« |
»
24 تشرين اول, 2009
ليس مسلسلاً مدبلجاً
ليس مُسلسلاً مدبلجاً محمود الريماوي التلاقي السوري التركي يمثل لا شك تطورا استراتيجياً بين البلدين الجارين، حيث اتسمت العاقات بينهما على مدى العقود الماضية بالجفاء والتوتر، إلى ان صعد حزب العدالة والتنمية الى سدة السلطة في بلاد الاناضول، باكتساح سياسي ديمقراطي لا مثيل له ، تم معه إحالى أحزب "تاريخية" الى الأرشيف.دمشق بين دول قليلة أدركت مدى عمق التغيير في أنقرة، فالهوى الغربي الأطلسي معطوفاً على تلاقٍ استرتيجي مع تل ابيب، في سبيله الى التفكك التدريجي لكن المؤكد، فتركيا الجديدة ذات نازعين متكاملين: مع أوروبا كعمق وفضاء اقتصادي بأوسع معاني العبارة مع ما لذلك من أبعاد سياسية وثقافية، ومع العالم العربي والإسلامي( الآسيوي) كامتداد جغرافي سياسي وحضاري، وأسواق مفتوحة ومصادر طاقة. استفادت أنقرة من الاضطراب والإخفاق في السياسية الاميركية في ولايتي بوش ، لتعزز انفكاكها عن الدائرة الأميركية دون الأطلسية ، وحتى هذا الإطار الأخير تعاملت معه أنقرة على طريقتها، فلم ترسل قواتاً الى افغانستان، ورفضت الالتزام بأية سيناريوهات أميركية في العراق،على أساس القناعة بأن العراق بلد جار لتركيا التي تعرف أوضاعه وكيفية التعامل معه، أفضل من واشنطن.في هذه الأثناء ، أي في السنوات الثلاثة الماضية وطدت دول خليجية وغير خليجية علاقاتها بأنقرة ، لكن هذه الدول لم تذهب إلى حد إقامة علاقة عميقة وذات أفق استراتيجي. وبدلاً من الاستجابة لدواعي التقارب الوثيق، طغت الهواجس من الجار الإيراني وخاصة بعد بروز مسألة "الملف النووي". فيما تقدمت دمشق لمقاربة أخرى: الاستقواء بإيران والتكامل مع تركيا، جنباً الى جنب، مع مركزي التشدد والاعتدال معاً، مع المركز ين " الشيعي والسني" على السواء، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في مقاربات دمشق للوضع الإقليمي، ولا للبنية الداخلية للحكم لمماشاة التقارب مع أنقرة مثلاً ذات النهج الديمقراطي على الطريقة الغربية( والكونية). وفي هذا الوقت فإن انقرة تتمسك برغبتها للانضمام الى الاتحاد الأوروبي مع تمسك دول مثل فرنسا وألمانيا برفض هذا الانضمام او تبطيء مراحله الى أقصى حد بحيث يصبح مكنا بعد مائة عام من الآن، لكنها بزيادة تقاربها مع دمشق تكرس خيارها الثاني بالعودة الى مواضع "الدولة العثمانية".. وقد كان لافتاً ان التقارب مع دمشق ارتبط بتقارب مع أرمينيا، وقيل إن لدمشق دورا في هذا التقريب، الذي وضع حداً لعداء دام نحو قرن من الزمان وبما يضفي الذيول السلبية لامبراطورية العثمانيين، ويستعيد في الوقت ذاته الحظوة التي كانت تتمتع بها تلك الامبراطورية في دول المنطقة. ولئن كانت أنقرة قد تقربت من بغداد وتعمل على تكامل مع هذا البلد الذي ما زال منهكاً، فإن الخلاف على موضوع معالجة المسألة الكردية والرؤية التركية لكركوك الغنية بالنفط، يجعل هذا التكامل يفتقد الى تفاهم مكين بأبعاد سياسية واستراتيجية، خلافاً لما جرى مع دمشق فلا خلاف حول المسألة الكردية، فيما "توظف" دمشق أنقرة للتهدئة مع الغرب، وصولاً الى التقدم لإجراء مناورات عسكرية مشتركة ، وإلغاء انقرة لمناورات كانت دائمة وروتينية مع تل ابيب، وهو تطور بالغ الأهمية ، وليس مسلسل تركي تلفزيوني مدبلج باللهجة السورية. فلم يتخيل أحد من قبل أن تنشأ علاقات دفاعية على هذا المستوى، بين بلدين جارين ظلا متباعدين لعقود بل ويتربصان ببعضهما. وهو ما يفسر الحملات الصهيونية المحمومة على أنقرة، واستغلال مسلسل تلفزيوني تركي يصور مشهداً لتنكيل اسرائيلي بطفلة فلسطينية ، كذريعة لشن حملات رسمية وإعلامية على أنقرة، فيما الحنق يدور على تحولات في القرار السياسي التركي، مع نجاح المستوى السياسي الحاكم في أنقرة في تحييد المؤسسة العسكرية.ومن حسن الطالع أن الاشتراكيين قد عادوا للحكم في أثينا، بما يوفر فرصة أقل لتل أبيب في استخدام علاقة خاصة مع أثينا للضغط على أنقرة .عليه فإن إعادة التموضع التركية السابقة على التطور الاخير مع دمشق والتي لقيت دفعة جديدة مع هذا التطور، تؤذن وينبغي لها أن تؤذن ببدء حرمان الكيان الصهيوني من العلاقة الخاصة والحارة مع البلد المسلم، وخاصة إذا اتسع مدى التقارب بين دول عربية أخرى مثل مصر والمملكة العربية السعودية مع أنقرة.يبقى استخلاص يستحق الجهر به، وهو أنه إذا كانت دمشق برعت في صياغة هذا التحالف الجديد الذي ينعكس على حياة الشعبين ويحترم الشؤون والخيارات الداخلية للبلدين، فلماذا لا تتكرر هذه التجربة داخل العمق العربي، ولماذا التمسك بالرؤى الوحدوية التقليدية التي يعرف الجميع مضمونها الفعلي ومردودها الملموس على الشعوب، والإفادة من هذه السابقة لبناء تكامل متعدد الحلقات مع أقطار عربية، بتوسيع وتعميق كل ما هو غير سياسي في العلاقات، وصولاً لتكامل سياسي في نهاية المطاف. والمبادرة مطلوبة بالطبع من سائر الدول العربية في المشرق، لا من سوريا فحسب، فلا يعقل أن تتوطد علاقات الأطراف العربية مع أطراف غير عربية، فيما الوضع العربي والعلاقات البينية على ما يعرف الجميع من فتور وما هو أسوأ منه.
تعليقات