« |
»
30 تشرين اول, 2008
المغزى الفعلي لشعار "الدولة اليهودية "
المغزى الفعلي لشعار "الدولة اليهودية"محمود الريماوي*شهد العام الجاري 2008 تركيزا في تل ابيب على "يهودية الدولة" . بدا هذا المطلب في عيون كثيرين نافلاً ، فالدولة الصهيونية هي في واقع الحال يهودية ، فالعبرية هي اللغة الرسمية والنجمة السداسية هي الرمز الرسمي ،والتعليم الديني المدعوم حكومياً هو تعليم توراتي، وباب القدوم من الخارج مفتوح لكل يهودي كي "يعود " الى أرض فلسطين . ليس هناك ما يثيرأي انطباع أو لبس حول هوية الدولة المحسومة . وقد سبق للجانب الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير أن اعترف بدولتهم بل ب" حق تلك الدولة في الوجود " وهي صيغة لا سابق لها في الاعتراف.أخيرا تطورت المطالب نحو السعي لانتزاع اعتراف إضافي بالدولة اليهودية. الدعوة صدرت عن اولمرت وأركان حزب كاديما .. غير الديني والذي يكاد يكون علمانياً، كما هو حال حزب العمل . لم تلق الدعوة في سياق المفاوضات الجارية استجابة حتى الآن على الأقل من الجانب الفلسطيني ، لكنها لقيت في مناسبات مختلفة قبولاً حاراً من طرف الرئيس الموشك على الانصراف بوش . لا يقوم هذا المسعى على مزاعم دينية فحسب ، لكنه في هذه المرحلة يقوم على تسخير الدين لتحديد وجهة ومضمون أية تسوية مقبلة إذا حدثت ، فإذا لم تتم فإن الجانب "الاسرائيلي" من جهته يتولى المبادرة لتطبيق مفهوم الدولة اليهودية وهو ما بدأ يحدث بالفعل. بتكريس الانطباع أولا بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها في العام 1948هو "أمر مستحيل" لما يشكله حسب طروحاتهم من "خطر" على دولتهم . مع طرح شعار الدولة اليهودية والتمسك به فإنه يضاف سبب آخر لمنع عودة هؤلاء، فاليهود هم من" يعودون الى دولتهم" وليس غير اليهود .بذلك يتبدى المغزى الأول لطرح هذا الشعار والذي تعبر عنه تسيبي ليفني رئيسة الحكومة المكلفة بأن " اسرائيل هي الوعاء القومي لليهود والدولة الفلسطينية هي الإطار الوطني للفلسطينيين ".وبما انه ليست هناك من دولة قائمة بعد للفلسطينيين ، فإنه يجري الاكتفاء بتفعيل الشطر الاول من المعادلة . كيف ؟ ..بتغليب العنصر اليهودي بصورة حاسمة في دولتهم . وهذا هو المغزى الثاني للشعار . أحداث عكا في الأسابيع الثلاثة الأخيرة ، هي شاهد على هذه السياسة .العرب العكاويون هم قرابة ثلث السكان : نحو 22 الف مقابل 40 ألف من اليهود المستوطنين .لكن عكا تحتفظ بطابع عربي واسلامي في البناء والمآذن والأسواق والقلعة .وهو ما يثير حفيظتهم كما يؤرقهم عدد سكانها الأصليين غير الكبير لكن الملحوظ . لقد تم فرض حظر التجول على العرب من مسلمين ومسيحيين في المدية بمناسبة عيد الغفران اليهودي الذي لا يتنقل فيه اليهود . علما بأنه يتاح لليهود تناول الأطعمة والأشربة بصورة علنية في شهر رمضان مثلا ، دون ان يستوقفهم أحد بل دون اعتراض من المسلمين .محاولة فرض تقاليد يهودية على غير اليهود ، ترمي ببساطة الى تهويد قسري للمدينة ولنمط الحياة فيها ، وتتفق مع الإعلاء من شأن شعار الدولة اليهودية والتوسع في تطبيقه على الأرض .وقد تم بالفعل استقدام مثات من المستوطنين للإقامة في عكا لمناصرة "اليهود المهددين"! . بهذا فإن شعار يهودية الدولة ليس مجرد شعار تفاوضي أو تعبوي ، بل هو عنوان لخطة سياسية رهن التنفيذ، تقوم بين ما تقوم عليه على التضييق على العرب أبناء البلاد وحصر رقعة تواجدهم .وهو ما يفسر قيام ليفني بزيارة المدينة وتحميلها المسؤولية لشاب عربي "تجرأ" على التنقل بسيارته ليس بعيداً عن مكان سكناه في يوم يعتصم فيه اليهود ببيوتهم طلباً للغفران . يبلغ عدد العرب نحو مليون ونصف المليون وكان عددهم لا يربو عن 75 ألفا عام 1948 . هؤلاء الصامدون هم من حافظوا بثباتهم وبسالتهم على الهوية الوطنية والعربية لفلسطين التاريخية .في المطبخ السياسي الصهيوني يجري التحضير لمحاولة تهجير هؤلاء الى الضفة الغربية، مقابل نقل أعداد من المستوطنين من الضفة الى داخل الخط الأخضر، في عملية تبادل سكاني تترافق مع تعديلات على الأراضي .ربما يعتبرالصهاينة نقل العرب من مدنهم وبلداتهم الأصلية الى الضفة بمثابة تحقيق للشعار الفلسطيني والعربي ب"عودة اللاجئين" . وبينما يجري التلهي بمفاوضات عقيمة لا سقف زمنيًا ولا مرجعية سياسية لها ، فإن الطروحات التفاوضية الاسرائيلية يجري تطبيقها على الأرض، دون انتظار موافقة عليها من الجانب الآخر او أي طرف في العالم . الآن تتردد تقارير صحفية بأن هناك تدابير يجري الإعداد للشروع بها ضد مدينتي حيفا ويافا، وكلاهما ما زالتا تحتفظان بطابع عربي في الهوية المعمارية ونمط الحياة السائد ،الى كثافة سكانية ملحوظة للعرب فيهما .*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات