« |
»
14 تشرين اول, 2009
علاوي والمالكي وآخرون
علاوي والمالكي وآخرونمحمود الريماوي الأنباء الواردة من العراق باتت تتمحور حول تشكيل ائتلافات كبيرة ، استعداداً للانتخابات النيابية المقررة في منتصف يناير كانون الثاني المقبل، وذلك وسط تراجع موجات العنف. وما كان لهذه التطورات أن تحدث لولا أن هناك أفقاً سياسياً بات مرتسماً، ويستند أساساً إلى جلاء القوات الأميركية بعد نحو عامين عن هذا البلد، وذلك بعد انسحاب هذه القوات من المدن والخفض المتزايد في عديدها.الحديث عن ائتلافات كبيرة، يشمل أولاً التغير الذي طرأ على التشكيلة الحاكمة منذ نحو ست سنوات.فبينما كان هناك ائتلاف موحد كبير يمسك بأجهزة الحكم، فإن رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي الذي كان في قلب هذا الائتلاف، قد خرج أو أخرج منه واقتصر تمثيله على حزب الدعوة الذي ينتمي اليه. على أن مراقبة الوضع بتدقيق أكبر تفيد ان المالكي يسعى إلى تشكيل ائتلاف جديد عابر للطوائف، أعلن عن نواته الخميس الماضي الأول من أكتوبر تشرين الجاري، وذلك بعد أشهر من إعادة تشكيل "الائتلاف الوطني الموحد" ذي الغالبية الشيعية الذي أبقى المالكي خارجه.وكان الأخير قد قطع شوطاً في انفصاله عن الائتلاف، وذلك حين أنشأ تكتلاُ انتخابياً خاض الانتخابات المحلية في وقت سابق من العام الجاري، وبدا منافساً جدياً للائتلاف الذي يضم على الخصوص "المجلس الأعلى للثورة الاسلامية" بقيادة عبدالعزيز الحكيم الذي خلفه عقب وفاته قبل أسابيع نجله عمار، والتيار الصدري بزعامة متقي الصدر.يسعى المالكي وبقدر من النجاح للتميز بطروحاته الداعية لوضع حد لوجود الميليشيات، ووقف تسييس القوى الأمنية من جيش وشرطة، والحد من التداخل بين الكيانات الحزبية وأجهزة الدولة .وبينما تلقى هذه الطروحات حُكماً قبولا لدى أوسع شرائح المجتمع ، فإن الرجل يشكو حتى الآن من ضيق دائرة شركائه وحلفائه السياسيين. والتحدي القائم أمامه وأمام "ائتلاف دولة القانون" الذي يقوده، يكمن في توسيع هذه الدائرة خلال الأسابيع المقبلة، قبل أن يأخذ الفرز مداه عشية الانتخابات، وفي ضوء تنامي المصالح وعمليات الاستمالة والضغوط، لدى مختلف القوى السياسية والاجتماعية. ُيشار في هذا المعرض الى أنباء تواترت في الأسبوعين الماضيينن عن قرب انضمام إياد علاوي زعيم حركة الوفاق ورئيس القائمة العراقية النيابية الى الائتلاف الموحد( لم يعد موحداً تماماً بعد خروج المالكي وحزب الفضيلة). لم ينف رئيس الوزراء الأسبق هذه الأنباء ولم يؤكدها، على أن أعضاء من كتلته النيابية سارعوا لإبداء سخطهم من هذه التطورات ومنهم النائبة صفية السهيل. ليس معلوماً مدى دقة هذه الأنباء، غير أنه من الواضح أن تقارباً قد تم بين الطرفين. وربما يتوقف الأمر عند مثل هذا التقارب، دون الانخراط في الائتلاف، بما يمكن علاوي من تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات والعودة الى رئاسة الوزراء، والاحتفاظ في الوقت ذاته بتماسك مجموعته، التي كرست تمايزها عن الائتلاف في الانتخابات السابقة العام 2005 وفي محطات سياسية عديدة.في واقع الأمر أن علاوي أقرب في رؤاه وخطابه الى المالكي منه الى الائتلاف الموحد ، فكلاهما يسعى الى إرساء دولة لا محل فيها لنفوذ خارجي وبالذات من دول الجوار، والى التخلص من نفوذ الميليشيات، وإلى مهننة الشرطة والجيش، والتخفف من المحاصصة الطائفية، على طريق إنهائها كلية، غير أن طموحات الرجلين إلى تبوؤ رئاسة السلطة التنفيذية، تُباعد بينهما. أما التيارات التي توصف بأنها سنية، فما زالت تشكو من اضطراب في هويتها السياسية ، وفي التحالف ما بينها وبين قوى أخرى توصف بأنها شيعية، دون أن يقلل ذلك من حاجة بقية الأطراف لاستمالة هذه التيارات التي تمتاز برموزها لا بأجسامها السياسية، مثل صالح المطلك وعدنان الدليمي وطارق الهاشمي الذي خرج مؤخراً من الحزب الاسلامي( ما يناظر جماعة الإخوان المسلمين في دول أخرى) . اللافت بعدئذ أن التيارات اليسارية والليبرالية تبدو خافتة الصوت وضئيلة الحضور، ليس بالنسبة للقوى التي سبق ذكرها فحسب، بل كذلك مقارنة بقيادات عشائر وصحوات، وزعماء مستقلين جدد أفرزهم الوضع الجديد الخاص في بلاد الرافدين. وليس من المتوقع أن تحمل المرحلة القريبة المتبقية على إجراء الانتخابات، مفاجآت تتعلق بتنامي نفوذ قوى قومية وعلمانية. خلافاً لذلك فإن المسميات والتصنيفات باتت مرشحة للتغير، وبما ينسجم مع المعادلات القائمة، فهناك من يرى في المالكي مع تدينه سياسياً قريباً من العلمانيين، فيما لم يفقد المالكي إرثه القومي واليساري رغم انشقاقه عن الحكم السابق في وقت مبكر. ومغزى ذلك أن أجيالاً جديدة هبت عليها رياح التسييس وتنتمي لشرائح مختلفة من المجتمع ، قد تنحاز الى رموز بعينها ضمن التيارات "التقليدية" ، وترى أن التغيير منوط بتلك الرموز ومنها على الخصوص علاوي والمالكي وليس بالضرورة أحزاب عريقة باتت صغيرة مثل الحزب الشيوعي.هذه التحولات حملها الإطاحة بالحكم السابق من جهة ، واستيقاظ العراقيين على صحراء سياسية بعد سحق كل مظاهر الحياة السياسية طيلة أكثر من أربعة عقود وما رافق ذلك من انكفاء نحو الاستقطاب الطائفي.أما زيادة الاهتمام بالشأن السياسي فمرده الى التحسن في الوضع الأمني، وحاجة العراقيين الى بلورة حياة سياسية أكثر عصرية من جهة، وأكثر تمثيلية لهم من جهة ثانية .
تعليقات