« |
»
23 ايلول, 2009
يعقوب اسمه مكتوب (قصة قصيرة)
يعقوب اسمه مكتوب* محمود الريماوي قراءة باب النعي في الصحف اليومية ليست مجرد عادة ، فهي تكاد تكون هوساً وربما متعة لبعض قارئيها المداومين ، وبالذات لمن ليسوا من صغار السن . فمنهم من يختار قاصداً شراء الجريدة التي تضم أكبر عدد من صفحات النعي ، ومنهم من يشرع في قراءة الصحيفة وهي "الرأي " ابتداء من تلك الصفحات ، ومنهم من لا يقرأ سواها . وبفضل هذه الصفحات يقع قارئون ، على ما يعتبرونه في سريرتهم أخباراً هامة مثيرة ، تتعلق بأقارب وأنسباء وأصدقاء ومعارف ، وأناس ذوي مكانة إلى جانب عامة الناس . وهي أخبار من نوع خاص جداً ، فلا أخبار بعدها عن أصحابها : فلان مات عن 51 سنة.. صغير . فلان توفي بعد مرض عُضال لم يُمهله طويلاً ، المرض إياه . نعي رجل وزوجته قضيا في حادث مؤسف . وسوف يكون حادث سير ، وليس معلوماً لماذا إخفاء كنه هذا الحادث المؤسف . فلان وافته المنية في الصين .. ماذا كان يفعل هناك . فلان اسمه يصعب النطق به ، من أصل قوقازي لا بد . فلانة اسمها أجنبي ، متزوجة على الأرجح من أردني ، وقد تزوجا في أثناء الدراسة الجامعية للزوج في بلدها . زهرة تذبل ( طفل أو طفلة ) يا للوعة الأهل . فلانة عن شيخوخة صالحة . فلان جار شقيق زميلنا في العمل . فلان سوري . فلان أرمني . فلان أخو وزير سابق . فلان نسيب نسيبنا . فلان له من الأبناء 11 ابناً غير البنات . فلان عشرون نعي له على 12 صفحة . فلان غريب أننا لم نقرأ نعيه مع أن النعي كما قالوا منشور ..يُعنى يعقوب ( أبو يزن ) مثل غيره بمتابعة دؤوبة ، لأحوال من يعرفهم وهم كثر . ولطالما وقع على أخبار وفاة هذا الزميل أو القريب أو الصهر أو الجار القديم ، أو ابنا أو ابنة أو أخاً أو أختاً لأحد هؤلاء ، وعرف موقع بيت العزاء من تلك الصفحات ، فقصد البيت شريطة أن لا يقع خارج عمًان الكبرى ، بصحبة وفي سيارة ابنه البكر رجل الأعمال الحرة لأداء الواجب . فهو لا يكتفي بسماع نشرة الوفيات من الإذاعة في العاشرة من صباح كل يوم ، فهناك أسماء يجري ذكرها ولا يلتقطها . كانت زهرة ( إم يزن ) لا تمسك نفسها عن الكلام في أثناء استماعه للنشرة ، فيضيع منه اسم أو اسمان . الآن فإن سرحانه يجعله يفقد فرصة سماع أسماء أكثر . أما في الجريدة المفتوحة أمام ناظريه ، فبوسعه القراءة بتمهل وإمعان ، ومعاودة قراءة هذا الاسم أو ذاك . ولطالما تخيل في ساعات الصفا والسرحان اسمه مذكوراً مع المتوفين ، يقرأه من يعرف صاحب الاسم ومن يجهله . سيأتي يوم ويُنشر اسمه . لقد نشروا اسم زهرة فهل يُعقل أن لا يظهر اسمه هو . ولم يكن ذلك ليكدره ، فالموت حق و" الذكر للمرء عُمر ثانٍ " . كان يخشى في واقع الأمر أن يسهو أبناؤه لسبب من الأسباب ، فلا ينشرون نعيه فيُطوى ذكره ، ولا من سمع أو درى . على أنه لم يكن بوسعه مفاتحة وتذكير أحد منهم بخشيته هذه . لم يجر العُرف على هذا أبداً . سوف يكون لو فعل مثاراً للسخرية ، أو التشكك في سلامة قواه العقلية . وبناته المتزوجات لن يسرهن مثل هذا الحديث ، لو فتحه ولو من باب المزاح . يعقوب ليس مريضاً بغير مرض السكر وارتفاع ضغط الدم . إنه يتحرك مرتدياً في العادة إحدى بذلاته القديمة ( توقف عن شراء البذلات منذ عشر سنوات )، فما عنده يزيد عن حاجته .بذلة جيدة ذات لمعان مع قميص أبيض مكوي ، وقد اتسع عليه مقاس البذلة لنحوله ، بينما تسرح الشعيرات البيضاء مع هبات النسيم رغم أنها مسرحة في الأصل قبل خروجه على رأسه ، مستعيناً بعصا بنية قهوائية صلبة وملساء ، ذات مقبض أفعواني خشن بعض الشيء ، أحضرتها له بنته الصغرى( 29عاماً) من زيارة لها إلى مصر ، مع أن داء المفاصل لم يستحكم به بعد . ويداعبونه بأن العصا الأنيقة تليق به وأنها لزوم القيافة ، وأن هناك بين غير المسنين من يحملونها في غدوهم ورواحهم . وهو قلما يخرج منفرداً سوى إلى الشارع الفرعي الهادىء ، أمام باب البيت الحجري في ضاحية البيادر غرب العاصمة ، يتمشى وقد يستوقف على مقربة من البيت بائعاً للخضار ، من الباعة المتجولين في سياراتهم التي تسمى بكب ، يساومه على الشراء وقد يتعرف عليه ، وتحضر فجأة في الأثناء الخادمة وتشير بإصبعها ، لهذا الصنف وذاك وتنتظر لحمل الأكياس ، ويسدد هو الثمن مساهمة منه في أعباء النفقات . يتمشى ويستطلع الجديد من العقارات المتناسلة ، ويتملى سحنات الناس وسكناتهم وحركاتهم بنظرات مواربة . ويهوله هدوء الضحى وسكونه المقيم ، باستثناء حركة السيارات المباغتة دائماً ، فلا كلب شارد ولا قطة تموء ، لا سحلية تمرق لا جندب يتنطنط لا نحلة تزن عند الأذن ، ولا أحد من معارفه القدامى يمر بالمصادفة ، ولا زوبعة صغيرة تهب فجأة . ما زال في مطلع الثمانين وبعد ربع قرن على تقاعده ، يسمع دون عناء ويرى بالنظارة البيضاء السميكة ، مما يعينه على سماع " الجزيرة " و "العربية " رغم حاجته لرفع الصوت أعلى من المعدل ، ولكن ليس مع سائر المذيعين . لا يشكو من شيء سوى الفراغ وقلة الاختلاط بغيره ، ومن عدم الانشراح الذي لا يفهم سببه . أخبار التلفزيون مثلاً أسوأ من أخبار صفحات النعي ، ومع ذلك يداوم على سماعها ما أن يفرغ من قراءة الجريدة . . وذاكرته تعينه في الكثير من الحالات ، خاصة إذا تبادل الحديث مع رجل مسن مثله وحتى امرأة مسنة ( يتجنب في العادة مجادلة النساء لكن بعضهن من قريبات أو جارات يدفعنه دفعاً الى ذلك ) حيث يجري التعاون معاً ، على استذكار أماكن وأسماء وتواريخ ، وتصحيح الخاطىء منها أولاً بأول ، ولا يخلو الأمر من مشاحنات ومن اتهامات فكهة بالتضييع (ضياع العقل ) . لم تضعف ذاكرة يعقوب إلا بعد وفاة زهرة أم الأولاد قبل سنتين ، وكثيراً ما انتظر طلتها من المطبخ أو عودتها من عند الجيران ، وتوقع خفق مشيتها وانبثاق صوتها من خلفه ، قبل أن يستذكر عدم استجابتها لندائه ذات صباح "أغبر" ، ودفنها في اليوم الشتائي الكالح الموحل نفسه ، وقد تمنى لحظتها صادقاً لو دفنوه إلى جانبها في ذلك اليوم .