« |
»
08 تشرين اول, 2008
فرصة للتفكر في الخيارات
فرصة للتفكر في الخياراتمحمود الريماوي* التراجع المطرد في مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية ، يفتح أبواباً للتفكر في الخيارات العربية امام هذه التحولات البادية. ومن المنطقي ابتداء عدم المبالغة في مدى ووجهة هذه التحولات،التي قد يصح وصفها بأنها تنم عن حالة سيولة أو بداية تفكك طويل الأمد ، أكثر مما تعكس تغيرات متبلورة .في ضوء الحديث عن أزمة مالية بنيوية لا سابق لها منذ قرن مضى، فقد بدا واضحاً أن الشأن الداخلي ،أخذ يفرض سطوته على صانعي القرارات في واشنطن . لا يشكل ذلك بحد ذاته انكفاء لكن الإدارة وجدت" نفسها" تشاطر الجمهور في تغليب أولوية الوضع الداخلي على ما عداه . ذلك يعني حُكماً ان السياسة الخارجية سوف تتأثر بهذا التغير في سلم الأولويات .تماما كما أن مفاعيل الأزمة المالية ذات امتدادات خارجية : على الأسواق المالية ووالدول ذات الارتباط بالدولار الأميركي.لقد تم الاستئناس برأي الحزب الديمقراطي "المعارض" لمواجهة الأزمة الناشبة ،وذلك طبيعي في ظروف الأزمات الكبيرة والحاجة لاتخاذ قرارات وطنية.غير أن هذه المشاركة سوف يكون لها آثارها على قرارات السياسة الخارجية، خاصة في ظل احتدام الحملة الانتخابية الرئاسية . حقاً لم يبق هناك وقت طويل أمام الإدارة الجمهورية الحالية لبناء سياسة وطنية تقوم على تفاهم الحزبين الكبيرين ، غير أن هذه الوقت المتبقي سوف يعزز الانطباع، بأن السياسة المتبعة فئوية تعكس خيارات مجموعة واحدة، رغم التوازنات في الكونغرس وبالنظر لصلاحيات البيت الأبيض.التحولات الأولى يفترض أن تمنح صانعي القرارات العربية هامشاً أكبر من الحركة ،لا أن تثير التطير. لقد أساءت السياسة الخارجية الأميركية الى المعتدلين العرب في السنوات الثمانية الاخيرة ،كما الى مجموع العرب في الوعود السلمية الجوفاء ،وفي المضي قدما بالخيارات الحربية في العراق ولبنان .ليس المجال مجال ثأر من الدولة العظمى ، لكنه يمثل فرصة للتأمل في كون السياسة الأميركية كانت فاشلة حتى على المستوى الداخلي ،وارتدت بالخسران على الأميركيين كما على شعوب أخرى في العالم ، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية النظام الأميركي واقتصاده الحر، غير أن التشريعات والقرارات الاستراتيجية هي بيد البيت الأبيض كما هي بيد الكونغرس.خلال اأكثر من عقد عمدت غالبية الدول العربية الى تنويع مصادر تسلحها ، وأقامت علاقات اقتصادية واسعة مع الصين وروسيا إضافة الى الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية .وكانت الدول العربية خسرت كما بقية دول الجنوب ـالعالم الثالث ، من عدم تبلور تعددية قطبية في ظل إعادة البناء الروسية وانكفاء الصين ، والتفاهم الانجلو ساكسوني ( الاوروبي الأميركي ) الذي ظل صامداً ، وأفسح في المجال أمام التسيد الأميركي .غير أن التحدي الماثل الآن، يكمن في مدى قدرة واستعداد الكتلة العربية ، للإسهام في بلورة تعددية قطبية ، لا الاعتصام بمراقبة ما يجري عن بعد ،ودون أن يبلغ الأمر درجة الاستهانة بالدولة العظمى وأهمية العلاقات معها. والأصل ومن أجل تمهيد الطريق لمثل هذه الخيارات الكبرى ، أن تنشأ علاقات استراتيجية مع المراكز الدولية توازي وتضاهي العلاقات مع واشنطن .ولا شك أن قرارات كهذه لا تتخذ بجرة قلم ، علماً بأن المقصود هو الدعوة الى توسيع الأفق الاستراتيجي وإشاعة القناعة بهذا الخيار .لقد خسر العرب في مرحلة الحرب الباردة بين القطبين ، لكن واقع الحال ينبىء أنهم لم يربحوا في ظل القطبية الواحدة ،التي تزامنت مع تعميم أجندة مكافحة الإرهاب كبند أول للسياسات الإقليمية والدولية .وبما أن هذه المهمة باتت مهمة داخلية وذات أولوية ذاتية بالفعل ، فإنه يجدر عدم وضعها في سياق التفاهم مع واشنطن ، بل النظر اليها في إطار أولوية داخلية ،مع لذلك من تداعيات تتعلق بتعزيز استقلالية القرارات الوطنية على غير صعيد .يتحدث المرء عن كتلة عربية وعن رؤى جماعية ، مع الإدراك بأن ذلك يقع في باب الافتراض ورسم ما هو مأمول .فمن منطق الأمور أن يتعذر رؤية تأثير عربي خارج العالم العربي ، ما دام العرب لا يمسكون بفرص تقرير مصيرهم وتعظيم إمكاناتهم الذاتية والجماعية داخل "الإقليم العربي" . وهو ما يترتب عليه الإدراك أن فرص العرب سوف تكون محدودة ، في شق الطريق نحو تعددية قطبية وعالم أكثر توازناً وأقل في اختلالاته ، إذا لم ينهضوا بوظائفهم الأولى في بعث كتلة قومية إقليمية ذات شأن ووزن، والحؤول دون ظهور كتل متقابلة ومتنافسة تستنزف الطاقات وتعبث بالأولويات والمحددات، التي أقرتها القمم العربية المتعاقبة . لقد أدى القصورالذاتي، الى استثمار عربي محدود للمعادلات والتوازنات الدولية في عالمنا .والتحولات الأولية الجارية تشكل فرصة لمراجعة تجربة التعامل مع الوضع الدولي التي امتدت لأكثر من نصف قرن ، باتجاه بناء علاقات تعاون استراتيجي مع أكثر من طرف وقد تبين أن واشنطن طيلة تلك الحقبة ،وضعت الدولة العبرية أولاً ثم الحلفاء الأوربيين كحلفاء وشركاء لها ، وهو ما أدى لما نشهده من تحديات جسيمة.*رئيس تحرير صحيفة "السجل"
تعليقات