مدونة محمود الريماوي

« | »

ليس باسمنا

ليس باسمنا                                            محمود الريماوي*ليلة الأربعاء ـ الخميس(26،27 نوفمبرالجاري) ،وجدت الفضائيات ضالتها في خبر عاجل وحدث دراماتيكي، يسد غياب أخبار ذات شأن تلك الليلة، فتابعت بالصورة والصوت هجمات على فنادق قي بومباي.كان المشهد الأكثر ثباتاً هو انبعاث دخان من واجهة فندق مزين بزخارف على الطريقة الهمندية التقليدية، ومحاولة رجال المطافىء إخماد ما تبقى من ألسنة اللهب في الداخل. لا يتعلق الأمر بحريق اندلع في أحد طبقات أو جوانب فندق ما في بلد ما، ولا بهزة أصابت منطقة آسيوية، ولم يكن الأمر من قبيل شريط سينمائي او مسلسل تلفزيوني، بل يتعلق بهجمات مسلحة على منشآت مدنية، وقد طاولت الهجمات العشوائية بالقنابل والرصاص الحي رواد مطاعم و مسافري محطة خطوط سكة حديد . أسوأ ما في الأمر بالنسبة لنا في المنطقة العربية، أن المرء ليس بحاجة لفراسة قوية، كي يتوقع قيام متطرفين ينتحلون اسم الإسلام ويتشدقون به، بما قاموا به. الجديد المنتظر هو اسم جماعة جديدة "تنبنى مسؤوليتها" ويضاف اسمها إلى الأرشيف أو الملف.الإسم "مجاهدي الديكان". غرابة الاسم لا تستوقف أحداً مقارنة بغرابة ومأساوية ما حدث.الخلافات السياسية الحدودية بين الهند والباكستان (التنازع حول إقليم كشمير)،يتم إلباسها لبوساً دينياً ،خاصة من طرف بعض جماعات الباكستان المنفصلة والمستقلة عن الهند قبل نحو ستة عقود. ومع التسليم بحق الناس في النظر للأمور العامة من المنظور الذي يرتأونه، فإن رفع راية الدين ، لا يسوغ فعل ما يشاؤونه لمجرد أنهم يرفعون هذه الراية. قيل هذا القول وتردد، وجرى التعبيرعنه بشتى الطرق وفي سائر المنابر آلاف المرات،ومع ذلك يتواصل ارتكاب مثل هذه الفظائع ، ونسبتها من طرف مرتكبيها للإسلام وللمسلمين.بما يضع ألغاماً جديدة في طريق التقريب بين الشعوب والثقافات، ويضع المسلمين مرة تلو أخرى، في موقف دفاعي ووضع اعتذاري، ويشوش بصورة مفزعة على دفاعهم عن قضاياهم العادلة .من واجب كل فرد في المجتمعات المسلمة، أن يجهر مجدداً أمام هذه الموبقات: ليس باسمنا. ليس باسم الدين الحنيف الذي ننتسب إليه.بين الهند والعالميين العربي والاسلامي، علاقات تاريخية وجوار جغرافي وتفاعل حضاري،ويقترن مسمى "الشرق" بالهند كما العالم العربي والاسلامي. مرتكبو حفلة الجنون الدموي في بومباي هم كما تتواتر الأنباء من الهند نفسها، أو أن لهم صلات بجوارهم الباكستاني وما هو  أبعد منها. غير أن ما حدث يمسنا في الصميم.لأن الهند وشعبها بلد صديق على مر الأزمان .ولأن الفعلة يزعمون صفة إسلامية جهادية لهم، تجمعهم حُكماً بغيرهم من المسلمين ونحن منهم.وإذ تقع مثل هذه الجرائم في بلدان ومجتمعات غير مسلمة، فإن الأذى المعنوي الذي يلحق بالمسلمين، لا يقل عن الأذى المادي (الفعلي) الذي يصيب غيرهم.علاوة على أن بلداناً إسلامية عدة وقعت مراراً وتكراراً في دائرة الاستهداف.فهل هناك أسوأ من أن يوضع مئات الملايين من المسملين وفيهم العرب، موضع شبهات ومحط تضييقات، استناداً لتلك الكبائر المتكررة والعشوائية والمتعاظمة، بحق مدنيين ومرافق مدنية هنا وهناك في أرجاء المعمورة. لقد خاضت الشعوب العربية والمسلمة من قبل، معارك الاستقلال والحرية ضد المستعمرين،ولم يسجل تاريخنا استهدافاً أعمى للمدنيين وخاصة خارج أرض الصراع. بما يجعل من موجات التطرف هذه تبدو نشازاً ثقيلاً وسلوكا دخيلاً، على الإرث التحرري والوطني وتالياً الثقافي.للفظائع التي ارتكبت في الهند ظروفها ودعاويها الخاصة لا شك، ..لكنها تقترن في أذهان العالم بإطار عريض من نشاطات جهادية مزعومة عابرة للقارات، تعكس صورة وثقافة شرائح من المسلمين وتستهوي بعضهم الآخر، وهو ما يستحق إجلاءه بالجهر مجدداً بكل الوسائل المتاحة: ليس باسمنا.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"  

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba