مدونة محمود الريماوي

« | »

مدينة يحار فيها أهلها وزائروها

مدينة يحارُ فيها أهلها وزائروها   محمود الريماوي                                                          يكاد زائرو عمان من العرب يجمعون  على  وصفها بأنها مدينة نظيفة . ولطالما طرب ساكنوها وأهلها  لهذا الوصف، دون أن يأخذوا في الحسبان، أن الوصف يراد به التأشير الى انخفاض مستوى النظافة في مدن وعواصم  عربية، بأكثر مما يتجه الى تقرير واقعة قائمة . حسناً إن عمان في المتوسط العام لمستوى الحياة في مناطقها وأحيائها، بما في ذلك شرقها وحنوبها، على درجة من النظافة . لكن هذه الميزة لا تكفي للحكم على مدينة. علاوة على أن  تحقق هذه الميزة  لا يعتبر إنجازاً بحد ذاته.. فمن طبيعة الأمور ومنطق الأشياء أن تكون المدينة نظيفة وإلا لانتفى شرط أولي للتمدن، مثل أن يؤدي الموظف عمله بغير منة ، ويقود السائق مركبته متبعاً قواعد السير والسلامة العامة.  في الغالب يبدي الزائرون هذه الملاحظة ، لأن ليس لديهم الكثير ليقولونه حول مدينة  ينغلق سرها عليهم.  فيعمد بعضهم للثناء على الخدمات الحديثة المتطورة في الفنادق والمطاعم ووسائل الاتصال المتاحة والمنابر الإعلامية. ويعتذرون عن إبداء ملاحظات أخرى لمعرفتهم المحدودة بجوانب الحياة في المدينة. لكن بعضهم يساررك بأن نسبة المساحات الخضراء محدودة، وكان يتعين الانتباه لهذه المسألة كون المدينة لا يشقها نهر ولا تقع على بحر، وكذلك محدودية الفضاءات فيها. وهناك من يبلغك أن العواصم لا تتميز بخدمات حديثة فحسب، بل بما يتوافر لديها دون غيرها من المدن والعواصم من إبداع أهلها أو من خيرات الطبيعة ،ويميزها  في النتيجة عن سواها ويترك أثراً عميقاً لدى الزائرين .. ومع افتراض أن هؤلاء مدعوون من هيئات حكومية وأهلية، فإن الزائرين الوافدين على هواهم بغير دعوات، يلتقون معهم على أنهم يحلون في الغالب الأعم خارج وسط المدينة، على طرف من الأطراف في غرب المدينة .وفي النتيجة فإنهم يأخذون بطرف من المدينة.. يأخذون بطرف اللسان بعضاً من حلاوتها .لكن سرها يبقى بعيدا عن مداركهم ومتناول حواسهم. هو الكامن في قلب المركز كما في عواصم عربية وغربية بلا عدد، يتعرف المرء عليها ابتداء من مركزها القديم والتاريخي. أهل عمان وساكنوها لا يقلون حيرة عن زائريها ،في تحديد صورة للعاصمة.ففي غضون ثلاثة عقود نشات مدينة مضافة في الشمال والغرب. مدينة مقطوعة الآصرة، مع تلك المدينة التي نشأت على مدى سبعة عقود على اكتاف وسط البلد. لا يفهم الشاب اليافع  الذي ربما أنشأ أسرة خاصة به وولد في إحدى مناطق شمال أو غرب المدينة، معنى أن عمان مدينة الجبال السبعة ، فهو لا يصادف جبالاً في غدوه ورواحه.الهوية الأولى للمدين تغيم في انظار أجيال جديدة، وأجيال أخرى من كبار السن ممن عاشوا في الخليج او في الغرب وعادوا الى عمان في ربع القرن الأخير . وبات من الوقائع المقررة والامثولات المتداولة أن لا أحد ينتمي الى عمان، حتى لو كان أحد أجداده مولوداً فيها، ولو كانت إقامة السلالة متصلة فيها  بغير انقطاع. فالأهلون يحملون قراهم في ضمائرهم وفي مخيالهم وعلى ظهورهم. فعمان دار إقامة ورزق، وموطن مدارس وجامعات ومشافٍ  وأسواق ومشاغل وورش و"شمات هوا" لكنها ليست مدينة أهلها، وقد اختار أهلها لها ولهم هذا الأمر، ولم يختره لهم أحد . وفيما كانت عمان تواكب بيروت  والقاهرة ودمشق في خمسينات  وستينات القرن الماضي في الأخذ بأسباب حياة حديثة : الغناء، الموسيقى ،دور السينما ، الإذاعة، الاختلاط  الفردي والجماعي بين الناس، الأزياء للجنسين، النوادي الاجتماعية المفتوحة، فإن عمان الألفية الثالثة باتت مدينة الروابط العائلية والمناطقية المغلقة. وفيما كان حيزها السكاني قاصراً على أهلها، فقد كانت المدينة منفتحة بذاتها على ذاتها، على مكوناتها واستناداً لقيم مدينية : احترام  الآخر، احترام الشخص كفرد ، احترام النساء كبشر لا كإناث، طرح كل تعصب جانباً ، فإن وجود غير الأردنيين من مصريين وعراقيين وسوريين وأجانب في العقدين الأخيرين، لم يزدها انفتاحاً بل زاد فضاؤها الاجتماعي انغلاقاً. لقد اختار من اختار أن تتشبه عمان بعواصم خليجية لا بعواصم مشرقية او مغاربية: اقتناء السيارات، الفصل بين الجنسين، النمط الاستهلاكي، التدين الاستعراضي،النظر الى المجتمع كقبائل وعائلات، تكريس صورة أبوية للدولة خلافاً لصورة الدولة الحديثة التي يجهر بها على الدوام رأس الدولة .  