مدونة محمود الريماوي

« | »

كي يكون الصدام "محتوماً"

كي يكون الصدام "محتوماً"                  محمود الريماوي*تميل الأطراف العربية للارتياح الى تصريحات ومواقف الإدارة الديمقراطية في واشنطن،مع الحذر من أن لا تقترن الايجابيات اللفظية، بأية آليات للعمل بما يتعلق بتسوية الصراع العربي الاسرائيلي. هذا الارتياح إزاء اوباما وفريقه، سرعان ما ينقلب الى كدر مع ملاحظة التطرف الجامح في تل أبيب مع صعود نتنياهو وطاقمه، وما يتخلل ذلك من خشية بأن يلعب الجناح الأشد يمينية للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، دوراً في كبح الإدارة والبيت الأبيض عن فعل شيء ذي بال، يضع حداً للنزعة التوسعية والعدوانية لدى حكومة تل ابيب، ويعيد الاعتبار لعملية سلمية جدية.الخشية أن يقف الجانب العربي في حالة سكونية يراقب فيها من بُعد تفاعلات العلاقة بين الديمقراطيين في واشنطن والليكود الاسرائيلي بامتداداته داخل الولايات المتحدة، باستثناء أسلوب المناشدات وإطلاق الأمنيات.في واقع الأمر أن هذا النمط  غير التدخلي من الدبلوماسية التقليدية، يَحِد من فرص ظهور تباينات وخلافات بين واشنطن وتل ابيب، حين يكون كل شيء هادئاً في الشرق الأوسط، والجمود المقيم هو سيد الموقف. في غمرة ذلك فإن المبادرة العربية للسلام التي باتت جزء من قرارات مجلس الأمن، تمثل فرصة لإدارة حملة سياسية هامة، يتم من خلالها تنظيم العلاقة مع إدارة اوباما، ووضع محددات للموقف العربي.ذلك أن هذه المبادرة التي مضت سبع سنوات على إطلاقها في قمة بيروت، لم تلق إزدراء من تل أبيب فحسب،إذ أنها ووجهت بتجاهل أميركي خلال ولايتي بوش وتم الاستعاضة عنها بجملة من الحروب والاجتياحات للأراضي المحتلة، بتسويغ اميركي دائم ومسبق.في ظل الوضع الناشىء، فإن نقطة البداية لكسر الجمود تتمثل في حمل إدارة اوباما على دعم صريح وجدي للمبادرة، ودعوة الأطراف للتعامل معها والعمل بمقتضاها، وإدارة مفاوضات مرعية دولياًٍ على أرضيتها. فإذا حزم العرب أمرهم منذ البداية على الالتزام بهذا المنظور، واستثمروا جيداً التوجهات الايجابية المبدئية للرئيس الأميركي وإدارته، فإن ذلك سيمهد لما يتحدث به محللون عن صدام محتوم بين أوباما ونتنياهو، مع أن المرء لا يميل للأخذ مسبقاً بهذه "الحتمية" وذلك بالنظر الى تاريخ العلاقات الأميركية الاسرائيلية. غير أن الافتراق بين الجانبين واضح، وهو لا يقل عما كان عليه بين جورج بوش الأب واسحق شامير في العام 1991 ،عشية انعقاد مؤتمر مدريد، حين تم حمل شامير على المشاركة في المؤتمر الدولي بغير رغبة منه. ومع عدم ترجيح سيناريو على آخر،في مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الشرق الأوسط، فإن النقطة المفصلية بالنسبة للعرب يتعين أن تتركز على رفض ان تقوم "خصوصية " العلاقة الأميركية الاسرائيلية على حساب العرب وحقوقهم، وأن لا تكون تصفية القضية الفلسطينية ثمناً لها. بل أن لا تكون الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي ضحية لها. بهذا يميل المرء إلى وجوب استثمار التغيير الأميركي،حتى لو قال البعض مُحقين، إن هذا التغيير لم تتضح ملامحه بعد وإنه "ما زال لفظياً وفي إطارإبداء النوايا الطيبة". فمن واجب الأطراف العربية، أن تسهم من جانبها في بلورة التوجهات الاميركية الجديدة، بكل ما يلزم من مبادرات ودينامية مطلوبة.وبما أن الأطراف جميعها بغير استثناء جنحت للتسوية السياسية لا المواجهة العسكرية، فإن التسوية لن تقوم بغير قدرٍ من المواجهة السياسية، تتجه أولاً الى مقاطعة حكومة نتنياهو والإسهام في عزلها دولياً، وتنتقل الى دعوة الإدارة الديمقراطية لأداء دور جدي يزيل خطايا الإدارة السابقة، بما يملي إحياء دور اللحنة الرباعية الدولية على أن تكف هذه اللجنة بفضل التأثير الأميركي المحوري فيها، عن لعب دور شاهد الزور، وهو الدور الذي أسماه عمرو موسى مرة بأنه "عملية نصب"، والدفع نحو التفاوض بمرجعية واضحة ورعاية دولية وببرنامج زمن يمحدد، ومجابهة التدليس الاسرائيلي برفض التدخل الخارجي في..المفاوضات التي لن تستحق اسمها بغير رعاية دولية.مغزى كل ما تقدم أن الانسداد الذي تراهن عليه وتدفع نحوه تل أبيب، غير قابل للاختراق سوى بمواقف جدية تبدأ بالتماس صيغة فضلى للتعامل مع واشنطن، والظروف تبدو مهيأة لذلك مع إدارة أميركية جديدة اختارت لغة سياسية تفترق عما سبق، وتبث آمالاً عريضة، وترجمة هذه الآمال على أرض الواقع تتطلب مبادرات نشطة،والتذكير بأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، وقد أثبتت الحروب على لبنان وغزة، أن تل أبيب عرضة للخسارة ولتقوض نظرية الردع المطلق، وأن الأضرار لا تلحق بالجانب العربي فقط، وأن العملية السلمية المبهمة والخادعة، لن تكون بديلاً عن سلام فعلي على الأرض يضع حداً للاحتلال والتوسع. تسعى واشنطن رغم غموض الآليات حتى الآن، الى استراتيجية خروج من العراق، واستراتيجية حوار مع طالبان ومع طهران، والى استراتيجية سلام في الشرق الأوسط. تمكين واشنطن من الالتزام بهذه التعهدات بما يخص منطقتنا، يقتضي المساهمة معها في بلورة السيناريوهات والبرامج، لتنفيذ هذه التعهدات ضمن جدول زمني مرئي، وعدم ترك الأمر لليكوديين في أميركا، او ل"حسن فطنة" الرئيس الجديد وفريقه.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"                                         

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba