مدونة محمود الريماوي

« | »

إعرف تفسك لا عدوك فقط..

إعرف نفسك لا عدوك فقط!محمود الريماويبتنا في العالم العربي نتابع  أولاً بأول ، حتى الانتخابات داخل الأحزاب الصهيونية،  كما جرى مؤخرا في المنافسة بين شاؤول نوفاز وزير الدفاع السابق وبين  تسيبي ليفني وزيرة الخارجية التي أمضت فترة هامة من حياتها المهنية في صفوف الموساد ( المخابرات الخارجية ، مقابل الشاباك الذي يُعنى بالعمل في الداخل) ."إعرف عدوك" تظل قاعدة ذهبية في إدارة وتوجيه الصراعات .وقد ثبت في كارثة حزيران قبل 41 وأربعين عاماً، أننا كنا نجهل العدو وننام على حرير الزهو بالذات .ما زالت الأجيال العربية تعاني من تداعيات تلك الكارثة .على أن معرفة العدو عندنا ،باتت ضرباً من التعويض عن إضعافنا ثم تعطيلنا لقدراتنا الذاتية.وذلك بمحاولة تلمس أعطاب لدى الطرف الآخر ، قد تؤدي لانهيار صفوفه ، أو الاضطرار لتسليمه بالحقوق المسلوبة وإعادتها لإصحابها .وذلك لا يحدث ولن يحدث بغير الاستمرار في خوض الصراع .لقد جرت مناسبات سابقة بدا الطرف الآخر فيها ينوء بمآزق، مثل الاتهامات بالفساد التي طاولت مسؤولين آخرهم أولمرت ،وكانت تلك المناسبات أدعى لتوهم نتائج دراماتيكية تترتب عليها . مؤخراً بدأ الوعي العربي العام يدرك أن تطورات مثل هذه ، تقوي شوكة الطرف الآخر وتحمله على المزيد من التماسك ، ما دام أن وقائع الفساد لا تمر بل تتم مكافحتها.في القناعة أن متابعة المناسبات الانتخابية عندهم ، باتت تعكس لدى الجمهور العربي تعطشاً للديمقراطية الغائبة عن ديارنا.علاوة على توقع نتائج قد تكون مفيدة ، رغم أنها توقعات وهمية. وهو ما يفسر أن الجمهور العربي أخذ يتابع الأحداث الانتخابية  بقدر من الشغف حسب أهمية كل حالة ، كلما جرت في بلد  قريب أو بعيد من بلدان العالم سواء كان ذا تماس بنا وبقضايانا أم لا . وهي فرصة وفرتها الفضائيات العربية أكثر من سواها لعموم الجمهور.في نموذج الانتخبات الأخيرة فقد جرى التنافس على زعامة  حزب واحد هو حزب كديما (قُدُماً) وهو الذي نشأ على يد شارون  قبل أربع سنوات فقط ،كانشقاق في الأساس عن حزب الليكود ، وإن جذب اليه قيادات من حزب العمل منها شيمون بيريز .وقد شارك في تلك الانتخابات 74 ألف عضو.ولنا أن نقارن ذلك بعدد المنضوين في الأحزاب، في الدول العربية التي تشرع وتقيد معاً الحياة الحزبية ، وذلك باستثناء عضوية الأحزاب الحاكمة .لا تتميز الدولة الصهيونية بالديمقراطية الخاصة بها ، فهي تتسم الى ذلك بعنصريتها ، وبنموذجها الاسبارطي العسكري التوسعي.وهي ديمقراطية تخدم في النهاية الأهداف الخاصة لهم .غير أنهم حققوا بذلك تماسكاً داخلياً حال دون وقوع اضطرابات كالانقلابات، ونالوا سمعة خارجية  باعتبار كيانهم جزء من منظومة الديمقراطيات الغربية ، ما ساعد في تضليل الرأي العام الغربي حول وظيفة تلك الدولة ناهيك عن نشأتها .انتخابات كاديما وما حظيت به من تغطية على مستوى العالم شاهد على ما تقدم .والآن فقد اجتهد محللون عرب كثر، على مدى الأيام القليلة الماضية، في البحث عن نقاط اختلاف وتمايز حتى لو كانت تفصيلية ، بين وزير الدفاع السابق وربيبة الموساد .ذلك كله مفيد لمعرفة العدو.غير أن الاستغراق في هذا الأمر ،كاد يشيع الانطباع بأن المسألة "داخلية" وأنه لا ينقص بعض المحللين ،سوى التصويت لهذا المرشح أو تلك المرشحة .فيما البوصلة الصحيحة تقود الى أن التنافس يتم حول إنجاز تسوية أقرب ما تكون الى الأطماع التوسعية ، أو ترك أمرالتسوية جانباً دون التوقف عن اللغو حولها ، وشراء المزيد من الوقت بفرض وقائع على الأرض(المحتلة) .هذا الاستخلاص الأهم ، المتعلق بمسار الصراع والتسوية ، لا يحجب النظرعن بقية الدروس الصائبة ، حتى لو تكررالحديث عن بعضها ،وأهم تلك الدروس هو الجمع بين التماسك الداخلي القائم على المشاركة السياسية وبناء دولة القانون والمؤسسات ، وبين التمسك بإرادة الصراع التي لا تتعاكس مع التطلع للسلام ، بل تضفي على هذا التطلع معنى وقيمة .ترى اية انتخابات عربية تشغل الرأي العام العربي وتدفعه للمتابعة ويرى فيها مصدراً يستحق استلهامه وتعميمه ؟ . هناك حالات قليلة ومتباعدة  في المشرق والمغرب ،تطمسها حالات أخرى تغلب عليها الشكلية ومعرفة النتائج مسبقاً ، ويتم فيها استبعاد قوى وتيارات  اجتماعية عدة  ولا تنتهي بتداول فعلي للسلطة .فلو كانت هناك إرادة نحو إرساء حياة سياسية عصرية كما في بعض الدولالآسيوية ( تركيا مثلا) لما وقع الجمهورالعربي ضحية الانشغال بمتابعة آليات انتخابية متقدمة لدى الطرف الصهيوني، ولكان انهمك ببساطة في المشاركة السياسية الداخلية، وفي الإسهام بابداع تجربته الخاصة المتسقة مع المعايير الدولية المعتد بها .ولكنا خضنا جانبا حضارياً في الصراع مع الجوانب الأخرى المتعلقة بالبناء الذاتي وتعظيم القدرات الدفاعية .وها هو الأمرينتهي بنا بدلاً من ذلك،  لتفحص ما إذا كانت تسيبي ليفني رئيسة حكومتهم المقبلة، بمثابة غولدا مائير أخرى أم لا .بذلك يتم تثبيت صورة رموزهم ،ومتوالية تعزيزالجمع والمواءمة بين نجاعة المؤسسة والكفاءة الخاصة بالزعيم السياسي، وهو ما يثير شجوناً عربية ،يفيض تبيانها عن حدود هذا التعليق .   

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
 
A service provided by Al Bawaba