مدونة محمود الريماوي

« | »

صلاح حزين: شمس الابتسامة

صلاح حزين: شمس الابتسامةمحمود الريماويما  ان شرع  صلاح  ظهيرة الأحد الثاني من آب الماضي،  في أخذ أول قسط له من راحته الأبدية في أم الحيران، حتى خرج واعظ شاب على جمهور المشيعين قائلاً بين ما قاله: إن الفقيد ودًع دنيانا بابتسامة. ولأني أعرف صلاح من قرب معرفة وثيقة وحميمة، فقد صدًقت الواعظ الشاب، ووجدتني أرسم ابتسامة وداع رداً على ابتسامته الأخيرة. فلطالما تبادلنا الانتباهات على ما حولنا وعلى ما هو بعيد عنا، بتقليب الأمور على أوجهها كافة والتقاط المُفارق فيها والباعث على التندر. كانت هذه هي اللغة الغالبة على تفاهمنا المكين، على مدار أربعة وثلاثين عاماً من جملة خمسة وثلاثين عاماً هي عمر علاقتنا. حتى الموت كنا نلاقيه ببعض ابتسام. وأخاله يقلب معاني أم الحيران التي رقد فيها متبسماً، وأفعل ذلك معه فلئن كان الحيران لا يجد جواباً على حيرته، فإن له على الأقل أماً ثانية كريمة، تستقبل على أرضها المزدانة بأشجار وارفة العائدين الى الأبدية. اكتشف صلاح  مرضه لأول مرة في أيار عام 2007 فيما كان يجري فحصاً  طبياً شبه روتيني. ثم خضع لعمليتين جراحيتين، استغرقت الثانية عشر ساعات وأجراها الجراح محمد المصري في مركز الحسين للسرطان إن لم تخني الذاكرة. كنت مع أصدقاء آخرين بينهم ابراهيم زعرور، قد أخفينا عنه انتشار المرض في الأمعاء وما حولها، مما تتطلب اجراء العملية الكبيرة الناجحة. بعدها صارحني إنه بدأ يفكر في الموت لأول مرة. وما إن قال إن الحياة هي وقت يطول أو يقصر على المرء لكن النتيجة واحدة، حتى قلت له إنها أشبه بسهرة أصدقاء ممتدة ..أحدهم يغادر في الثانية عشرة ليلاً والثاني في الواحدة والثالث في الثانية والرابع في الرابعة فجراً، وفي المحصلة فهم يُمضون جميعهم سهرتهم. وقد أجاب إن إقامة المرء في الحياة هي كذلك بالضبط. في تلك السهرة أيضاً أبدى ثقته بالعلم والطب، وقال إنه يسلم نفسه للأطباء دون أدنى تردد ولا يناقشهم في ما يفعلون .لم يكن صلاح يفكر بالموت.ولم تشغله كثيراً الهواجس الميتافيزيقية. فقد ظل عقلانياً الى أبعد الحدود. كان عقلاً، ويدرك دون أن يصرح، ما أدركه فيلسوف قال "إن شيئين لا يملك المرء التحديق بهما: الشمس والموت". وقد ساعده ذلك الى جانب شجاعته، في التعامل الهادىء مع المرض كواقع، دون الكف عن السخرية، وكان يطيب له أن يخاطب صديقاً سبق أن أصابه السرطان ب: يا زميل .. يا نِعم الزميل.      في نوبة سخرية مرة وما أكثر هذه النوبات، أبدى إعجابه بالعزاءات أكثر من الأفراح. فقد لاحظ أن الناس في بلادنا وخاصة في العقدين الأخيرين، يبدون منشرحين في العزاءات، فيما يصعب عليهم التخلص من تجهمهم في أعراس الصخب التي تميز زماننا. كما أن العزاء يتيح للمعزي القدوم والمغادرة ساعة يشاء، خلافاً للأعراس حيث يتقيد المهنئون بموعد محدد للقدوم والمغادرة. لسنا في هذه الساعات في دار عزاء لنتجهم أو نتبسم. بل لنستذكر بعضاً من صلاح الحاضر فينا. فقد ظل على الدوام منفتحاً على المعرفة والمتابعة في شتى شؤون الفكر والثقافة، ومع تمسكه بيسارية عصرية، ظل يحترم الآراء المخالفة بل ينفتح عليها، متجنباً وهذا ما تلاقينا عليه النزعة اليقينية واحتكار الصواب، وذلك لمصلحة نسبية الأشياء والمفاهيم، والقناعة بأن فكرة التقدم أوسع وأشد تعقيداً ، من أن يختزلها اجتهاد نظري واحد. ولطالما أعجبته الأفكار الذكية أياً كانت عقيدة صاحبها، وممن استثاروا إعجابه على سبيل المثال وعلى الدوام: محمود درويش وصنع الله ابراهيم ووليد جنبلاط وياسر عرفات وفهد الفانك ومحمد حسنين هيكل وحازم صاغية، على ما بين هؤلاء من اختلافات واسعة. في مقتبل حياته في مطلع عشريناته، كتب عدداً من القصص القصيرة، لم يقرأها سوى قارىء واحد هو الكاتب نفسه، الذي سارع لمقارنتها بقصص لتشيكوف وهمنغوي، وليس بقصص زكريا تامر ويوسف إدريس مثلاُ، فلما تبين له أن النتيجة لغير صالحه، سارع  الى تمزيق ما كتب غير هياب، ولم يعد للكتابة الإبداعية الا مرة واحدة في وقت متأخر. حتى أنه لم يفكر في خوض معترك الكتابة، وبدا حينذاك في بداية علاقتنا منتصف سبعينات القرن الماضي، وقد وهب نفسه لخيار المثقف النشط  الشفوي، الشارح المستفيض في الكلام الموثق بالمراجع والقراءات، حتى اقترحت عليه في العام 1978 أن يكتب في "الوطن" الكويتية حيث كنت أعمل وقد لبى طلبي، فيما كان يعمل في سلك التعليم آنذاك. ولم ينقطع عن الكتابة بعدئذ لكن دون إكثار.قبل عامين ونيف كتب صلاح "غسان قلبي" ونشر بعض مقاطعه في "أخبار الأدب" المصرية، وقد بَرَت المحنة المزدوجة روحه الصلبة، فكتب نصاً شفافاً زاخراً بالعاطفة والتأمل، ويجدر نشره في كتاب مع أعمال أخرى، ولعل الأصدقاء يتجندون معاً للقيام بهذا الواجب، ليس وفاء لعاطفة شخصية فحسب، بل لإثراء المكتبة العربية بهذا النتاج المميز، الذي لم يبد صلاح من جهته كبير اهتمام بنشره في كتاب، حيث لم يرغب بداعي التواضع بمزاحمة كتاب مميزين. مع استذكار أنه في الفترة الأخيرة الأيام الاخيرة من تموز 2009 التي أمضاها في الغرفة 403 في مستشفى الحسين أبدى عزمه على استئناف عمله في الترجمة. من أقل الواجب معاونته في ما انتواه، بتنظيم ما أنجزه والعمل على نشره.أما ضحكاته وقفشاته وسخريته من كل شيء يستحق السخرية منه، فتظل تسري في نفوس محبيه أمام الموت أكبر الساخرين وأمكرهم، والأكثر استحقاقاً للسخرية منه.·       كلمة ألقيت في حفل تأبين الكاتب والمترجم الراحل صلاح حزين في مقر رابطة الكتاب الأردنيين في عمان العاشر من آب أغسطس 2009 .  

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba