« |
»
30 كانون ثاني, 2010
ليست عودة الى المربع الأول
ليست عودة الى المربع الأول محمود الريماويخرج الرئيس Hوباما باستخلاصات خاطئة عن الثمرة العجفاء لجهوده الشرق الأوسطية على مدار العام 2009 .قال الرجل إنه قد بالغ في تفاؤله ولم يحسن تقدير مدى الصعوبات التي تكتنف الطموح لإحراز سلام(صحف الخميس 12 يناير الجاري).الاستخلاص خاطىء، ويهدد باقتراف المزيد من الأخطاء من طرف إدارة الدولة العظمى، التي دأبت على ارتكاب الأخطاء على مدى عقود. فالصعوبات التي يجري الحديث عنها ليست من قبيل الظواهر الطبيعية غير القابلة للتغيير، بل هي نتيجة تنصلين متلازمين: تنصل تل أبيب من الانصياع للقرارات الدولية وأحكام القانون الدولي، وتنصل واشنطن من إلزام حليفتها باحترام الشرعية وحقوق الإنسان والشعوب.تلك هي المسألة ماضياً وراهناً ومستقبلاً، الى أن تشاطر واشنطن المجتمع الدولي والبشرية بأسرها، اعتماد معايير عالمية حاكمة: أخلاقية وقانونية مشتركة. لقد ظهرت الصعوبات مجدداً لان إدارة أوباما انكفأت الى النهج القديم والسقيم للإدارات المتعاقبة، القائم على منح الدولة العبرية المحتلة استثناء مفتوحاً ،يتيح القفز عن المواثيق والأحكام والمبادىء التي تواضعت والتقت عليها البشرية، منذ ستة عقود على الأقل مع إنشاء الأمم المتحدة ووكالاتها وهيئاتها.مع هذا التراجع الذي يرفع الفوارق بين الإدارة الديمقراطية والإدارات السابقة بما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي، فإن الإدارة الحالية لا تعود الى مربع أول باحتساب أن مؤتمر مدريد مطلع تسعينات القرن الماضي هو ذلك المربع، لكنها تعود الى ما هو أسوأ منه بعرض بضاعة قديمة تشبه القمامة: التوفيق الشكلي بين حقوق الرازحين تحت الاحتلال، وبين مطالب القائمين على الاحتلال.العودة الى حلول جزئية في "خريطة الطريق" حول دولة مؤقتة لا أفق لها، سوى أن تتحول لدولة دائمة ممسوخة. فصل القدس الشرقية عن بقية الأراضي المحتلة. الامتناع عن مشاركة دولية في المفاوضات وحصرها في إطار ثنائي بين طرف ضعيف مستضعف، وطرف فاجر قوي مسلح حتى الأسنان، يملك منشآت نووية ويستقوي بالدولة العظمى.هذا ما حمله المبعوث جورج ميتشيل الذي يتردد أنه عازم على الاستقالة من مهمته، وذلك في ضوء الانسداد الذي يواجه هذه المهمة، وافتقاد أية مقاربات جدية تحمل الأطراف على التقيد بمرجعية واحدة. في واقع الأمر أن الخبراء النافذين في الدوائر العليا في واشنطن، انتهوا الى أن اللامرجعية هي المرجعية الوحيدة، وأن ما يتفق عليه الأطراف هو القابل للاعتماد.. وبما أن الأطراف لا يتفقون، فلتتم العودة الى نشر القمامة مجدداً في الطرقات، من قبيل معاودة تهديد الطرف الضعيف بأن "كارثة سوف تحل بالفلسطينيين إذا لم يستجيبوا للمقترحات الجديدة " وكأن وضع هؤلاء ليس كارثياً ،أو أنهم لم يتذوقوا بعد كوارث على يد الاحتلال الوحشي، وبفعل الانحياز الأميركي الهستيري له..أما الاحتلال نفسه فله أن ينعم بالنعيم دائماً وبلا انقطاع، سواء جارى حليفه في واشنطن في بعض المطالب الطفيفة أم لا. والتذكير بضمانات القروض يتعين أن يتوقف ويتم الاعتذار عنه على التو، فمن واجب الدولة العظمى أن تتقيد بما تمليه الدولة الإقليمية العظمى في الشرق الأوسط، سواء انسجم ذلك مع المصالح الأميركية أم لا.لقد دأبنا على القول إن التراجع الأميركي المتسارع يحرج المعتدلين العرب في عشرين دولة عربية. واقع الحال أن الامر ينطوي على تحدٍ، فواشنطن تتصرف على أن من حقها اللجوء الى الكذب( كما في واقعة اشتراط وقف الاستيطان) حين ترى ذلك مفيداً لها، وأن تقوم بتكييف هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة بتفريغه من كل مضمون حقوقي وسيادي،وأن ترى الأمر.. أمر التسوية برمتها منوط عملياً بما ترتضيه وترتأيه تل أبيب، لا أي طرف آخر بما ذلك مجلس الأمن.. ذلك كله يشكل انسحاباً يكاد يكون صبيانياً من الوعود الكبرى التي أطلقها أوباما، ولا مبالاة بالأطراف العربية الصديقة، وبالشركاء في أوروبا وروسيا والصين، وابتعاثاً لأسوأ ما في تراث الإدارات المتعاقبة في تشجيع الاحتلال على ازدراء القرارات الدولية، و"حق" الخوض في دماء المدنيين وهدم بيوتهم على رؤوسهم، وهو ما ثبت في الموقف المشين للإدارة من تقرير غولدستون، وتهديد المقدسات الإسلامية والمسيحية والعمل على تقويضها. وهكذا بدلاً من ارهاب القاعدة المذموم، يتم تكريس وتعظيم إرهاب دولة.. رسمي ومنظم في الشرق الأوسط فوق أية مساءلة، يحظى برعاية أميركية كاملة.الخطة الأميركية الجديدة لقيت حتى الآن اعتراضاً من سائر الأطراف العربية بما فيها الطرف الفلسطيني،بينما يجد ميتشيل نفسه في تل أبيب أمام خيار وحيد وهو المزيد من التقيد بالمسطرة "الاسرائيلية"،إذا اراد مواصلة مهمته. وليس هناك أمام ذلك من سبيل سوى أن تتشبث الاطراف العربية بمواقف الحد الأدنى ، فإحراز تسوية يتم بموجبها الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة لا يمثل مصلحة عربية فحسب بل يستجيب لمصالح "الاسرائيليين" والمصلحة الأميركية. وهو ما سبق أن عبر عنه أوباما بالقول بأن إقامة الدولة الفلسطينية يمثل مصلحة قومية أميركية . المهم أن يتقدم الجانب العربي خطوة الى الأمام بالتذكير بهذه المبادىء، ومخاطبة الإدارة بما يتعين مخاطبتها به وهي أن المصلحة القومية الأميركية يفترض ويتعين أن تتقدم على مصلحة اللوبي الصهيوني، وسوى ذلك فإن الصداقة العربية الأميركية تصبح مهددة مرة أخرى .
تعليقات