يواظب يعقوب على قراءة الصحف منذ خمسين عاماً على الأقل ـ بأكثر وأدق مما يواظب موظف على أداء عمله ـ منذ كان موظفاً بدائرة الإحصاء في عمان . يتوقف قليلا عند الصفحة الأولى ، ويمنح الصفحات التالية وقتاً متساوياً ، بما ذلك الانتباه لبعض الإعلانات التجارية. لم يكن في شبابه يتوقف طويلاً عند صفحات الوفيات ، وحيث كان النعي ينشر أيامها على الصفحة الأولى من جريدتي "الجهاد" و "فلسطين" مع صور المتوفين ، إضافة لما ينشر في صفحات داخلية . على أن اهتمامه بدأ يتنامى ثم استفحل مع تقدمه في السن ، وتحول إلى عادة مستحكمة بعد تقاعده . لم يعودوا ينشرون صور المتوفين ، واكتفوا بالنشر في الصفحات الأخيرة . على أن إعلانات النعي هذه الأيام أكبر حجماً ، وكثير منها يملأ صفحة كاملة . ابنه قال إن هذه العادة جديدة ومأخوذة عن أهل الخليج الموسرين في بلادهم . ولم تكن هناك في الماضي إعلانات للشكر على التعازي ، أما هذه الأيام فهي كثيرة .إنه يثابر على القراءة في غرفة الجلوس شتاء ، أو في البرندة المزججة صيفاً ، ولا يعرقله أحد أو شيء عن ذلك ، وتمنحه القراءة شعوراً بالأنس والجيشان .. شعور من يذهب ويجيء، يخالط الناس ويتجاذب أطراف الحديث معهم ، حتى لو كان ذلك في مشفى أو مقبرة أو بيت عزاء . على أنه يقرأ صفحات الوفيات ويدقق النظر فيها ، لسبب إضافي لم يكتمه عن نفسه ، سبب غريب بعض الشيء ولا يبوح به لأحد ، وهو مخافته أن يصادف اسمه ذات يوم بين الأسماء . وهو خاطر "جنوني" تلبسه ولازمه ، منذ وقت غير قصير لا يتبينه بالضبط ، وحتى قبل يوم زهرة . ولم يفلح في التخلص من هذا الهاجس .ليس خوفاً.. لا إنه لا يخاف ، بل هي رهبة الساعة الأخيرة ، ساعة الانتقال ومبارحة الدنيا وما فيها ، هذا إذا كان هناك فرق بين الخوف والرهبة . إنه بالكاد يعرف أحداً من أبناء جيله ما زال حياً يسعى ، وفي ظنه أن من انقطعت عنه أخباره من معارفه لا بد قد وافاه الأجل إلا من رحم ربي . وهو ما يورثه شعوراً يمتزج فيه الرضى عن النفس ، بما يشبه الخجل منها .. كمن يتكشف طمعه في شيء أمام خلق الله ، ولا يستطيع التستر عليه . حتى كان صباح يوم ربيعي مشمس منعش ، جفت فيه رطوبة جسمه ، وأينعت فيه بسخاء شجرة المشمش أمام ناظريه ، وسمع زقزقة ضحكات طفلين يعبران الشارع بهناء ، وأيقظا فيه مشاعر دفينة مبهمة ، جعلته يتخيل أنه أحد أولئك الصغيرين ، ويسأل نفسه عمن قد يكون الثاني الذي يصاحبه ، وفتح فيه الجريدة وشرع يطالع الصفحة الأولى وما تلاها ، بغير تمعن بل على وجه السرعة ، ليتوقف عند صفحات النعي كالعادة بتركيز وتؤدة ، فالوقت كله له ولا حاجة للعجلة . وقد قرأ بتمهل بين المتوفين اسم فلان وفلان وفلانة ( أسماء المتوفين أكثر ،عادة ، من أسماء المتوفيات ) لم يعرف أحداً من أصحاب تلك الأسماء ولم تكن له أدنى صلة بأيٍ منهم أو بعائلاتهم في يوم الخميس ذاك ، وهو ما يثير استغرابه الشديد كلما حدث ، وما يفسره بأن الناس كثرت وتزايدت ، فوق طاقته على الحصر . ثم إذا به يقرأ اسماً يألفه ويعرفه.. اسم من ؟ اسمه هو ، منشوراً بين الأسماء . يا ألطاف الله . غامت عيناه .. شرد ذهنه وتاه ، قبل أن يبسمل بجزع. انفعل وانتهبه فضول أبكم ، وشعر بجفاف ثم بمغص ، ولم تكن الخادمة أحضرت كوب الماء بعد . تلفت حوله حتى لا يكون أحد (الخادمة إياها في منزل ابنه ) يراقبه ويلحظ انفعالاته . لم يكن هناك أحد . "نعي رجل فاضل : يعقوب السعيد " . تملى راحتي كفيه الرقيقتين وضمهما ، ثم وضع إحداهما على جبينه فإذا به ساخن ، والتقط أنفاسه وتنفس .. تنهد بصوت مسموع . لم يقرأ اسمه من قبل منشوراً في جريدة سوى مرة واحدة ، في صفحة الوفيات تحت اسم المرحومة زهرة : زوجة فلان الفلاني . وقد لاحظ أن الاسم اسمه ، يلفت الانتباه ما أن تقع عليه العين . تساءل مع نفسه ، إذا ما أصبحوا ينشرون أسماء الناس قبل وفاتهم ، مثل أشياء كثيرة تغيرت وانقلبت هذه الأيام . شعر بدوخة وتعرق . لم يكن يشك بحدوث خطأ .. إلا من جانبه هو . ولم يعرف للتو أين أخطأ . سوى أنه رأى في ليلته الماضية إن لم يكن في الليلة التي سبقتها ، رأى أشخاصاً غرباء ينادونه عن بُعد ، ويعجز عن التحرك نحوهم فيما هم لابثون حيث هم .أعاد قراءة الاسم فواجهه مكتوباً ببنط أسود كبير ، وتأكد مما يحيره. ترك الجريدة تسقط من يده ، وسمع صوت "ارتطام " أوراقها بالأرضية . لم يكن أحد في البيت غير الخادمة الآسيوية (الأندونيسية ) ، التي انضمت للبيت قبل بضعة أشهر فقط ، والتي تحضر له أشياءه دون طلب منه ، بغير كلام وبنظرات منخفضة منها : كوب ماء وفنجان قهوة أو حليب ، وطبق فواكه وما شاكلها ، من خيار أو خس أو فول أخضر من حواضر البيت. لا يعرف ما الذي تفعله حين تكون وحيدة في المطبخ ، فزوجة الابن ما زالت متوظفة (نائبة مديرة مدرسة ) ، وهناك ولد وبنت ما زالا في الجامعة ،ولا يعرف متى يغادر أحدهما ومتى يؤوب . لا يدري مع من تتحدث الخادمة عبر الموبايل . ما شأنه بها الآن بعد أن نشروا اسمه ، لم تكن تعنيه قبل نشر اسمه فكيف به الآن ؟ إنه يتجنبها قدر الإمكان ، فلاهي تفهم عليه ولا هو يفهم عليها ، ويخشى أن تشتمه بلغتها الغريبة فلا يعرف ما الذي تقوله . لم يشكها لابنه أو ل كِنته فالخادمة لا تخطىء بحقه ، ولم يعتد أن يظلم أحداً فكيف بغريب ديار. لا تخطىء سوى أنها تتجهم وتتبرم في وجهه ، ما أن تظل معه وحدهما بين جدران البيت . لم تكن كذلك في حياة زهرة . ربما لأنه حين يخاطبها بأقل الكلمات وبإشارات كثيرة من يديه ، فإنه ينظر إليها ويطيل النظر بغير قصد منه . ربما تخاف منه .