« |
»
10 تموز, 2009
إبداع وفير الاشعاع
إبداع وفير الإشعاع محمود الريماويالتقى كاتب هذه السطور مرتين بالطيب صالح. الأولى في عمان قبل خمسة عشر عاماً ،خلال مؤتمر ثقافي يغيب عن الذهن عنوانه ، وذلك لكثرة هذه المناسبات. والثانية في الرياض قبل عشر سنوات على هامش مهرجان الجنادرية .لا يتسم صاحب "موسم الهجرة الى الشمال" بالسمات التقليدية للمبدعين، الذين يبدون في أغلب الحالات غريبي الأطوار، نرجسيين، متباعدين عن غيرهم من خلق الله.على خلاف ذلك يلمس من حظي بلقاء هذا المبدع دماثة عالية لديه ، وصوتاً خفيضاً ومصقولاً( ربما تم صقله في إذاعة لندن العربية حيث عمل الراحل رئيساً لقسم الدراما بين عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي) بهندام بسيط يضمر أناقة أليفة، هذا ما ينبىء المظهر لأول وهلة .بعيداً عن المظهر أو وراءه، هناك انشغال عميق لدى الرجل بإلاصلاح ، بالنهوض ، بالتقدم ، بيد أنه يتبرم بالسوداوية التي تميز خطابات كثيرين من جهة ، وبالشعاراتية الطاغية من جهة ثانية. هاجسه التقدم الى الأمام وعدم تبديد الوقت في التنازع حول الوصفات والنماذج ، والانصراف الى البناء والتطوير في كل مجال ، حتى لو كانت النتائج أقل من الطموح .لذاك لم يكن الطيب صالح ليشبع حاجات البعض في نعي الأحوال والدعوة الى "الخراب الجميل" مثلاً.مع أن صاحب العبارة وهو الشاعر أدونيس ربما لحقه الظلم بتسخير تلك العبارة لأهواء عدمية .في اللقاء الثاني بعد نحو خمس سنوات، لم يتغير الانطباع عن الرجل.ظل محتفظاً بهدوئه وكياسته ونزعته التأملية، "مبشراً" بواقعية رشيدة منتجة خلاقة. رائدها تحفيز كل جهد للتنمية للتعليم للتثقيف والإشادة بكل بادرة جيدة في سائر الحقول والميادين،مهما بدت متواضعة. بهذا يثير لدى من يحظى بلقائه الانطباع بأن الرجل خارج الأيديولوجيات الكبيرة ، وإن كان دون أن يبوح أقرب الى ليبرالية عربية الهوى والمنبت والأفق ،يشهد على ذلك اتصاله الوثيق بالتراث ،رغم إقامته الطويلة في الغرب وربما بفضلها، وكذلك تمنعه عن العودة الى بلاده ،مع حنينه الملهوف اليها، وذلك لعدم قدرته على تقبل الحياة في ظل أنظمة عسكرية وشبه عسكرية.يذكر كاتب هذه السطور أن التلفزيون السوداني أجرى معه مقابلة شيقة ونادرة بالطبع قبل سنوات ،وكان الرجل صريحاً ومنسجماً مع نفسه في دعوته لإشاعة الحريات وإرساء دولة القانون. يذكر أن روايته "موسم الهجرة.. " تعرضت للمنع في بلاده ثم أفرج عنها، وهناك بين السلفيين من حمل على الرواية ومؤلفها .ولعل ذلك قد آلمه، أكثر بكثير من واقعة التعريض بالرواية في دول عربية أخرى .قبل أسابيع تنادت هيئات ثقافية وأكاديمية سودانية وقامت بترشيح أعمال الطيب صالح لجائزة نوبل للأدب ،علماً بأن لجنة الجائزة لا تأخذ في نظامها بالترشيحات، بل تتولى من جانبها عملية الاختيار. والبادي في المبادرة أنها بمثابة تزكية وطنية لهذا الرائد، واعترافاً بفضله وتكريساً له باعتباره أفضل من يمثل تاريخياً السرد في السودان ، وأن جدارته تتعدى بعدئذ مجرد تمثيل بلاده وتستوي قيمة إبداعية: إنسانية وعالمية. مع ذلك فقد أسلم الرجل الروح بعيداً عن وطنه في لندن الأربعاء الماضي 18 شباط الجاري.وكان قصد العاصمة البريطانية لأول مرة قبل سبعة وخمسين عاماً. وأقام فيها سواد حياته باستثناء محطتين قصيرتين في الدوحة ( وزارة الإعلام ) وفي باريس ( اليونسكو).قد ظل يتردد على العواصم العربية في مناسبات ثقافية.آثار الطيب صالح الإبداعية تكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة ، مما يبرهن مرة أخرى على أن الإبداع لا يقاس بالكم أو الوزن!بل بما ينطوي عليه من إضافة نوعية وأصالة فنية . وذلك هو أحد الدروس البليغة والثمينة لمسيرة هذا الرائد .
تعليقات