« |
»
22 كانون ثاني, 2009
عودة الى المربع الاول
عودة الى المربع الأول محمود الريماوي*مع الحرب الوحشية التي شنتها على قطاع غزة المحاصر والغارق في الفقر، تبدو الدولة العبرية في أنظار القطاع العريض من الرأي العام العربي والاسلامي، ونسبة متزايدة من الرأي العام العالمي، وكأن صورتها عادت الى البدايات، الى ماقبل ستين عاماً. حين قامت على أنقاض شعب آخر، وحين رقص المستوطنون وأفراد العصابات الصهيونية على جثث المدنيين العزل. لقد تضاعفت القوة العسكرية والاقتصادية لهذه الدولة،طيلة تلك الفترة، وأمكنها انتزاع اعتراف دول عديدة بها منها دول عربية وإسلامية ،لكن هذه الدولة لم تتقدم خطوة واحدة على طريق مصالحة تاريخية مع ضحاياها ،بما يمنحها الحد الأدنى من الغطاء الأخلاقي.خلافا لذلك مارست نهجاً مديداً من التنكيل السياسي والمادي بالضحايا، وبذلت كل ما تملك يمينها لتصفية قضيتهم، فلما أعيتها الحيلة عن بلوغ أهدافها المريضة ، لجأت الى سياسة الاستئصال العرقي وهدم البيوت ( أكثر من ثلاثة آلاف بيت تم هدمها في الضفة الغربية قبل الحرب الأخيرة على غزة). واستهدفت بعدئذ الطبيعة باقتلاع الأشجار، حيث اقتلعت نحو 25 ألف شجرة زيتون.واقع الأمر أنه تم اعتماد نهج التطهير العرقي في الحقبة الأخيرة منذ مطلع العام 2001 وهي سياسة سنًها شارون الذاهب في غيبوبته، وبلغت إحدى ذراها في الحصار المديد لمقر الراحل عرفات وصولاً الى تسميمه.جنون الغطرسة وعبادة القوة أفضى بالكيان الاسرائيلي، الى هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي وعمي البصيرة السياسية ، حيث يبدو هذا الكيان وقد عاد الى نقطة البدء فاقداً للشرعية، دخيلاً على المنطقة وشعوبها، يمارس الجريمة الرسمية المنظمة، ويقدم دروساً في فنون الإرهاب لمن يشاء، ينشىء نظاماً عنصرياً متوحشاً لا يقيم وزناً لحياة وكرامة كل من هو غير يهودي، ينتشي بقتل الأطفال والأمهات، ويجرب على هؤلاء أسلحة فتاكة محرمة، بعد ترويعهم وتجويعهم. يستهدف سيارات الإسعاف، ويتعمد ترك الجرحى ينزفون حتى الموت على قارعة الطريق.تحرك الشوارع العربية من المحيط الى الخليج، وعودة التفاعل العفوي والحار مع قضية فلسطين، يعيد الى الأذهان مظاهر مماثلة في العقود الماضية ، بعضها جرى عقب نكبة العام 1948 حين استيقظ الرأي العام العربي على جريمة العصرفي اقتلاع شعب من أرضه، وإحلال مستوطنين من شتى انحاء المعمورة محله. لقد عادت الدولة العبرية لعهدها الأول ، للخطيئة الأصلية: جنود يمتهنون القتل لا القتال، وجمهور يتغذى على التهام الجثث، وهو ما يفسر أن اقتراف فظائع كهذه يشق الطريق، إلى كسب قلوب الناخبين الاسرائيليين واجتذاب تأييدهم، كما تٌجمع على ذلك تقاريرأجنبية وحتى اسرائيلية حول الانتخابات المرتقبة في العاشر من شباط المقبل ، حيث تحسنت حظوظ تسيبي ليفني( كاديما) وباراك ( حزب العمل)، بعد ان أبلى كل منهما بالفتك بالأحياء وبمظاهرالحياة في غزة المكلومة. في قناعة المرء أن هذه الحرب القذرة ( الأكثر جبناً كما سماها محقاً عزمي بشارة)، سوف تترك تداعيات سياسية ذات شأن ،قد يكون من المبكر الخوض فيها.غير أن الثابت هو أن هوة عميقة سياسية وسكولوجية وذهنية، باتت تفصل الرأي العام العربي والإسلامي وكل أنصار العدل والسلام والإنسانية في عالمنا، عن الدولة الصهيونية في نظامها الحالي ورؤاها الأيديولوجية والأهم من ذلك في سلوكها البربري الممنهج والقديم العهد.تبعاً لهذا التطور الناشىء، فإن لنا أن نترقب تداعيات منها تآكل المشروع السلمي فوق ما هو عليه من تآكل ، والتماس مقاربات للضغط المنظم طويل المدى على الدولة العبرية ومقاطعتها ونبذها، وصولاً الى تصحيح تاريخي للمظالم ومعاقبة الجناة الكثر،لعل ذلك يفيد في تخليص الإسرائيلين من شرور أنفسهم ، وفي منح العدالة فرصة طال انتظارها.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات