« |
»
25 كانون ثاني, 2009
سأكون بين اللوز
"سأكون بين اللوز ": الأفعى القاتلة تزغرد محمود الريماوي* يحمل عنوان "سأكون بين اللوز " وصية ووعداً، وتعيين مكان لموعد "مضروب" . شريك الموعد لا تعيين له ،ويسع القارىء التكهن باحتمالات مبثوثة في الكتاب، ومنها أن يكون الموعد معقوداً مع قارىء كتاب حسين البرغوثي، القارىء المحهول الذي يجد نفسه شريكاً ومتلقياً وصديقاً لكاتب يتلو سطور كتابه الأخير سطراً تلو سطر، بتدفق لكن بصفاء.. باستعجال لكن بثبات وتمكن من مادته وموضوعه . بالحفاظ على انثيال وتسلسل المعاني وما يحف بها من ظلال ، والتمتع خلال ذلك بأداء مرهف ينحو نحو مواطن الشعر دون التضحية بقوة النثر .يفرغ القارىء من قراءة الكتاب ويكون قد تبلغ جيداً الوصية، بمحمولاتها الإنسانية والعاطفية والأخلاقية.صدر الكتاب في العام 2004 بعد زهاء عامين على الرحيل المأساوي لمؤلفه . كان مصاباً بسرطان الغدد اللمفاوية ، وعرقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وصول أدوية له عبر جسر الملك حسين .ليس ذلك بجديد على احتلال دأب على استهداف سيارات الإسعاف، وترك المصابين ينزفون حتى الموت على الأرصفة. البرغوثي لم يكن من نشطاء الإنتفاضة الأولى أو الثانية .كان من الفاعلين المميزين في الحقل الإبداعي والثقافي.وقد لفت الانتباه إليه بقوة لدى إصدار روايته "الضوء الأزرق" التي سرد فيها جوانب من يوميات طالب عربي في الولايات المتحدة ،يعيش فضولاً معرفياً وتشردا روحياً ، وينسج علاقات مع أشخاص واقعيين لكنهم غريبو الأطوار مولعون بالماورائيات. وبجمعه بين الكتابة شبه التسجيلية وبين الموضوع الميتافيزيقي، فقد انشأ مفارقة درامية باهرة أسندتها لغة مشعة وموهبة أصيلة."سأكون بين اللوز" كتب كسيرة ذاتية مباشرة . لا يسرد يوميات ووقائع بالمعنى الحرفي فقط ، بل يتقصى مشاعره وذكرياته وأخيلته انطلاقاً من المكان الأول وبالرجوع إليه .ويستحضر أشخاصاً وأحداثاً وأماكن بما يجعل الكتاب مفعما بأجواء روائية.تحت وطأة مرض لا يرحم يعود المؤلف السارد إلى ينابيعه الأولى :طفولته، وبدلاً من التوقف عند استرجاع ذكرياته، يقرر العودة طفلاً :إلى الطفل الذي كانه وما زال قابعاً وحياً في أعطافه، من أجل استعادة القوة الأصلية التي امتلكها، والتي امتلك من خلالها المكان واتحد بالطبيعة كابن بار لها وشقيق لسائر كائناتها ومكوناتها من جبال ،وديان ،أشجار ،نباتات ،ينابيع ،غيوم ،سماء ،نجوم ، ريح ، تراب ، حيوانات ،طيور ،حشرات ،حجارة وأصوات .يعود السارد ممتلئا بشعور من ارتكب خيانة بالابتعاد عن موطنه في ريف رام الله ،وبرغبة صريحة في التماس علاج "روحي" وما هو أبعد منه: باستئناف ما ابتدأ به ، والتخفف من أية انشغالات ومغريات بالابتعاد.لقد أعاده المرض حقاً وبصورة مباشرة إلى موطنه، غير أن اليقظة المتجددة للمكان وأهله وأساطيره وأسراره في دخيلته، هي ما قادت خطاه. بذلك فقد رغب في تجديد ولادته أو مضاعفة ما تبقى لجسده من طاقة ، ولم ينزع لموت رحيم .ومع قناعته بأن الذواء يتربص به كل لحظة ، إلا أنه ينزع للانتشار والتحلل وحتى الحلول في الطبيعة ، وهو ما جعل هذا النص الساحر مفعماً بإشارات تأملية عميقة وإحالات ثقافية جمة، جنباً إلى جنب مع سريان كهرباء الشعر في مفاصل النص.واللطيف أن التأملات تتدفق بالتلازم مع تغلغله في الجبال الخضراء،وكمن ينقل وصفاً حياً "من موقع الحدث" .علاوة على ما يزخر به الكتاب من طرافة تمنح المأساة بعداً عبثياً لكنها في الوقت نفسه شديد الواقعية.في استعادة مقاطع من طفولته لم يُعن السارد ،بالإضاءة على جوانب اقتصادية واجتماعية في حياة الريف، ولم يتقص حتى أحوالاً سياسية أو مأثورات قيمية ،بل اتجه على التو إلى مساءلة روح المكان : الجبل ، الدير الجواني ، الينابيع ومنها "نبع القتيلة" حيث سبح السارد طفلاً في بحيرة صغيرة من الدمع. ثم تجديد الحوار مع عائلته الأولى: الأم الغريبة وعمها قدورة والراعي علي وكايد .البعد الأسطوري أو فوق الواقعي هو ما يشغل السارد ،ويشحنه بقوة إعادة الاكتشاف، لدرجة يمشي معها في الواحدة ليلا منفرداً عبر شعاب الجبال. ناسه الأولون قضوا ولا يجد صعوبة في "استحضار" أرواحهم.. ليس بتنويم مغناطيسي بل باستنشاق عبق أنفاسهم الباقية والمبثوثة في جنبات المكان .وليس ذلك بمستغرب، في ريف لم يكن أهله يقيمون فاصلاً بينهم وبين مفردات وظواهر الطبيعة .يتعذر تلخيص كتاب منحاه شعري كهذا الكتاب الفريد، الذي يتعدى مساجلة المحتلين الغرباء الذين يطفون على المكان ويبنون قلاعاً مسلحة مغلقة وبأنوار نيون كاشفة .ويعملون ما وسعهم الجهد على تخريب مظاهر الطبيعة بإحراق جبال من الزيتون ،وكانوا عمدوا إلى اقتلاع الآلاف منها بصورة منهجية، وهي التي تنطق بتجذر الفلسطينيين في أرضهم وب"مد الزيتون في الزيت" وبتقديس الفلسطينيين للزيت. قلما يتطرق البرغوثي للمحتلين القابعين في الهوامش المسلحة .هامشيتهم تجد ما يعادلها في إقصاء الكاتب لهم عن دائرة اهتمامه . وبدلاً من التغني بالوطنيات التقليدية ، فإن المؤلف يبرع في إضاءة علاقته الروحية العميقة بمكانه ، بجمالياته والاستجابة المتجددة لاكتشاف ما تزخر به الطبيعة، فابن المكان ينجح متأخراً في الإصغاء لصوت حيوان صغير غريب يدعى الغريري، ويحظى بزيارة ودية من ثعالب الى مصطبة بيته، ويلتقي ليلاً مع خنزير بري وجهاً لوجه. خنزير ضل طريقه ويتبعه ابن صغير له ، يتواجهان بلا أذى يلحق بهما ، ويدرك السارد في هذا الموقف أن كل هم الخنزير كان حماية صغيره ، تماما كما خشي السارد على ابنه آثر الذي كان نائما على مبعدة أمتار في البيت .ويختلط الراوي بقطة تمشي بين ساقيه وتوجه له نداءات خفية . يبث الكاتب في مواضع مختلفة حالات من علاقته بطفله آثر ومنها في الأساس أنه سمع هاتفا غامض المصدر، يهتف له أن يطلق عليه هذا الاسم "الغريب" وقد استجاب للنداء ،وكثيرا ما رأى صورته في ابنه (4سنوات) وكم لاحظ أن الطفل يفكر بما يفكر به هو الأب . الاستمرارية والتناسخ هي شرفة يطل منها السارد على علاقته بالمكان وأهله. أما مواجهة محنة المرض فتتواكب مع رحلة المؤلف الأخيرة في ثنايا المكان .وفيما الموت يقترب ،يزداد اقتراب السارد من مواطن السحر في بيئته ،بعدما عاد طفلا محملا بمخزون من المعرفة ومن السياحة السابقة في بلاد الله الواسعة .وينجح في المصالحة بين العقل والبراءة ، بين النظر الذهني والإصغاء لنداءات الدهشة ، والاستسلام لغواية الجمال "الجمال لا ينقذ العالم لكن من الواجب إنقاذ الجمال في العالم" . ينقل المؤلف عن قائل مجهول. والجمال مهدد بداهة باحتلال غشوم، لا ينفك يزين فظائعه على أنها منجزات ممتازة .في الصفحات الأولى من الكتاب ، يتحدث السارد عن قدورة عم أمه الذي تبناها يتيمة . قدورة يتحذ من الدير الجواني "مقراً " له ، وهو واحد من آلاف الكهوف الواسعة الرومانية الأصل .عرف الرجل بشجاعته وحياته البرية كمزارع .لا ينال منه أحد سوى أفعى تلدغه ذات يوم في قدمه وتنطلق مزغردة . يقال في مرويات الريفيين أن تلك الأفعى ذات أجنحة وتطير. غير بعيد عن دير غسانة قرية المؤلف، هناك مستوطنة في منطقة النبي صالح على بعد خمس كيلومترات. مستوطنة أمر واقع أقيمت ككل المستوطنات بالسطوة المسلحة تدعى حلميش.المستوطنون الغزاة يطلقون أضواء النيون من القلعة ،ويبثون خليطاً من الموسيقى تتردد أصداؤها الزاعقة في الوديان . هؤلاء الغرباء المغامرون ضد حقوق وممتلكات غيرهم ، يزغردون على طريقتهم .الدولة الاسرائيلية برمتها تزغرد هذه الأيام، بمناسبة مضي ستة عقود من الاستيلاء على وطن شعب آخر، والسعي المحموم لتدمير تراثه وسرقة مأثوراته .مات قدورة وجاء نسل من بعده، يحفظون ميراثه ويزداد تعلقهم بأرض الأجداد. من بينهم حسين المؤلف ثم طفله آثر الذي يتدرب برفقة والده الذي كان يناديه باسمه المجرد : حسين ، على استئناف ما بدأه الوالد من الاتصال بالأرض والغيوم والتجسير بينهما.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات