05 شباط, 2010
العُسف لا يبني دولةً
محمود الريماوي يتعذر على المتابع المعني تقصي أسماء وهويات مئات التنظيمات السياسية القائمة في بلاد الرافدين، التي تستعد لخوض الانتخابات النيابية المقررة في السابع من آذار مارس المقبل.في المقابل هناك قدر من الصعوبة في التعرف على عشرات القوى والشخصيات السياسية المهددة، بحظر مشاركتها في هذا الاستحقاق الهام. غير أن ثمة بوصلة لا تخطئها العين المجردة تفيد أن قوى ذات منزع قومي عربي، وذات أصل طائفي بعينه هي المهددة أكثر من غيرها بالحظر.من المفارقة أن العملية السياسية كانت ترمي بين ما ترمي اليه، الى اجتذاب تلك القوى اليها وحثها على المشاركة فيها، وقد شاركت بالفعل في الانتخابات السابقة. فإذا بالهدف ينقلب هذا العام ويتمحور حول السعي لإقصاء مسبق لهؤلاء، بعد حضور ممثليهم تحت قبة البرلمان طيلة السنوات السابقة.ليس هناك من تفسير لهذا الارتداد سوى ضيق الأفق، والخشية من أن تتغير المعادلات بعد أن تغيرت أمزجة الناس وخبروا الحكم المحمول على نزعة شمولية واحتكار الصواب، مع العجز عن الخروج الى أفق وطني. ليس معنى ذلك أن القوى المستهدفة حالياً بالإقصاءهي أفضل بكثير، أو أنها تشكل بالضرورة البديل الصالح الذي لا يأتيه الباطل من أية جهة.غير أن العبرة هي أن القوى الحاكمة وقد حققت بعض الإنجازات لدرجة أنها لامست أفقاً وطنياً في بعض الحالات، مثل الحملة على الميليشيات أيا كان لبوسها، الا أنها تشهد عشية الانتخابات حنيناً الى أيام الاستئثار الأولى، وتوجساً من أن تعكس الانتخابات التعددية القائمة بالفعل في المجتمع.أما التهمة التي يجري سوقها ل"غربلة" المرشحين فإنها لا تصمد أمام الوقائع.من قبيل أن بعض المرشحين سبق له الانتماء لحزب البعث، وهو حزب قائم منذ ستين عاماً، قبل أن يعتلي الرئيس السابق صدام حسين الحكم بنحو ثلاثة عقود.ويفترض في العهد الجديد أن لا يكون انتماء المواطنين لأي حزب جريمة، بل أن يتم التقصي عمن سبق أن ارتكبوا جرائم ومحاسبتهم، وكذلك من اقترفوا فظائع في العهد الحالي، لا أن تتم المحاسبة على الفكر والمعتقد السياسي..فالفكر العروبي ليس غريباً عن العراق والعراقيين، حتى يتم التعامل معه وكأنه دخيل أو نشاز. أو كأن البلد خلعت جلدها وتغيرت هويتها كلياً وبقدرة قادر. حتى الأميركيون وضمن منظورهم الخاص وبما ينسجم مع مصالحهم الذاتية، يرغبون أن يشارك الجميع بغير مصادرة، فيما هناك في بغداد من يرغب بهندسة التمثيل النيابي مسبقاً. فيقوم الحكم بانتخاب من يشاء أولاً ، ثم يقوم الشعب باختيار من يريد من بين هؤلاء المختارين. وهذه الصيغة التدخلية غير معمول بها سوى لدى الجار الإيراني..وها نحن نرى أية احتقانات يعيشها المجتمع السياسي هناك بفضل هذه السياسة، رغم تعاقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وبعد ثلاثة عقود على انتصار الثورة واستقرار النظام الجمهوري.لقد انهار الاتحاد السوفياتي السابق ومعه الحزب الشيوعي الحزب الوحيد الحاكم، قبل عقدين من الزمن.وجرت "محاكمة" سياسية وإعلامية على أوسع نطاق للمرحلة السابقة ورموزها، غير أنه لم يتم حظر الحزب الشيوعي، الذي ما زال قائما في الشارع وممثلاً في البرلمان. لا يشكل وجود الحزب العريق خطراً على أحد ولا يحظى بتمثيل واسع، غير أن وجوده يعكس حال التعددية،ويمثل برهاناً على أن الحد الأدنى من الحياة الديمقراطية قائم. حقاً إنه ليس مطلوباً استنساخ تجارب الآخرين بصورة حرفية، خاصة أن هناك من يدلي بأمثلة معاكسة .. عن النازيين المحظور وجودهم في المانيا .غير أن القاعدة الذهبية تبقى في التوجهات التي تلقى أوسع قبول وتضمن مصالح البلاد والعباد. فإذا كان نقد المرحلة العراقية السابقة على سبيل المثال شرطاً لا غنى عنه لبناء عراق جديد، فمن الواضح أن من يتم السعي لاستبعادهم ليسوا من اولئك الذين يتغنون بتلك المرحلة، ومنهم الشخصية البارزة صالح المطلك. بل أن دعاة الإقصاء يقعون في حبائل التناقضات. فرئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي سبق أن التحق في شبابه بحزب البعث وخرج منه وعنه، دون أن يمنعه ذلك من تبوؤ رئاسة السلطة التنفيذية والمشاركة في الائتلاف الحاكم، وخوض الانتخابات وتحقيق نتائج جيدة فيها. وكان وما زال يُفترض أن تتجه الأمور نحو الأفضل، لا أن يصبح ما كان مرعياً ومتاحاً في العام 2005 مذموماً ومحظوراً في العام 2010.هم على صواب بالتأكيد من يحذرون من عودة العسف السابق، بمسميات جديدة وتحت رايات عهد جديد: الإعدامات والإقصاء.. أليس ذلك بعض ما ميز العهد السابق؟. في بلاد بعيدة لكنها بالمعايير التاريخية ليست أكثر تطوراً منا، فإن جنوب افرقيا اختطت تاريخاً من العدالة والمصالحة حتى مع عتاة العنصريين وقد أثمرت هذه السياسة في ازدهار البلد ورفاهية شعبه، على يد المناضل نيلسون مانديلا. بينما في ديارنا هناك من يستسهل الانتقام والرد على الظلم، بمثله أو ما هو أشد منه قياساً بالتوقعات والوعود الوردية، ويعتبر ذلك نهجاً سياسياً وبناء دولة، وهو نهج لا يعدو أن يكون تسلطاً صرفاً، وزعزعة على المدى البعيد لأركان الدولة.