مدونة محمود الريماوي

« | »

بلاد التنين بين عهدين

بلاد التنين بين عهدين       محمود الريماوي                                    الصين التي دأبت على تصدير خطابها الثوري منذ اندلاع ثورتها العام 1949 الى دول ومجتمعات آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وعلى مدى ثلاثة عقود، باتت ومنذ ثلاثة عقود ايضاتقوم بتصدير كل شيء تقريبا الى مختلف دول العالم، بما في ذلك اخصم التاريخي الولايات المتحدة حيث تذهب النسبة الأعلى من الصادرات الصينية الى هذا البلد( أكثر من 18 بالمئة من مجموع الصادرات) باستثناء التكنلوجيا الرقمية الأكثر تقدماً. هذه هي الصورة الجديدة لبلد المليار وثلاثمائة مليون نسمة ، الذي احتفلت قيادته مطلع اكتوبر الجاري بالعيد الستين للثورة.ومع ذلك فإن الصين ليست سنغافورة أو تايلند، وليست مجرد نمر في قطيع نمور صغيرة.وليست بالتأكيد نمراً من ورق. فهذا البلد النووي يمتلك اكبر جيش في العالم من حيث العدد. ولا يقتصر الأمر على الكم، ولو كان الامر كذلك لما وضع تقرير استخباري أميركي ظهر العام الجاري، الصين على رأس التحديات الاستراتيجية تليها روسيا وكوريا الشمالية وايران. وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس حذر مما اعتبره "تطوير الصين لقدراتها في مجالات الحرب الالكترونية والرؤوس المضادة للأقمار الاصطناعية والصواريخ العابرة للقارات". هكذا يتجاور تعظيم القدرات الاقتصادية مع تطوير القدرات الدفاعية.وليس على طريقة بيونغ غانغ التي تسعى للمجد النووي، ولو فتكت المجاعة بشعبها.ومع زيادة قدراتها العسكرية لا تمثل بلاد التنانين  تهديداً يذكر ل"السلم العالمي". في المفوضات مع كوريا الشمالية وفي المشاورات حول الملف النووي الايراني، بكين حاضرة على الدوام ركناً ركيناً من أركان الشرعية الدولية.وفي مطالباتها باسترجاع تايوان لا تهدد بكين الدولة الصناعية القائمة الى جوارها، بل يتحدث زعيمها هو جينتاو هن تطوير العلاقات السلمية مع تايوان، وحيث تجد شركات تايوان في الصين أفضل الدول للاستثمار فيها.كل ذلك دون التخلي عن عودة تايوان اليها بعدما نجحت الصين في إخراج تلك الدولة من عضوية الأمم المتحدة . وكانت الصين انتظرت 156 عاماص قبل ان تعود هونغ كونغ الى سيادتها في  حزيران العام 1997 .وقد حافظت الصين على النظام الرأسمالي في هونغ كونغ  التي تضم 300 بنك صيني وأجنبي وسبعة آلاف شركة أغلبها أجنبية . هناك من يعتقد الآن أن الاحتفالات الصينية الأخيرة ، إنما تمت في واقع الأمر بمناسبة الذكرى الثلاثين لارساء نظام الاقتصاد الاشتراكي الذي وضعه دانغ شياو بينغ وأكمله هوا زيمين ويواصله الزعيم الحالي جينتاو المقرر أن يتقاعد في العام 2012، الذي جعل الصين تزاحم أكبر الاقتصادات من الولايات المتحدة الى اليابان وألمانيا.هذا النظام سمح بالاستثمار الأحنبي في مناطق اقتصادية خاصة بدأن بسبع مناطق حتى بلغت حاليا 200 منطقة .وكان من اثاره الداخلية تحرير عشرات الملايين من المزارعين  ( 170 مليوناً)من الفقر المدقع في اوائل الثمانينات وذلك بإلغاء التعاونيات الجماعية. في الاحصائيات الرسمية ان نسبة الفقر المدقع تراجعت من 53 بالمئة مطلع الثمانيات الى 2   ونصف بالمئة عام 2005 .الامم لمتحدة تنكر هذه التقارير وتتحدث عن 35 بالمئة من السكان ما زالوا يعانون الفقر المدقع ( دولاران في اليوم) وبين هؤلاء 130 مليون مليوناً ينفقون دولاراً واحداً في اليوم.لكن مع الأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية للعملة المحلية(اليوان ) ومقارنة الوضع الحالي بما سبقه، فإنه يتضح ليس التقدم النسبي فحسب، بل الوضع الكارثي الذي كان مئات الملايين ينوؤون تحته في ظل " الثورة الدائمة" التي أطلقها ماو تسي تونغ، الذي تصدرت صورته الاحتفالات، ولم يبق منه عملياً سوى الحزب الشيوعي الحاكم الذي بات يضم رأسماليين بدلاً من ثوريين بيروقراطيين، ويسمح بانتقادات داخلية علنية لأدائه في بلد يضم 338 مليون مستخدم للانترنت وهو رقم يتزايد يوماً بعد يوم.  وبينما يؤخذ على القيادة الصينية "انغلاقها"  السياسي عن قضايا التحرر في دول العالم الثالث وتركيزها على الأمن الأقليمي، وعلى التوازن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ، فمن الواضح أن خيارات القيادات الإصلاحية، اتجهت في المقام الأول لإنقاذ أكثر من مليار صيني، وبما يعادل 22 بالمئة من  مجموع ساكني كوكبنا. وليس لهؤلاء من يمد لهم يد الإنقاذ سوى دولتهم، وذلك بعد ثلاثة عقود حققت حضوراً مدوياً للصين ، لكنها أورثت القارة الصينية فقراً كاد يلامس تخوم المجاعات.  وحتى في مجال الحريات العامة فرغم ان الصين مازالت بلداً متشددا يمنع التعددية الحزبية والنقابية والإعلامية ، إلا ان العهد الذي ارساه دانغ شياو بينغ وضع حداً للتصفيات الجماعية، والحلول الاستئصالية للمعارضين، حتى بات هناك معارضون يتحدثون لوسائل إعلام أجنبية من بكين. وما زال هناك الكثير مما يفترض في الصين فعله لمنح أقليات في بلد ال56 قومية حقوقها الثقافية والدينية، مثل قومية الويغور المسلمة في شمال غرب البلاد التي تعرضت للاضطهاد في تموز من هذا العام، وكان أفراد من هذه القومية دينوا بالتخريب، وقد تكون التهمة صحيحة، غير أن هؤلاء وغيرهم يستحقون أن يجدوا ضمانات للتعبير السلمي الحر عن معتقداتهم، وأن يتمتعوا بالحرية الدينية، والتحرير المبرمج للحياة الاقتصادية يستحق أن يجد له رديفاً في مجالات الحياة الأخرى .    

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba