مدونة محمود الريماوي

« | »

مقدمات "موقعة" السبت

مقدمات "موقعة" السبت                                                              محمود الريماويفي زيارة أخيرة للقاهرة عرض كاتب هذه الكلمات مقالاً منشوراً في صحيفة "المصري اليوم" المستقلة على أحد عاملي الفندق. كان المقال بعنوان: من أجل مصر .. أؤيد الفريق الجزائري. قرأ العامل العنوان  ورسم بصعوبة ابتسامة باهتة على شفتيه، وسرعان ما علق قائلاً: سوف يُضرب الكاتب لو رآه أحد بالجزم( الأحذية).لما أبديت استغرابي من تعليقه، فقد اكتفى العامل بمبادلة الاستغراب باستغراب أشد منه. ويسأل إن كنت سأبقى حتى أشهد المباراة السبت، فأجيبه أني سأفعل ذلك في الموعد  ولكن خارج مصر.علماً أن هذا المقال ُكتب قبل إجراء المباراة وُينشر بعد إتمامها.ليست مجرد مباراة كرة قدم للتأهيل لبطولة جنوب افريقيا في العام المقبل. إنها لدى الشارع المصري (القاهري بالذات) مسألة كرامة وجدارة وطنية. يموت أول ضحية بانفلونزا الخنازيرفي السادس من نوفمبر الجاري، وتنشر صحف قومية( رسمية) ومستقلة على صدر صفحاتها الأولى أن أمنيته الأخيرة هي" أن تكسب مصر المباراة" ويرد مدرب المنتخب الوطني حسن شحاتة بأن أمنية الطفل الضحية "سوف تتحقق". التعبئة في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية ليست مجرد تعبئة رياضية بل تكاد تكون  وطنية وسياسية . الرئيس  مبارك نفسه زار الفريق في معسكر الفراعنة قبل  ثلاثة أيام من اجراء المباراة. سياسي معارض يكتب خارج مصر إن المواجهة الرياضية "تستخدم لدعم مسلسل توريث جمال مبارك الحكم".التعبئة عالية المستوى المشحونة وبالغة التوتر، كانت زاخرة بالشائعات من قبيل أن المنتخب المصري سبق أن تعرض لمحاولة تسميم وتم الاعتداء على طبيب الفريق في الجزائر، وأن الفنادق المصرية رفضت استقبال أعضاء الفريق الجزائري. السلطات المصرية تدرك مدى الحساسية العالية لهذه المواجهة، فقامت بتنظيم حفلة غنائية شارك فيها المصري محمود منير والجزائري الشاب خالد، دون أن يحد ذلك من منسوب التوتر العالي. فقد تعرضت الحافلة التي أقلت الفريق الجزائري بعد وصوله الى القاهرة الخميس الماضي إلى القذف بالحجارة من شبان غاضبين. وهو ما رآه وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي "حادثاً خطيراً" وتم على إثره استدعاء السفير المصري في الجزائرالى مقر الخارجية وإبلاغه رسالة احتجاج. صحف مصرية بارزة على رأسها "الأهرام" و"الشروق" اعتبرت الحادث ملفقاً من قبل اللاعبين الجزائريين( ...). في هذه الأثناء كانت تدور حرب إعلامية على صفحات الصحف والملاحق الرياضية بين البلدين. أما في "الغابات الشاسعة" للانترنت، فقد دارت معارك طيلة الأسبوعين الماضيين ليس فقط للتشهير والمناوأة، بل كذلك لتعطيل مواقع "معادية". يذكر أن العلاقات بين البلدين طبيعية ، وقد شاركت الجزائر على مستوى وزاري في المنتدى الصيني الإفريقي الذي استضافته شرم الشيخ في الثامن من نوفمبر الجاري.بقراءة هذا النزر اليسير من الوقائع المصاحبة للمواجهة الرياضية ، يتبين أن ما جرى قد خرج عن مألوف هذه المناسبات. ففيما تعتبر الرياضة إحدى ميادين التقارب والتقريب بين الدول والشعوب (دبلوماسية البنغ بونغ بين بكين وواشنطن في سبعينات القرن الماضي) فإن مثل هذه المناسبات تكاد تتحول في ديارنا العربية وأحياناً داخل البلد الواحد، إلى وسيلة لبث البغضاء والكراهية وإثارة الحساسيات الجهوية والطائفية، بما يخرجها عن أهدافها الأولى كميدان للمهارات البدنية والفنية وللتنافس البريء والأخلاقي، ثم عن غاياتها الأبعد في التقريب بين الشعوب. المسؤول عن هذا التردي هو الفراغ السياسي والضغوط المعيشية وغياب المشاريع الوطنية والقومية الجامعة، وافتقاد الجمهور الى بواعث  ومحفزات تشحن الوجدان الفردي والجماعي وتشغل الاهتمامات، فيتم النكوص واعتبار مباراة رياضية بمثابة مشاجرة جماعية طاحنة بين فريقين. والتقصير في هذا المجال يشمل السلطات هنا وهناك التي تصوغ الرؤى الكلية،  وذات التأثير غير المنكور على وسائل الإعلام، كما يشمل التقصير المجتمع الأهلي، فمنظماته وجمعياته لا تفعل الكثير في تأطير الجمهور، نحو تحقيق غايات جامعة ذات فائدة ملموسة ودائمة. إذ تكتفي هذه المؤسسات عادة بالحضور الإعلامي وأنشطة الفنادق مع شبهات فساد تلاحق بعضها. وذلك بدلاً من توجيه الجمهور وإيقاظ وعيه لتحميله مسؤولياته،  في مواجهة مشكلة النظافة العامة مثلاً التي تنوء بها قاهرة المعز، وخلاف ذلك فإنه يتم ترك هذا الجمهور نهباً لعصبياته وغرائزه في مواجهة  رياضية مع أشقاء. ولا ريب أن لدى الملاحظين الجزائريين، ما يأخذونه على السلطات كما على منظمات المجتمع المدني في بلادهم، في تصديها للمشكلات الفعلية إذا كان هناك من تصدٍ بالفعل. ونظراً لحساسية ما تقدم، فإن المرء يبدو قليل الاحتفال بنتيجة مباراة السبت 14 الجاري. ليس لأنها عديمة الأهمية بل لأن الأهم من التأهل لبطولة رياضية قارية، هو انعكاس هذا الحدث على مجمل العلاقات بين بلدين شقيقين في شمال إفريقيا، وشعبين هما من أكبر الشعوب العربية تعداداً وقد ربطتهما على مر التاريخ وشائج عميقة، وقد نال هذه العلاقات ضرر جلي بفعل الشحن عالي المستوى الذي مهد لهذا الحدث وواكبه، بما يتطلب الأمر معه بذل جهود جدية من الجانبين لجبر الضرر قبل فوات الأوان، مع أهمية إعادة النظر الجذرية في التوظيف المستتر لمناسبات رياضية لغير أهدافها الأصيلة والمتوخاة .   

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba