مدونة محمود الريماوي

« | »

البحرين مثار إعجاب وفضول

البحرين: مثار إعجاب وفضول محمود الريماوي* بين شقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي، فقد عُرفت البحرين على نطاق واسع في المشرق العربي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على الأقل، رغم أن الهجرة اليها لغايات العمل والإقامة كانت محدودة، مقارنةً بدول أخرى مثل المملكة العربية السعودية ودولة الكويت. ساهم في هذا التعريف نشوء المجلس الوطني(البرلمان) المنتخب في مطلع سبعينات القرن الماضي بما وضع  التجربة الديمقراطية في بلاد ديلمون، في موقع موازٍ لتجربة رائدة شهدتها الكويت( وكان شعار الدولة آنذاك: الكويت بلاد العرب). تعرضت التجربة للشد والجذب وتوقفت الى حين، بيد أنها أسست في النتيجة لبيئة ديمقراطية ووضعت في تربة الحياة الوطنية ، البذور الأولى للإصلاح السياسي  الشامل.قبل ذلك كانت الأنباء تترى وتتواتر عن حياة ثقافية نشطة في هذا البلد الساحر، وكانت المجلات الثقافية في بيروت قبل نصف قرن، تنشر ثمار الإبداع البحريني وبالذات للشاعر المرحوم ابراهيم العريض، الذي أسهم بالفعل في التعريف ببلاده خير تعريف .بعدئذ ، وللمفارقة، فإن حملات المعارضة في الخارج أسهمت ولو بالسلب، في التعريف بهذا البلد ، وعلى الأخص النشاط الصاخب لاتحاد الطلبة في بيروت والكويت. في أواخر الستينات ومطالع السبعينات، كان اتحاد الطلبة في العاصمتين  يقيم أمسيات فنية متاح حضورها لمن يرغب، وييقى في الذاكرة من تلك الأمسيات عبق العطر البحريني، والاختلاط الأليف بين الطلبة من الجنسين، والأصوات الشجية  للطلبة الموهوبين.بعدئذ في النصف الثاني من السبعينات كانت الحركة الثقافية قد نشطت في هذا البلد، وقد هبًت عليها رياح التجديد وباتت تلك الرياح تهب منها الى الخارج، عبر مجلات مثل "كتابات" و"كلمات" ، وتداول أسماء قاسم حداد وعلي الشرقاوي وسواهما من مبدعين بحرانيين. وقد احتاج الأمر لمضي نحو عقدين آخرين، قبل أن يتجدد حضور البحرين واسمها وبقوة على الساحة العربية وفي المجال الإعلامي، وذلك مع استئناف الحياة الديمقراطية وعودة التعددية الإعلامية، ورجوع ناشطين سياسيين الى الوطن بعضهم تولى مواقع وزارية .يستوقف المرء في دستور مملكة البحرين بين فقرات أخرى ، فقرة تتحدث عن حظر إبعاد المواطن أو منعه من العودة الى الوطن .من الواضح أنه قد جرى تثبيت هذه الفقرة في أرفع مرجع تشريعي للبلاد، لفتح صفحة جديدة لا رجعة عنها في تنظيم العلاقة بين المواطنين ودولتهم التي محضوها الشرعية والثقة.في الدستور البحريني كذلك مادة قلما يجدها المرء في دستور آخر ، وتحظر هذه المادة تسليم اللاجئين السياسيين. وبصرف النظر عن الإدعاءات السياسية للاجئين فإن استقبالهم وحظر تسليمهم، يعتبر مؤشراً حضارياً رفيعاً، حيث باتت ديار العرب تضيق باللاجىء السياسي صاحب الرأي المخالف، فيما "الغرب المُنحل" يواصل تقاليده في استقبال هؤلاء وبعضهم يعتبرون البلاد التي تستضيفهم "ديار حرب"..فيا لشهامة العقل. في الدستور البحريني أيضا فقرة تتحدث عن "تحريم الحرب الهجومية" ،وليس هناك من دليل أشد سطوعاً على الطابع المسالم للدولة والمجتمع، من تثبيت هذه الفقرة في الدستور. التذكير والتنويه بها مفيد لا شك، في وقت تتعرض فيه الدولة: كياناً وسيادة وحدوداً لتخرصات من جانب جار مسلم. كان لتلك التفوهات "فضل" تجديد البحرانيين التمسك بعقدهم الوطني والاجتماعي في الدفاع عن وطنهم، وتجديد التضامن مع مملكة البحرين من لدن أشقاء وأصدقاء في العالم العربي والإسلامي والعالم بأسره .أثبتت البحرين من قبل ، بالإجراء الملموس لا بالتعهدات الدستورية فحسب نزعتها المسالمة ، حين احتكمت الى محكمة العدل الدولية في لاهاي، في النزاع على جُزر مع شقيقتها دولة قطر . البلدان الجاران ارتضيا بنتائج التحكيم مسبقا، وكان أن قضت المحكمة بتثبيت ملكية البحرين للجزر.الدستور البحريني جرى تعديل عليه مع انتقال النظام  السياسي الى الملكية ، وتتويج الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أول ملك للبلاد. التعديل تم اهتداء بمحددات تضمنها "الميثاق الوطني". الأردن شهد تجربة مماثلة ، فقد تمت دعوة ممثلين لتيارات فكرية وسياسية شتى ، لوضع ميثاق وطني. الميثاق أسس عام 1990 لاستئناف الحياة الديمقراطية والتعددية السياسية في البلاد. المأمول أن يستلهم البلدان من بعضهما بعضاً أفضل ما لدى البلد الشقيق. وفي إرشيف العلاقات الثنائية التاريخية بين المملكة الاردنية الهاشمية ومملكة البحرين، ما يعز على الحصر من أوجه التعاون في سائر المجالات وليس في مجال واحد بعينه. يستذكر كاتب هذه السطور أن عمًاً له( يوسف )  قد قصد البحرين مطلع الستينات، لتدريب أفراد موسيقات القوات المسلحة، وقد دأب أبناء العم اليافعين على الثناء على تلك البلاد وسجايا أهلها ،لكنهم صادفوا فيها أمراً محيراً لم يخبروه من قبل في بلاد الشام وهو: الرطوبة الوفيرة الفائضة عن الحاجة..!.يرنو الأردنيون بإعجاب الى تقدم مملكة البحرين " الصغيرة" ذات الانتاج النفطي غير العالي ، وحيث يُقبل أهلوها على مزاولة سائر المهن اليدوية والفنية بغير حرج، خلافاً لحال بعض أبناء دول شقيقة ( منها الأردن )، ويتجاور فيها الزي الوطني مع الزي العابر للقارات والثقافات( البنطلون)، وتتقارب رؤوس النساء المكشوفة للشمس والهواء الطلق ،مع المحجبات والمنقبات.مع هذا الإعجاب الممزوج بالفضول للتجربة البحرينية، ثمة قلق تشيعه أنباء متواترة تدفعها وكالات أنباء تتحدث بين آونة وأخرى عن أحداث متفرقة ذات مساس بالنسيج الاجتماعي، ووقائع معزولة يُراد بها المس بالنظام السياسي. في القناعة أن نضج النخب البحرينية في مختلف مواقعها وعلى تباين مشاربها، يحملها على الإدراك خير إدراك أن الديمقراطية تمثل أفضل إطار ناظم لتوطيد الوحدة الوطنية لا القفز عنها وعليها ، ولتظهير المشتركات الوطنية في دولة المواطنة لا النفخ في الفروق والهويات الفرعية، وذلك بتنظيم المنازعات تحت سقف القانون، وبأدوات ومنازع سلمية ترمي في البدء والختام لتعزيز السلم الأهلي ، كما لإغناء وتجديد الحياة السياسية، وتوطيد النظام السياسي الكافل للحقوق والحريات.*رئيس تحرير صحيفة "السجل" الأردنية.mdrimawi@yahoo.com     

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba