« |
»
10 آب, 2009
انتخابات "دولة" في الشمال
انتخابات "دولة" في الشمال محمود الريماوي الذين اعتبروا أن الحركة الكردية في العراق ، هي من أكبر المستفيدين من سقوط النظام العراقي السابق لم يجانبهم الصواب. لقد أتيح بفعل هذا التغيير الذي تحقق على يد قوة اجنبية لتلك الحركة، ان تتقدم الى الامام على طريق تحقيق تطلعاتها القومية، مع الاستفادة من مزايا الانضواء في الدولة العراقية. الانتخابات الأخيرة التي جرت في اقليم الشمال ، لم ينقصها ما يجعلها انتخابات ل"دولة مستقلة" ذات علم وطني ودستور خاص بها وقوات "وطنية"، وبالطبع قانون انتخاب خاص بها يخضع له أو يتمتع به أكراد العراق. جرت الانتخابات في ظل مراقبة أجنبية ومحلية دون ان يمنع ذلك نشر تقارير عن انتهاكات واسعة، من بينها فصل أو نقل آلاف من الموظفين تم التشكيك بولائهم للحزبين الكبيرين : حزب البرازاني وحزب الطالباني. وجرى مهاجمة مراكز للمعارضة قبل إعلان النتائج ( للتخويف) وبعدها( لتعزيز الغلبة). لكن هيئة مراقبة الانتخابات لم تعتبر أن الانتهاكات تملي إعادة الانتخابات. وبالنظر مجدداً الى المعطيات، فقد شارك مليونان و ونصف المليون في الانتخابات التي تقدم لها ثلاثون حزبا سياسيا واربع ائتلافات وتم فتح 5369 مركز اقتراع امام الناخبين لاختيار 111 نائبا، يتم اختيارهم من القوائم المكتملة وليس بالانتخاب الفردي. وهنا تتبدى اهمية هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات العربية. فهناك التمثيل النسبي عبر القوائم الحزبية الذي يسمح بتقدم الحياة السياسية والحزبية. وتحظى الاحزاب بدعم مالي من الحكومة ، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية. وهناك اشتراط ان تتمتع المراة بمانسبته ثلاثين بالئة في القوائم. وهي نسبة أعلى مما هي عليه في اية قوانين انتخاب عربية .وحتى في النتائج فقد لوحظ ان مسعود برزاني فاز برئاسة الإقليم، بما نسبته أقل من 58 في المئة من الأصوات، وهي نسبة تدلل على أن المجال كان مفتوحاً بالفعل أمام التنافس على المركز الأعلى، فيما فاز منافسه الثاني: كمال يوادويلي بأكثر من 25 بالمئة من الأصوات. بينما فازت قائمة المعارضة الرئيسية : التغيير برئاسة هوشيران مصطفى بأكثر من 23 بالمئة من المقاعد. إنها نسب مقنعة وواعدة، رغم أن أصواتاً في المعارضة تقول إن الانتخابات لو جرت بنزاهة أكبر وخاصة في محافظة السليمانية لكانت النتائج مختلفة.بهذا جرت انتخابات ذات طابع سياسي يكاد يكون مكتمل الأركان، وكما يحدث في بقية الدول وبصورة أفضل رغم كل ما شابها مما يجري في دول عربية. مع ملاحظة أن هذه المناسبة قد تحققت قبل ستة اشهر، من الموعد المفترض لإجراء الانتخابات النيابية في الدولة العراقية . الاستقرار في الاقليم الكردي مكًن من اجراء الانتخابات في موعدها وبصورة طبيعية رغم تجييش الحزبين الكبيرين . خلافا للوضع في الدولة العراقية حيث ما زال موعد الاستحقاق النيابي غائماً. وكذلك مع ملاحظة أن الاتحاد الوطني حزب الرئيس العراقي جلال الطالباني قد خاض الانتخابات مؤتلفاً مع حزب البارازاني الديمقراطي. وترشح أوساط الطالباني، برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي لتولي رئاسة برلمان كردستان.. وقد لوحظ في هذه المناسبة أن محافظة كركوك تم استثناؤها من الانتخابات، كما تم استثناؤها من قبل في انتخابات المحافظات..علماً أن المطالبة الكردية بها لاتتوقف ،إذ يشملها الدستور الكردي ضمن أراضي الإقليم . على أن نتائج هذه الانتخابات التي سمحت للمعارضة اليسارية والإسلامية و"الوطنية" بملء نحو أربعين مقعداً ، تعزز من صورة الإقليم ككيان يحترم التعددية ويتيح لهاالتنافس الحر في اجواء مقبولة ..رغم بعض الاستبداد "الشرقي". ولنا ان نلاحظ أن حكومة الاقليم أبرمت عقوداٍ لاستخراج النفط من أراضي الاقليم، كما تجري رئاسة الاقليم والحكومة محادثات مع دول اخرى وتستقبل مبعوثين أجانب رفيعي المستوى ، فيما يتمتع الاقليم بموارد ذاتية إضافة الى الموارد التي توفرها الحكومة المركزية في بغداد.ليست هناك مطالب استقلالية وانفصالية مرفوعة. بل العكس من ذلك تتقدم الحركة السياسية الكردية ممثلة بالحزبين الكبيرين، باعتبارها طرفاً وشريكاً في الدولة العراقية، وهناك عشرات الآلاف من الأكراد يقيمون بصورة طبيعية في العاصمة بغداد، فيما يتناقص عدد أبناء القوميات الأخرى وبالذات العرب المقيمين في المحافظات الكردية .وفي الحصيلة تبرع الحركة الكردية في التمتع بمزايا الاستقلال كما بعوائد الاندماج في دولة العراق. ومن جهة ثانية تبدو هذه الحركة مؤهلة للتعامل مع أية استحقاقات في المستقبل، بما في ذلك الاستقلال عند الاقتضاء. وهو ما يجعل الحركة الكردية وازنة في المعادلة السياسية الداخلية إضافة الى ما تتمتع به من تماسك، رغم بعض الضغوط الخارجية من تركيا ، وبدرجة أقل ايران. الانتخابات الأخيرة رغم ما شابها من خروقات ،أعادت إظهار الإقليم الكردستاني ككيان متجانس لا مكان فيه لقوات أجنبية أو غير كردية، وتدير حكومته الوضع فيه بغير تدخلات من أحد( باستثناء التفاهمات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة) ، وبأفضل مما عليه الصورة في العراق الكبير. وفي ذلك مؤشرات الى المستقبل.
تعليقات