16 آب, 2009
عيناه على النيل
محمود الريماوي
بينما أعلن الوزير الصهيوني أفيغدور ليبرمان، استعداده للاستقالة قريباً من منصبه وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو إذا أدين بالفساد، فقد أعلنت مصادر وزارته بعد ذلك بأيام (الخميس الماضي 6 آب الجاري) أنه سيقوم بجولة افريقية واسعة، تشمل دولاً منها كينيا وأثيوبيا وأوغندا في سبتمبر المقبل. مصر التقطت هذه الإشارة ورأت فيها محاولة للتأثير على كينيا واثيوبيا ،لإعادة النظر في الاتفاقيات الدولية بعضها يعود لأكثر من قرن مضى، حول حجم حصص دول المنبع والمصب من مياه نهر النيل .حيث تسعى الدولتان مع دول اخرى في الإيغاد الى مراجعة الاتفاقيات التي تمنح مصر 55 مليار متر مكعب من المياه سنوياً . يُذكر أن 95 بالمئة من موارد المياه المصرية تتأتى من نهر النيل ، وهو ما جعل بلد الكنانة "هبة النيل" فيما الاعتماد السوداني مثلاً على النهر لا يزيد عن واحد بالمئة، وكينيا اثنان بالمئة. ومع العلم أيضاً ان تضاعف عدد المصريين خلال نصف قرن، قد قلل من حصة الفرد من مياه النيل الى نحو ألف متر مكعب سنوياً في وقت تتبدد فيه النهر بنسبة عالية تزيد عن ثلاثة ارباع كمياته. مصر التي تحفظت عن استقبال ليبرمان والتعامل معه( ليتها فعلت ذلك مع رئيسه نتنياهو أيضاً) ، تتعرض لمحاولة صهيونية للتأثير على أمنها المائي القومي، من الدولة العبرية ويقود المحاولة هذه المرة، الرجل الذي سبق أن اقترح على دولته قصف السد العالي الذي يحتجز نسبة من مياه النيل لغايات الزراعة. وبالطبع فإن الأهداف المعلنة لزيارة رئيس الدبلوماسية الصهيونية، تقتصر على الحديث عن أوجه التعاون المختلفة، والتي تشمل تصدير أسلحة الى دول أفريقية فقيرة : صادرات الأسلحة "الاسرائيلية" تفوق ستة مليارات دولار سنوياً.يكشف الباحث في الشؤون الافريقية عطية العيسوي، أن مصر قدمت دعماً لبعض دول حوض النيل. منها دعم مالي لأوغندا 14 مليون دولار ، وللسودان 26 مليون دولار ، ولكينيا: حفر مائة بئر للمياه الجوفية. إضافة الى مشروعات مشتركة تشمل السودان واثيوبيا وتنزانيا . ومشاريع اققتصادية كهذه لاتلقى صدى اعلاميا كبيرا. ولعل اعتبارات الأمن القومي المصري، هي التي جعلت علاقة القاهرة وثيقة بالخرطوم رغم التباعد الايديولوجي وحتى السياسي بين العاصمتين، ورغم أن محاولة الاستهداف الوحيدة للرئيس مبارك قد جرت في الخرطوم. مع ملاحظة أخرى وهي أن الاهتمامات المصرية بأمنها الجيو استراتيجي في الدائرة الافريقية، هو أحد العوامل الذي حد من الحضور المصري عربياً ومشرقياً بالذات في العقد الأخير. وزير المياه لمصري محمد نصر الدين علام، أعلن في الخامس من تموز الماضي أن وزارته، سوف تحيل الى مجلسي الشعب والشورى خمسة مشاريع قوانين مائية، من بينها مشاريع لتقديم المساعدات اللازمة لدول حوض النيل مثل المعدات والتقنية الحديثة وإجراء البحوث المشتركة في مجال تقنية هندسة المياه والبيئة وتشجيع الاستثمار مع اعطاء الأولوية للسودان وأثيوبيا وأوغندا .مغزى ذلك أن مصر تنشط افريقياً لتعزيز تعاونها مع دول حوض النيل في سائر المجالات، ولعل هذا الحضور المصري القديم والمتنامي يشكل أحد الدوافع للتقرب "الاسرائيلي" من هذه الدول ( باستثناء السودان ) . تخوض تل أبيب مع القاهرة صراعا خفياً على طريقة لعبة الشطرنج، بالنقلات المتدرجة من مواقع مختلفة بهدف التطويق، لا عبر الهجوم المباشر، تبدأ من نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في محاولات الحد من الدعم الاميركي للاقتصاد المصري والتأثير في الاوضاع الداخلية، ولا تنتهي بمحاولات تجديد التموضع في القارة الإفريقية. وهكذا اذا كانت امدافع قد هدأت منذ ثلاثة عقود على الجبهة العسكرية ، فإن اوجه الصراع السياسي والاقتصادي والاعلامي لم تتوقف منذ ذلك التاريخ، بما في ذلك عمليات التجسس داخل الأراضي المصرية. اللافت بعدئذ أن التصدي للضغوط الاسرائيلية ، بات عربياً لا مصريا@ فقد يتم على مستوى الدول منفردة. هناك حديث عربي وقدر من التنسيق في العمل على الجبهة الدبلوماسية بهدف دفع الحلول السياسية، لكن خلا ذلك فإن المسألة تتخذ طابعاً ثنائياً، وتتعلق بسيادة الدول وحساباتها الخاصة المتعلقة بأمنها الوطني. ويبدو الأمر أسوأ من ذلك حين تواظب تل أبيب على طرح أفكار حول " تعاون عربي – اسرائيلي" في مواجهة إيران كما فعل نتياهو وباراك في القاهرة. لا تلقى هذه الدعوات قبولاً على الأقل على المستوى العلني، غير أن الخطاب العربي الرسمي لا يتحدث بالوضوح الكافي، عن الخطر الرئيس في المنطقة الذي ما زالت تمثله الدولة العبرية المحتلة والتوسعية، والذي يتقدم على أية تعارضات مع ايران. ليس مطلوباً إطلاق شعارات نارية حول الصراع الباقي، فبعض مطلقي هذه الشعارات يكتفون بترديدها دون اي جهد ملموس ،ويراهنون على خداع " الجماهير " بها، بيد أن المطلوب هو مخاطبة هواجس وتطلعات الرأي العام العربي، وإحياء الأمل لديه بمواجهة سياسية حازمة مع العربدة الإسرائيلية، وإحياء أوسع تنسيق عربي ممكن للضغط على تل أبيب، التي لا تتردد في السعي لحرمان مصر كما غيرها من الدول العربية، من شرايين الحياة .