01 كانون ثاني, 2010
بعد أقل من ثلاثة شهور، للمرء أن يتوقع ان تصل الى القمة العربية الدورية رسائل من زعماء الحوثيين في اليمن، ومن زعماء الحراك الجنوبي اليساريين منهم والمحافظين، حول الأوضاع في اليمن السعيد متضمنة مطالب وادعاءات لهؤلاء، وأن تعمد صنعاء لاعتبار ما يجري في الشمال والجنوب شأناً داخلياً مع امتدادات إقليمية، وتطلب مختلف أشكال الدعم العربي تبعاً لذلك.كثرة ممن يتابعون الوضع اليمني، يكادون يجمعون على أن هذا البلد يواجه مخاطر جمة ،مرشحة للأسف للتفاقم في العام المقبل الذي يهل علينا بعد أيام ،وذلك مع نشوء ثلاث جبهات ضد الحكومة المركزية: تمرد الحوثيين، الحراك الجنوبي، ونشاطات القاعدة بعد ظهور وجود علني ومسلح لأفرادها في الجنوب. التمرد الحوثي يعود لأربع سنوات على الأقل، وبالنظر الى تسلح القبائل والأفراد وسوق السلاح المفتوح، وصعوبة التضاريس الجبلية التي تكاد تشابه تضاريس أفغانستان، فقد أمكن للتمرد أن يستمر وتقوى شوكته دون استبعاد مدد خارجي. التدخل العسكري السعودي يؤشر بين ما يؤشر اليه، الى إخفاق صنعاء في التعامل مع هذه الجبهة والى امتداد المحاذير الى الجار الكبير..الحراك الجنوبي يعبر عنه سياسياً الحزب الاشتراكي بقيادته السابقة: علي سالم البيض، لكن الناشط ميدانياً هو الزعيم "الاصولي" الفضلي.مما يثير التساؤل حول القيادة الفعلية، وحول الصعوبات الي تواجه صنعاء في التعامل مع قوى جنوبية تضم تيارات من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.تحركات القاعدة ليست جديدة، وقد بدأت تنشط في الجنوب كما في الشمال رغم النجاح الأمني حتى الآن في متابعتها، غير أن تعدد هذه الجبهات،وإمكانية إفادة كل منها من الجبهة الأخرى ، يظل خطراً داهماً واحتمالاً قائماً.من المؤسف حقاً ان تنشب هذه المخاطر وتتراكم على مدى السنوات القليلة الماضية، دون التوصل الى حلٍ شافٍ. فمشكلة الجنوب ليست بنت البارحة، وكانت من المشكلات النموذجية القابلة للحل، عبر المشاركة الفعلية في السلطة على مختلف مستوياتها، وإحلال اللامركزية في المحافظات وتفعيل التعددية السياسية، والإفادة من اعتراضات المعارضة لتعيين مواطن القصور والأخطاء، وإعلاء شأن المواطنة، والتنمية المتوازنة وإدارة حوارات وطنية جادة وصريحة. لم يتحقق من ذلك إلا النزر اليسير، وظلت المشكلات تتفاقم والحساسيات تزداد تحت أبصار ومسامع السلطات، حتى بدأ يحدث ما يحدث في الشطر الجنوبي من البلاد.التمرد الحوثي أخذ تعرجات كثيرة، قبل أن يتبدى صراع الحوثيين في أحد جوانبه الرئيسة، من أجل تزكية التعددية العقيدية والثقافية ، وهو أمر كان يستحق ايلاءه الاهتمام الكافي منذ البدء، وكان يمكن علاجه في هذا الضوء، وإلا كيف تعيش وتتعايش عشرات الطوائف والمذاهب والأعراق في دول الغرب وأحياناً في الدولة الواحدة، دون أن تحدث احتكاكات ذات شأن؟.للسلطات أن تتحدث بأنه يحق لأي أحد، التعبير عن مطالبه وتظلماته سلمياً، أما اللجوء الى السلاح فهو تمرد وعصيان. وذلك صحيح بالطبع، غير أن الدولة على مدار عقود لم تفعل ما ينبغي فعله لحظر حيازة واستخدام السلاح ولو بالتقنين التدريجي، وقد أدى هذا التقصير الى إنشاء أسواق للأسلحة ومصالح مرتبطة باستمرار هذه الظاهرة، تعبر عن نفسها في خطف الأجانب، والأسوأ من ذلك هو توطن ثقافة السلاح والعسكرة بما لا يقل عن توطن إنتاج واستهلاك نبتة القات. وربما يجد باحثون روابط بين الأمرين بين النبتة اللعينة و"زينة الرجال". المخاطر على اليمن تهدد بانكشاف أكبر للامتدادات الإقليمية وانغماس أكبر في المشكلات اليمنية بصورة أكثر تعقيداً مما كان عليه الحال في ستينيات القرن الماضي، حيث انعكست الحرب العربية الباردة بين معسكري القاهرة والرياض آنذاك، حرباً ساخنة على الجبال والوهاد اليمنية. والمخاطر المستجدة أيا كان الفائز في جولاتها من اللاعبين الإقليميين والدوليين وهم كثر، فإن اليمن يظل هو الخاسر الأكبر في سيادته ووحدة أراضيه ، وفي الاستنزاف البشري والمادي، وفي إعاقة التنمية وهي في الأصل ليست في أحسن أحوالها. والمدخل الى المعالجة لا بد أن يكون ذاتياً ، بفتح نوافذ للحلول السياسية مع الحوثيين كما مع الجنوبيين،حتى لو بدت الحلول في هذه الآونة مستعصية وغير فعالة. فالمهم ابتداء هو إشاعة أجواء جديدة ، والتأشير الى أن هناك بدائل ومتاحة وممكنة للحلول العسكرية وبقية الحلول الصفرية التي تنعكس سلباً على النسيج الاجتماعي وعلى لُحمة المؤسسات. أما الأطراف المؤهلة للوساطة والتجسير، فلا بد أن تكون القوى السياسية والاجتماعية اليمنية من مختلف المذاهب والمشارب، فممثلو هذه القوى هم الأدرى بطبيعة المشكلات، وهم الاكثر قدرة تبعاً لذلك على اجتراح الحلول بل وضمانة تنفيذ الحلول المرتجاة، وقد يبدو تنكب هذا الطريق واعتماد هذا الخيار من قبيل الاعتراف بمدى خطورة المشكلات، وبأن الحلول العسكرية والأمنية لم تحقق الهدف المرجو والنتائج المتوخاة. فالحوثيون كما الجنوبيون هم في البدء والمنتهى يمنيون أقحاح شأنهم شان غيرهم من أبناء وجماعات البلاد، والحلول الاستئصالية ليست حلولاً بل وصفة لاستشراء الخراب وتوليد الانشطارات واجتذاب التدخلات الخارجية.