مدونة محمود الريماوي

« | »

حفل وداع (قصة قصيرة)

حفل وداع                   محمود الريماوي                           الولد المتعثر في المدرسة ، يتعثر في مشيته خارجاً من باب المدرسة .ابن  الحادية عشرة بسحنته المسمرة وعينيه المندهشتين اللامعتين ، بقامته النحيلة وشعره القصير ، بقميصه النيلي المخطط بالأبيض والمتسع على قوامه ، ببوط الرياضة الحائل اللون .. يجرجر قدميه الصغيرتين بتثاقل في ضحى اليوم الأخير للعام الدراسي ، على الشارع المسفلت بجوار المدرسة الحكومية ، دون أن يحظى بالصحبة بعدما تكشفت النتائج . يحمل في يديه اللتين على وشك التعرق كتابين للعربية والحساب ، زال عن غلافيهما كل رونق ، من فرط الاستعمال وقد تثنت حوافهما ، ونالت الغلافين في مواضع مختلفة بقع زيتية ، لم يعرف صاحب الكتابين مصدرهما . ما ذنبه وما همه ، ما دام لم ينجح وهو الذي حاول وبذل غير قليل من الجهد . الذين شاطروه حظه النكد وهم قلة : أربعة أو خمسة تلاميذ  ، انصرفوا سريعاً ولا يعرف إلى أين ، ولم يتبق في الشارع بين التلاميذ المغادرين ، سوى ناجحين يزقزقون ويتنطنطون مطروبين لأكثر من سبب  : لأن عامهم المدرسي مضى وانقضى مع أوائل حزيران ولن يعود . ولأنهم نجحوا  في الامتحانات. و.. ولأن عطلة مديدة تنتظرهم بل بدأت للتو ، وسوف يمضونها في اللعب والسهر والاستغراق في النوم حتى احمرار الشمس .لم يكن البيت بعيداً ولا قريباً . الوصول إليه يتطلب المشي بغير توقف لنحو نصف ساعة . لو أنه نجح لعاود مطالبة أبيه أو أخته الكبيرة المتوظفة ، بساعة كبيرة سواتش مثلاً ..ساعة ضد الماء وضد الكسر وضد الحسد المتوقع . لم يعد يريد الساعة الموعودة ،غدا ينشد النجاة لا غير . وهو يتمشى الآن بتلكؤ ، متمنياً لو تطول المسافة إلى لقيا أهله .كان بعض تلامذة صفه يقتربون منه ، ثم لا يلبثون أن يبتعدوا وهم يرمقونه بعبث الصبية ، ولا يفلح في الرد على نظراتهم الهازئة ، أو حتى ملاقاة هذه النظرات . إلى أن تجمع عدد منهم :  أربعة  يتقدمهم سمير، سمير الشاطر الذي حاز على المرتبة الثانية في الصف. وإذا بهم وأولهم التلمبذ المتفوق يطوحون بالكتب عالياً ، بكل عزيمة سواعدهم الفتية ، حتى أخذت هذه ترفرف مثل طيور مذعورة ، وتصطفق أوراقها الملونة والبيضاء على ارتفاع خمسة أو ستة أمتار ، والأولاد يتهللون ويتصايحون ويرمقونها بهناءة وافتتان. يتلقفون الكتب المشلعة  ويعيدون قذفها ..ثم يتركونها تسقط بجلبة ، ولا يتفادون أن تدوسها سيارة عابرة أو تقع على شجرة أو في شرفة بيت مجاور ، ويرسلون لها  للكتب نظرات الشماتة . فيما مارة عابرون من رجال ونساء ، بسياراتهم أو مشياً على الأقدام ، لا يستوقفهم المشهد ولا يحرك ساكناً لديهم ، لأنه لا يعنيهم المشهد بعدما تكرر أمام ناظريهم ، أو لأن بعضهم في سنوات الصبا ، شارك بنفسه بتشييع الأعوام الدراسية الغابرة ، بحفلات تمزيق الكتب في الهواء الطلق ، فلا غرابة ولا جديد بما يحدث . وربما لأن بعض هؤلاء دب فيهم اليأس ، من إمكان إصلاح الناشئة . قلب الولد ابن العاشرة أخذ يخفق بشدة وباضطراب لما يراه . لقد رأى مثل هذا المشهد في العام الفائت ولم يستوقفه . لم يفهم هذه المرة لماذا يبادر ناجحون لفعل ما يفعلونه . ( بعدئذ رجال حصيفون تناهى إليهم النبأ أبدوا دهشتهم البالغة لهذا السلوك ) وحين بادر سمير متبوعاً بأصحابه إلى تمزيق ما يحوزه من كتب ، وتطيير أوراقها إلى الأعلى وذات اليمين والشمال في بحر الشارع وعلى الرصيف ، فقد التحق الولد المتعثر بهم وانضم أولاد آخرون لا يعرف من أين انبثقوا وتقاطروا فجأة ، كمحاربين بلغ النفير مسامعهم فالتحقوا بالجبهة .. تسلل الولد إلى حلقتهم بلهفة نصف مكتومة ، وسرعان ما  جاراهم فتخلص من الخجل وإن ظلت أذناه محمرتين ، قبل أن يتخلص من الكتابين بتمزيقهما شر تمزيق ، ثم تطييرهما إلى حيث ألقت ، فيما رئتاه الصغيرتان تتنفسان الصعداء ، وخافقه البريء تحت القميص الصيفي الخفيف يتراقص طرباً . وقد واصل بعدئذ طريق العودة إلى البيت بلا ضجر، مرفوقاً بأصحاب لم يكفوا عن  الهذر والدعابات ، حول أمور لا تتعلق  بالمدرسة والدروس ،  فيما هو ساهم يحار في كل ما حدث.(من مجموعة الكاتب القصصية "رجوع الطائر" الصادرة عن دار فضاءات- عمان 2008 ) . 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba