« |
»
28 ايلول, 2009
أجمل حكايات الزن أو فتنة اللاشيء
"أجمل حكايات الزن"
أو فتنة اللاشيء!محمود الريماوييخرج قارئ "أجمل حكايات الزن" بانطباع يشي بأنه كان في حضرة نصوص قدسية.. ولعل هذا هو سر المتعة غير العادية التي تتأتى من قراءة هذه الحكايات، التي يبدو القليل منها مألوفاً للقارئ بيد أن هذه الألفة لا تبطل المتعة ولا الشعور بالجدة.
صدر كتاب "أجمل حكايات الزن يتبعها فن الهايكو" عن سلسلة إبداعات عالمية (الكويتية) لشهر نيسان 2005، وذلك عن ترجمة لكتاب فرنسي وضعه هنري برونل. والمؤلف لم يضع هذه الكتابات ولكنه قام باختيارها والتدخل الطفيف في صياغتها. ففي المقدمة "بتقديمي هذه الحكايات الآتية من أعماق العصور، إنما وجدت نفسي أمام إحراج أن أتبنى الحكاية كما هي، فأجازف بأن اصطدم بحساسيتنا الحديثة، حاجباً الرسالة بذلك فتغدو غير مسموعة، أو أن اتبع سبيل التلطيف فأضيّع من الزن عتوّ إجلاله وقليلاً من سره. اخترت حلاً وسطاً، أن أُبقي من بين مئات الحكايات على أفضلها وقعاً على الأذن. لم أتنازل عن لون حكاية الزن ومناخها الفريدين اللذين يقوداننا إلى عالم مجهول".
وبهذا فإن التأليف يقصر ربما على قليل من الاختصار والضبط لحكايات ليست بالطبع للمؤلف هنري برونل الذي لم يجر التعريف به في الكتاب بينما جرى التعريف بالمترجم السوري محمد الدنيا الذي أنجز ترجمة بلغة عربية ذات إيقاع خاص يلائم الطقوس شبه الدينية، كذلك المراجع الكويتي محمود رزوقي.
والحكايات من فرط إبهارها، ولشدة ما تغور في النفس، فإنها قلما تعلق في ذاكرة قارئها. فالبساطة الشديدة ملغزة، وتفتح على التأمل وهي من بعض سمات الزن التي تنتمي إليها هذه الحكايات الطالعة من أعماق العصور من الهند والصين واليابان.
ومنذ مفتتح الكتاب ينجح واضعه في إدهاش القارئ، إذ يحمل السطر الأول هذا السؤال العادي: ما هو الزن؟
ويأتي الرد السريع، بأن ثمة ألف إجابة على السؤال، على أن الزن هو "مذهب اللاشيء". ولا شك ان هذا التعريف صادم، بمدى تحدّيه للقارئ وفي جمعه ما لا يجمع. فإذا ما انزاحت الأحكام الذهنية، والمعايير المنطقية الصماء، فإن الزمن يتجلى في اللامتناهي. وهذا يتجلى في إحداث الحياة الأكثر تواضعاً. كل شيء بالنسبة إلى الزن هو رسالة مطلقة. هو المطلق قبلاً. "استنشق، أزفر. من دون أن تغير شيئاً، أنت هذا التنفس، الذاهب الآتي والصاعد النازل". تجتمع في هذه الحكايات شتى الكائنات: حيوانات، طيور، أشجار، بشر من مختلف الأعمار، وكذلك الرياح والغيوم والجبال والنجوم والقمر والشمس والتراب والأمطار. كل الكائنات والمخلوقات تنبض وتُشهر حضورها حتى لو كانت في جمود.
وهناك درس مستخلص في خاتمة كل حكاية وبعضها دروس مفاجئة، تزيد الملغز إلغازاً. وفي بعض الخواتيم مقاطع شعرية كهذا:
في هذا المشهد الربيعي
لا يوجد أفضل ولا أسوأ
أغصان الزهور تنمو بطبيعتها
بعضها طويل وأخرى قصيرة
وفي خاتمة لحكاية أخرى، يسأل التلميذ: ما هو الطريق؟، فيجيبه معلم الزن: الإدراك الحاد لبداهة الأشياء.
ورغم النفحة الدينية للحكايات المستمدة من تقاليد بوذية، فإنها لا تعد المؤمن بها بشيء، سوى أن يعيش بامتلاء في مواجهة قانون اللابقاء. فوراء شفافية الحكايات ثمة أسى يذوب في الكلمات. فما أن يمتلئ القارئ بسحر الحكاية حتى يقول قائلها: ذلك من أشياء الماضي، تلك الحكاية هي الآن من الماضي. أي أن الحكاية تمت وانقضت، وليس للقارئ أن "يعيش" فيها.
لا يبشر الزن بالخلود الميتافيزيقي، ولا يطوق تلاميذه بلعنة العدم. فاللحظة نسبية، وتعبير عن المطلق في آن. "تصرف كمن يلهو في العالم. لا تكن متعلقاً. امض كمن يلهو".
تتقاطع دعوات الزن، مع أمثولات الزهد والتنسك والرهبنة وبدرجة أقل مع التصوف، في الأديان التوحيدية، ولكن دون برزخ بين حياة وموت، ودار فناء ودار بقاء. فالكائن يلهو في مطلق، فيما هو يفتح عينيه على كل نسمة ونأمة ونبضة من حوله. حتى تتجلى معجزة الوجود في كل شيء. وحيث لا شيء يحمل على الانصراف عن معايشة ما هو داخلنا وخارجنا والامتلاء به. ومن قيم الزن: الفكاهة والتأمل والرحمة والشجاعة، دونما تفريق بين الكائنات.
فحتى الوحوش والأفاعي يتسنّى ترويضها بغير القسر، وبدعوتها للانضمام إلى العائلة الكبرى. فالوحش الهائل المزهو بجبروته في الأسطورة المتناقلة بين الشعوب عن البطل والتنين، فإن نموذجها لدى الزن أن شاباً يحمل رمحاً وسيفاً وحربة، ويتوقف أمام مغارة الوحش الذي سرعان ما يخرج هادراً مزمجراً. البطل يضع أسلحته على الأرض قائلاً للوحش: لا أخاف. أعرف أنك لن تلمسني.
لماذ لا أخيفك؟. يسأل الوحش مندهشاً.
"الحقيقة الكلية. أنا هي. إن التهمتني فلا شك أنك مجنون. فأنت بذلك تلتهم نفسك، نحن واحد". لم يفهم الوحش شيئاً مما قاله الشاب "لا أفهم شيئاً مما تقول غير أن كل شيء معك يصبح معقداً. يفر الآخرون صارخين بخوف، أطاردهم واقتلهم وافترسهم. أنت طبيعي. هنا لا أعود أعلم ما يجب أن أفعل، في النهاية أفضل الإحجام عن أكلك. إن معدتي لا تهضم كائناً غريباً مثلك" ثم انسحب الوحش إلى مغارته مغموماً. وقد أصابه الغثيان!
هذا هو المقصود بالترويض. فالكائنات إذ تفترس بعضها بعضاً (والإنسان أول المفترسين). فإن المفترس لا يفعل شيئاً سوى أن يلتهم نفسه.
بمثل هذه النظرات العميقة، تتوقف الحكايات رغم أنها لا تنطوي دائماً على تفسيرات أو مغاز. فصانعو هذه الحكايات، لا يتوخون بعد الإمتاع سوى إيقاظ تلاميذ الزن على الكنز داخل نفوسهم وخارجها.
ومن يتسنى له قراءة هذه الحكايات قد يستحضر بعض أجواء الأدب الياباني القصصي والروائي، وكيف تنبض الطبيعة في هذا الأدب، بإيقاع متواشج مع السلام الداخلي للأبطال، حتى في أشد اللحظات والمواقف قسوة ووحشة.
وككل إبداع سحري، فما أن يفرغ القارئ من قراءة أجمل الحكايات هذه، حتى تضمحل شيئاً فشيئاً في ذاكرته. ليس لسبب سوى لأنها تعلق في روحه، وبما لا تطيق الذاكرة أن تحمل.
تعليقات
الأخ الكريم محمود .. الزن رياضة نفسية رائعة .. قليلون من يعرفون عنها .. إذا أردت يمكنك أن تزور مدونتى .. ستجد أشياء كثيرة عن الزن . إليك عنوان المدونة :
http :// www. cherine-areej.blogspot.com
المدونة إسمها : سلمى
كل عام و أنت بخير و رمضان كريم .
أختك شرين