« |
»
24 كانون اول, 2008
فن السعادة عند المصريين
فن السعادة عند المصريينمحمود الريماوي*يصف دارسون مصريون ،أبناء جلدتهم المصريين بأوصاف شتى منها القدرية والصبر والترابط والكسل وطاعة الحاكمين والانفجارات الاجتماعية التي تتلو حقب الهدوء بما يضاهي فيضان النيل، وسوى ذلك من تحليلات. بعيداً عن هذه التشخيصات فإن مقارنة حال المصريين بسواهم من شعوب عربية تدلل على أن ابناء الكنانة هم في غالبيتهم وفي كثرتهم ضعيفو الحال امام وطأة الظروف الاقتصادية ، غير أنهم في تقدير الكاتب من اقل شعوب المنطقة تعاسة ،إن لم يكونوا الأكثر إقبالا على الحياة وشعوراً بسعادة نسبية .في وحدته يبدو المصري "العادي" في القاهرة ساهماً واجماً، لكنه مع اول احتكاك بشري بالآخرين، يسارع لكشف الجانب الأصيل فيه المحب للحياة وللتواصل البشري.ويبدو على اهبة الاستعداد للفرح والسعادة . ربما كان ما تقدم مجرد انطباع لا يُعول عليه "علمياً" .غير أن هناك معايير لعلها تصلح علمياً لقياس السعادة. منها التمسك بحق الاستمتاع بأوقات الفراغ. المصريون ينتشرون بكثافة في الحدائق والشوارع وعلى الجسور(الكباري). في المقاهي وفي دور السينما والمسارح والملاعب.الشوارع الفرعية تحولت في السنوات الاخيرة الى مقاه تحتشد برواد من مختلف الأعمار ومن الجنسين . ظاهرة السهر ذات نتائج سلبية على العمل والانتاج والصحةالعامة ، لكنها تعكس من جانب آخرالتعلق بالحياة .. وحق الاستمتاع باليوم الى نهايته.علاوة على أن عامل المناخ الحار في النهار، يدفع لتمضية وقت الفراغ ليلاً في جو أقل قسوة .لنلاحظ كيف أننا في عمان ومنذ نحو عقدين من الزمن، تراجعت لدينا قيمة وحق التمتع بوقت الفراغ، وبات قاصراً على الذكور الشبان دون سواهم. من المقاييس الأخرى: التواصل الاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع، في فضاء اجتماعي مفتوح لا يورث شريحة ما شعوراً بالعزلة والتهميش، ما ينعكس على طابع المجتمع ككل ، رغم وجود فوارق وحواجز طبقية ظاهرة وتفعل فعلها .حتى أن المجتمع حافظ على نسيجه المرن( على فتحات التهوية الواسعة ) مع التدين المتزايد ، وهكذا فالنساء المحجبات مثلا حاضرات في الأسواق والمقاهي والأنشطة الفنية، فضلاً عن أماكن العمل بالطبع، جنباً الى جنب مع الرجل في ساعات النهار كما في ساعات الليل المتأخرة أحياناً.ثمة ميزة أخرى يتمتع بها المصريون وتبعد عنهم التعاسة، وهي إقبالهم على البوح و"الفضفضة" ، بما في ذلك الأطفال حديثو النطق. يكثرون من الكلام ، أجل ،حتى أن شاعراً لبنانياً وصف الشارع المصري بأنه "طاحونة كلام"، غير أن هذا الإكثار يظل أفضل من الانطواء الشديد وحواجز التعبيرمما يميز شعوباً وجماعات أخرى لا أفراداً فحسب.المصريون من مختلف الأعمار ومن الجنسين ،يكثرون من التواصل والتباسط ما بينهم في حالات البهجة والكآبة كما في حالات الضجر، ما ينأى بهم عن الاحتقان النفسي والذهني، ويشق مسارب للتسرية والسلوى وتعميق التواصل مع الآخرين، والشعور بشبكة أمان يوفرها هؤلاء لبعضهم بعضاً.ربما كان ذلك ما يميز الشعوب"القديمة" التي تسري فيها الروح الجماعية،ما يحد من منسوب القلق، لكن تمدن المجتمع وتشبثه بحد أدنى من الحداثة رغم قسوة الظروف، يسهم أيضاً في شعور المصريين بحرية داخلية تقترن بالإقبال الملحوظ على الحياة.*رئيس تحرير صحيفة السجل"
تعليقات