« |
»
16 تموز, 2009
لتحصين الانسحاب الجزئي واستكمال المسيرة
لتحصين الانسحاب الجزئي واستكمال المسيرة محمود الريماوي مع أنه من المبكر كما من المبالغة اعتبار يوم الثلاثين من حزيران الماضي "يوم السيادة الوطنية" في العراق، فإن ما شهده ذلك اليوم من انسحاب القوات الأميركية والمناطق الحضرية، بعتبر حدثاً مفصلياً في تاريخ هذا البلد، خاصة إذا ما تم تقيد الجانب الاميركي بروزنامة الانسحابات، فيتم خفض تدريجي للقوات البالغ عددها نحو 135 ألفاً ، يليه انسحاب نهائي مع نهاية عام 2011 ، أي بعد أقل من ثلاثين شهراً من الآن . يُذكر أن أعداداً من العسكريين الأميركيين لم يُكشف النقاب عنها، ستظل عاملة في صفوف القوات العراقية لغايات تدريبية واستشارية. التطور الجديد مع انسحاب القوات الحربية، يعني استعادة العاصمة لوجهها السيادي، وإلغاء ما يسمى المنطقة الخضراء وهي تسمية تعيد التذكير بموائد القمار الخضراء، وقد قامرت تلك المنطقة بصفتها الرمزية والمادية، بمصير العراقيين والأميركيين، وكان وجودها أحد أسباب فشل المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ويفترض تبعاً لهذا التطور أن يتحرر القرار السياسي العراقي من التأثيرات والتدخلات الأميركية. ومن المفارقات أنه بعد يومين على الانسحاب الاميركي الجزئي الى أطراف المدن ، فقد قام نائب الرئيس بايدن بزيارة "مفاجئة" الى بغداد . ومن الغريب ان الصور التي بثتها محطات التلفزة أظهرت أن قادة عسكريين أميركيين كانوا في استقبال بايدن الى جانب الوزير هوشار زيباري ومسؤول عراقي آخر. وكان يفترض عقب يومين على الاحتفال ب"يوم السيادة الوطنية" أن يقتصر المستقبلون على المسؤولين العراقيين، للتدليل على أن الوضع قد تغير وعلى أن المسؤول الاميركي الرفيع، يحل على أرض عراقية يتمتع أصحابها بمظاهر السيادة عليها. اللافت بعدئذ ما تم إعلانه في كل من واشنطن وبغداد ، بأن السيد بايدن مولج بالإشراف على جهود "المصالحة السياسية" بين الفرقاء العراقيين. فإذا كانت الإدارة الديمقراطية تطمح للعب هذا الدور، كي تتميز عن الإدارة السابقة ذات النزوع الحربي والدموي، وتقوم بتظهير وجه سياسي إيجابي وتصالحي يؤدي للمصالحة بين العراقيين، كما بينهم وبين المستوى السياسي الأميركي، فإنه يفترض بالحكم العراقي كما بسائر الفرقاء المحليين، أن يجترحوا طريقهم للمصالحة الداخلية ضمن أجندة وطنية وبمبادرات ذاتية، وبالبناء على جهود سابقة محلية او تمت برعاية أطراف عربية. لا أن يتطوع طرف خارجي لم يلق وجوده سابقاً أو لاحقاً، رضى أطراف أساسية، وإن وجد ترحيباً من أطراف أخرى للقيام بهذه المهمة. ذلك أن الطرف الأميركي ودون التقليل من أهمية التغيير الذي اختطه أوباما، هو جزء من المشكلة ولا يعقل تالياً أن يُناط الحل به. إن المصالحة حاجة داخلية واستحقاق وطني، ولا بد من شق طريقها في أقرب الآجال لحقن دماء العراقيين ولرتق ما تفتق من النسيج الاجتماعي، ولرفع الغطاء عن العناصر الخارجية التي تخوض في دماء العراقيين وتتدخل بصورة فظة في رسم مصيرهم. وتزداد الحاجة الى إنجاز المصالحة في هذه الظروف، استعداداً لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة في يناير كانون الثاني من العام المقبل. وذلك لضمان أن تتم هذه العملية في ظروف مواتية وباجراءات سليمة، بما يسمح في النتيجة ببلورة مجلس نيابي أكثر تمثيلا لسائر الفئات والشرائح الاجتماعية، وأكثر قدرة على صياغة حياة تشريعية ودستورية متطورة، للبلد الذي نشأ فيه حمورابي "أبو القوانين" .. وعلى مراقبة السلطة التنفيذية التي لم تستو أركانها بعد على اسس دستورية راسخة، ولم تتمتع بسلطة كاملة ( وإن مقيدة بالقانون ) وذلك لمزاحمة ميليشيات وجماعات مسلحة لها ،وأحياناً بسبب تداخل السلطة التنفيذية مع قوى الأمر الواقع. تبعاً لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن تسلك القوى الأمنية الذاتية ( الجيش، الشرطة ..) وقوامها نحو 750 ألف فرداً، سلوكاً وطنياًً ومهنياً، ينأى بها بصورة تامة وخاصة قياداتها، عن الاستقطابات المحلية والتجاذبات الفئوية، وأن تتمتع خلال ذلك بغطاء سياسي من سائر القوى المحلية، باعتبارها قوى تسهر على أمن الوطن والشعب بغير تمييز ودون استثناء، وباعتبارها أيضاً خاضعة لحكم القانون فيما هي تقوم بتطبيقه. ولئن كان من المبكر الحديث عن سبادة كاملة باتت في متناول اليد، كما يتغنى مسؤولون عراقيون ( وقد جنح بعضهم لتصوير الأمور على هذه الصورة، حتى قبل الانسحاب الأميركي الجزئي الأخير)، فلعل الرئيس أوباما لا الرئاسة العراقية هو من شخص الوضع تشخيصاً صائباً، حين ذكر إن الإجراء الأخير هو "خطوة هامة على طريق تحقيق السيادة الكاملة ". وهو كذلك بالفعل، فبغداد هي عاصمة الدولة ومركز السيادة ، وبخضوعها وبشمول ابنائها بولاية عراقية حرة، يمثل نقطة انطلاق نحو استعادة الاستقلال. علما بأن وجود الطرف الأميركي وإن كان يمثل الوجود الأجنبي الأخطر والأشد كثافة ووطأة ، بقدراته التسليحية وعديد أفراده، الإ أن أطرافاً خارجية مسلحة أخرى، يشكل وجودها وجودها انتقاصاً شديداً للسيادة ومساساً خطيراً بأمن العراقيين وعبثاً بمقدراتهم . مما يملي الالتقاء والتنادي لاستعادة ولاية الدولة على أرضها ومواطنيها، مع الحرص على إقامةأافضل العلاقات مع دول الجوار،على قاعدة التعاون المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسب ما استقر عليه القانون الدولي من سُنن وأعراف.
تعليقات