« |
»
05 نيسان, 2009
الرئيس ..والروائية!
الرئيس..والروائية!محمود الريماوي* ايزابيل الليندي. يتم على التو ربط هذا الاسم، بالرئيس التشيلي اليساري المنتخب، الذي أطاح به انقلاب أميركي وقصف مقره الرئاسي عام 1973 . الربط بين الاسمين، وجيه. فصاحبة الاسم هي ابنة شقيق الرئيس المغدور. وهي كاتبة روائية، شرعت متأخرة بعض الشيء بالكتابة والنشر: في سن الاربعين بروايتها "بيت الأرواح". وهي حاليا في السابعة والستين من العمر، تقيم في الولايات المتحدة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بعدما كانت تقيم في فنزويلا، متزوجة من أميركي( محامٍ متقاعد حالياً)، وتتمتع منذالعام 2003 بالجنسية الأميركية. المعلومات الأخيرة مهمة، بالنظر الى سيرة ايزابيل المرتبطة باسم عمها، الذي أطاح بحكمه الأميركيون في انقلاب دامٍ أودى به. وليس معلوما ما الوصف الذي تطلقه على هذه المفارقة: أهي مكيدة التاريخ أم مصيدته ؟.أيا يكن الأمر فتصريحاتها الصحفية تشي بسعادتها هي الكاتبة المتفرغة، التي تترجم رواياتها الى ثلاثين لغة. وكنت مرت قبل أعوام بمحنة رهيبة، إذ فقدت ابنة صبية لهاهي "باولا" وقد خلدتها في رواية تحمل الاسم نفسه، وتحصد الرواية افتتاناً متزايداً بها ،حيث تتلقى الكاتبة على الدوام، رسائل الإعجاب خاصة من القارئات. تقول الليندي انها عبر الرواية تمكنت من إبقاء روح ابنتها حية ومن "استعادتها" من الموت، وكانت الابنة قضت بعد غيبوبة امتدت لسنة كاملة لازمتها فيها الأم الثكلى.الربط بين اسمها واسم عمها الرئيس، أثار على الدوام انطباعاً أو افتراضاً، بأنها غزلت اسمها وشهرتها، ولو دون تعمد منها، من خيوط أسطورة رئيس تشيلي المغدور. بالنسبة لكاتب هذه السطور، فإن الارتباط الوثيق بين الاسمين ، قد أعاق الإقبال على قراءة أي عمل روائي لها.لماذا؟ لان شهرة الكاتبة تفيد انها يسارية على مذهب العم ، وروايتها الأولى ظهرت عام 1980 بعد نحو سبعة أعوام على اغتياله، مما أثار انطباعاً بأنها لن تعدو أن تكون رديفاً أيديولوجياً له، وصدىً روائياً لخطابه السياسي. وبما أننا هجونا ونهجو الامبريالية مرات بلا عدد، ولا يثير فضولنا الوقوف على هجاء جديد لها، فقد قبعت ايزابيل الليندي في مكان قصي، وتقدمت أسماء جذابة مثل غارثيا ماركيز وبورخيس وآمادو.في واقع الأمر أن الربط بين الاسمين وإن خدم الروائية في البدء، فإنه ظلمها في النتيجة وخدم اسم الرئيس الليندي الراحل، الذي باتت تعرفه أجيال جديدة من خلال ابنة شقيقه. فايزابيل موهبة روائية لامعة، وقد أمكن لكاتب هذه الكلمات أن يتعرف مؤخراً فقط ، على أحد أعمالها البارزة وهو "ابنة الحظ"، بترجمة صالح علماني صاحب الأيدي البيضاء في ترجمة روايات أميركا اللاتينية الى العربية. لقد تبين أول ما تبين أن الانطباع المسبق أو الافتراض كان خاطئاً.فالكاتبة ذات الموهبة المتفجرة هي من رموزالوقعية السحرية ومن صانعيها المهرة.وهي ذات نفس ملحمي مفعم بروح معاصرة ، نقدية لكن دون قولبة أو ادلجة مقيتة تماما كما هو حال بقية الرموز. وإذ تعتبر نفسها مدينة لماركيز، فهي ليست مجرد تلميذة نجيبة، بل لديها ما تضيفه على صنيع صاحب "مائة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا". وذلك في اتساع المساحة الروائية ،التي تجعل من عملها هذا بالذات "ابنة الحظ" قنطرة بين الرواية الكلاسيكية المحكمة، والواقعية السحرية الجديدة المجنحة.بينما كان الكاتب منكباً على قراءة هذا العمل الفاتن، لم يكن بالوسع تفادي التساؤل ،عما فعله الهوس في ادبنا العربي بجعل الإبداع مجرد خادم ووسيط لرؤى سياسية ومواضعات أيديولوجية ، وكذلك الاندفاع المعاكس في تجويف الابداع ونزعه عن الخوض في القضايا العامة.مقابل هذا الإفقار ينجح إبداع، ينبثق من بيئة تشابه بيئاتنا العربية في مستوى "التقدم"،ويحقق حضوراً عالميا لما يحفل منبه من رؤى عميقة ومن حفر في دواخل البشر والتاريخ،ومن تجديد عضوي لا يعبأ بالكليشيهيات، وهو ما يفسر أن أدب اميركا اللاتينية مقروء عربياً أكثر من الآثار الروائية العربية .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات
الاستاذ الريماوي..
لا اعتقد ان ادلجة الادب و تسيسه يحوا دون ابداع حقيقي..فجبرا ومنيف و درويش و صنع الله والماغوط كلهم مسيسون مؤدلجون في مراحل معينة..