رغب أن يناديها : فضيلة .غير أن صوته خذله ولم يخرج من حنجرته . تنحنح وسأل نفسه : ماذا كان سيقول لها لو ناداها وحضرت إليه ؟ . ودون أن يجيب عن سؤاله ، ناداها مرة ثانية فلم يسمع صوتاً له . لعل الصوت خرج منه ولم يسمعه ، لم يعد يسمع جيداً هذه الأيام . مع أنه لم يسمع طيلة حياته بشخص لا يسمع نفسه ! . ولم يتناه إلى مسامعه على أي حال ، ما ينم عن بكاء أو فجيعة في البيت الصامت . لم يعودوا يبكون على موتاهم ..لكنهم في الخارج .كان عليه أن يتذكر ذلك .تهيأ للنهوض ، فاستشعر ثقلاً في همته وخشي لو وقف أن يقع . نظر إلى جلبابه الأبيض (البديل عن البيجامة ) والذي عوده ابنه على ارتدائه ، بعدما أحضر له أكثر من واحد ، تحسسه فوجده أكثر بياضاً وبرودة من كفن . وابتسم لنفسه في خبل طارىء سعيد : إذا كان الموت على هذا النحو وإذا كان هذا هو ، فيا أهلاً به . لكن من جاءت هي الخادمة . رآها لمحاً وهي المكتنزة أشبه بشبح . لا لون ولا هيئة ولا قوام لها . وضعت أشياءه أمامه على المنضدة الصغيرة على عجل ، وبطريقتها الآلية المعهودة ، بغير أن تنطق أو تعيره التفاتة من عينيها الواسعتين الدامعتين . وقد خطفت بالسرعة نفسها صفحات الجريدة الملقاة على الأرض وجمعتها له . وكان متيقناً لو أنه مد يده نحوها فلن يلتقط ولن يشق سوى الفراغ . لم ولن يفعل ، وهي سريعاً ما انكفأت بخفة ، مثل ريح هينة هبت وما لبثت أن خالفت اتجاهها . ذلك أحسن .ثم فوجىء بنفسه وقد وقف . فلا يعقل أن يحدث ما حدث ويظل لابثاً دون حراك .إنه يشعر بدوخة بدوار خفيف . لا يهم . نظر إلى كوب الحليب وخمن أن طعمه لا بد سيكون غريباً هذه المرة . جرجر قدميه وانكفأ داخلاً إلى غرفته ، وكاد يصطدم بفضيلة عند باب المطبخ وهي فوجئت به ، وتطيرت لمقدمه وخافت من حضوره . وقد تمكن من الوصول مستعيناً بذراعه اليمنى الممدودة ، وألقى بجسده المنهك على السرير ، وقد اشتم الرائحة نفسها المعهودة لفراشه وهو تروقه هذه الرائحة . هكذا أفضل قال لنفسه ، رغم إحساسه بألم في لوحة ظهره (أعلى الجذع ) . فإذا أردوا أن يحملوه وينقلوه إلى حيث يشاؤون ، فالأكرم أن يكون حيتئذ ممدداً نائماً أو شبه نائم ، لا أن يرفعوه وهو جالس على مقعده ، كما يرفعون كومة أشياء . لم تحدث هذه المهزلة هذه المسخرة مع زهرة ، ولا مع عدو أو صديق . أما هو فإما أنه ميت دون أن يدري ، أو أنه قد جن ..هل ذنوبي وفيرة إلى هذا الحد ؟ .جاءت الخادمة ووضعت أشياءه على منضدة صغيرة إلى جانبه ، بعدما حملتها له من البرندة حيث كان يجلس . إنها تلاحقه أينما تحرك . تحدث هذه الأمور وكأن شيئا لم يقع هذا الصباح ، وكأن اسمه لم ينشر "بالبنط العريض " بين المتوفين . لن يسألها إذا كانت مثل هذه الأشياء تحدث عندهم في بلادها البعيدة أندونيسيا ، فهو واثق أنها لا تحدث في بلاد الواق واق . لو كانت زهرة موجودة لأفهمتني ما الذي يحدث ، فهي نبيهة ولا يتوه تفكيرها مثلي ، أنا الذي طالما اتهمتها مازحاً وعلى سبيل الجد بأن عقلها " على قدها " . تبسم ، ليس لأنه استذكر مزاحه معها فقط ونظراتها التي تزداد طفولية حينئذ ، بل لأنه سيراها ويُقبًل رأسها عما قريب ، بل قريباً جداً وما أن تنتهي الإجراءات .. ألم ينشروا نعيه مثلها ، ما الذي بقي بحق الملائكة غير إتمام الإجراءات ؟.* * * لدى عودة زوجة الابن ، ثم الابن يزن صاحب المنزل بعد الثانية ظهراً ، فقد سارعت فضيلة وأخبرت الزوجة ما أن وصلت ( تناديها ماما ) بأن جدو رفض تناول أي شيء ، ويمكن أنه مريض . وتولت الزوجة إبلاغ الزوج فور وصوله . لم يكن غريباً بالنسبة لهما ، أن يصاب الحاج ( الذي لم يحج بعد ) بإعياء من فرط الهزال والتفكير . فهو لم يرد على تحية أي منهما وظلت عيناه نصف مغمضتين نصف مفتوحتين ، تختلجان بضعف ملحوظ وتجوسان في فراغ . ولما سأله يزن وهو الأكبر بين الأبناء وناهز الخامسة والخمسين ، وقد وقف على رأس أبيه وتحسس جبهته .. لما سأله إن كان يريد استدعاء طبيب له ، لم يجب الأب وحار فيما سيقوله ، حتى افترت شفتاه عن ابتسامة شاحبة تاعسة : لا لزوم لدكتور ، هل ينفع الطبيب مع من مات ؟ . ولما تبسم الابن بدوره مستغرباً ومتحسبا لعواقب ما سمع ، فقد أشاح الأب بذراعه نحو الجريدة : ألم تقرأ اسمي اليوم بين الأموات ..إقرأ . خشي يزن عليه من الخرف والتخليط ، ولم يمد يده إلى الجريدة ، فارتفع صوت الأب متحشرجاً هذه المرة : إقرأ إن لم تصدقني .. إقرأ ماذا تخسر . وكاد الابن ينرفز فما الذي يقرأه ، وهل ستتغير النتيجة سواء قرأ أم لا ، هل سيعرف من الجريدة إن كان أباه الذي أمامه ميتاً أم حي ؟. ومسايرة لهذيان وإلحاح أبيه رفع الجريدة نحوه ، وفتح على صفحة الوفيات وقرأ بفضول ونفاذ صبر ، ثم ضحك في سره على ما قرأ ، ولام نفسه على سلوك غير مقبول حيال نبأ وفاة إنسان . ولم يلبث أن تولاه غضب مكتوم ، ونظر إليه إلى الأب المسترخي بعتب واستخفاف . كان ما قرأه هو " نعي رجل فاضل : يعقوب السعيد زوج فلانة ووالد فلان وفلانة وشقيق كل من .. رجل الأعمال العراقي الذي توفي في البصرة في حادث إجرامي " . وسأله : هل أصبحت دون أن ندري رجل أعمال عراقي في البصرة ؟ .أبو يزن وقد انزاحت غشاوة عن عينيه ونشطت ذاكرته ببطء وكمن يسترجع حلماً ، استمهل ابنه قائلاً بنبرة غير واثقة واعتذارية : إنه يعرف ما هو مكتوب .لكن الاسم هو اسمه نفسه ، ومن حقه أن يتشاءم على الأقل. . .*من الكتاب القصصي "رجوع الطائر" للمؤلف. صدر العام 2008 عن دار فضاءات في عمان - الأردن
تعليقات