« |
»
12 كانون اول, 2008
العيد المفقود!
العيد المفقود!محمود الريماوي*بماذا يمكن وصف شعور إمرىء مسلمٍ ما، إزاء مناسبة العيد التي تهل بعد يومين او ثلاثة أيام؟ .الجواب: إنه الشعور بالحرج. فالعيد يثير الرغبة بالانشراح والمسرة، والانعتاق من التيبس والجمود، وطرح الكآبة والملالة جانباً، بأن يعيش المرء يومه كما يروق له أن يعيشه، بلا قيود.. أو بأقل القليل منها إذا كان لا مفر منها!.يتحدث المرء هنا عن الراشدين،لا عن الأطفال والفتيان فهؤلاء يحتفلون حقاً بالعيد مهما ضاقت الأحوال بهم وتعسرت عليهم وعلى ذويهم، فهم بحكم براءتهم وبداهتهم منذورون للفرح والتحررمن القيود، ولا يملك أحد من الكبار حرمانهم من الانطلاق بما يتيسر لهم من سبل بريئة للانعتاق، فالعيد يكمن في دخيلة كل منهم ..في فطرته وتفتحه على أعطية الحياة ،وأشواقهم للبهجة لا تحدها حدود.الراشدون من رجال ونساء خلاف ذلك ،تستوي قاماتهم ويشتد عودهم في غمرة التخلي التدريجي ( ببطء لكن بثبات..) عن البراءة والفطرة إلا من رحم ربي منهم. يغدو الفرح قريناً للخفة والعبث.ويصبح إطلاق النفس على سجيتها، مثاراً لشبهة الخروج عن سنن الجماعة وأعرافها .أما ضبط النفس وامتلاك قيادها، فلا يستقيم إلا باستدعاء مزيد من القيود تضاف الى المواضعات السائدة ،وبعضها طيب وحميد وبعضها الآخر مجرد عادات وضغوط.لا يعرف الكبار العيد .فالمناسبة لديهم مجرد أداء واجبات نحو صلة الرحم ..وكأن العيد هو الفرصة الوحيدة للتواصل مع الأهل والأقربين، وبما أنها باتت بالفعل مناسبة شبه وحيدة للتراحم، فإنه يتم الوفاء دفعة واحدة بديون معنوية متراكمة في هذه المناسبة، ما يثقل كاهل صاحب أداء الواجب في العيد.لسبب أو لآخر يفتقد الكبار في ديارنا العربية افتقاداً شبه تام لطقوس الاحتفال بالعيد.حتى وقع عليهم الحرمان من هذه البهجة..ومن المفارقة انهم هم بأنفسهم، من صاغوا وأرسوا ذلك الحرمان، ومع ذلك يتبرمون ويتنهدون بصمت مما جنته أيديهم ، إذ يتحول العيد الى أداء سلسلة من واجبات رتيبة متلاحقة، مع تحمل ما يطاق وما لايطاق من أعباء.هذا إذا استبعد المرء ،ما تلقيه الأحوال العامة للأمة والظروف الاقتصادية الصعبة من ظلال كامدة على النفس والوجدان، فالخوض في هذا الأمر ذو شجون، ويفيض عن غاية هذه المقالة، التي ترمي للتأشير على غياب مفردات الفرح، في معهود حياتنا بما في ذلك في الأعياد السعيدة .. حيث نجهد ونجتهد لنزع السعادة منها، وإلقائها في جوف الرتابة والتكرار،ولا مراء أننا أفلحنا في مسعانا هذا، لدرجة بات أحدنا يخشى أن يلحظه أحد، وقد أعطى نفسه حقها وبدا منشرح الأسارير حتى في مناسبة العيد ، مخافة أن يظن به الملاحظون الظنون. لا يدور الحديث هنا عن سوانح مقتطعة، يبدو فيها المرء باسم المحيا يتبادل الضحك مثلا مع غيره في ساعة أو بعض ساعة من نهاره أو ليله، فالمقصود هو المزاج الذي يسمح لصاحبه بأخذ الحياة أخذاً هيناً كما يأخذها في غالب الأوقات بمسؤولية عالية، والذهنية التي تجيزمعرفة مواطن المسرات في النفس وتسعى لالتماسها، ونمط الحياة الذي لا يُحرم إطلاق النفس على سجيتها. ولأن المرء مهما نأت به دنياه وأحواله عن دخيلة ذاته وينابيع روحه، فإنه لا ينقطع عنها الانقطاع كله..لأنه كذلك ، فإن مناسبة العيد تأتي كي تثير وتعيد التذكير، بتلك الرغبة الدفينة لكن الموؤدة في البهجة والاحتفال، ومع العجز عن ابتعاث تلك الرغبة وإطلاقها، تحت وطأة موروثات اجتماعية "حديدية "، فلا يملك صاحبنا عندها سوى الشعوربالحرج أمام نفسه ومنها. فالحياة تفتح يديها له .. لكنه يقف أمامها واجماً مكتوف الأيدي، لا يملك سوى تبادل التهاني الروتينية وصناعة الابتسامات ،متيقناً دون أن يجهر بذلك أن للعيد معنى آخر ومفقوداً..*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات