مدونة محمود الريماوي

« | »

ثنائية الحرب والسلم

ثنائية الحرب والسلم                محمود الريماوي*                                                  يعيش الرأي العام العربي منذ عقود من الزمن ،حالة من التيه ،و لم تفلح المنابر الإعلامية المتزايدة (فضائيات ومواقع إنترنت) سوى في زيادة حدة هذه الحالة. فالوعي العربي السائد تتجاذبه بل تتناهبه ميول متضاربة، فهناك الحاجة الى إبراء "الجرح القومي" وتجاوز الانكسار امام التحدي الاسرائيلي المدعوم أميركياً ، وهناك حاجة أخرى موازية للتنيمة والبناء والاستجابة للتحدي الحضاري ومواكبة العصر ،وعدم الانسياق الى مواجهات خاسرة تزيد الجرح إيلاماً وتحد من فرص التنمية .في القناعة أن المراوحة بين هذين المتطلبين ، تشكل باعثاً جوهريا لحالة الشقاء .. شقاء الوعي، علاوة على أن الانجذاب إلى أحد هذين المتطلبين، يعطل لغة الحوار بين النخب المثقفة والمتعلمة وأحياناً بين عامة الناس. وهو ما قد يفسر الجنوح المتمادي والسائد لهجاء الأوضاع العامة، وإعلان اليأس من كل شيء تقريباً. فهناك من يستهول الضعف في مواجهة الدولة العبرية وينعته بالتخاذل والاستسلام ، وهناك من يشقيه حال التخلف من أمية تعليمية وثقافية أو التوقف عند حداثة قشرية ،وهو ما يصل إلى مسامع السامع أينما توجه وحط به الرحال، في عواصم ومدن المشرق والمغرب العربين في المؤتمرات والمنتديات ، كما في المقاهي والمجمعات التجارية وأوساط الشبان، علاوة على ما تبثه الفضائيات من أحاديث وتعليقات مرسلة، وما تفيض به الشبكة العنكبوتية، من أخبار وبيانات وكتابات. وفي واقع الأمرأان الثنائيات السابقة عن الأصالة والمعاصرة ، التراث والتحديث ، الانتساب للعصر وإعلاء شأن الهوية القومية ، تجد  في ثنائية التحديات الداخلية والخارجية أفضل وأوضح تجسيد لها. فلم تعد المسألة تتعلق بمجرد اجتهادات ووصفات للتقدم ، وليست مجرد خلافات ذهنية ونظرية بين مدارس وتيارات فكرية ،بل باتت تتعلق بتلبية الحاجة للشعور بالكرامة  أمام عدو متغول من جهة ، وللثقة بالذات الحضارية من جهة ثانية أمام بشعوب ومجتمعات أخرى، تقدمت علينا بأشواط في نصف القرن الماضي، وكانت متخلفة عنا من قبل بأشواط ( نموذج الدول الآسيوية مثلاً) .الذي حدث ويحدث، هو غياب المزاوجة بين المتطلبين لدى من يؤمن بجدارتهما وأهميتهما معاً. ليس الجمع بين ارادة المواجهة والعزيمة على التنمية الشاملة بالأمر الميسور حقاً. فذلك يعني في ظاهر الأمرالانغماس في وضعين متباينين أحدهما ذو صلة بالمقاطعة والممانعة، والآخر ينصرف الى البناء والتنمية في حال أقرب الى الاسترخاء. غير ان هذه القسمة الثانئية خادعة ، ولعلها في أساس التخبط الذي نعيش فيه على مستوى الوعي.وعدونا نفسه في نمودج دولته ومجتمعه يفند هذه القسمة . فقد انصرف الى البناء الداخلي وتوطيد الأركان القانونية والسياسية لدولته، دون التخلي عن الخيار العسكري.الديمقراطية الداخلية لليهود ودولة القانون، لا تتعطل مع الاستعداد للحروب ودوام خوضها ،وكذلك لا تتعطل صناعة البرمجيات الالكترونية وصقل الألماس وتصدير الزهور فضلاً عن صناعة وتصدير المعدات الحربية حتى للصين.ليس مطلوباً أن تتجند دولنا للحرب أو أن تخوضها، بل أن تتمتع بميزات دفاعية ، وأن تتمسك بالحق في مواجهة سياسية ودبلوماسية وثقافية وإعلامية. وقد يعذرالمرء من يخوضوا القتال إذا أخفقوا فيه أمام عدو متفوق ، لكن الإخفاق في المقاومة السلمية يصعب التماس أعذار له. كما يتعذر خلال ذلك وبموازاته تقبل الفشل في تحقيق تنمية متوازنة وشاملة، وعدم استثمار الموارد الطبيعية والبشرية على الوجه الأمثل.وإذ يسود الاعتقاد أن العرب أخفقوا في منازلة عدوهم في ساحات المواجهة، وما زلنا نعاني من آثار حرب حزيران 1967 ، فقد صادفنا بعدئذ إخفاق آخر إذ لم نُحسن المواجهة السلمية بأسلحة المقاطعة والممانعة والمواجهة الثقافية والقانونية.أي أننا خسرنا الحرب والسلم.ومن يُمنى بمثل هذه الخسارات لا يعود مستغرباً أن لا يبلغ الأهداف المرجوة في معركة التقدم والتحديث. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"

تعليقات

Comment Icon

خسرنا رواية ( الحرب والسلام)
حسرنا واقه الحرب والسلام
..
واقع مرير
قبل قليل عساف الشوبكي يتحدث ببرنامج عن معركة الكرامة يذكر الابطال متجاوزا اسم قامة بحجم مشهور حديثة قائد المعركة لان ثمة اعلام رسمي يريد ذلك
..كارثة بكل المقاييس..

Arrow Icon سلام نعمات | 22/03/2009, 17:24 [الرد]

Comment Icon

شكرا لتغليق سلام

Arrow Icon محمود الريماوي | 22/03/2009, 17:38 [الرد]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba