مدونة محمود الريماوي

« | »

السلبية العربية وراء تراجعهم

السلبية العربية وراء تراجعهم

 محمود الريماوي

                                               

الضجة التي ثارت مؤخراً حول مواقف الاتحاد الاوروبي بخصوص القدس، تشكل مثالاً صارخاً للإخفاق الفلسطيني والعربي. تل أبيب هي التي أثارت الضجة ،وتسابق زعماؤها على التحذير من "اندفاع " الاوروبيين  وبالذات حيال وضع القدس، وبالطبع فقد شاركت المعارضة الأوساط الحكومية في التهويل على المواقف الاوروبية كما فعلت تسيبي ليفني زعيمة كاديما التي اعتبرت الانشغال الاوروبي بالمدينة المقدسة "خاطئاً". السويد التي تترأس الاتحاد الأوروبي تعرضت لحملات شديدة في تل أبيب، وقد تم اعتبار هذا البلد الاوروبي المسالم أنه "ميدان لنشاط المعادين للاسامية".ولم يخف المسؤولون الاسرائيليون أنهم سوف يفعلون كل ما بوسعهم لثني الاتحاد الاوروبي عما ينتويه. ومن دواعي الأسف أن مسعى هؤلاء لم يخب. فالبيان الذي صدر الثلاثاء  الثامن ديسمبر الجاري في بروكسل، عكس التأثير الاسرائيلي الواضح، ففي الوقت الذي دعا فيه بيان وزراء الخارجية الى القدس عاصمة لدولتين ، فقد رهن البيان في فقرة أخرى( الثامنة) هذا الأمر بما ستؤول اليه المفاوضات بين الجانبين، وهي صيغة اسرائيلية تقليدية ودائمة لإحالة كل شيء على مفاوضات لا تثمر شيئاً، ولا تجد تل أبيب من يضغط عليها ويدفعها للقبول بمقتضيات الشرعية الدولية، وفي تلك الأثناء يفعل المحتلون ما يطيب لهم في الأراضي المحتلة، وفقاً لمقولة بن غوريون : "ليس مهماً ما يقوله العالم، بل ما يفعله اليهود".لكن تل أبيب تنشط مع ذلك نشاطاً محموماً كي تجعل العالم يتحدث رغماً عنه بالمنطق الاسرائيلي، كما فعلت ونجحت مع الأوروبيين هذه المرة، وبالتواطؤ مع وزراء دول مثل فرنسا وبريطانيا وبولونيا وإيطاليا ورومانيا. هذا في الوقت الذي يتغنى فيه العرب بعلاقاتهم الوثيقة بالجيران الأوروبيين، وباتفاقيات الشراكة معهم التي انجزت والتي على وشك الإنجاز . ولا يود المرء تحميل غير أصحاب العلاقة وزر ما يحدث من تراجعات، فلا منطق في انتظار أن يصبح الأوروبيون عرباً أكثر من عرب، وما دام أن الطرف المبادر والناشط هو الطرف الاسرائيلي وحده ،بينما الجانب العربي غارق في انشغالاته الداخلية، ويوكل ل"الاصدقاء الأوروبيين " أن يفعلوا ما يرونه مناسباً. لم تسجل خلال الأسبوعيين الماضيين حركة عربية باتجاه الاتحاد الاوروبي، لتشجيعه على التمسك بمواقف مبدئية وسليمة، ولكشف المناورات "الاسرائيلية" الرامية الى جعل العالم يتشارك بالصمت أو التواطؤ أو المواقف الملتوية، في التغطية على استمرار الاحتلال. وما حدث مع تقرير غولدستون بخصوص جرائم الحرب على غزة، ها هو يتكرر مع مبادرة الاتحاد الاوروبي للتلاقي مع توجهات أوباما، بدفع المفاوضات على أسس واضحة وملزمة الى الأمام . وقد ضاعت هذه الفرصة برغم المكابرة الفلسطينية والعربية، حيث جرى الترحيب ببيان بروكسل، ودون أي تحفظ على ما ورد فيه من تراجع عن المسودة، التي لم تربط الوفاء بالحقوق الفلسطينية بأي عائق او شرط، من قبيل نجاح الطرفين في التفاوض كما ورد في البيان اللاحق. السويد وليس أي طرف عربي هي التي اشتكت من ضغوط، أدت إلى انقسام في الموقف الاوروبي، حيث تمت التغطية على هذا الانقسام بعبارات متناقضة  في البيان  الختامي، وتمت فيه الإشارة الى القدس، وليس الى القدس الشرقية المحتلة عاصمة للدولة الفلسطينية ، بما يتلاءم مع الطروحات الاسرائيلية التي ترى المدينة المقدسة موحدة تحت الاحتلال وخاضعة ل"سيادة" هذا الاحتلال. وكما نجح الاسرائيليون في تفريغ  اندفاعة الإدارة الاميركية من مضمونها، عبر عمل مثابر موصول لا يخلو من تحقير الحلفاء في واشنطن، من قبيل القول الذي صدر عن نتنياهو بأن البيت الأبيض ليس هو وحده من يقرر السياسة الخارجية الأميركية،  كذلك فلم يتردد ناطقون في الخارجية "الاسرائيلية" عن الزعم، بأن دولاً اوروبية اسكندنافية هي مرتع للعداء للسامية . حدث ذلك قبل التصويت على بيان الوزراء في بروكسل، وقد أثمرت هذه الحملات المسعورة  في النتيجة بصدور بيان مرتبك، لم ترض به تل ابيب كما في المواقف المعلنة رغم أنه حقق لها هدفها بربط كل شيء بالمفاوضات دون سواها، مقابل خيبة عربية تعز على الوصف، ولدرجة أن إطلاق نعت الخيبة لا يحرك ساكناً في الموصوفين، الذين يرقبون على مدار الساعة حركات وسكنات شعوبهم أو يتربصون بدول شقيقة. هناك الآن من ما زال يتطلع الى موقف أوروبي فاعل، ولعل هذا الموقف صحيح مبدئياً، غير أنه يتعذر على أحد في العالم أن يفعل شيئاً ذا بال، ما دامت الأطراف المعنية على ما هي عليه من تراخٍ، ومن اكتفاء بلجاجة لفظية حول الحقوق والسلام العادل والشرعية، دون أن تقرن ذلك بأية مواقف سياسة. في الماضي كان ُينعى على المواقف العربية أنها تقتصر على التحركات الدبلوماسية، لكن حتى هذه التحركات باتت عزيزة على أصحابها:  شحيحة وشديدة البطء ولدرجة التلاشي. ومع غياب تحرك دبلوماسي للدول فقد غابت الجامعة العربية بدورها، وقد بات أمينها العام منشغلاً بخوض معركة الانتخابات الرئاسية في بلاده، كما في التصريحات المتواترة عنه في الأسابيع الأخيرة. وعلى هذا النحو لنا وحتى إشعار آخر، أن لا نترقب شيئاً مع من يتعايشون مع العجز الذاتي، ولا يرون فيه ما يثير أي قلق أو تساؤل.ما التغطية على استمرار الاحتلال. مسك بمواقف مبدئية وسليمة ، ولكشف المناورات الاسرائيلية الرامية الى جعل العالم يتشلرك بالصمت او 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba