« |
»
06 كانون اول, 2009
خسائر استنساخ "الخطاب الدولي"
خسائر استنساخ"الخطاب الدولي" محمود الريماويشاعت مشاعر خيبة الأمل من الموقف الأميركي، الذي عبرت عنه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بخصوص الموقف من "تنازلات" السيد نتنياهو، ثم تبعها المبعوث جورج ميتشيل بالتعبير عن الموقف نفسه، والأخير يستعد لجولة جديدة له في " المنطقة"، ومن الواضح أن هذه الجولة سوف تستند الى ما صدر عن رئيس الليكود رئيس الحكومة في تل أبيب.كان نتنياهو أعلن الثلاثاء الماضي أنه يتبنى تجميداً مؤقتاً لمدة عشرة أشهر للاستيطان في الضفة الغربية، باستثناء "القدس، والمباني الحكومية والمدارس والكُنُس قيد البناء". وهو ما سارعت الخارجية الأميركية للترحيب به باعتباره "عاملاً مساعداً لاستئناف التفاوض". منظمة التحرير اعتبرت "التنازلات خادعة" وكذلك فعل رئيس فريق التفاوض صائب عريقات، وقد ذهب الرئيس محمود عباس أبعد من ذلك، حين رأى أن "اوباما لا يفعل شيئاً حاليا لعملية السلام". وقد فات عباس ملاحظة أن سيد البيت الأبيض منهمك في وضع استراتيجية أميركية للتعامل مع معضلة أفغانستان، بما هي مسألة ضاغطة على الأميركيين وعلى الإدارة في ضوء الخسائر اليومية هناك.أما في الشأن الفلسطيني فكل شيء هادىء ولا يثير القلق.في موضوع الغزو الإستيطاني، فقد واكبت مقاربته جملة أخطاء، في مقدمها الفصل بين التغول على الأراضي المحتلة وبين الحق في الحرية ووجوب إنهاء الاحتلال. بدا لكثيرين ضمن المقاربة المجزوءة للمسألة، أن هناك طرف يرفض النمو الطبيعي لوجود الطرف الآخر فيما يتمتع الطرف الرافض بهذا الحق. وقد تأسس هذا الخطأ على خطأ سابق، يقوم على مماشاة "المجتمع الدولي" في طروحاته الداعية الى تجميد الاستيطان وحسب. وذلك بدلاً من التمسك بالموقف التحرري والموضوعي القائل بأن الاستيطان منذ العام 1967 في جميع الأراضي المحتلة، هو الرديف المدني للاحتلال العسكري. والمسألة ليست لفظية. فحينما تتم الدعوة عاماً تلو عام لتجميد الاستيطان، فذلك يعني ُحكماً القبول ولو على مضض بما تم من عمليات بناء استيطانية سابقة.. بما فيها خلال الأعوام التي كانت تجري فيها الدعوة للتجميد. الخطأ الفادح في التخلي عن المنطق الوطني الخاص، والانتقال منه للتشبه بلغة المجتمع الدولي، أظهر البيت الأبيض ويا للمفارقة كما لو أنه منحاز لوجهة النظر الفلسطينية .فثارت ضغوط الكونغرس وقوى النفوذ الصهيوني لحمل البيت الأبيض على اتخاذ موقف "متوازن" فكان الموقف السابق لهيلاري كلينتون قبل تنازلات نتنياهو، الذي يعتبر تجميد الاستيطان ليس شرطاً لاستئناف التفاوض، وإن كانت واشنطن لا تجيز الاستيطان . حتى انتهى الأمر الى اعتبار ما بدر عن تنياهو بأنه "تطور ايجابي".في السيناريو الآخر،وفي حال التمسك باعتبار الاستيطان جميعه مظهراً من مظاهر الاحتلال، كان موقف الإدارة الأميركية الداعي للتجميد، سيبدو مجرد تلبية جزئية وطفيفة للمطالب الفلسطينية المستندة الى الشرعية الدولية ومواثيق جنيف. لكن تخفيض السقف الفلسطيني بالاكتفاء بالتجميد، أدى في المحصلة الى تخفيض التجميد نفسه..الى تقليل القليل وإنقاص الناقص أصلا. بهذا فإن تنازلات نتنياهو والتهليل الأميركي لها، جاءت في جانب أساس منها ثمرة لتراجع في الموقف الفلسطيني، وذلك في غمرة السعي للتماهي مع المواقف الأوروبية والأميركية والتمتع برضا وقبول دولي.غير أن المجتمع الدولي لا يقاتل لحساب الآخرين، ولا يقدم مكافآت لمن يعتصمون بالانتظار ولا يحركون ساكناً، وهي الاستراتيجية البيروقراطية التي انتهجها عباس في محاولة للتميز منه عن الرئيس الراحل، وقد ثبت للمرة المائة على الأقل أنه تميز يقع في خانة السلب يراكم الخسائر،ويؤدي الى إطفاء جذوة الممانعة الشعبية.يقضي الواجب مع تشكيل لجنة جديدة لمنظمة التحريرولجنة مركزية جديدة لحركة فتح، أن يصار الى تصليب الموقف الفلسطيني مع الاحتفاظ بمرونة الحركة. فمعركة ذات أهمية مصيرية تتعلق بالغزو الاستيطاني، لا تخاض بمنطق التذيل للخطاب الدولي واستنساخه. فذلك يؤدي وقد أدى الى أن يقرر أصحاب هذا الخطاب من طرفهم، مآل هذه المعركة ووجهتها النهائية، بحيث يتم اتخاذ موقف رافض ولفظي لكنه يسمح عملياً باستمرار الاستيطان مع إحالة ملفه الى التفاوض.فتستمر المفاوضات لعشر سنين أخرى، يكون أصحاب مشروع الاستيطان قد استكملوا خلالها حلقات مشروعهم، ومن لا يرتضي بذلك فليضرب رأسه بالجدار الشاهق وهو أوضح وأخطر شاهد على الضم والتوسع ورسم الحدود داخل الضفة المحتلة، وليس مع أراضي ال48 التي تقوم عليها الدولة العبرية.في العمل السياسي ناهيك بالعمل النضالي فإن الفرص لا ُتستنفذ والآفاق لا ُتغلق، فأقصى اليمين الصهيوني الحاكم ينشط في ابتزاز العالم، والمهم فلسطينياً عربياً قطع الطريق عليه، برفض اسئناف التفاوض في هذه الظروف رفضاص قاطعاً ،وبالتمسك بمنطق يجمع بين الحقوق الوطنية والسياسية الثابتة، وبين الخطاب الواقعي، وليس التنازل عن هذه المنطق باسم الواقعية، فالثابت أن لا قرار للتنازل، ولهذا يطالب نتنياهو بالاعتراف بدولة يهودية مقابل دولة فلسطينية مؤقتة منزوعة الأسنان( السلاح). فيما انعقد الإجماع الصهيوني على مدى عقود، حول الاعتراف بدولتهم المقامة على أرض فلسطين.وقد تحقق بالفعل هذا الاعتراف قبل ستة عشر عاماً، لكنهم يريدون الآن طبعة منقحة منه تؤدي الى طمس الوجود الفلسطيني على أيدي ممثليه أنفسهم.وخلال ذلك الاستمرار في الاستيطان لضم البؤر الاستيطانية الكبيرة الى دولتهم، التي يريدون تجديد الاعتراف بها في صيغة جديدة تتطابق مع أهدافهم التوسعية.
تعليقات