لقد لاحظ باحث عراقي ( فالح عبدالجبار) ذات مرة في مقال نشرته "الحياة" اللندنية، أن ابن الريف والبادية حين كان يقصد العاصمة بغداد فقد كانت يتزيا بزي أهل المدن ويسعى للتطبع بطباعهم ما وسعه ذلك، أما في الأوضاع الحالية فبات أهل العاصمة يزهون باللباس الريفي والبدوي ولأخذ القانون بأيديهم. ضربٌ من ذلك أصاب نمط الحياة في عمان. دون أن نتعرض والحمدلله لما أصاب بلاد الرافدين من كوارث، ما أدى لبعث أنماط الحياة القديمة بعد خراب الهياكل هناك. ابن المدينة عندنا  بات يزهو بانقطاعه عن  الحياة المدينية. المكونات الاجتماعية المختلفة تتبارى في الانغلاق . التواصل الاجتماعي والفردي يضمحل. النخب تتذيل للمجتمع  عوض أن تؤدي دوراً مدينياً وتنويرياً. هذه المعادلة باتت تستقر و"تتمأسس". هناك من يرى فيها آية على الاعتدال والوسطية ،مقابل التزمت المفرط في هوامش المدينة، ومقابل الانفلات الحداثي في بعض مناطق غرب المدينة.تنشأ هذه المعادلة التي يراد لها الاستقرار،على استعادة بعض أجواء الثلاثينات، قبل التعليم وانتشاروسائل الإعلام والإدارات الحديثة ،مع الأخذ  حالياً بمظاهر وتقنيات الحياة الحديثة من سيارات وحواسيب وموبايلات وأجهزة كهربائية في المنازل.على أن التوسط  يجري في واقع الأمر، بين النكوص إلى عمان العشرينات أو العودة الى عمان الخمسينات. السؤال المبثوث في الفضاء الاجتماعي وأحياناً السياسي هو : الى أي مدى "حري بنا" أن نرجع للوراء.. الى خمسين أم ثمانين عاماً، لا إلى أي مدى يجدر بنا أن نتقدم للأمام .في غمرة ذلك لا يعدو غريباً أن تتذرر المدينة، فيرى كل من يشاء فيها عمانه الخاصة. يقصد أماكن بعينها ويختلط بفئة محدودة، ليسوا بالضرورة من زملاء العمل أو الجيران ( لا حظ الكاتب سامر خير أحمد في مقال نشره قبل أسابيع، أن انقطاع أواصر الجيرة لا يشبه الحال القائم في الغرب،  فهناك قد يجهل المرء هوية جيرانه لأنه يحترم فردية كل منهم وخصوصيته، بينما يقوم هذا الانقطاع عندنا على التباعد وفقاً لاختلاف الأصول الجهوية والانتماءات الأولية، فكل في نظر بعضهم بعضاً أغراب وغرباء لا يؤمن جانبهم، فيصبح التباعد والحالة هذه  عندنا من ضروب الإقامة في الماضي والانشداد اليه، لا الإقامة في المدن) أو ينهكه البحث عن مصادر رزق لتغطية اكلاف الحياة المتزايدة ، أو يلوذ بحياة افتراضية بين أربعة جدران بالإبحار في الشبكة العنكبوتية والتحديق في الشاشة الصغيرة. يفاقم من ذلك النقص الفادح  الى حد الغياب في وسائل النقل العام ،بما يقطع المدينة الى جزر متناثرة،كما في انطباع  الشاعرادونيس عنها. جزر تملأها المركبات والسائقون المتوترون ويخيم على يومياتها الضغط والحنق، جنباً الى جانب مع الأحياء الراقية والبنايات الجميلة وبينها أبراج زجاجية أخذت تشق الفضاء،ومع أجيال شابة تجهد في البحث عن فرصتها، وتشق طريقها نحو التعليم والوظيفة ومحاولة التعرف الشاقة على هوية مجتمع مختلطة ،اختلاط التنوع والتنافر، وكذلك محاولة التعرف على المدينة نفسها التي لا تكف عن التمدد.مع معاينة هذه النقاط الملتبسة، فإن الرهان ينعقد على فضاءات مفتوحة للاتصال والتواصل مع العالم الخارجي، وتوافر بنى تحتية جيدة، وانتفاء الإكراهات السياسية، وازدهار مؤسسات ومشاريع ثقافية، وعلى إلحاح  الضغوط والظروف الاقتصادية في التقريب بين  الناس، وعلى خيار الدولة القائم على أننا جزء من العالم ولسنا مجرد ورثة للماضي.    

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba