مدونة محمود الريماوي

« | »

قمة أخرى ..الى الأرشيف

قمة أخرى إلى .. الأرشيف                                              محمود الريماوي تجمع منظومة عدم الانحياز التي اجتمع قادتها في شرم الشيخ قبل ايام ، بمنظمة المؤتمر الاسلامي أكثر من رابطة . الأولى هي التداخل الشديد في عضوية الهيئتين ، فغالبية الأعضاء ينتظمون  في المجموعتين معا. والرابطة الثانية أن الهيئتين هما من مؤسسات "الجنوب" والعالم الثالث. ولا محل فيهما لأحد من العالم الثاني إلا ما ندر. الرابطة الثالثة هي ضآلة الفاعلية السياسية على المسرح الدولي لدرجة الامحاء، والاحتفاظ بمكانة رمزية  وببعض الحضور الاعلامي ليس إلا. أما الرابطة أو وجه الشبه الأخير، فهو أن الدول العربية الأعضاء تمثل الكتلة القومية الأكبر في الهيئتين، قياساً إلى عدد الدول والكيانات السياسية لا إلى المساحة الجغرافية أو عدد السكان. من المفارقات أنه يتم الاحتفاظ بصيغة عدم الانحياز، رغم زوال الظروف السياسية التي ادت الى تلك الصيغة في منتصف خمسينيات القرن الماضي. لقد زاال الاتحاد السوفباتي ومنظومته الاشتراكية، وتوقف الانشطار بين عالم رأسمال وآخر اشتراكي، ومع ذلك جرى لتمسك بالصيغة التي انبثقت عن صراع المعسكرين قبل اكثر من نصف قرن . هناكمن يحاجج وبقدر من الوجاهة بان قدر العالم والبشرية لا يمكن أن يكون رهناً لقطب واحد أياً كان هذا القطب، وأن من حق الدول الفقيرة او النامية أن تشق طريقاً مستقلاً لها، وأن تستفيد من التعارضات القائمة في النظام الدولي لتعزيز استقلالها، وأن هذا المسعى أو هذه الهوية ، هي جوهر عدم الانحياز. وذلك صحيح من حيث المبدأ،غير أن ما يحدث هوأن دولاً كبيرة في عالمنا، مثل الهند والصين ،معنية بتعظيم قدراتها العسكرية والاقتصادية ، لا بدعم حركات تحرر وطني هنا وهناك ، ولا حتى بالدعم الاقتصادي لدول فقيرة.. وذلك كان في ما مضى جوهر عدم الانحياز! . و ومدارالتعارضات القائمة هو على النفوذ العسكري والاستراتيجي والأسواق ، وتتخذ  التعارضات طابعاً قومياً يزداد وضوحاً ويتعلق بمصالح كل دولة وطموحات كل أمة، لا طابعاً أممياً كما كان عليه الحال من قبل . دون أن يقلل ذلك من الحاجة الى بناء علاقات تعاون، تحد من انكشاف الدول الفقيرة امام الدول الكبرى وبالذات الدولة العظمى. أعضاء عدم الانحياز كما مكونات المؤتمر الاسلامي يدركون ذلك، ويعملون بمقتضاه، فالعلاقات الثنائية خاصة مع الدول الكبيرة والكبرى في عالمنا، تتقدم على أي اعتبار آخر بما في ذلك الاعتبارات "القومية". فيما يراهن البعض على انكفاء التمدد العسكري الخارجي للولايات المتحدة أولا ثم لحلف الناتو كما هو حال الانسحاب المزمع من العراق نهاية 2011. هذه المراهنة تضعها في الاعتبار دول قليلة في منظومة عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي، أما الغالبية الغالبة من الدول فهي تمني النفس بمساعدات غربية وأميركية، بعد أن أصبح من  آيات عدم الانحياز، إقامة علاقات وثقى مع الدولة العظمى..ذلك ينطبق على العالم العربي الذي يشكل ركناً ركيناً من مكونات الهيئتين. وقد لا يغالي المرء بالاستنتاج أن قصور الأداء العربي على الساحة الدولية ، قد طبع- الى جانب عوامل أخرى بالطبع- الهيئتين الكبيرتين بطابعه . فالعالم العربي دأب على التعويل التام على الولايات المتحدة لحل معضلاته الاقليمية وأطفأ الصراع مع الدولة العبرية، ومن لم يذهب الى هذا التعويل فقد راهن على مشروع إيراني، بدلاً من الرهان على استنهاض القوى العربية وبلورة مشروع عربي في النتيجة. انتهت قمة شرم الشيخ "غير المنحازة" بدعم حل الدولتين.. ويا لهُ من قرار عظيم. وفي وقت تنجح فيه تل أبيب بالتدريج وبالقضم البطيء للمطالبات الدولية بحل الصراع الشرق أوسطي، بوضع إيران وملفها النووي في صدارة الاهتمام، ولا يتردد مسؤولون "اسرائيليون" عن الجهر بسعيهم لإنشاء "جبهة عربية اسرائيلية" ضد ايران غير المنحازة. مما يجعل مطلب حل الدولتين مجرد أسطوانة مشروخة من فرط الاستعمال الدبلوماسي والإعلامي، وعلى وقع عبور قطعات حربية اسرائيلية قناة السويس الى البحر الأحمر. وحتى الكلام عن حلول سياسية للتوترات الغربية الايرانية ، فإنه لا يفيد بشيء مع افتقاده إلى أية خطط وتحركات جدية . كان يُفترض أن تستثمر الكتلة العربية القمة الخامسة عشرة لعدم الانحياز، والتي عقدت على أرض عربية، لطرح رؤى وسياسات فعالة لقضايا المنطقة وتجنيد مناصرين فعليين لها، وبث رسائل قوية إلى العالم "المنحاز" ..لكن ذلك لم يحدث ، ولسبب بسيط هو افتقاد وجود.. هذه الكتلة، وغياب أي مشروع قومي جماعي، وذلك بعد أن اصبحت اللغة العربية هي أكثر ما يوحد العرب، وربما باتت العامل الوحيد الذي يجمعهم.  وفي الختام لم يخرج المؤتمر سوى بترديد بعض المبادىء كالالتزام بميثاق الامم المتحدة ونبذ الارهاب وإفامة نظام عالمي اكثر ديمقراطية والدعوة للتخلي عن الأسلحة النووية، مما دأب معلقون مثلنا على ترديدها! فيما يفترض أن لدى أهل الحل والربط ما يقولونه وما يفعلونه، أكثر مما لدى المعلقين وقارئيهم..وربما كانتهناك ميزة وحيدة بعد انفضاض هذه القمة  تتمثل في قلة وثائقها،  إذ تم الاكتفاء بإصدار "إعلان شرم الشيخ" ، ولن ينوء موظفو الأرشفة في  حفظه ،وخاصة مع الاستعانة بالأرشفة الالكترونية التي لا تكلف وقتاً أو جهداً أو مالاً .          

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba