مدونة محمود الريماوي

« | »

فيض الوجدان أم رحاب العقل؟

فيض الوجدان أم رحاب العقل؟محمود الريماوي*                                             ليس هناك  في السوء ،ما يضاهي المفاخرة والمباهاة وامتداح الذات الفردية والجماعية،.. أكثر من الاندفاع الى نعي الذات وجلدها، وتتفيه ما آلت اليه أحوالها. وخاصة حين يتم التوقف عند إعلانات النعي هذه، دون انتقال من وهدة الوجدان المثلوم الى رحاب العقل المتفحص .ليست حال الأمة بشعوبها وبلدانها ومجتمعاتها، مما يسر أحداً أو يطمئن ملهوفاً أو يلبي رجاء. فمواطن الوهن والقصور بادية للعيان : لكل ذي عينين وكل من امتلك بعضاً من بصيرة. غير أن الحال الذي بلغناه لم يكن وليد مصادفات وسوء الطالع، ولا حتى نتيجة سلسلة مؤامرات محبوكة ومتصلة وحدها.واقع الحال يفيد أن مشروع التحديث العربي منذ أواسط القرن الماضي، قد أخفق في الاستجابة للتحديات وأداء المهام : في الربط بين التحرر الوطني بما هو استجابة ناجعة للتحديات الخارجية ، من جهة، وبين البناء الدستوري والديمقراطي الداخلي من جهة ثانية،  و التمسك خلال ذلك بموجبات التحرر الاجتماعي والثقافي من تمدين للمجتمعات ( قيم المواطنة والمساواة وإرساء الحريات الفردية والجماعية المقننة ، بما يتساوق مع مدنية الدولة التي لم تتحقق ولم تقم. ..من جهة ثالثة وليست أخيرة.المثقفون يتحملون قسطاً وافراً من المسؤلية عن هذا العوار. القوميون واليساريون لم يولوا في غالبيتهم عناية لتحديات التحديث الداخلي ، واكتفوا بتبجيل "الجماهير" التي ما لبثت أن انتقلت الى مربع آخر في الولاء والانحيازات. والليبراليون قنعوا بهواجس التحديث الداخلي حصراً، دون انشغال بفكاك دولهم من أسر التبعية للخارج، فكان أن اجتمعت معا الخسارات للفريقين، ثم للدول والمجتمعات : فلا التحديث الداخلي تحقق إلا في القشور والتقنيات ، ولا التحرر من الارتهان للخارج قد تم.في غمرة ذلك صعدت التيارات المحافظة لتملأ الفراغ ، وتطرح نفسها كبديل ، بما يشبه التطلع للريف كبديل للمدن، والاستقواء بالماضي على الحاضر، فكان أن انقسم الناس بين متزمت تكوصي يستهلك ثمرات الحضارة المعاصرة ويشدد عليها النكير في الوقت نفسه ، وبين من استسلم لغواية نمط شكلي ومظهري للحياة الغربية. على أن الناس في انقسامهم هذا جمعهم جامع ملحوظ لا تخطئه العين هو: الشره الاستهلاكي و"عبادة المال" .على هذا النحو يبدو التصحر الحضاري لمجتمعاتنا الذي لم ينبت بغتة نبتاً شيطانياً ، بل سبقته مقدمات : مثل إفلاس مشاريع التحديث العربية وعدم ارتكازها على رؤية نهضوية متكاملة تأخذ بأسباب التقدم مجتمعة ،وبروز مثالب مشينة في أداء أنظمة "تقدمية"، وانفلات نزعات احتراب أهلي، وإفقارمتزايد للريف قاد الى نزوح للعواصم أدى الى ترييفها، وتضحية النخب باستقلالها المفترض وتحولها أبواقاً لسلطات سياسية أو اجتماعية أو حزبية ،وفي ذلك يكاد يتساوى المنتفع الذي يقف في صف الموالاة ،مع المعارض الشعبوي الذي يحرس التخلف، ويلهث للتشبه بالعوام بدل بث الوعي في صفوف هؤلاء.ليس من خيار غير الاعتراف بالقصور والسعي الى تداركه ما وسع المرء الجهد والطاقة ،  وذلك لكل من يؤرقه حقاً حال الأمة (الشعوب) وما يعتورها من فوات. ولا ينفع  في هذا المقام الركون الى فيض الوجدان وحده ،وحتى في الفنون والآداب فإنه لا يكفي الرهان  فحسب على تلك المنطقة من النفس، فثم العقل وإن كان شقياً ،للتبصر في المشهد الذي يزداد تعقيداً، والسعي الى تفكيكه على ضوء التشخيص الواقعي العياني، الذي يرى الأمور على ما هي عليه. ومجدداً بالاحتكام الى العقل الذي يدفع للاجتهاد.. فمن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران ، أما من يعزف عن الاجتهاد وعن تحكيم العقل، فلا أجر له كما لاحظ مرة جورج طرابيشي. *رئيس تحرير صحيفة "السجل"       

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba