مدونة محمود الريماوي

« | »

أزمة سياسية لا حالة انتخابية

أزمة سياسية لا حالة انتخابية  

                        محمود الريماوي                     

 الأزمة السياسية التي شهدتها إيران منذ ثاثة اسابيع ، قابلة للحل  كما هي عُرضة للتصعيد، والأمر منوط بخيارات أولي الأمر والفاعلين السياسيين في هذا البلد . لم تبدأ الأزمة مع رفض نتائج الانتخابات الرئاسية، التي انتهت بإعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد، فهي سابقة على إعلان هذه النتائج ، حين رفع المرشح مير موسوي رسالة الى المرشد الأعلى حذر فيها من تدخلات للسلطات في مجرى العملية الانتخابية، شملت حرمان ممثلي هذا المرشح من التواجد في  بعض مراكز الاقتراع، وقيام وزراء ومسؤولين بحملات دعائية للمرشح المنافس. وكان الرد على هذه الرسالة من طرف أوساط نافذة بالتحذير من ثورة مخملية أو برتقالية يجري التحضير لها، لكن دون الاشارة إلى الظروف التي قد تهيء لمثل هذه "الثورة"، ووجوب إزالة هذه الظروف.يجدر التذكير أن الثورة الايرانية التي اندلعت قبل ثلاثة عقو،د كانت هي نفسها من قبيل الثورات البرتقالية ، والمقصود بها التحركات المدنية السلمية الواسعة، وعدم لجوء الجيش او مجموعات مسلحة لنشاطات عسكرية لبلوغ التغيير، والعنف الذي مورس لم يتم في سياق القيام بهذه الثورة، بل بعد نجاحها وانهيار النظام الامبراطوري السابق.شهدت هذه الانتخابات انفعالات طاغية واستقطاباً حاداً. تسرع المرشح موسوي وأنصاره لإعلان ما اعتبروه فوزاً بعد الساعات الأولى لبدء الاقتراع. وسارعت السلطات من جهتها لإعلان نتائج الانتخابات بصورة متسارعة لا متدرجة، وشاملة على مستوى الدولة وليس تباعاً على مستوى الأقاليم ومراكز الاقتراع.الانفعالات طالت مؤسسات عليا، فقد بدا "مجلس صيانة الدستور" مؤيداً للمرشح نجاد فيما ظهر "مجلس تشخيص مصلحة النظام" مؤيدا لإفشال نجاد بأكثر من تأييده لموسوي، ما دعا الرئيس المرشح للحملة على هاشمي رفسنجاني واتهامه بالكذب. في هذه الأجواء المتوترة اندفعت حركات احتجاجية واسعة لم تشهد الجمهورية الاسلامية مثيلاً لها، ولم تخل من مظاهر العنف والتخريب، وجرى التصدي لهذه التحركات بالقوة، وتم توقيف عدد من  رموز الاصلاحيين، ومنع تواجد ممثلي الصحافة غير الإيرانيين.  في هذه الظروف ليس لأحد أن يبت في ما إذا وقع تزوير أم لا. وقد أبدت السلطات درجة من الثقة بالنفس بإعلان الاستعداد لإعادة فرز أوراق بعض الصناديق والتقدم بطعون قانونية. وهي اجراءات منطقية، غير أن المشكلة تقع في مكان آخر، وهي كون السلطات النافذة مثل وزارة الداخلية والأجهزة القضائية والأخيرة تتبع للمرشد مباشرة ،  منحازة الى الرئيس المرشح وخاضت معركته.إذا كانت المشكلة تكمن هنا، فإن أي حل ينبغي أن يبدأ من هذه النقطة . فقد أظهرت هذه المناسبة أن المجتمع السياسي والثقافي الإيراني يزخر بالتنوع والتعدد، وغالباً تحت سقف النظام والدستور، فإما أن تتحول هذه التعددية الى انقسام سياسي ونزاع أهلي كما هو الحال حتى تاريخه، أو أن يُصار الى وضع عقد اجتماعي وسياسي جديد بمشاركة الإصلاحيين على اتساع أطيافهم، جنباً إلى جنب مع المحافظين بمختلف تلاوينهم، بما يؤدي الى الحد من القيود على العملية الديمقراطية، وحصر الشأن السياسي في إطار سلطة مدنية . من الواضح أن تركيز السلطة في أيدي فريق واحد، سوف يكرس الأزمة ويعمق اهتزاز الثقة، وليس حظر المسيرات سوى وجه من وجوه الأزمة، فالبلاد لا تعيش حالة حرب أو حالة طوارىء وطنية ، حتى يُصار الى حظر المسيرات وتهديد من يشارك بها بحكم الإعدام وليس أقل من ذلك. كما أن ذهاب المعارضة بعيداً في السلبية، وفي عمليات تخريب لممتلكات عامة وخاصة، قد يؤدي الى تهميشها عملياً مع انفضاض فئات واسعة عنها، خشية دوام الاضطرابات وتهديد الاستقرار.بغياب مثل هذا العقد الاجتماعي تصبح كل مناسبة سياسية أو استحقاق وطني داخلي، فرصة لتظهير الانقسام وتأجيج الانفعالات، وضحية ذلك هي فسحة الديمقراطية المتاحة، وتطلعات عشرات الملايين من فئات الشباب للمشاركة في الحياة العامة، والأخطر من ذلك هو تحول العنف الى قيمة مقبولة وسلوك متبع، كما جرى في البلد الجار العراق على امتداد عقود، وحتى بعد سقوط النظام الذي شرًع العنف ومارسه على أوسع نطاق. هذه التطورات وما قد يليها، تعنينا نحن العرب. فالاضطراب الداخلي معطوفاً على التشدد مؤهل لأن يعبر عن "نفسه" بالتشدد مع الجوار ومع المحيط العربي. وقد تتخذه دوائر غربية ذريعة للتصعيد مع طهران، تماماً كما تتخذ أوساط محافظة في طهران من بعض المواقف الغربية ذريعة للتشدد الداخلي وهو ما حدث بالفعل.من الملاحظ في هذا الصدد أن ثمة مواقف عديدة عربية غير رسمية حتى الآن، جنحت للوقوف مع تيار معين ضد فريق آخر في الأزمة الايرانية . هذه المواقف تسوغ  استمرار ظهور مواقف مماثلة في الجانب الايراني إزاء قضايا وشؤون عربية داخلية.  الأصح من ذلك هو الانتصار للاستقرار والازدهار في ايران، بأن ينجح الفرقاء هناك في اجتراح حلول تحترم التعددية والتنوع، والكبرياء الوطنية، وتسهم في تطوير النظام السياسي لا الإمعان في تضييق تمثيله السياسي لفئات الشعب. وبما أن مقولة : السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية ما زالت تمتك قدراً كبيراً من الوجاهة ، فإن حلولاً سياسية راشدة وخلاقة  في الداخل الإيراني، من شأنها أن تسمح بظهور سياسة إيرانية خارجية قائمة على الصداقة والتعاون مع العالم العربي، وتتجاوز سلبيات المرحلة السابقة.  

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba