مدونة محمود الريماوي

« | »

الإعمار السياسي أيضاً

الإعمار السياسي أيضاًمحمود الريماوي*                                                                       إعمار قطاع غزة لم يبدأ بعد ، باستثناء الجهد البشري لسواعد أبنائها في رفع الأنقاض وإزالة الركام وإصلاح ما يمكن إصلاحه.حتى الساعة ترفض السلطة الباغية التي هدمت القطاع على رؤوس أبنائه إدخال مواد بناء، فتسمح فقط بمرور الأغذية والمواد الطبية. إذ لا مانع لسلطة الاحتلال أن يعكف الآخرون على مداواة الجروح التي تسببت بها، والحد من الضائقة المعيشية التي صنعتها، ما دام يتاح لها معاودة الكرة متى شاءت دون من يردعها أو يوقفها.تبلغ الصلافة بعدئذ درجة تمنح فيها تل ابيب ل"نفسها" حق التدخل في وجهة الإعمار ومن يتولون الإعمار. الهدم لا قيود عليه، أما إعادة البناء فمرهونة بموافقة الجناة.في الأثناء لايرتفع صوت مسؤول في الشرق والغرب، يلقي على عاتق المعتدي مسؤولية إزالة آثار عدوانه،ولا يبادر أحد لحمل الدولة العبرية على أداء تعويضات. فمن حق هذه الدولة المارقة الهدم والتقويض، ومن واجب بقية دول العالم النهوض بعبء الإصلاح والإعمار، والخضوع خلال ذلك لاشتراطات وتوجيهات المعتدي.لقد أسهمت الصلافة الإسرائيلية الاستثنائية، في رسم مشهد كئيب، تم فيه طرح القيم الكونية جانباً ومنها قيم حقوق الانسان والشعوب وأحكام القانون الدولي والعقلانية وحق الحياة.والأسوأ من ذلك هو الخضوع المتزايد للابتزاز الاسرائيلي في الغرب.. مع الأخذ في الاعتبار أن الرأي العام هناك، أخذ ينظر للدولة العبرية من منظور جديد، وغير سياسي بالمعنى الحرفي للسياسة.. يرى من خلالها هذه الدولة كنموذج لا مثيل له في الديمقراطيات، وذلك لفرط توحش هذه الدولة،  ولما تتسسم به عنصريتها الظاهرة من سعار عقائدي.المأمول أن لا تتم  إعادة تعويم مجرمي الحرب، باستقبالهم مجدداً في عواصم عربية، بداعي تحريك " عملية السلام ". إذ أن هذا التحريك يملي في هذه الظروف على الأقل، نبذ الجناة القتلة، وبث رسالة بهدا المعنى إلى المجتمع الاسرائيلي. ذلك أن مجرمي الحرب لا يحسبون في النتيجة حساباً، سوى  لأصوات الناخبين الذين يضمنون لهم الوصول الى مقاعد صنع القرار، أو يحرمونهم منها. وإذ يقتضي البدء بإعمار القطاع المنكوب، جهداً خارقاً لفتح المعابر ورفع الحصار، وكف يد التدخلات الاسرائيلية، فذلك يتطلب بموازة ذلك، الشروع في إعمار من نوع آخر، يقع على عاتق أبناء القضية، وقد يصح وصفه في هذا المقام بالإعمار" السياسي".لقد أراد العدو بين ما أراده في حربه القذرة ،إضافة الى حملة الإبادة والتدمير المادي، أن يشتت وحدة الشعب والأرض والمؤسسات ، وجماع الكيان السياسي والمعنوي والقانوني، وتقتضي أبسط الواجبات الاستجابة لهذا التحدي،بالتماس أسباب التشارك إن عز التوحد . علماً أن الدفاع الباسل عن القطاع قد شهد توحداً ميدانياً، لم تستطع أية قيادات أن تقترح بديلاً له او ان يزعم أحد كائنا من يكون، أن التوحد لا ضرورة له، وأن هناك بندقية أكثر وطنية من بندقية أخرى في ميدان التصدي للغزاة الطغاة .لكن أصواتاً بعد وقف إطلاق النار، وقف اصحابها فوق الركام وارتفعت أصواتهم مثل نعيق بوم فوق الخرائب، تنكر الحاجة للتوحد وتدعو لاستئناف التنازع على الفور، ويقوم من ليسوا بأطباء بفحص الدم الوطني لهذا الفريق أو ذاك، واعتبارالمشاركة والمصالحة رجس من عمل الشيطان، ويجري تزيين هذا الارتداد على أنه استثمارسياسي..استثمار في آلاف العائلات الثكلى ، وآلاف البيوت المهدمة، وما لايمكن إحصاؤه من جراح ومرارات البشر، لبلوغ مكسب فئوي.في الحملة الشاقة والنبيلة لإعمارالقطاع وإعادة بناء ما هدمته آلة القتل الاسرائيلية، لا بد من الشروع في إعمارسياسي وأخلاقي يحتكم الى المصلحة الوطنية العليا، ويتم فيه الإصغاء لأصوات المكلومين وسائر مكونات الشعب الواحد في الوطن الواحد، لا لكبار المتفرجين في الخارج، وذلك لقطع الطريق على العدو، وإفشال أهدافه التي يدركها أطفال بيت لاهيا وجنين..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"   

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba