مدونة محمود الريماوي

« | »

مؤتمر حركي عام ..من يبالي؟

مؤتمر حركي عام..من يبالي؟محمود الريماوي*                                                   لولا الضجة الإعلامية المثارة، حول مؤتمر عام لحركة فتح، فإن هذا الحدث الذي لم يحدث لا يستوقف كثيرين لأسباب عديدة في مقدمها أن الأنظار والأذهان تتجه الى ما اعترى القضية الفلسطينية من تآكل على الأجندات السياسية الإقليمية والدولية، وما يصيب الأرض المحتلة من مصادرة وتوسع استيطاني، وما يتعرض له الشعب الرازح تحت الاحتلال من تنكيل لا ينقطع، علاوة على ان الانشطار الواقعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، وهو انشطار أرسته سلطات الاحتلال بجملة من الإجراءات والتدابير، وأكمله أبناء القضية في تنازعهم على سلطة لا سلطة لها.بسترعي الانتباه أن اللغط الدائر حول مؤتمر عام سادس، داخل صفوف الحركة التي اطلقت الكفاح الوطني قبل نحو 44 عاما، هذا اللغط يكاد يبدو مقطوع الصلة العضوية بالتحديات الجارية والداهمة على صعيد القضية الوطنية، ويكاد ينغلق حول الصراع بين أجيال الحركة ومستوياتها التنظيمية المختلفة بما يدلل على أزمة سياسية عميقة تنهش هذه الحركة، وذلك بعد الاضطراب الشديد الذي أصاب هويتها، فقد غادرت هويتها كتنظيم يمارس الكفاح المسلح ولم تنجح في الأثناء بالتحول الى حزب سياسي. وفي الحالين، فقد جاء مقتل الحركة في تخفف قيادتها من منطق الصراع وروحيته مع الاحتلال، وكما هو بادٍ في الأداء الفقير والرتيب لرئيس فتح ورئيس السلطة محمود عباس، الذي تقدم باعتباره منقذاً للمؤسسات فإذا به يخفق في إدارة "مؤسسته" التنظيمية حركة فتح ، لدرجة العجز المديد عن تنظيم مؤتمر عام بعد نحو عقدين على مؤتمر عام كان الخامس في تاريخ الحركة وعقد في تونس. وجاء حاملاً شعار رفض عسكة الانتفاضة ، فإذا به يطفىء كل انتفاضة مهما كان طابعها السلمي والمدني.هذه الملاحظات لا تنتقص من وطنية الرجل، وليست هذه الوطنية هي مدار هذا المقال في الأصل. الاعتراض هو على المنطق السياسي الذي يجعل رأس السلطة، يتصرف ببرود مفرط كأنه يقود دولة مستقرة مستقلة، لا تشتبك في صراع مع قوة محتلة، فيما الهدف المعلن هو إقامة تلك الدولة..ودون إقامتها صراع مرير وتحديات جسيمة، سرعان ما يختزلها صاحب القرار بتلك الوصفة السحرية الموهومة: المزيد من المفاوضات على طريق الحل التفاوضي الذي لا طريق سواه، على ما انفك يردد بمناسبة وغير مناسبة. وكأن التفاوض خيار قائم بذاته بمعزل عما حوله من بيئة سياسية ومن امكانيات ذاتية وموضوعية،  ومن بدائل أو حتى ردائف، تمنح للتفاوض معنى وتسبغ عليه قيمة كخيار اشتباكي.هذه الأزمة أدت عملياً الى الترهل داخل الحركة، بعدما تخلت عن وظيفتها السياسية في ادارة الصراع وقيادتها، ولئن كان من الصحيح تماماً، أن الوسائل والأدوات الصراعية تظل محل اجتهاد ونظر لتخيًر أفضلها، إلا أن الخلاف الناشب في واقع الامر لم يكن يدور حول الأدوات والوسائل بل حول خيار الصراع ذاته، وهو خيار مفروض وليس مقترحاً.وقد اختار عباس الحلول غير الصراعية  وتلك التي لا تنطوي على أية "شبهة" صراعية مع العدو، فكان أن دخلت الحركة في عهده وخلافاً لما كان عليه الوضع في عهد الراحل ياسر عرفات حالة من الترنح السياسي، وقد فاقم منه الرفض المستميت للتجديد الداخلي في المستويات القيادية، وهي مسؤولية تتحملها قيادات فتحاوية أخرى ممن تتجاوز أعمارهم الستين عاماً ،تتشبث بأمجادها ومواقعها وتكافح لسد الطريق أمام أجيال جديدة خاصة ذلك الجيل، الذي نشأ في معمعان الصراع مع الاحتلال، وواكب الانتفاضتين الأولى والثانية في أواخر ثمانينات القرن الماضي والنصف الأول من عقد التسعينات .أن تخفق هذه الحركة على مدار عامين في تنظيم مؤتمر عام لها، وأن تجنح العديد من قياداتها لطرح استحقاق عقد المؤتمر جانباً، يدلل على عمق أزمة هذه القيادة التي لا تفلح في حل مشكلتها وفق منظور وطني وديمقراطي، فكيف يمكن تبعاً لذلك تصور أن تنجح الحركة في إدارة معركة كبرى، تستنهض الطاقات وترسي الوحدة الوطنية وتجتذب دعم الأشقاء والأصدقاء، وتفرض الأجندة الوطنية على الاهتمامات الإقليمة والدولية.هناك رهان بأن ينجح جيل شاب في الحركة عركه الصراع مع الاحتلال والتجذر في الوطن، في أن يبلور خياراته ويستقطب اكبر قاعدة داخل الحركة وخارجها، ليس لمجرد تفضيل جيل شاب على جيل تجاوز سن التقاعد ويمارس التقاعد الفعلي، بل انحيازاً لخيارات ديمقراطية وسياسية يتجد فيها شباب هذه الحركة تستعيد مركزها التاريخي.ليس بعيداً عن ذلك ، التطلع الى دور تؤديه المكونات السياسية والاجتماعية ، في الضغط من اجل إقالة الحركة من عثراتها ليس انتصاراً لتنظيم بعينه أو لحزب حاكم، بل من أجل إطلاق حياة سياسية  دينامية، قائمة على التعددية والمشاركة، على أرضية من التلاقي حول الأهداف الوطنية ورفض سياسة الاسترخاء المنهجي، وإطفاء الحركة المدنية، والبيرقراطية السياسية المقيتة السابقة لأوانها،علماً أن مثل هذه البيروقراطية مذمومة في جميع الأحوال. ومن هنا على المكونات السياسية ان تقول كلمتها في أزمة التنظيم الأكبر ،ليس على أرضية التنازع الفصائلي واستعجال الوراثة، بل ضمن منظور وطني رحب يضع إنهاء الاحتلال واستنهاض جميع الطاقات وإنقاذ الشعب من التنكيل به، في قلب برامجه وصدارة اهتمامته. * رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba