مدونة محمود الريماوي

« | »

الانقسام خيار استراتيجي!

الانقسام خيار "استراتيجي".. محمود الريماوي*                                                إصرار القاهرة على أن يتوصل الفرقاء الفلسطينيون، إلى اتفاق  بحلول الرابع من تموز المقبل، لن يؤدي  كما تدل خبرة التجارب السابقة الى ولادة الاتفاق العتيد، لكنه قد يفضي الى مزيد من الاصطفاف الإقليمي. يتقدم هذا الاصطفاف أو التموضع لدى البعض على أية اعتبارات أخرى. إذ من العسير على أي مراقب الوقوع على مرجعية وطنية (داخلية) ،تهتدي بها حركة حماس مثلاً في صياغة سياساتها، رغم تضحيات هائلة بذلتها ودفع الشعب ثمنها من لحمه الحي.حين فازت الحركة في الانتخابات في حزيران 2006  سارعت منفردة الى تشكيل حكومة برئاسة اسماعيل هنية، بعد أن رفضت صياغة وثيقة أو التوصل لتفاهمات سياسية، حتى مع الفصيل الأقرب لها وهو الجهاد الاسلامي. فلما اكتشفت أن هذا الطريق مسدود، فقد مالت لتشكيل حكومة ائتلافية موسعة برئسة هنية أيضا، ولم تمض شهور حتى عمدت الحركة الى حسم عسكري( سقط خلاله 140 قتيلاً ). على إثر هذا التطور، انسحبت القوى الأخرى المشاركة في الحكومة: فتح ، الشعبية ، الديمقراطية ، المبادرة الوطنية ، المستقلون، وبقي فيها وزراء حماس..  بقايا هذه الحكومة التي انقلبت بنفسها على شرعيتها، وخرجت منها بقية القوى السياسية، تصفها الحركة بأنها  عنوان الشرعية.الرؤية الانقلابية والامتلاء باحتكار الصواب الوطني، تجعل من الحركة حتى تاريخه وحُكماً، ضد أي مشروع ائتلافي جماعي، وما يقتضيه ذلك من حوار مسؤول مع الشركاء ورفاق الدرب. كانت هناك وما زالت حاجة لتصليب الموقف الفلسطيني برمته، ووضع ضوابط للجميع في إطار التزامات مشتركة. غير أن هذا الهدف لا يشغل لا حماس ولا أطراف أخرى في السلطة الفلسطينية .في النتيجة يتأكد الانقسام أو الانشطار، وتذهب جهود الوسطاء من اليمن الى السعودية وقطر ومصر هباء. الوحدة الوطنية ليست هدفاً بل يتم النظر اليها عملياً، كعائق وقيد .الاستطلاعات الأخيرة  تفيد أن حماس تنخفض شعبيتها في قطاع غزة، بينما تنخفض شعبية السلطة في الضفة الغربية: كُلٌ حيث يحكمون. لكن هذه الاستطلاعات لا توقف مسار الانفراد. العودة الى الشعب تبدو مسألة رومانسية ولزوم ما لا يلزم. ومع ملاحظات جوهرية سلبية جرى عرضها في مقال الاثنين الماضي على أداء السلطة في رام الله ، فإنه يسجل لها الاستعداد للاحتكام إلى أطر شرعية مثل العودة الى الاتخابات، كي يخرج الجميع من المأزق ، فيما تستهوي حماس محاولة فرض إملاءات سياسية، تواكب إملائها فرض أمر واقع بقوة السلاح في قطاع غزة.من حق أي تنظيم أن يتمتع بصداقات وتحالفات خاجية ،شريطة البرهنة على مرجعية وطنية له، وعلى إبداء الاحترام لشعبه، وأن يصدر عنه ما يفيد أنه يستأنف مسيرة تاريخية من كفاح شعبه لا أن يزدري هذا التاريخ،  الذي صنعه كفاح شعب على مدى نصف قرن.في ضوء هذه الارتسامات، يتعذر توقع التوصل الى اتفاق بين الفرقاء. فإذا ألقى المرء نظرة على البيئة لإقليمية للحوار الماراثوني الدائر في القاهرة ، فإنه لا يغفل ملاحظة أن التباعد الإيراني السوري مع مصر التي تحتضن هذه الحوارات، ينعكس بصورة مباشرة على ما يجري في الملف الفلسطيني الداخلي. وحيث تتموضع حماس اقليمياً ، دونما ايلاء اهتمام يذكر لاعتبارات وطنية داخلية، فيما نجح على سبيل المثال فرقاء لبنانيون قبل أقل عام رغم التباعد الهائل بينهم في التوصل الى اتفاق ما بينهم هو اتفاق الدوحة.. ذلك أن الفرقاء في 14 و8 آذار على تباعدهم الشاسع، أخذوا الحيثيات الداخلية  في الاعتبار، وتطلعوا جميعاً الى حكومة ائتلافية، وإلى انتخابات نيابية تحسم التجاذب الداخلي.في مقالة أخيرة نشرها الناطق السابق باسم حماس غازي الحمد كتب يقول : "إن الصراع مع الاحتلال يملي على الجميع أن يخرج من الرؤية الحزبية الأحادية، والبحث عن مظلة وطنية واسعة ، ثم نجري تقييماً شمولياً للمسيرة الوطنية بكل أبعادها". المظلة الوطنية الجماعية والتخفف من الرؤية الأحادية الحزبية، هو ما يتقص حركة حماس التي أثبتت تمرساً في قتال العدو وبذلت تضحيات هائلة .. لكن على القائمين عليها استذكار أن غيرها قد سبقها الى مثل هذه الممارسة النضالية، دون أن يجنبه ذلك الوقوع في الأخطاء،  ودون أن يكون بذل التضحيات عاصماً عن استقبال النقد ، أو ذريعة للتحلل من موجبات المشاركة .إن انهاء الاحتلال وإنقاذ الشعب وتعزيز الوحدة الوطنية وبناء دولة مستقلة، هي أهداف  لا يمكن لحركة وطنية مسؤولة أن تضرب صفحاً عنها، وأن تعمد بدلاً من ذلك للاحتكام فقط الى تقييمها الذاتي لذاتها.. وتصوير نفسها على أنها الفرقة الناجية، بينما الآخرون كلهم خاصة من شقوا الطريق أمامها، هم على ضلال مبين. يسترعي الانتباه بعدئذ أنه في الوقت الذي بترز فيه الحاجة للوقوف الجماعي امام غلاة التطرف في تل ابيب، وفي وقت يتطلب صياغة رؤية مشتركة  في التعاطي مع إدارة اوباما  ومع مشروعها المرتقب، فإن الدلائل تشير الى أن مثل هذه الاستحقاقات السياسية  الداهمة، لا تحرك ساكناً لدى من يعتنقون "الرؤية الأحادية الحزبية" على حد وصف الحمد. ذلك أن الانقسام الفلسطيني يؤدي في النهاية إما الى اتخاذه ذريعة  للتلكؤ في وضع حلول عادلة ، أو لتأليب الفرقاء على بعضهم بعضاً ، وفي النهاية فإن الخسارة تحل على  الشعب وقضيته، أما من ينعمون بالسلطة في رام الله وغزة فهم ينعمون بها، ولا يجانب أحدهما الصواب من أي جانب.* رئيس تحرير صحيفة "السجل"        

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba