عمد الأخير للزواج  (زواج ثانٍ)من سكرتيرته عطاف.يسري اثر التحولات الاجتماعية شيئا فشيئا على مصائر الاشخاص.الشاب غيث يستهويه عالم الفرص في أميركا ويترك دراسته متفرغاً لترميم وشراء وبيع العقارات متشاركاً مع رفيق السفر موسى الذي يتزوج من سيدة فرنسية يعمل لديها وتمده بالدعم للقيام بهذه المشاريع الاستثمارية الى جانب عمله. لكنه يتزوج من زميلته هبة التي باتت طبيبة.أحمد يتدين بعد أن باتت بيئة المخيم والنادي متدينة. يتخلى عن أحد عملين له، ويدعو شقيقته للزواج من أحد رفاقة الصالحين وترفض العرض( مهدية .. لا أريد لأحد أن يهديني).حتى أنها لا تجد دافعاً قوياً للذهاب الى دروس داعية ( إذا كانت الداعية صادقة لتجعل زوجها يفك احتكاره للسكر.. دخل سنة من مدرستها يكفينا طول العمر).الشابة  السودانية تفشل في اقناع زوجها بتخصيب صناعي، وكان حضر الى عمان لهذا الغرض،ثم يقرر الذهاب الى بغداد في العام 2005 للعمل هناك سائقا لأسرة عراقية تعرف اليها في عمان.والد رجاء يصاب بالسرطان بعد أن ماتت زوجته الثانية الشابة عطاف. وفيما يسعى الجميع لتدبير حياتهم بأقل الخسائر، وبلوغ ما يمكن من بلوغه من طموحات، إذا بانفجارات الفنادق في عمان تلقي بظلالها الثقيلة عليهم.يشكل الحدث المأساوي تحدياً جماعياً. أحمد يعمل في احدى الفنادق المستهدفة، وبينما كان يعتقد ان سقوط مدنيين في العراق هو ثمن طبيعي للمقاومة، فقد كاد هو يذهب ضحية للتفجيرات وقد ساءه أن المستهدفين هم مسلمون والفاعلون مسلمون. اللبناني زياد البستاني حل في أحد الفنادق التي هددت وكان  ينتظر رجاء وقد حضر لغاية التقدم للاقتران بها. غيث وصديقه موسى تواعدا على اللقاء في أحد الفنادق التي هددت لاتمام صفقة مشتركة بينهما. أما السوداني عثمان فكان قادماً الى احد الفنادق على موعد مع شخص عراقي، ليتم اتفاقه معه بشأن العمل سائقاً عند الأسرة في بغداد.لم يقع أحد من هؤلاء ضحية التفجيرات  المأساوية الشهيرة في ثلاثة فنادق.لكنهم وقعوا ضحية الصدمة المروعة. وبدت رغباتهم المشروعة في ذلك الخريف مهددة وهم مهددون بفعل قوة عمياء تدعي أنها تملك حلولاً لكل المعضلات.ليست رواية ليلى الأطرش مسيسة رغم أن حدثا ً"سياسياً" كاد يودي بحياة نسبة كبيرة من أبطالها.فهؤلاء يبحثون عن فرص لتحقيق رغباتهم والارتقاء بحياتهم ،والموازنة بين قيود مجتمع محافظ  ما فتىء يزداد محافظة، وبين تطلعات شخصية بريئة في إطار حياة مدنية في المدينة. لا ينشطون سياسياً باستثناء أحمد الذي ينخرط جزئيا ًودعوياً مع إحدى جماعات الإسلام السياسي.علاوة على هذه الرؤى التي تنبض بها الرواية، فهناك شخصيات ثانوية برعت المؤلفة في رسمها. عمة غيث المعلمة التي استشهد عريسها ليلة زفافها وترفض الزواج من بعده، وكانت اختارته رغم أنه ينتمي لدين آخر وبالضد من رغبة أهلها،( هناك شخصيتان أخريان تزوجتا بإرادتهما الحرة: رجاء وأمها محاسن) مما اضطر الأسرة للجلوة. لم يحدث ذلك في أيام الناس هذه، بل قبل عقود من الزمن. وبعد أن تشتبك مع أهلها فإنها تشتبك ثانية مع أهل العريس الذين لم يحتسبوها زوجة لابنهم ولا يحق لها أن تنال نصيبها من الميراث. ولما كان طيفه لا يفارقها فقد رأت صورته ذات يوم في عامل نظافة يتردد عليهم.. تحنو عليه بالمال والطعام، فتكون النتيجة أن تنشأ علاقة بينه وبين عاملة المنزل الأندونيسية وتحمل هذه منه!.هناك أيضاً شخصية أبو محمود العامل المكتهل والمنضوي سابقاً في حزب يساري، والذي يتصدى لأولئك الذين يُبسطون الأمور  وخاصة احمد ابن صديقه المرحوم، ويصنفونها بين أبيض وأسود ويدعون امتلاك الحلول لكل شيء. وهناك قبل ذلك وبعده تعاقب أطوار الحياة وضغوطها على بلد تنعكس عليه مباشرة أحداث العالم، وعلى مجتمع يراوح بين المحافظة والزحف نحو المال والتشبث بالطابع المديني، ولعلها ليست مفارقة أن نساء الرواية( هبة، محاسن، رجاء والعمة) ينجحن في تحقيق ذواتهن بأفضل مما يجترح الرجال ذلك.         

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba