« |
»
26 تشرين اول, 2009
الرافعي: شخص يُمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب
الرافعي: شخص يمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب.. محمود الريماوي في غمرة الحديث المتواتر عن أزمة يعيشها فن القصة القصيرة في العالم العربي، بما يحد من الثقة بمستقبل هذا الفن، ويلقي ظلالاً على المنجز القصصي، فإن اكتشاف منجز كاتب على درجة عالية من الموهبة هو المغربي أنيس الرافعي، من شأنه أن يزلزل بعضاً من تلك القناعات الرائجة على الأقل، لجهة الجدارة والتميز ،باستثناء تلك المتعلقة ب"جماهيرية" هذا اللون التعبيري وغيره من الفنون. فمنجز الرافعي على ما يصنفه هو، نخبوي. لا يرمي وهذا ما لا يجهر به لاجتذاب قارىء عابر، ولا يمحض المتلقي فرصة إزجاء الوقت بالتمتع بتسلية فورية، مفعمة بتشويق الحكايات المثيرة.دأب "النخبوي" الرافعي (37 عاماً) على كتابة قصصه في مقاهٍ شعبية في الدار البيضاء، ويقيم وهو المدرس في إحدى الثانويات في حي السراغنة، غير الموصوف بأنه حي للبورجوازية أو حتى للصغيرة منها . أما موضوعاته: أشخاصاً وحوادث وشواغل، فتتعذر نسبتها الى شريحة اجتماعية نخبوية كما الى شريحة دنيا، ذلك أن هذه الموضوعات وما يكتنفها من الرؤى عابرة للطبقات. يتكرر موضوع قصصي عند الرافعي عن شخصين يحلمان الحلم ذاته في مكانين متباعدين، ينجو أحدهما لأنه استيقظ من النوم أو لأن الآخر سبقه في الوصول الى الكارثة خلال الحلم نفسه. وهو نموذج لشواغل هذا الكاتب"الذي يعتنق عقيدة القصة القصيرة " رغم "أن شخصا يمسك بذراعه كلما حاول أن يكتب". النخبوية هنا ودونما حاجة للتقيد بتصنيفات الكاتب لصنيعه، تومىء الى الهوس الايجابي بالتجريب والنزوع الفائق الى لتجويد،وصرف النظر عن تطلبات القارىء وعاداته الأثيرة في الاستقبال حتى لو كان ربما قارئاً مثقفا، والانشغال بكتابة قصة خالصة تنفذ الى جوهر القص بأقل قدر من الكلمات والتفاصيل، وبالاستغناء عن كل تأثيث من وصف للمكان أو تحديد له ولظاهر البطل وباطنه، لمصلحة الانهماك في تصوير نقطة أزمة، أو تتبع المرئيات وخلع معانٍ ورسم ظلال عليها، والرصد الدائم للعلاقة بل للتبادل والتشابك بين ما هو متخيل وما هو واقعي.في واقع الأمر أن منجزالرافعي وهو من كتاب الألفية الثالثة، يضيف الى منجز سابق اجترحه السوري زكريا تامر، ثم العراقي محمد خضيرفي خمسينات وستينات القرن الماضي وإرث مجلة غاليري 68 في مصر ومبادرات القصة القصيرة جداً ، ومجمل بالموجة الأولى للحداثة القصصية العربية. الطموح المشروع والنبيل للكاتب بالذهاب بعيداً في مضمار الحداثة، يخالف معتقدات نقدية سارية ( يعتنق مثلها كاتب هذه السطور) مفادها أن هجرة معاكسة قد تمت على أيدي قاصين عرب كثر، نحو الواقعية وإن بمحمولات جديدة وخاصة على صعيد الشكل والبناء الذي بات يتجه الى البساطة، وذلك بتأثير كتابات قصصية أميركية لاتينية ( وشمالية أحياناً) ويابانية وبتأثيرات غير مباشرة لتقنيات الميديا: فن التقريروتسمية الأماكن والأشخاص ومخاطبة متلقٍ على مرمى النظر يكاد يعلن عن وجوده.بعيداً عن ذلك، يراهن الرافعي على خيار الحداثة ولا يحيد عنه ،بقصة تبدأ من مفردات الواقع العياني لتنتهي في فضاء من التجريد ، وذلك في كتبه القصصية الثلاثة: "علبة الباندورا"، "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس" و"اعتقال غابة في زجاجة" ، وقد ظهرت الكتب تباعاً خلال الأعوام الخمسة الماضية في الرباط. خلافاً للواقعيين ممن يعيدون صوغ الواقع بقدر يقل أو يزيد من الإزاحة ، فإن الرافعي يذهب الى رفع الحدود بين الواقعي والمتخيل، ولدرجة يمتثل فيها الواقع لإرادة السارد الذي يقوم بالتخييل، فيغدو ما هو متخيل واقعاً برسم السرد، لكن دون الوقوع في أوهام وردية أو مرضية .فالسارد يخبر المتلقي أنه بصدد التخيل ويدعوه لمشاركته اللعبة، ويفاجئه في النهاية باللبس والاختلاط بين ما يدور في المخيلة وما يجري في واقع الحال.هذه اللعبة ليست مجرد تمارين وإن كان الكاتب يجهر بغرضه في إجراء تمارين، لكنها في محمولها العميق تؤشر الى أن المخيلة حاجة وجودية وضرورة خلاقة، لتجاوز الالتصاق بالواقع والخضوع له، والسعي الى تقليبه على أوجهه الكثيرة وتقشير"طبقاته" وتقصي ممكناته.هي بذلك تظهير للنازع الغلاب الى التحرر، وكسر صنمية الواقع لدرجة التشكيك والطعن بواقعيته، وذلك لفرط جموده وهشاشته معاً، ولمدى ما يستشعره الكائن البشري من غربة فيه.وبما أن القصص مهما بلغت جدارتها لا تلبث أن تغدو جزء من الواقع ما أن تنجز، فإن السارد يستدرك مسبقاً ولا يتورع عن التدخل، بكسر الايهام الفني وتذكير قارئه بأنه إنما يقرأ قصة، فيشير مثلاُ الى "تطور غير موضوعي" في مجرى الأحداث، أو تطور "مخالف لمقتضيات الحبكة" وإلى "بطلة القصة" بدلاً من فلانة. في مواضع أخرى وإمعاناً في كسر الايهام، فإن كتابة القصة تتخلق أمام عيون القارىء كما في قصة الساق من مجموعة "اعتقال الغابة". الفقرة الثانية هي تكرار للفقرة الأولى مع إضافة بضع كلمات . ثم تتكرر هذه الفقرة في الفقرة اللاحقة بإضافة مزيد من الكلمات ، الى أن تكتمل القصة بفقرة أخيرة . وكان يمكن حذف التكرار ، غير ان الكاتب رغب في تقريب عملية الخلق عنده الى القارىء، كي يكتشف حدود اللعبة كما حدود الواقع نفسه الذي تتناوله القصة . وذلك على طرية الطهاة الذين يقومون بتحضير الوجبة أمام أنظار الزبون. يبرع الرافعي في اجتراح كتابة تخرج بتقصد عن سكتها ، لتتأمل ذاتها وتحاور قارئها عند الاقتضاء، لكن بضبط صارم لا تزيد فيه، ودون انزلاق الى تأمل "مجاني" يفيض عن البنية الدرامية وعن مأثرة القاص في الإيجاز المحكم. وإذ يتنقل القارىء من قصة الى أخرى ومن كتاب الى آخر ، فإنه للمفارقة لا يقبض على موضوعات أو على مادة قصصية صلبة، ترسخ في الذهن والنفس، أو حتى على تجسدات وتمثلات للأشخاص. ذلك أن طموح الكاتب يقع في مكان آخر : تحقيق التبادلية بين الواقع والمتخيل، بناء افتراضات ومقترحات تنشط ملكات القارىء، وتحمله على رؤية ما وراء الواقع وما تحت سطحه والتحرر من سطوته الحسية . تحريك السواكن من أثاث منزلي أو تمثال في حديقة أو جدار في الشارع، والانتقال من ذلك الى النقمة على محدودية الواقع وهشاشته، بتسييل صلابته المزعومة وتصيير الكتل البشرية والطبيعية إلى غبار وبخار، وخلال ذلك تمجيد اللعب: الحق في رؤية الوقائع بما فيها وقائع الولادة والموت كلعبة: صائد السمك الضجران لا ينجح الا في التقاط كيس أسود ثقيل يضم رأسه المقطوعة، الحبيبة تهدي حبيبها ساقها الاصطناعية عربون حب فيبادلها بجز ساقه، والوفاء لحق الكائن في اللعب: أخذ الأمور باهتمام وإدراك لكن بخفة، بدحض تماسكها المزعوم واتساقها الشكلي.إذ ينجح الرافعي في تقنياته هذه ،عبر موهبة استثنائية وسيطرة تامة على بنية النص القصصي،مع وعي نظري متقدم تعكسه استهلالات الكتب، فإنه حت وطاة الحماس يمعن في التصنيف والتجنيس لما يكتب، ويتخذ من ذات نفسه قارئاً ومعقباً وناقداً ليس في داخل النص ضمن لعبة محسوبة وهذا ما يُحسب له ، لكن في التقديم والتذليل ووضع حشد من الملاحظات التي تشوش القارىءوتثقل عليه. في مواضع أخرى داخل النص يكثر من النعوت ويجنح لمبالغات لفظية : نافذة مفتوحة من الوريد الى لوريد ، ابتسامة طاعنة في الامتنان،كرسيها الهزاز الذي لا يكف عن العزلة. يبدو ما سبق كتورم لغوي، يفيض عن مقاصد النصوص المقتضبة، الماكرة حيث يتركز صنيع الكاتب في محو الحدود بين الواقعي والمتخيل ثم تحقيق التبادلية بينهما، فما حاجته بعد هذا اللعب المتقن الى استعراض لفظي أو مبالغات تعبيرية..حتى لو كان ربما قارئا القراءة .ة .اتب لصنيعه، تدل على الهوس الايجابي بالتجريب والنزوع الفائق الى التجويد بصرف النظر عن تطلبات النخبوية سك بذراعه كلما حاول ا حاول ان يكتب"القصة القصيرةخصين يحلمان الحلم ذاته في مكانين متباعدين.
تعليقات